← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الفصل الثالث: في كيفية الدعاء ١ - عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سَمِعَ رسولُ الله ﷺ رَجُلاً يَدْعُو في صَلاَتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَجِلَ هَذا"، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: "إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ الله والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ". أخرجه أصحاب السنن (١). [صحيح] قوله: "في حديث فضالة: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو". لفظه في الترمذي (٢) عن فضالة [٣٩٨ ب]: بينا رسول الله ﷺ قاعداً إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : "عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فأحمد الله بما هو أهله وصلِّ عليَّ ثمَّ ادعه" قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أيها المصلي! ادع تجب". انتهى. ورواه عن فضالة (٣) أيضاً بمثل [لفظ] (٤) رواية المصنف، وقال: هذا أخرجه أصحاب السنن. قلت: قال الترمذي (٥): هذا حديث حسن، ورواه فضالة أيضاً من طريق آخر مثل لفظ المصنف وقال (٦): هذا حديث صحيح.

стр. 2032

٢ - وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، لا يَصْعَدُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيَّ، فَلا تَجْعَلُوني كغُمْرِ الرَّاكِبِ، صَلَّوا عَلَيَّ أوَّلَ الدُّعَاءٍ وَأوْسَطَهُ وَآخِرَهُ" أخرجه الترمذي (١) موقوفاً على عمر، ورفعه رزين. [حسن] "الغُمْرُ" (٢) القَدَح الصغير كالقعب. والمعنى: أن الراكب يحمل رحله وأزواده، ويترك قعبه إلى آخر ترحاله، ثم يعلقه على آخرة الرحل أو نحوها كالعلاوة فليس عنده بمهم، فنهاهم النبي ﷺ أن يجعلوا الصلاة عليه تبعاً غير مهمة. قوله: "في حديث عمر: كغمر الراكب" بالغين المعجمة، في "النهاية" (٣): بضم الغين وفتح الميم، وذكر مثل تفسير المصنف. قوله: "القدح الصغير" في "القاموس" (٤): القعب: القدح الضخم الجافي أو إلى الصغر، أو يروى الرجل، جمعه أقعب وقعاب وقعبه. انتهى. وجزم في النهاية (٥) بهذا الأخير.

стр. 2033

٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كُنْتُ أُصَلِّي والنَّبِيُّ ﷺ وأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى الله، ثُمَّ بالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ" (١). [حسن] قوله: "في حديث ابن مسعود: سل تعطه" أي: تعطى المسئول؛ وذلك لأنه قد استوفى شرائط الدعاء. [٣٩٩ ب]. ٤ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذا دَعَا لأَحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ" (٢). أخرجهما الترمذي وصححهما. [صحيح] قوله: "في حديث أبي بن كعب: بدأ بنفسه" هذا هو الذي دل عليه القرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ (٣)، ﴿اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ (٤) الآية. ووجهه حديث: "ابدأ بنفسك" لأن جلب الخير لنفس الإنسان ودفع الضر عنها أهم من جلبه لغيره. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) والطبراني (٦) من طريق سعيد بن يسار قال: "ذكرت رجلاً عند ابن عمر فترحمت عليه، فلهز في صدري وقال لي: ابدأ بنفسك". والحديث الذي أخرجه الترمذي أخرجه مسلم (٧) في أول قصة موسى والخضر، إلا أن لفظه: "كان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه"، ويؤيد هذا القيد أنه ﷺ دعا لغير نبي فلم

стр. 2034

يبدأ بنفسه، كقوله في قصة هاجر: "يرحم الله أم إسماعيل ... " (١) الحديث، وقوله لحسان: "اللهم أيده بروح القدس" (٢)، ولابن عباس: "اللهم فقهه في الدين" (٣)، ودعاؤه للمسافر ولمن يودعه وغير ذلك. وإذا عرفت هذا فحديث الترمذي مقيد برواية مسلم، وقد ثبت: "أنه ﷺ دعا لبعض الأنبياء ولم يبدأ بنفسه" كحديث أبي هريرة في البخاري (٤) وغيره: "رحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، وحديث البخاري (٥): "يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" فالبداية بنفسه في الدعاء للأنبياء أغلبي. ٥ - وعن أبي مصبح المقرائي عن أبي زهير النميري ﵁ قال: "خَرَجْنا مَعَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلحَّ في المَسْأَلَةِ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ"، فَقِيلَ: بِأَيِّ شَيْءٍ يَختِمُ يا رسول الله؟ قَالَ: "بِآمِينَ"، وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ: يا فُلاَنُ! اخْتِمْ بِآمِينَ، وَأَبْشِرْ". أخرجه أبو داود (٦). [ضعيف] "أوْجَبَ": إذا فعل شيئاً يوجب له الجنة أو النار.

