← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قلت: ولا أدري من أين عرف هجرها أبا بكر فإنه لا ريب أنها أجنبية بالنسبة إلى أبي بكر لا يحل لها مواجهته ولا له مواجهتها، وإذا كان كذلك فما معنى نسبة الهجر إليها له فإن التزاور، والتواصل، والاجتماع الذي هو ضد الهجر إنما يكون بين الحريم والرجال، إذا كان تحل المواجهة بينهم وتجوز الخلوة بهن ونحو ذلك، والبتول ﵂ أجنبية عن أبي بكر قطعاً، وقد أذن للأجنبي إذا سأل نساء رَسُولِ الله ﷺ متاعاً أن يسألوهن من وراء حجاب، فلا يتحقق هجرها إياه من وراء الحجاب، إلا إذا ثبت أنه وصل إليها ثم ردته من منزلها ولم تخاطبه، وهذا شيء لم ينقل أصلاً فلينظر. وقد نقل في "الفتح" (١) عن بعض الأئمة: إنما [كان هجرها] (٢) انقباضاً عن لقائه، والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم، فإن شرطه أن يلتقيا ويعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة ﵍ لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها. انتهى. وقوله (٣) "عن لقائه والاجتماع به" فيه ما عرفت من أنه أجنبي عنها فلا تلاقي بينهما ولا اجتماع. قال ابن حجر (٤): وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها [٣٦٢ ب] تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، فإنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله "لا نورث"، ورأت [٢٥٢/ أ] أن منافع ما خلفه ﷺ من أرض وعقار لا يمتنع أن

стр. 1962

يورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك [امتنعت] (١) عن الاجتماع به لذلك. انتهى. ولا يخفى أن هذا مبني على صحة هجرها إياه، على أنّا ننازع في غضبها أيضاً فإنها ﵂ أجلّ قدراً وأعظم تقوى وأوفر عقلاً أن تغضب في منعها من أمر قد روي فيه مانعها عن النبي ﷺ نصّاً سمعه منه، ولم تكن ذات حرص على الدنيا فقد قنعت [عن] (٢) خادم (٣) تخدمها بما علمها رَسُولِ الله ﷺ من التسبيح والتحميد والتكبير عند [النوم] (٤) وأخبرها أنه خير لها من خادم، وكان يكره لها رسول الله ﷺ كما هو معلوم، وغاية الواقع أن البتول ﵂ طلبت ميراثها فأخبرها من طلبته منه أنه نص ﷺ بأنه لا يورث، وأن الذي تركه صدقة فقبلت ذلك ولم تشتم - وحاشاها - أبا بكر ولا كذّبته فيما رواه ولا كررت الطلب بعد ذلك فما معنى غضبها وهجرها له، وإن كان الأمران قد صارا قطعيين عند المتعصبين، بل عند الناس أجمعين، حتى قال القائل من الآل: أتموت البتول غضبى ونرضى ... ما كذا تفعل البنون الكرام

стр. 1963

قال الحافظ ابن حجر (١): "أنها تأولت واختلفت هي وأبي بكر في أمر محتمل" كلام غير صحيح، فإنها بعد أن روى لها الحديث أبو بكر لم تنازع، ولا وقع منها ما يدل على شيء مما ذكر، ولا طلبت بعد رواية الحديث حتى يقال: تأولت، بل قنعت وقالت: لا أكلمك في ذلك. وأما ما اشتهر من أنها بعد ذلك طلبت ما ذكر، وأنه أنحلها رسول الله ﷺ وجاءت بعلي وأم أيمن يشهدان لها، وقال لها أبو بكر: رجل مع الرجل، أو امرة مع المرأة، فهذه رواية لم نقف عليها في شيء من كتب الحديث [٣٦٣ ب] والسيرة، والله أعلم بالسريرة والحقيقة. وقول عائشة "أنها غضبت وهجرت" محمول على فهمها ذلك من القرائن، والفهم منها يخطئ ويصيب، وليس كالرواية بالمعنى، فإنها عن لفظ سمعه الراوي فعبّر عنه بلفظ مرادف له بخلاف هذه القصة، فإنه عبر عنها بما فهمه من القرائن، لا عن لفظ صدر من البتول دال على غضبها، وما كل قرينة صحيحة سيما عن الأمر الوجداني القلبي، فليتأمل من له إنصاف وإخلاص وكيف تغضب بضعة الرسول من الحق؟ - حاشا -. قوله: "فدفنها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر" ليس في هذا ما يدل على غضبها ولا هجرها؛ لأن الدافن لها علي ﵇، ودفن الليل ليس منهياً عنه، وعدم إيذان أبي بكر يحتمل أنه لكون الدفن ليلاً، فكره علي ﵇ إيقاظ أبي بكر من نومه، والإيذان ليس بواجب، بل قال

стр. 1964

بعض الصحابة: إنه يخاف أن يكون نعياً وهو منهي عنه، وقد دفن الصحابة بعض أصحابه ﷺ ليلاً ولم يؤذنون، ولما أخبره بموته ودفنه قال "هلا آذنتموني" (١). قوله: "وجه من الناس حياة فاطمة"، قال ابن الأثير (٢): [يقال] (٣) لفلان وجه من الناس، أي حرمة ومنزلة. زاد في البخاري (٤): "فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس". قال المازري (٥): والعذر لعلي ﵇ في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي" في بيعة الإِمام أن تقع من أهل الحل والعقد ولا يجب "الاستيعاب", ولا يلزم أن كل أحد يحضر عنده. قوله: "لما يعلم من شدته [٣٦٤ ب] "، فخشوا من حضوره كثرة المعاتبة التي تؤدي خلاف ما قصدوه من المصافاة (٦). قوله: "لا تأتهم وحدك" هذا خشية من عمر أن يغلظوا على أبي بكر في العتاب. قوله: "ولا نفاسة عليك" المنافسة الحرص على الغلبة والإنفراد بالمحروص عليه، يقال: نفست عليه أنفس نفاسة قاله ابن الأثير (٧).

стр. 1965

قوله: "في هذا الأمر" أي: الخلافة، أي: يظن أو يعتقد أنه لا بد من مشاورتنا كما يدل له "فاستبديتم علينا" والاستبداد بالأمر الانفراد به دون غيرك. قوله: " [ثم] (١) قال أما بعد فوالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي". لا يخفى أن هذا ليس جواباً عما ذكره علي ﵇؛ لأنه ذكر الاستبداد الذي وقع منهم في أمر الخلافة فأعرض أبو بكر عن جواب هذا، وسلك الأسلوب المحكم كأنه يريد في نفسه أن ذلك أمر قد وقع، وقد انقاد له الناس، وأنه لا حاجة إلى الخوض فيه والاعتذار عنه، وغايته أن أمير المؤمنين ﵇ لم يقل: كنت أنا أحق بهذا الأمر حتى يحتاج إلى الجواب، بل ذكر أنه كان الأولى أن لا تستبدوا بالأمر دون بني هاشم. قوله: "ألوت" (٢) يقال: ألى يألو إذا قصّر، وفلان لا يألوك نصحاً لا يقصر. قال القرطبي (٣): من تأمل ما دار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة والاعتذار وما تضمن ذلك من الإنصاف عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحياناً لكن الديانة ترد ذلك، والله أعلم. انتهى.