стр. 2035

قوله: "وعن أبي مصبح المقرائي" مصبح بضم الميم وفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة وكسرها وبالحاء المهملة، والمقرائي بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد [٤٠٠ ب] المثناة التحتية. ومصبح تابعي من الطبقة الثانية من تابعي الشاميين، وأبو زهير مصغر زهر، عدَّه ابن الأثير في "الصحابة" (١)، ولم يذكر اسمه، وكذا الكاشغري. وقال ابن السمعاني (٢): إن المقرائي بضم الميم، وقيل: بفتحها، نسبة إلى مقرى، قرية بدمشق. وقال أبو داود (٣): قبيلة من حمير (٤)، وقال الدمياطي: مقرى بضم الميم لا غير. وأبو مصبح؛ قال أبو حاتم (٥): ثقة لا أعرف اسمه، وفي الحديث الحث على ختم الدعاء بآمين. ٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلاَ يَقُلِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهمَّ ارْحَمْني إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّ الله لا مُسْتكْرِهَ لَهُ". أخرجه الشيخان (٦). [صحيح]

стр. 2036

وللستة (١) إلا النسائي عن أبي هريرة بنحوه. [صحيح] "العَزْمُ": الجد، ونفي التردد. قوله: "في حديث أنس: ولكن ليعزم المسألة" أي: الدعاء، ومعنى الأمر بالعزم: الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله، وإن كان مأموراً في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله (٢). وقيل (٣): معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة، ولمسلم (٤) في رواية: "ليعزم المسألة ويعظم الرغبة" أي: يبالغ في تكرير الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن المراد الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، ويؤيده ما في آخر هذه الرواية: "فإن الله لا يتعاظمه شيء". قوله: "لا مستكره له" المراد: أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلمه أنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله تعالى فهو منزه عن ذلك، فليس للتعليق فائدة (٥). واختلف: هل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ ذهب ابن عبد البر (٦) إلى الأول فقال: لا يجوز لأحد أن يقول: "اللهم أعطني إن شئت" وغير ذلك من أمور الدنيا والدين؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له؛ لأنه لا يفعل إلا ما يشاء، وهذا هو الظاهر.

стр. 2037

وذهب [٢٦٤/ أ] النووي (١) إلى الثاني، قال الحافظ (٢): وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة. قلت: وفيه تأمل؛ لأنه في دعاء الاستخارة لم يكن قد جزم بمطلوب معين، إنما هو متردد في الكلام [٤٠١ ب] هنا في طلب معين. قال ابن بطال (٣): في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة؛ فإنه يدعو كريماً. وقد قال ابن عيينة (٤): لا يمنعن أحد الدعاء ما يعلم من نفسه - يعني من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين يقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ (٥). قلت: يتأمل فيما استدل به؛ فإنه تعالى لم يجب إبليس إلى مطلوبه، بل أجابه بغير ما طلبه، فقال: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ (٦)، وهو عند انقضاء دار الدنيا، ومطلوبه أن لا يموت؛ لأنهم إذا بعثوا الخلائق من الأجداث فلا موت. ويقوي ما في بعض كتب التفسير أنه إنما أجاب الله بإخباره بما سبق به القدر من إنظاره إلى الوقت المعلوم فليس بإجابة لدعائه.