стр. 1966

قوله: "فقال لا والله ولا أحد من بني هاشم". قال الحافظ ابن حجر (١): قد ضعّف البيهقي هذا بأن الزهري لم بسنده، قال: وقد صحح ابن حبان [وغيره] (٢) من حديث أبي سعيد الخدري، بأن علياً بايع أبا بكر في أول الأمر. قال (٣): وهذه الرواية أصح - أي رواية أبي سعيد -، وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث كما تقدم. قال (٤): [ويحمل] (٥) قول الزهري لم يبايعه علي في تلك الأيام [٣٦٥ ب] على إرادة الملازمة والحضور عنده وما أشبه ذلك [٢٥٣/ أ] فإن في انقطاع مثله عن مثله [ما] (٦) يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي المبايعة بعد موت فاطمة ﵂ لهذه الشبهة. انتهى. ٦ - وَعَن الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَارَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأنا حَيٌّ، فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثُكْلَاه, وَالله إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ. فَقَالَ ﷺ : "بَلْ أنَّا وَارَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ, وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى

стр. 1967

المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى الله وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ الله وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ". أخرجه الشيخان (١)، واللفظ للبخاري. [صحيح]. "أَعْرسَ الرَّجُلُ بِامْرَأتِهِ" إذا دخل بها. قوله: "وعن القاسم بن محمد" أي: ابن أبي بكر كان القاسم من فقهاء المدينة السبعة (٢). قوله: "بل أنا وارأساه" هو تفجع على الرأس لشدة ما وقع فيه من ألم الصداع. قوله: "ذاك" بفتح الكاف. قوله: "واثكلاه" بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام، وبعد الألف هاء، الندبة، وأصل الثكل فقد الولد ومن يعز على الفاقد [و] (٣) ليست حقيقة هنا مرادة، لكنه كلام يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها، وقولها "والله إني لأظنك تحب موتي" كأنها أخذت ذلك من قوله "لو متِّ قبلي" وقوله "فلو كان ذلك". قوله: "معرسا" بضم الميم وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف، يقال: أعرس وعرس إذا بنى على زوجته ثم استعمل في كل جماع. قوله: "بل أنا وارأساه" هي كلمة إضراب، والمعنى: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي. قوله: "لقد هممت أو أردت" شك من الراوي. قوله: "فأعهد" أي: أوصي.

стр. 1968

قوله: "ثم قلت" ظاهره أنه من كلامه ﷺ وتمامه في رواية البخاري "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" قال في "الفتح" (١): هذا يرشد إلى أن المراد الخلافة، وأفرط المهلب (٢) فقال: فيه دليل قاطع على خلافة أبي بكر. قال ابن حجر (٣): قد ثبت أن النبي ﷺ لم يستخلف. انتهى. ٧ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: لمَّا احْتُضِرَ أوْ بَكْرٍ ﵁ دَعَا عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَخْلِفُكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَا عُمَرُ، إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتباعِهِمُ الحَقُّ وَثقَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِميْزَانٍ لَا يُوْضَعُ فِيْهِ إِلَّا الحَقُّ أَنْ يَكُونُ ثَقِيْلَاً، يَا عُمَرُ: إِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينَ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِيْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتَّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ وَخِفّتهُ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لميِزَانٍ لَا يُوْضَعُ فِيْهِ إِلَّا الْبَاطِلُ أَنْ يَكُونُ خَفِيْفَاً، وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ: وَلَّيْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ وَلَمْ آلُ نَفْسِي، وَلَا المُسْلِمِينَ إِلَّا خَيْرَاً، ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ لِيْلَاً، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ خَطِيْبَاً، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي لَا أُعْلِمُكُمْ مِنْ نَفْسِي شَيْئَاً تَجْهَلُونَهُ, أنَّا عُمَرُ، وَلَمْ أَحْرِصْ عَلَى أَمْرَكُمْ، وَلَكِنِ المُتَوفِي أَوْحَى إِلَيَّ بِذَلِكَ، وَالله أَلْهَمَهَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَجْعَلُ إِمَامَتِي إِلَى أَحَدٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، وَلَكِنْ أَجْعَلُهَا إَلَى مَنْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ في التَّوْقِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَولئِكَ هُمْ أَحَقُّ بِهِمْ مِمَّنْ سِوَاهُمْ. أخرجه مالك (٤). [موقوف صحيح].

стр. 1969

قوله: "في حديث عائشة لما احتضر أبو بكر" (١) كان موت [٣٦٦ ب] أبي بكر بمرض السل كما قاله الزبير بن بكار عن الواقدي "أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوماً وقيل: بل سمّته اليهود وذلك على الصحيح لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأياماً. قوله: "إلى أمراء الأجناد" وهم: معاوية أمير الشام، وعمير بن سعد أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة, وأبو موسى الأشعري أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر. قال النووي (٢): المراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس وهي: فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وقنسرين، هكذا فسروه واتفقوا عليه، ومعلوم أنّ فلسطين اسم لناحية بيت المقدس، والأردن اسم لناحية كيسان وطبرية. ٨ - وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَطَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَذَكَرَ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ أبا بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَني ثَلاَثَ نَقَرَاتٍ، وإنِّي لاَ أُرَاهُ إِلاَّ لحُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ قومًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وإنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلاَ خِلاَفتَهُ، وَلاَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رسولهُ ﷺ ، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ فَالخِلاَفَةُ شُورَى بينَ هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّىَ رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وإنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ في هَذَا الأَمْرِ، أَنَّا ضرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ الله الْكَفَرَةُ الضُّلاَّلُ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَنْصَارِ، فَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا وَليُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ،

стр. 1970

وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ وَيرْفَعُوا إِلَىَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ [أَمْرِهِمْ] (١) فَمَا كَانَ إِلَّا الجُمْعَةُ الْأُخْرَى حَتَّى طعِنَ عُمَرُ ﵁، فَأَذِنَ لِلْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ لِلْأَنْصَارِ، ثُمَّ لِأَهْلِ المَدِيْنَةِ، ثُمَّ لِأَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكُنَّا آَخِرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ عَصَب جُرْحَهُ بِبُرْدٍ أَسْوَدَ، وَالدَّمُ يَسِيْلُ عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَوْصِنَا، وَلَمْ يَسْأَلُهُ الْوَصِيَّةَ أَحَدٌ غَيْرَنَا، فَقَالَ: أَوْصِيْكُمْ بِكِتَابِ الله تَعَالَى، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا اتَّبَعْتُمُوه, وَأَوْصِيْكُم بِالمُهَاجِرِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّوْنَ، وَأوْصِيْكُم بِالْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ شِعْبُ الْإِيمانِ الَّذِي لَجَأَ إِلَيْهِ، وَأوصِيْكُم بِالْأَعْرَابِ، فَإِنَّهُمْ أَصْلَكُمْ وَمَادَّتُكم. وفي رواية: فَإِنَّهُمْ إِخْوَانَكُمْ وَعَدُوُّ عَدُوِّكُمْ، وَأوصِيْكُم بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُم ذِمَّةُ نَبِيُّكْمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ، قُومُوا عَنِّي. أخرجه البخاري (٢) مختصراً، ومسلم بطوله (٣). [صحيح]. وفي رواية: أَنَّهُ لمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ قِيْلَ لَهُ: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟ فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيَّتًا، إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبَا بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَركَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ الله ﷺ ، وَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ لاَ لِي وَلاَ عَلَيَّ، قَالَ عَبْدُ الله ﵁،

стр. 1971

فَعَلِمْتُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ. فَقَالُوا: جَزَاكَ الله خَيْرَاً، فَعَلْتَ وَفَعَلْتَ، فَقَالَ رَاغِب وَرَاهِبٌ. أخرجه الشيخان (١)، وهذا لفظهما، وأبو داود (٢) والترمذي (٣) مختصراً. [صحيح]. قوله: "وعن معدان بن طلحة" (٤) هو ابن أبي طلحة أيضاً؛ لأن قتادة يقول: ابن أبي طلحة، والأوزاعي يقول: ابن طلحة اليعمري بفتح المثناة من تحت وسكون العين المهملة، وفتح الميم. قوله: "وإن قوماً يأمرونني [٣٦٧ ب] أن أستخلف" فسّر الحافظ ابن حجر (٥) الاستخلاف بقوله: أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو تعيين جماعة ليختاروا منهم واحداً. انتهى. ولا يخفى أن عمر قد عين جماعة ليختاروا منهم واحداً فيصدق عليه قد استخلف، فالنفي في قولهم "لم يستخلف" أي: لم يعين واحداً بعينه. [٣٦٨ ب]. ٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصةَ وَنَوْسَاتُهَا تَنْطُفُ، فَقَالَتْ: عَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ، قَالَتْ إِنَّهُ فَاعِلٌ، قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ في ذَلِكَ، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلاً حَتَّى رَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخْبِرُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً، فَآلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ أَوْ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا لَرَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَهَا، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ، قَالَ فَوَافَقَهُ قَوْلِى فوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ

стр. 1972

إِلَيَّ فَقَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى يَحْفَظُ دِينَهُ، وإنِّي إِنْ لاَ أَسْتَخْلِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبا بَكْرٍ ﵁ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَالله مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ الله ﷺ -وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلَ بِرَسُولِ الله ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ. أخرجه الخمسة (١) إلا النسائي. [صحيح]. "النَّوْسَاتُ" (٢): ذوائب الشعر، ومعنى "تَنْطُفُ" (٣): تقطر ماء. ١٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأودي قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ, - يَعْنِي عُمرَ - إِلاَّ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَامَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا رَأَى خَلَلَاً قَالَ اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلاً تَقَدَّمَ فَكَّبرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ بِسُورَةَ يُوسُفَ، أَوِ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، في الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَما هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي، أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لاَ يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلاَ شِمَالاً إِلاَّ طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فمَاتَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ، وَفي رِوَايَةٍ: سَبْعَةٌ، فَلمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا، فَلمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أنهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ ﵁ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ فَقَدَّمَهُ, فَأَمَّا مَنْ كَانَ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي رَأَيْتُ، وَأَمَّا نَوَاحِي المَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا الْأَمْرُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلاَةً خَفِيفَةً، فَلمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! انْظُرْ مَنْ

стр. 1973

قَتَلَنِي قَالَ فَجَالَ سَاعَةً، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ غُلاَمُ المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ قَالَ: قَاتَلَهُ الله، لَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِن المِسْلِمِينَ، لَقَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالمَدِينَةِ, وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ، أَيْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَاهُمْ. قَالَ: لَا، بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ، وَصَلَّوْا إِلَى قِبْلَتَكُمْ وَحَجُّوا حَجَّكُمْ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ ﵁ فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ أَخَافُ عَلَيْهِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ لاَ بَأْسَ به, فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ, فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ،، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِه, فَعَرَفُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ ، قَدْ كَانَ لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدَمٍ في الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ. فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كان كَفَافاً لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي. فَلمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الأَرْضَ، فَقَالَ رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلاَمَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الله! انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ. فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمانِينَ ألفًا أو نَحْوَهُ, قَالَ إِنْ وَفَي بِهِ مَالُ آلِ عُمَرَ، فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالهِمْ، وإلاَّ فَسَلْ في بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ في قُرَيْشٍ، وَلاَ تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَأَدِّ عَنِّي هَدا المَالَ، انْطَلِقْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْ يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلاَمَ. وَلاَ تَقُلْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ بِأَمِيْرِ المُؤْمِنِينَ، وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، قَالَ فَاسْتَأْذَنَ وَسَلَمْ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلاَمَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلأُوثِرَنَّه الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلمَّا أَقْبَلَ قِيلَ هَذَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ. قَالَ ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَذِنَتْ. فَقَالَ الحَمْدُ لله، مَا كَانَ شَيْءٍ أَهَمُّ إِليَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ وقُل يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي، وإنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ. وَجَاءَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ ﵂ وَالنِّسَاءُ يَسْتُرْنَها، فَلمَّا رَأَيْنَاهَا

стр. 1974

قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلاً لَهُمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ دَاخِلِ، فَقَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: مَا أرى أحداً بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ السِّتّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهْوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدًا ﵃، وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ هَذَا الأَمْرِ شَيْءٌ، كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ، فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمَارَةَ سَعْدًا فَذَاكَ، وإلاَّ فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلاَ خِيَانَةٍ، وَقَالَ أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ وَالْأَعْرَابِ وَبِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، فَلمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي، فَسَلَّمَ عَبْدُ الله وَقَالَ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ، فَقَالَتْ أَدْخِلُوهُ. فَأُدْخِلَ، فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَلمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَليٍّ، وَقَالَ طَلْحَةُ: جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ، وَقَالَ سَعْدٌ قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ، وَالله عَلَيْهِ وَالإِسْلاَمُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ في نَفْسِهِ، فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ، وَالله عَلَىَّ أَنْ لاَ آلُوَ عَنْ أَفْضَلِكُمْ قَالاَ نَعَمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ لَكَ قَرَابَةٌ رَسُولِ الله ﷺ وَالْقَدَمُ في الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَالله عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلاَ بِالآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلمَّا أَخَذَ المِيثَاقَ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ عِليٌّ ﵁، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ. أخرجه البخاري (١). [صحيح]. قوله: "في حديث عمرو بن ميمون الأودي حتى لم ير فيهن" أي: الصفوف، لفظ "فيهن" في البخاري (٢)، وفي "الجامع" "فيهم" (٣) والتيسير حذفهما.