стр. 2038

٧ - وعن أبي موسى ﵁ قال: كُنَّا فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْبَعُوا عَلَى أنفُسِكُمْ، فِإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَهُوَ مَعَكُمْ، والَّذِي تدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِه". أخرجه الخمسة (١) إلا النسائي. [صحيح]. "ارْبَعوُا" (٢) أي: ارفقوا. ٨ - وعن معاذ ﵁ قال: سَمِعَ رَسُول الله ﷺ رَجُلاً يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَمَامَ النِّعْمَةِ. فَقَالَ: "أَيُّ شَيْءٍ تَمَامُ النِّعْمَةِ؟ ". قَالَ: دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِها أَرْجُو بِهَا الخَيْرَ. قَالَ: "فَإِنَّ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الجَنَّةِ، والفَوْزَ مِنَ النَّارِ". وَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: يَا ذَا الجَلاَلِ والإِكْرامِ؛ فَقَالَ: "قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، فَسَلْ". وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ، فَقَالَ: "سَأَلْتَ الله البَلاَءَ، فَسَلْهُ العَافِيَةَ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف] قوله: "سألت الله البلاء" فيه أن سؤال اللازم سؤال للملزوم؛ لأن الصبر لازم للبلاء، لأنه لا صبر إلا على مصبور عليه، وأمره أن يسأل الله العافية، إن قلت: قد ورد حديث دعائه ﷺ : "اللهم اجعلني صبوراً ... " (٤) الحديث، قلت: هو سؤال أن يكون صفته وسجيته الصبر [٤٠٢ ب] إذا نزلت النوازل.

стр. 2039

٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ يَسْتَحِبُّ الجَوامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ ما سِوَى ذَلِكَ (١). [صحيح] قوله: "في حديث عائشة: يستحب الجوامع من الدعاء" هي التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله وآداب المسألة. ١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا، وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا (٢). أخرجه أبو داود. [صحيح] قوله: "في حديث ابن مسعود: أن يدعو ثلاثاً" ترجم البخاري (٣): باب تكرير الدعاء، وذكر حديث عائشة (٤): "أنه ﷺ سُحر فدعا ودعا"، وفي حديث أنس (٥) عنده: "كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً". قلت: وهذا أغلبي، وإلا فربّ كلمة لم ينطق بها إلا مرة، وربّ دعاء كذلك.

стр. 2040

الفصل الرابع: في أحاديث متفرقة قوله: "الفَصْلُ الرَّابعْ: فِيْ أَحادِيْث مُتَفَرِّقَةُ". أي: متعلقة بالدعاء. ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسْتَجابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي". أخرجه الستة (١) إلا النسائي. [صحيح] وفي أخرى لمسلم (٢) قال: "لاَ يَزَالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْع بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ". [صحيح] وفي أخرى للترمذي (٣): "ما مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو الله تَعَالَى إِلاَّ اسْتَجَابَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ في الآخِرَةِ، وَإِمّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ ما دَعَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، أَوْ يَسْتَعْجِلُ". [صحيح دون قوله: "وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا"]. قوله: "في حديث أبي هريرة يقول: دعوت فلم يستجب لي" قال ابن بطال (٤): المعنى أن يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمَانِّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء بما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء، وفي الحديث من آداب الدعاء أنه يجتهد في الطلب، ولا ييأس من الإجابة، لما في ذلك من الاستسلام وإظهار الافتقار.

стр. 2041

قال الداودي (١): يخاف على من خالف وقال: دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادخار والتكفير. قال ابن الجوزي (٢): أعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة أو العوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه [٤٠٣ ب] فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض، ومن آداب [الدعاء] (٣) تحري الأوقات الفاضلة كالسجود وعند الأذان وجوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة، وعند المطر وعند التحام القتال في سبيل الله وعند رؤية الكعبة وغير ذلك ومنها: تقديم الوضوء، والصلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب والإخلاص، وافتتاحه بالحمد لله، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ والسؤال بالأسماء الحسنى، وأدلة (٤) ما ذكر مخرجة أو أكثرها في البخاري. ومن شروطها: أن يكون الداعي طيب المطعم والملبس. قوله: "في رواية الترمذي: إلا استجاب له" الحديث فيه إفادة أن الدعاء لا يخيب الداعي فيه، بل لا بُدَّ له من خير يناله به. وأحسن والدي ﵀ بقوله في أبيات: ولا بد أن يستجاب الدعاء ... ولكن بإحدى الثلاث المعاني