стр. 1975

قال ابن حجر (١): "فيهم" رواية للبخاري (٢)، ايك في أهلها، وفي رواية "كان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المقدم بوجهه, فإذا رأى رجلاً متقدماً في الصف أو متأخراً، ضربه بالدرة. قوله: "فطعنه فطار العلج" الطاعن لعمر أبو لؤلؤة، واسمه فيروز غلام للمغيرة ابن شعبة، وسبب طعنه لعمر أنه شكى عليه شدة (٣) خراجه الذي ضربه عليه المغيرة وهو كل شهر مائة، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في خبب ما تعمل، ثم قال له عمر: ألم أحدّث أنك تقول: لو شئت لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إليه عابساً وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال: توعدني العبد، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين، نصابه وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنى منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته. قوله [٢٥٤/ أ]: "مات منهم سبعة" أي: وعاش الباقون (٤). قوله: "فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً" في ذيل "الاستيعاب" (٥) أنّ

стр. 1976

الرجل من المهاجرين يقال له [حطان] (١) التميمي اليربوعي (٢). قوله: "صلاة خفيفة" في رواية ابن إسحاق "بأقصر سورتين في [٣٦٩ ب] القرآن، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ وَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ ". وفي رواية ابن شهاب: "فلم يزل - يعني عمر - في غشيته حتى أسفر، فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ قالوا نعم، قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة ثم توضأ وصلى". قوله: "منيتي" بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتانية رواية الكشميهني (٣) أحد رواة البخاري، وفي رواية له "ميتتي" بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة فوقية, أي: قتلني. قوله: "لقد كنت أنت وأبوك" في رواية ذكرها في "الفتح" (٤) "أنه قال العباس: قال لعمر لما قال: لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصفاء! إنّ عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج". قوله: "فكأنه الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ" في رواية ابن إسحاق (٥) "أنه قال عمر لابن عباس: أخرج فناد في الناس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فقالوا: معاذ الله، ما علمنا

стр. 1977

[٣٧٠ ب] ولا اطّلعنا"، وزيد (١) في رواية "فظنّ عمر أن له ذنباً إلى الناس لا يعلمه فدعى ابن عباس وكان يحبه ويدنيه فقال: أحب أن تعلم عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج فلا يمر بناس إلا وهم يبكون, فكأنما فقدوا أبكار أولادهم, قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه". قوله: "فأتي بنبيذ فشرب" زاد في رواية "لينظر ما قدر جرحه" وفي رواية ابن إسحاق "فلما أصبح دخل عليه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ فدعا بنبيذ فشرب فخرج من جرحه، فقال: هذا صديد, ائتوني بلبن فشربه فخرج منه جرحه, فقال الطبيب: أوصِ فإني لا أظنك إلا ميتاً من يومك أو من غد. قوله: "من جوفه" في رواية الكشميهني (٢) "من جرحه" وهي الصواب. قال ابن حجر (٣): المراد بالنبيذ المذكور تمرات تقذف في ماء, أي [نقعت] (٤) فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء. قوله: "وجاء شاب" في البخاري "رجل شاب" وفي رواية (٥) فيه في الجنائز "وولج عليه شاب من الأنصار". قوله: "وقدم" (٦) بفتح القاف بكسرها، فالأول بمعنى الفضل، والثاني بمعنى السبق. قوله: "ثم شهادة" بالرفع (٧) عطفاً على "ما علمت" وبالجر عطف على "صحبة"، ويجوز

стр. 1978

النصب على أنه مفعول مطلق [لفعل] (١) محذوف والأول أقوى. قوله: "فقال ارفع ثوبك" في إنكاره على الشاب ما كان عليه من الصلابة في الدين [٣٧١ ب] وأنه لم يشغله ما هو فيه من الموت عن الأمر بالمعروف. قوله: "أنقى لثوبك" بالنون ثم القاف للأكثر، وبالموحدة بدل النون في رواية وزاد في البخاري (٢) في رواية الحديث من كتاب الأحكام "وأتقى لربك". ووقع في رواية (٣) المبارك بن فضالة: قال ابن عباس: وإن قلت ذلك كأنه يريد قوله "كفافاً" بفتح الكاف. وقوله: "لا عليّ ولا لي" بيان لمعناه (٤) "فجزاك الله خيراً، أليس قد دعا رسول الله ﷺ أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة, فلما أسلمت كان إسلامك عزاً وظهر بك الإِسلام، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، لم تغب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ من قتال المشركين، ثم قبض وهو عنك راض، ووزرت الخليفة بعده على منهاج النبي ﷺ فضربت من أدبر بمن أقبل ثم قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وليت بخير ما ولي لناس، مصر الله بك الأمصار، وجبابك الأموال، ونفى بك العدو ... - إلى أن قال - ثم ختم لك بالشهادة, فقال: والله إن المغرور من [٣٧٢ ب] تغرونه, ثم قال: اشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: الحمد لله أراد بعبد الله: ابن عباس الذي خاطبه (٥).

стр. 1979

قوله: "ثم قال: يا عبد الله" في البخاري (١) "ابن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً". في حديث جابر "ثم قال يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله، وحق عمر إذا مت فدفنتي لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفاً فضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج حججتها وفي نوائب كانت تنوبني"، فعرف بهذا جهة دين عمر. قوله: "فإن وفى به مال آل عمر" كأنه يريد نفسه ومثله يقع في كلامهم كثير [٢٥٥/ أ] ويحتمل أن يريد رهطه. قوله: "لا تعدهم" بسكون العين، أي: لا تجاوزهم (٢). قوله: "فإني لست اليوم بأمير للمؤمنين" قال ابن التين: إنما قال ذلك عندما أيقن بالموت [إشارة بذلك] (٣) إلى عائشة بذلك لئلا تحابيه لكونه أمير المؤمنين. قوله: "لأوثرنه اليوم على نفسي" كأنها تريد أنها كانت معدة له لنفسها. قوله: "إذا مت فاستأذن" ذكر ابن سعد (٤) عن معن بن عيسى عن مالك: أنّ عمر كان يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه، وأن ترجع في ذلك بعد موته فأراد أن لا يكرهها [على] (٥) ذلك.