стр. 2042

وقوله: "ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" فإن هذا منهي عنه فكيف يطلب من الله، بل الداعي [بذاك] (١) آثم متعرض لسخط الله، والدعاء بقطيعة الرحم أن يدعو على رحمه بإصابته بما يكرهه، فإن هذا الدعاء نفسه قطيعة رحم، وفيه إساءة إليها، وهو مأمور بالإحسان إليها، وعطفه على قوله: "بإثم" من عطفه الخاص على العام إبانة لعظمة إثمه. ٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ, وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، ولاَ تَدْعُوا عَلَى خدَمِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أمْوَالِكمْ، لا تُوَافِقُ مِنَ الله سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ". أخرجه أبو داود (٢). [صحيح] "النَّيلُ" (٣): والنَّوال، والعطاء. قوله: "في حديث جابر: لا توافق" أي: [٤٠٤ ب] الدعوة على أحد الأربعه المنهي هنا [من] (٤) الدعاء عليها. "ساعة نيل" هو مصدر أناله نيلاً أعطاه فيها عطاء بعطية [٢٦٥/ أ] الله فيكون من عطائه إجابة دعوتكم، ففيه النهي عن الدعاء على الأربعة، وأنه قد يدعو العبد عليهم ولا يريد الإجابة، فيوافق ساعة العطاء فيجاب، فيقع ما لا يريد وقوعه. وفيه أن لله ساعات يجيب

стр. 2043

فيها الدعوات، وعليه ورد حديث: "تعرضوا لنفحات الله، فإن لله في أيام دهركم نفحات" (١)، ولذا قال العلامة الرافعي: أقيما على باب الكريم أقيما ... ولا تبعدا عن سوحه فتهيما وللنفحات الطيبات تعرضا ... لعلكما تستنشقان نسيماً ٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حاجَتَهُ كُلَّها حَتَّى يَسْأَلَ شِسْع نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ". أخرجه الترمذي (٢). [ضعيف] وزاد (٣) في رواية عن ثابت البناني ﵀ مرسلاً: "حَتَّى يَسْأَلَهُ المِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْع نَعْلِهِ إِذا انْقَطَعَ". "الشِّسْعُ" (٤) سير النعل الذي يدخل بين الأصابع. قوله: "في حديث أنس (٥): حتى شسع نعله" بكسر الشين المعجمة بعدها مهملتان، في "النهاية" (٦) أنه أحد سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام الذي يعقد فيه الشسع. انتهى. ويأتي تفسيره

стр. 2044

صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام الذي يعقد فيه الشسع. انتهى. ويأتي تفسيره للمصنف. ٤ - وعن أبي هريرة ﵁: "مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الله يَغْضَبْ عَلَيْهِ" (١). [حسن] قوله: "في حديث أبي هريرة: من لم يسأل الله يغضب عليه" هو من أدلة فضل الدعاء. قال الطيبي (٢): معناه أن من لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يُسأل. انتهى. قال ابن حجر (٣): يؤيده حديث ابن مسعود رفعه: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل" أخرجه الترمذي (٤). ٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سَلُوا الله تَعالى مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ". أخرجهما الترمذي (٥). [ضعيف] قوله: "أخرجهما الترمذي".

стр. 2045

قلت: [٤٠٥ ب] وأخرجه أحمد والبخاري في "الأدب المفرد" وابن ماجه والبزار والحاكم كلهم من رواية أبي صالح الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي، وهو مختلف فيه فضعفه ابن معين (١) وقواه أبو زرعة [هنا] (٢) ووجدت بخط العلامة الجلال على "جامع الأصول" ما لفظه: حديث أبي هريرة هذا لا ينافي ما يروى عن رابعة العدوية في قولها للثوري: "أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض" وما يروى عن مظفر القرميسيني: لا يكون الفقير فقيراً حتى لا يكون له إلى الله حاجة لأنهم بصدد الوقوف عند قول الخليل ﵇: "علمه بحالي يغنيه عن سؤالي" (٣) وهو مقام عال لا فرار عنه ولا استمرار له، كيف وقد دعا الخليل بتلك الدعوات القرآنية، وإنما بلوغ ذلك المقام موهبة إلهية تفيض على المقربين من اسمه الغني سبحانه خيراً لهم وجلاءً لهم من قيود المطامع، فنسأل الله من ذلك المقام ما يبلغنا به منازل الكرام. انتهى بلفظه من خطه.