стр. 1980

قوله: "فولجت" أي: دخلت على عمر، وذكر ابن سعد (١) بإسناد صحيح كما قاله ابن حجر (٢) عن المقدام بن معد يكرب أنها قالت: يا صاحب رسول الله! ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا صبر لي على ما أسمع، أحرج عليك بما لي عليك من الحق أن لا تندبيني [٣٧٣ ب] بعد مجلسك هذا، وأمّا عيناك فلن أملكهما. قوله: "فولجت داخلًا" أي: مدخلاً كان في الدار. قوله: "من هؤلاء النفر الستة" إلى قوله "فسمى علياً ﵁ ومن ذكر معه" ولا إشكال في اقتصار عمر على هؤلاء الستة من العشرة؛ لأنه منهم، وكذلك أبو بكر وأبو عبيدة وقد مات قبل ذلك، نعم بقي منهم سعيد بن زيد فإنه من العشرة ولم يسمه عمر، قالوا: لأنه ابن ابن عم عمر فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبرئ من الأمر. وقد صرح في رواية المدائني (٣) بأسانيده "أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه"، وقد صرح بذلك المدائني بأسانيده قال: فقال عمر: لا أرب لي في أمركم فأرغب فيها لأحد من أهلي". قال ابن بطال (٤): إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكاً متوسطاً خشية الفتنة فرأى [أن] (٥) الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر موقوفاً على الستة، فأخذ من الاقتداء بالنبي ﷺ طرفاً وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفاً وهو العقد لأحد الستة. انتهى.

стр. 1981

قوله: "يشهدكم عبد الله بن عمر" في رواية الطبراني من طريق المدائني (١) بأسانيده "قال: فقال له رجل: استخلف عبد الله بن عمر، قال: والله ما أردت إليه بهذا". وأخرج ابن سعد (٢) بسند صحيح من مرسل إبراهيم النخعي نحوه قال "فقال عمر: قاتلك [٣٧٤ ب] الله، والله ما أردت الله بهذا أستخلف من لم يحسن يطلق امرأته". قوله: "كهيئة التعزية له" أي لابن عمر لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المشاورة في ذلك. قوله: "فإن أصابت الإمارة سعداً" يعني ابن أبي وقاص، زاد المديني "وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا علي أو عثمان، فإن وليّ عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي فستختلف عليه الناس، وإن وليّ سعد وإلا فليستعن به الوالي". قوله: "وأوصي الخليفة بعدي" في رواية ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال "ادعوا لي علياً وعثمان وعبد الرحمن وسعداً والزبير، وكان طلحة غائباً، قال: فلم يتكلم أحداً منهم غير علي وعثمان، فقال: "يا علي! لعل هؤلاء القوم يعلمون لك حقك وقرابتك من رسول الله ﷺ وصهرك وما آتاك الله من العلم والفقه، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه"، ثم دعى عثمان فذكر له نحو ذلك (٣).

стр. 1982

ووقع في رواية (١) عن ابن إسحاق في قصة عثمان "فإن ولوك هذا الأمر فاتق الله [ولا تحملن] (٢) بني معيط [على] (٣) رقاب المسلمين"، ثم قال: ادعوا لي صهيباً فدعي له، فقال: صل بالناس ثلاثاً، وليحل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فاضربوا عنقه" فلما خرجوا من عنده، [قال] (٤): إن تولوها الأجلح يسلك بهم الطريق قال له ابنه [٢٥٦/ أ]: ما يمنعك يا أمير المؤمنين، قال: "أكره أن أتحملها حياً وميتاً" (٥). قوله: "اجلعوا أموركم إلى ثلاثة" أي: في الاختيار ليقل الاختلاف (٦). قوله: "والله والإِسلام" بالرفع فيهما والخبر محذوف أي: عليه رقيب أو نحو ذلك. قوله: "فأسكت" بضم الهمزة وكسر الكاف، كان مسكتاً أسكتهما ويجوز فتح الهمزة والكاف وهو بمعنى سكت. قوله: "الشيخان" [٣٧٥ ب] أي: عليّ وعثمان. قوله: "فأخذ بيد أحدهما" هو علي ﵇، وبقية الكلام يدل عليه ووقع مصرحاً به في رواية (٧). قوله: "والقدم" تقدم أنه بفتح القاف وكسرها.

стр. 1983

وقوله: "ما قد علمت" صفة أو بدل من القدم، وهذا الحديث ونحوه يدل على أن الصحابة في بيعة أبي بكر وبيعة الشورى جازمون بأنه ﷺ ما نص على أحد باستحقاقه الخلافة، وأن أبا بكر لم يعد تقديمه ﷺ وتخصيصه له بالإمامة للصلاة بالناس أيام مرضه ﷺ دليلاً على استحقاقه ذلك ولا ادّعاه ولا استدل به ولا بغيره يوم السقيفة كما سلف. وكذلك أمير المؤمنين علي ﵇ في خوضه (١) مع أبي بكر حين اجتمعا وتعاتبا لم يستدل بأنه كان أولى بالخلافة ولا في يوم الشورى لم يذكر حديث الغدير ولا الأخوة، ولا أنه من النبي ﷺ كهارون من موسى ونحو ذلك من فضائله، وفي هذا دلالة على أنّ من ذكر من الصحابة والقرابة كان الأمر عندهم يسير وأنه ليس القصد إلا إقامة شعار الإِسلام وجهاد الكفرة عبّاد الأصنام، وأن من قام به فقد كفى المؤنة وكانوا له أعواناً، ولكن الناس من بعد ذلك أبوا إلا تفريق الأمة والاشتغال بما سلف وادّعاء العصبية على خلافة من يرونه أعظم عندهم وإطالة الجدال واللجاج، والاستدلال والاحتجاج في أمر قد سلف ومضى ونفذ فيه ما أراده الله وقضى. فالعجب ممن أتى من الفرق الإِسلامية من بعد أولئك السلف الصالح يدعون لهم دعاوي [٣٧٦ ب] لم يدّعوها فهي دعوى لغير مدع، حقها الإعراض عنها، ثم تستدل كل طائفة لدعواها ثم يفتحون أبواباً للجدال، ويجرون [عاراً] (٢) للقيل والقال ثم يؤول الكلام إلى تضليل كل طائفة للأخرى، وما كان أحقهم بتولي الجميع، والإعراض عن كل شنيع، والإشتغال بما هو الأنفع في المآل، فإنه لا يسأل الملكان من نزل [في] (٣) قبره إلا عن ربه من هو؟ وعن رسوله محمَّد ﷺ .