стр. 2046

وأقول: لا ريب أن أشرف العباد مقاماً، وأعرفهم بالله إجلالاً وإعظاماً هو خاتم رسله ﷺ ، وقد كان أكثر الناس فزعاً إلى الله، وأوسعهم دعاء لمولاه في كل حالة من أحواله، كما لا يحصى ذلك من أقواله. والله أمر عباده بدعائه ومدح الداعين له، وذكر دعوات رسله عند الشدائد وغيرها، قال الكليم: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ (١)، وقال أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ (٢)، وقال أبو البشر آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٣)، ودعوات رسل الله قد ملئت بها كتب الله، فالعجب من جعل [قول] (٤) رابعة وغيرها أرفع حالاً من [أحوال] (٥) [٢٦٦/ أ] رسل الله، وأما قول الخليل فيطالب بإسناده أولاً، وثانياً: أن قوله: "علمه بحالي يغنيه عن سؤالي" هو سؤال وإعلام بأن الله تعالى عالم بحاجاته، فأين هو من قول من قال: "لا يكون الفقير فقيراً حتى لا يكون له إلى الله حاجة"؟ وإنما هذا يناسب لو قال الخليل: ما لي إليه حاجة، وحاشاه عن مثل هذه الدعوى الباطلة، وهذه نفثة من شطحات الصوفية. ٦ - وعن جابر ﵁ قال: قَالتِ امرأةٌ: يا رَسُول الله، صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلَّى الله عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ". أخرجه أبو داود (٦). [صحيح] قوله: "في حديث جابر: فقال ﷺ : صلى الله عليك وعلى زوجك" سيأتي أن هذا من أدلة من أجاز الصلاة على غير الأنبياء استدلالاً لا تفضلاً.

стр. 2047

والحديث أخرجه النسائي (١) عن جابر بلفظ: أتانا النبي ﷺ فنادته امرأتي: يا رسول الله، صلِّ عليَّ وعلى [زوجي] (٢)، فقال ﷺ : "صلى الله عليكِ وعلى زوجكِ"، فيحتمل تعدد القصة. ٧ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلاَّ وَقَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ". أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤). [صحيح] وزاد (٥): "إلَّا قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ". قوله: "في حديث أبي الدرداء: يدعو لأخيه بظهر الغيب" وهو غائب عنه غيبة موت أو غيرها، والأخ المراد به: المؤمن. قوله: "إلا قال الملك" وفي رواية: "الملائكة" والمراد بهم الحفظة، أو غيرهم، أو كل ملك. وفيه فضيلة دعاء العبد لأخيه بظهر الغيب؛ لأنه لا يقول له الملك: "ولك مثل ذلك" إلا عن أمر الله تعالى، ولا يأمر الله تعالى بذلك إلا وهو يريد إجابة الدعاء، فيدل على أن الأفضل للعبد أن يدعو لإخوانه الغائبين عنه ليدعو له الملك المجاب، ويحتمل أنه إخبار من الملك بأن الله تعالى قد أجابه وجعل له مثل ما دعا به، والله ذو الفضل العظيم. وهو يوافق حديث: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٦).

стр. 2048

وترجم البخاري (١): من خص أخاه بالدعاء دون نفسه، وإن حمله ابن حجر (٢) على أعم من هذا. وقولنا: "بمثل ذلك" زيادة (ذلك) من رواية فتح الباري (٣) [٤٠٧ ب]، والذي في "الجامع" (٤) كما في "التيسير": "ولك بمثل"، قال: وفي رواية أبي داود قال: "إذا دعا الرجل لأخيه قالت الملائكة: "آمين ولك بمثل". ٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ". أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف] قوله: "في حديث عائشة: فقد انتصر" فيه أن دعاء المظلوم على من ظلمه انتصار منه عليه، وهل يبقى له حق عنده يطالبه به في الآخرة؟ يحتمل والأظهر أنه بدعائه عليه قد استوفى ما هو له؛ لأنه تعالى قد وعد المظلوم بإجابة دعائه ولو بعد حين، فإذا أجابه فيه لم يبق له عليه حق، والله أعلم. وهل فيه أنه لا ينبغي الدعاء عليه؟ لا دليل في الحديث على ذلك؛ لأن الانتصار جائز، قال الله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (٦). قوله: "أخرجه الترمذي" وقال (٧): حديث حسن.

стр. 2049

الباب الثاني: في أقسام الدعاء وفيه قسمان قد أتى بهما وفصلهما، فالأول: ما أضيف إلى وقت؛ كأدعية يوم عرفة، أو عند وقت النوم، والدعاء وقت هبوب الريح والرعد والسحاب، وغير ذلك مما يأتي، كليلة القدر وأدعية الصلاة. [القسم الأول: في الأدعية المؤقتة المضافة إلى أسبابها، وفيه عشرون فصلاً] (١) الفصل الأول: في ذكر اسم الله الأعظم وأسمائه الحسنى قوله: "الفصل الأول: في ذكر اسم الله الأعظم وأسمائه الحسنى" من عطف الأعم على الأخص، فإن اسمه الأعظم من أسمائه الحسنى، وهكذا ترجم ابن الأثير (٢) الباب من أوله إلى هنا، إلا أنه لا يخفى أن ذكر هذا الفصل الأول ليس [٤٠٨ ب] المذكور فيه من الأدعية المؤقتة المضافة إلى أسبابها. واسمه تعالى الأعظم قد وصفه ﷺ بوصف كاشف عن حقيقته بقوله: "الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" كما يأتي. واعلم أن المراد من أسمائه الحسنى هي صفاته (٣) تعالى.

стр. 2050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2051

كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). وفي كتب التفسير (٢): الحسنى التي هي أحسن الأسماء؛ لأنها تدل على معانٍ حسان من تمجيد وتقديس "فسموه بها" سموه بتلك الأسماء، وقيل: الأوصاف الحسنى وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان ونحو ذلك، والحسنى تأنيث الأحسن. ١ - عن بريدة ﵁ قال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ: أَنْتَ الله لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، فَقَالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَد سَأل الله بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذا دُعِيَ بِهِ أَجابَ وَإِذا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى". أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). [صحيح] قوله: "في حديث بريدة: سمع رجلاً" هو أبو عياش (٥) الزرقي الأنصاري، واسمه زيد ابن الصامت، ويقال عبد الرحمن، ويقال عبيد بن الصامت، ذكره القسطلاني.

стр. 2052

قوله: "اللهم إني أسألك بأني أشهد" أي: بسبب أني أشهد، أو مستعيناً، أو نحو ذلك، ويأتي تفسير ما فيه من الألفاظ، وقد حذف المسئول الذي يسأله؛ لأن الأهم ما ذكر من التنصيص على اسم الله الأعظم، والكلام يحتمل أن كل ما ذكر هو الاسم، ويحتمل أنه أحد الألفاظ من بعد قوله: "أشهد أنك"، ولكن من أراد الدعاء بالاسم الأعظم أتى بهذه الألفاظ؛ كلها لأنه غير معين فيها. قوله: "هذه رواية الترمذي". قلت: وقال (١): حسن غريب. ٢ - وعن محجن بن الأدرع ﵁ قال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بالله الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ: "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ". أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣). قوله: "وعن محجن" بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون. "ابن الأدرع" [٤٠٩ ب] بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة وفتح الراء وبالعين المهملة وهو الأسلمي من بني أسلم بن أفصي بالفاء والصاد المهملة، كان محجن قديم الإسلام عداده في البصريين. قاله ابن الأثير (٤). ويقال: إنه ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث. قوله: "قد غفر له، قد غفر له، قد غفر له" فيه دليل على إجابة الداعي بهذه الأسماء الحسنى، إما لأنها اشتملت على الاسم الأعظم، أو لأمر آخر.

стр. 2053

٣ - وعن أنس ﵁ قال: دَعَا رَجُلٌ فَقَالَ: اللهمَّ إِنِّي أسأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ المَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرْضِ ذُو الجَلاَلِ والإِكْرامِ. يا حَيُّ يا قَيُّومُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتَدْرُونَ بِما دَعا؟ ". قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَده، لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذا سُئِلَ بِهِ أً عْطَى". أخرجه أصحاب السنن (١). [صحيح] قوله: "في حديث أنس: لقد دعا الله باسمه الأعظم" هذا لا ينافي ما سبق من حديث بريدة؛ لأنه يحتمل تعدد اسمه الأعظم، وكذلك ما يأتي من حديث أسماء بنت يزيد أنه في الآيتين آية البقرة وآية آل عمران. واعلم أن هذه الأحاديث أثبتت بأن لله تعالى أسماء أعظم، وقد أنكر ذلك قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة، فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، قالوا: لأن ذلك يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل [٤١٠ ب] , وحملوا ما ورد في ذلك على أن المراد بالأعظم. العظيم وأسماء الله كلها عظيمة. قال ابن حبان (٢): الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الثواب الداعي بذلك، وقيل: المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسماء الله دعا العبد به ربه مستغرقاً بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله، فإن من تأتَّى له ذلك استجيب له.