стр. 1984

لا يسأل الملكان من حلّ الثرى ... إلا عن الرحمن عند حلوله وعن الرسول محمَّد خير الورى ١١ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ قَالَ: لمَّا حُوْصِرَ عُثْمَانُ ﵁ وَلّى أَبا هُرَيْرَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي أَحْيَانَاً، ثُمَّ بَعَثَ عُثْمَانُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ مَا تُرِيْدُونَ مِنِّي؟ قَالُوْا: نُرِيْدُ أَنْ تَخْلَعَ إِلَيْهِمْ أَمْرَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: [لَا أَخْلَعُ سِرْبَالَاً سَرْبَلْنِيْهِ الله ، فَقَالُوْا: فَهُمْ قَاتِلُوكَ، قَالَ: لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا تَتَحَابُّونَ بَعْدِي أَبَدَاً] (١) وَلَا تُقَاتِلُونَ بَعْدِي عَدُوَّاً جَمِيْعَاً، وَلَتَخْتَلِفُنَّ (٢) عَلَى بَصِيْرةٍ، يَا قَوْمِ! لَا يَجْرِمَنَكمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَلمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَصْبَحَ صَائِمَاً (٣) يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَلمَّا كَانَ في بَعْضِ النَّهَارِ نَامَ فَقَالَ: رَأَيْتُ الْآنَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لِي: إِنَّكَ تَفْطِرُ عِنْدَنَا الَّليْلَةَ، فَقُتِلَ مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ قَامَ عَليٌّ ﵁ خَطِيْبَاً فَحِمَدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَقْبِلُوا عَلَيَّ بِأَسْمَاعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ، إِنِّي أخَاف أَنْ أَكُونَ أنَّا وَأَنْتُم قَدْ أَصْبَحْنَا في فِتْنَةٍ وَمَا عَلَيْنَا فِيْهَا إِلَّا الْاجْتِهَاد وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَدَّبَ هَذ الْأُمَّةَ بِأَدَبَيْنِ: الْكِتَاِب وَالسُّنَّةِ، لَا هَوَادةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِيْهِمَا، فَاتَّقُوْا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، ثُمَّ نَزَلَ وَعِمَدَ إِلَى مَا بَقِيَ مْنِ بَيْتِ المَالِ فَقَسَّمَهُ عَلَى المُسْلِمِينْ. أخرجه رزين. "لا يجرمنكم": أي: لا يحملنكم، والشقاق: النزاع والخلاف، "والهوادة" السكون والموادعة، والرضا بالحالة التي ترجى معها سلامة. قوله: "وعن عبد الله بن سلام" بتخفيف لام "سلام" هو الإسرائيلي السابق لمن أسلم من أهل الكتاب بإسلامه.

стр. 1985

قوله: "ولي أبا هريرة على الصلاة" [و] (١) لم ينفرد أبو هريرة بالصلاة في أيام حصار عثمان بل صلى بهم جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب وسهل بن حنيف وأبو أمامة، وصلى علي ﵇ بالناس يوم النحر. قال ابن المبارك: ما صلى علي ﵇ في ذلك الجم إلا العيد وحدها لئلا تضاع سنة ببلد رسول الله ﷺ ، ولم يكن في القائمين على عثمان أحد من الصحابة، وإنما كانوا من مصرو (٢) الكوفة ولم يعيبوا عليه شيئاً إلا برأي، فطالبوه بعزل عماله من بني أمية فلم يقدر عليه في تلك الحالة وكان الذي جلب أهل مصر [٣٧٧ ب] هو عبد الرحمن بن عديس وصلى لأهل المدينة الجمعة وخطب على منبر النبي ﷺ وهو المراد من قوله "ويصلي لنا إمام فتنة". قوله: "فهم قاتلوك" كان سبب حصرهم له وقتلهم له أنه كان محباً لقرابته [٢٥٧/ أ] كلفاً بهم وكانوا قرابة سوء، وكان قد ولى مصر عبد الله بن أبي سرح فشكوه فولّى عليهم محمَّد بن أبي بكر باختيارهم له، فكتب له العهد وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح، فلما كانوا على ثلاثة أيام من المدينة إذ هم بغلام عثمان على

стр. 1986

راحلته معه كتاب مفترى، وعليه خاتم عثمان إلى ابن أبي سرح يحرضه ويحثه على [قتلهم] (١) إذا قدموا عليه، فرجعوا إلى عثمان فحلف لهم أنه لم يأمر به ولا يعلم بذلك (٢). ويقال: إنّ مروان هو الكاتب والمرسل، فطلبوا منه تسليم مروان، فأبى عليهم، فطلبوا أن يخلع نفسه فأبى، فاجتمع نفر من أهل مصر والكوفة والبصرة، وساروا إليه فأغلق بابه عنهم، فحاصروه عشرين أو أربعين يوماً، وكان معه ستمائة رجل في الدار، فطلبوا منه الخروج للقتال فكره وقال: إنما المراد نفسي فسأقي المسلمين بها، فدخلوا عليه من دار ابن حزم الأنصاري، فقتلوه والمصحف بين يديه، آخر ذي الحجة من سنة خمس (٣) وثلاثين، وصلى عليه الزبير ودفن بالبقيع. وكان قتله أول فتنة انفتحت بين المسلمين واستمرت من يومئذ فلم تغلق إلى يوم القيامة. [٣٧٨ ب]. قوله: "فقتل من يومه" قيل: إنه لما حوصر عثمان دخل محمَّد بن أبي بكر الصديق ليقتله فقال له عثمان: لو رآك أبوك لساءه فعلك فتركه وخرج (٤).

стр. 1987

قوله: "والهوادة" (١) هي بفتح الهاء والدال المهملة. ١٢ - وَعَن الحَسَنَ الْبَصْرِي ﵁ قَالَ: اسْتَقْبَلَ وَالله الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لمِعَاوِيَة: إِنِّي واللهِ لأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّى حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: وَكَانَ وَالله خير الرَّجُلينِ: أَيْ عَمْرُو [أَرَأَيْتَ] (٢) إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ، وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ، مَنْ لِي بِأُمُورِ المُسْلِمِينَ، مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلينِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللهِ [بْنَ] (٣) عَامِرِ، فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَاعْرِضَا عَلَيْه, وَقُولاَ لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاه فَدَخَلاَ عَلَيْهِ فَتَكلَّمَا، وَقَالاَ لَهُ، وَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لهما الحَسَنُ ﵁: إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ، وإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ في دِمَائِهَا. قَالاَ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلاَّ قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ. قَالَ الحَسَنُ الْبَصْريُّ: [وَلَقَدْ] (٤) سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحسَنُ بْنُ عَليٍّ إِلَى جَنْبِهِ, وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بينَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ". أخرجه البخاري (٥). [صحيح].

стр. 1988

"الكتائب" جمع كتيبة (١)، وهي قطعة من الجيش مجتمعة، وقوله: "عاثت": أي: أفسدت, "والعيث": الفساد (٢). قوله: "في حديث الحسن البصري استقبل والله الحسن بن عليّ معاوية بكتائب". الكتائب بالمثناة الفوقية آخره موحدة, جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجمع وهي فعلية بمعنى مفعولة؛ لأن كبير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوان (٣). قوله: "أمثال الجبال" أي: لا يرى لها طرف لكثرتها، ويحمل أن يريد شدة البأس، وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى ما اتفق بعد قتل علي ﵇ فإنه لما انقضى التحكيم ورجع أمير المؤمنين ﵇ إلى الكوفة يتجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى، فشغله قتال الخوارج بالنهروان (٤) وذلك في سنة ثمان (٥) وثلاثين وتجهز في سنة تسع وثلاثين، فلم يتم له ذلك لافتراق أهل العراق عليه, فلما قتل، واستخلف الحسن خرج لقتال معاوية جعل عله مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة في اثني عشر ألفاً، وكان الذي مع الحسن أربعين ألفاً بايعوه على الموت, وكان معاوية لما بلغه قتل (٦) علي ﵇ خرج في عساكره من الشام,

стр. 1989

وخرج الحسن بن علي ﵇ حتى نزل المدائن فوصل معاوية إلى مسكن، وكان الحسن [٣٧٩ ب] لا يحب القتال، لكن أراد أن يشترط على معاوية لنفسه، وعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبيد الله بن العباس. قلت: وفي كلام الحسن البصري ما يدل على أن الحسن بن علي ﵇ كان في أقوام كثيرة, وهو يرد قول من قال أنه إنما صالح معاوية لقلة من عنده من الأجناد، وأشرت إلى ذلك في أبيات (١) أحث بعض الدعاة على الصلح بينه وبين من خرج عليه، منها: قد صالح الحسن ابن هند وهو في الـ ... أبطال من أبناء عبد مناف وأتى بجيش كالجبال يقودهم ... يمشون في ظل القنا الرعاف قوله: "لا تولي" بالتشديد، لا ترتد حتى تقتل أقرانها، جمع قرن بكسر القاف وسكون الراء. قوله: "من لي بأمور المسلمين" فسّرها بقوله: "من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم" يريد به الأطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم؛ لأنهم إن تركوا ضاعوا لعدم من يقوم بهم وعدم استقلالهم بأمر المعاش (٢). وهو بهذا الكلام يشير إلى أن رجال العسكر معظم من في الإقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهلهم بعدهم وذراريهم. قوله: "فبعث" أي: معاوية "إليه" أي: إلى الحسن بن علي ﵇.

стр. 1990

"رجلين من قريش من بني عبد شمس" أي: ابن عبد مناف بن قصي وفسرهما قوله: "عبد الرحمن بن سمرة" قد تقدم ذكره في حديث عبد الرحمن بن سمرة [٣٨٠ ب] "لا تسأل الإمارة"، و"عبد الله بن عامر" أي: ابن كثير بمثلثة مصغر كثير وهو [الذي] (١) ولاه معاوية البصرة بعد [٢٥٨/ أ] تمام الصلح (٢). قوله: "واعرِضَا عليه" أي: ما شاء من المال. "وقولا له" أي: في حقن دماء المسلمين بالصلح، وطلبا إليه خلع نفسه من الخلافة وتسليم الأمر إلى معاوية. قوله: "إنّا بنو عبد المطلب" منصوب [باعنِّي] (٣) ونحوه. "قد أصبنا من هذا المال" قال في "الفتح" (٤): أي جبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا من الأهل والموالي، وكنا نتمكن من ذلك في الخلافة حتى صار ذلك لنا عادة. قوله: "وإن هذه الأمة" أي العسكرين الشامي والعراقي (٥). وَ"عاثت" بالمهملة والمثلثة، أي: قتل بعضها بعضاً فلا يكفون عن ذلك إلا بالصلح عما مضى منهم والتأليف بالمال، وأراد الحسن ﵇ بهذا كله تسكين الفتنة، وتفرقة المال على من لا يرضيه إلا المال فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك (٦). قوله: "فمن لي بهذا" أي: من يضمن لي الوفاء من معاوية.

стр. 1991

"قالا نحن لك به" أي: نضمن لك به. قوله: "فصالحه" في الحديث بيان أنّ معاوية هو الذي طلب الصلح من الحسن، وأرسل إليه من ذكر وصالحه الحسن على أمور منها أنه يكون الخليفة بعد معاوية، وفي القصة وما شرطه طول، مستوفاة في كتب السيرة وغيرها. قوله: "فصالحه" فيه منقبة للحسن بن علي ﵇، فإنه ترك الملك لا لقلة [٣٨١ ب] ولا لذلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة، وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى ذلك صلاحاً للمسلمين، وفيه جواز ترك الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك. قوله: "سمعت أبا بكرة" فيه تصريح بأن الحسن البصري أدرك أبا بكرة وسمع منه. قوله: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر والحسن بن علي ﵁ إلى جانبه ويقول: إن ابني هذا سيد". هو مشتق من السؤدد (١)، وقيل: من السواد لكونه ترأس على السواد الأعظم من الناس، أي: الأشخاص الكثيرة. قال المهلب (٢): الحديث دلّ على أنّ السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لكونه علق السيادة بالإصلاح، ومنه إطلاق الابن علي ابن البنت. قلت: وفي تسميته هنا سيد إشارة إلى أنه وإن ترك الخلافة لغيره فإن سيادته ثابتة له. قوله: "ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" هذا من أعلام النبوة، وفيه رد على الخوارج الذي كانوا يكفرون معاوية، ومن معه وعلياً ومن معه، لشهادة النبي

стр. 1992

- ﷺ أنهم من المسلمين، ولهذا كان يقول سفيان بن عيينة عقب هذا: قوله "من المسلمين" تعجبنا جداً. كتاب الخلع الخلع (١) هو النزع لغة (٢)، وخالعت المرأة زوجها افتدت منه [٣٨٢ ب] والاسم الخلع بالضم استعارة من خلع اللباس؛ لأن كلاً لباس للآخر، فإذا فعلاه فكأن كلاً نزع لباسه عنه وسمي فدية وافتداء، وأجمع العلماء (٣) على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني (٤) ولم يتابع على إنكاره له وانعقد الإجماع على اعتباره. ١ - عن ثوبان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ لَم تُرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ". أخرجه الترمذي (٥). [صحيح].

стр. 1993

وفي أخرى لأبي داود (١): "أيما امرأة سألت من زوجها طلاقها، وذكر نحوه]. [صحيح]. وفي أخرى للنسائي (٢) عن أبي هريرة ﵁: "إِنَّ المُخْتَلِعَاتِ هُنَّ المنَافِقَاتُ". [صحيح]. قوله: "في حديث ثوبان أخرجه الترمذي". قلت: في الترمذي حديثان عن ثوبان: أولهما (٣) عنه ﷺ : "المختلعات هن المنافقات" قال الترمذي (٤): حديث غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة ... " وذكر حديث الكتاب ثم قال (٥): حدثنا بذلك محمَّد بن بشار قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان. وفي نسخة منه عمن حدّثه عن ثوبان وقال: ورواه عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه وسكت عليه وقد رواه بصيغة التمريض. قوله: "وللنسائي عن أبي هريرة" قد عرفت أنه أول حديث ساقه الترمذي عن ثوبان، فكان الصواب نسبته إليهما وبيان صحابييه بأن يقول: وللترمذي عن ثوبان، والنسائي (٦) عن أبي هريرة .. إلى آخره.

стр. 1994

وابن الأثير (١) [نسب] (٢) رواية ثوبان إلى الترمذي وأبي داود، وقال في رواية النسائي عن أبي هريرة "المنتزعات المختلعات هن المنافقات"، ثم قال: قال الحسن: لم أسمعُ من أبي هريرة غير هذا الحديث. وقال النسائي: قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة شيئاً، ولذا قال الحافظ ابن حجر (٣): وفي صحته نظر. [٣٨٣ ب]. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بن شَمَّاسٍ أَتَتِ رسول الله ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتُ في خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلاَمِ - تَعْنِي تَبْغَضهُ - فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ" قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ ﷺ : "اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". أخرجه البخاري (٤) والنسائي (٥). [صحيح]. "الحِديقَةُ": البستان من النخل إذا كان عليه حائط. قوله: "في حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت (٦) بن قيس" اسمها: جميلة بنت أبي بن سلول، وقيل: سهلة بنت حبيب، وقيل غير ذلك. [٢٥٩/ أ].

стр. 1995

قوله: "فقالت ما أعتب" ضبطه على أنه من العيب بالتحتية", وعلى أنه من العتب (١) بالمثناة الفوقية. قوله: "أكره الكفر" أي: كفران العشير، وقيل: أرادت أن ترد عن الإِسلام لتبين منه بالردة وهو بعيد. وزاد ابن ماجه (٢) "ولولا مخافة الله إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه" [وكان رجلاً دميماً] (٣)، زاد عبد الرزاق (٤) "وكان لها جمال". وفي تفسير البيضاوي (٥) "إني رفعت الخباء فرأيته أقبل في عدة, فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة, وأقبحهم وجهاً". قوله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقه" قالوا: هو أمر إرشاد وإصلاح، لا إيجاب، وقوله "وطلقها" استدل به على أن الخلع ليس بطلاق. وللعلماء فيما لو أوقع الخلع مجرداً عن الطلاق لفظاً ونية ثلاثة آراء، وهي أقوال للشافعي (٦): أحدها: أن الخلع طلاق وهو قول (٧) الجمهور، فإذا وقع بلفظ الخلع وما يصرف منه

стр. 1996

نقص العدد، وكذا إن وقع بغير لفظه مقروناً بالنية، وحجة هذا القول أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقاً ولو كان فسخاً لما جاز على غير الصداق كالإقالة، لكنه يجوز عند الجمهور على ما قل وكثر فدلّ على أنه طلاق هذا كلامهم. والقول الثاني: أنه فسخ وليس بطلاق، صح (١) ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، وروي عن عثمان وعن علي ﵇ وعكرمة وطاووس وهو قول الشافعي (٢) في القديم، وذكره في "أحكام القرآن" (٣) من الجديد [٣٨٤ ب] وهو مشهور مذهب أحمد (٤) وقوّيناه في "منحة الغفار (٥) حاشية ضوء النهار". والقول الثالث: إذا لم ينويه الطلاق لا يقع به فرقة أصلاً وقد استدل بعضهم بقوله ﷺ : "وطلقها تطليقة" على أن الخلع ليس بطلاق. وقال الحافظ ابن حجر (٦): [إنه] (٧) ليس في الحديث ما يثبته ولا ما ينفيه.

стр. 1997

[قال] (١): فإن قوله "طلقها" يحتمل على ذلك فيكون طلاقاً صريحاً على عوض وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع أو ما في حكمه من غير تعرض لطلاق بصراحة ولا كناية هل يكون الخلع [طلاقاً أو فسخاً] (٢). ثم قال: وفي معظم الروايات وقع تسميته خلعاً، ففي رواية معمر عن ابن عباس "أنها اختلعت من زوجها" أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). ٣ - وعن نافع عن مولاة لصفية ﵂: أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ﵄. أخرجه مالك (٥). [موقوف ضعيف]. قوله: "وعن نافع عن مولاة لصفية" هي صفية بنت أبي عبيد زوج عبد الله بن عمر، وأخت المختار أدركت النبي ﷺ ولم يصح لها منه سماع. "أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها فلم ينكر ذلك ابن عمر" ففيه دليل على جواز أخذ الرجل زيادة على المهر الذي أعطاها إياه، وهي مسألة خلاف بين العلماء من الصحابة وغيرهم.

стр. 1998

فأخرج عبد الرزاق (١) عن ﵇: "لا يأخذ منها فوق ما أعطاها"، وعن طاووس (٢) وعطاء (٣) والزهري مثله، وهو قول أبي حنيفة (٤) وأحمد (٥) وإسحاق. وذهب آخرون إلى جواز أخذه للزيادة منهم عثمان وابن عمر وغيرهما، واستدلوا بإطلاق قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٦). وفصل (٧) قوم فقالوا: إن كان النشوز من قبلها حلّ له ما أخذ برضاها، وإن كان النشوز من قبله لم يحل له ويرد عليها إن أخذ وتمضي الفرقة. واستدل من لم يعمل بجواز أخذ الزيادة بأنه ﷺ وقد قالت امرأة ثابت حين قال لها رَسُولِ الله ﷺ "أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وأزيده"، فقال ﷺ : "أما الزيدة فلا" أخرجه الدارقطني (٨) والبيهقي (٩) من مرسل أبي الزبير.

стр. 1999

قال الحافظ ابن حجر (١): وقد وقع في بعض طرقه أنه سمعه أبو الزبير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح. قال (٢): لكن ليس فيه دلالة على الشرط، فقد يكون وقع ذلك على سبيل الإشارة رفقاً بها. [٣٨٥ ب].

стр. 2000

التَّحبير لإيضَاح مَعَاني التَّيسير (*) تَأليف العَلاّمَة محمَّد بن إسمَاعيل الأمير حَقّقه وعَلقّ عَليه وَخَرّجَ أحَاديثَه وَضبَط نصَّه محَمَّد صُبْحي بن حَسَن حَلّاق أبو مصعب الجُزء الرابع مَكتَبَةُ الرُّشد ناشرون
следующие страницы →