стр. 2054

قلت: بعد ثبوت الأدلة على إثبات الاسم الأعظم في السنة لا وجه لمخالفة ذلك. وقال آخرون ممن أثبته: إنه استأثر الله بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، وأثبته آخرون معيناً، واضطربوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر (١): إن جملة ما وقف عليه من ذلك أربعة عشر قولاً: الأول: "هو" قال: نقله الفخر الرازي (٢) عن معظم أهل الكشف، واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام معظم [] (٣) لم يقل له: أنت قلت كذا، وإنما يقول: هو يقول، تأدباً معه. انتهى. وأقره ابن حجر. وأقول لفظ: "هو" لم يعده أحد في أسمائه ولا صفاته ولا هو اسم علم له، وإنما هو ضمير غائب (٤) موضوع لغة لذلك. وقولهم ما هو لحي لم يرد به كلام عربي، ثم هذا ينقض قول الفخر نفسه أنه لا يجوز أن يطلق على الله لفظ إلا ما ورد به الكتاب أو السنة، وهذا معنى كونها توقيفية (٥)، فيقال: لفظ "هو" لا يطلق عليه تعالى؛ لأنه لم يرد بإطلاقه اسماً له أو صفة كتاب ولا سنة. "هو" ضمير من الضمائر التي تعود إلى متقدم لفظاً وحكماً والضمائر [٤١١ ب] ليس في الأسماء الحسنى شيء منها؛ فهو غير صحيح لإطلاقه عليه لغة وشرعاً.

стр. 2055

وأما دليله؛ ففي غاية المخالفة لدعواه، فإن الدعوى أنه اسم لله، ثم قال: وإنما يقول هو يقول كذا، بلفظ (هو) ضمير اتفاقاً عائد إلى قائل القول المقدم لفظاً أو حكماً، كما أن (أنت) الذي عدل عنه ضميراً اتفاقاً للمخاطب وقال: إنه يقال ذلك تأدباً فأين هو مما ادعاه؟ فالعجب إقرار الحافظ لكلامه وتقديمه على كل الأقوال، فهذا قول دون النظر إلى من قال لا إلى ما قال والمأمور به عكس هذا. وأما قول الفخر: أنه قول معظم أهل الكشف؛ فالمحققون من العلماء لا يقولون بأن الكشف - إن كانوا قالوه - عن كشف ليس بدليل ولا حجة ولا يصح الحكم به، وحقيقته الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الخفية الحقيقة وجوداً وشهوداً، كما قاله المناوي في "التعريفات" (١)، والله لا يطلع (٢) على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، وكلامنا في غير رسل الله. ثم قال (٣): الثاني (الله) لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ولهذا أضيفت إليه. ثم ذكر الثالث شبه ضعيف، فلا حاجة إلى ذكره. وذكر الرابع وهو ما في حديث أسماء بنت يزيد (٤) وضعفه؛ لأن فيه شهر بن حوشب.

стр. 2056

وذكر الخامس أنه (الحي القيوم) وذكر أنه قواه الرازي (١)، واحتج بأنهما يدلان على صفات العظمة والربوبية، ولا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. السابع (٢): "الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم" [٤١٢ ب] ورد ذلك مجموعاً في حديث أنس عند أحمد (٣) والحاكم (٤)، وأصله عند أبي داود (٥) والنسائي (٦) وصححه ابن حبان (٧). ثم قال: الثامن (٨) "ذو الجلال والإكرام" أخرجه الترمذي (٩) من حديث معاذ بن جبل قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: "يا ذا الجلال والإكرام، فقال: قد استجيب لك فسل"

стр. 2057

واحتج له الفخر الرازي (١) بأنه شمل جميع الصفات المعتبرة من الإلهية لأن في "الجلال" الإشارة إلى جميع السلوب و"الإكرام" إلى جميع صفات الإثبات. التاسع (٢): "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) والحاكم (٦) وابن حبان (٧)، وهو الذي تقدم في التيسير من حديث بريدة. قال الحافظ (٨): إنه أرجح من حيث السند من جميع ما تقدم. ثم ذكر بقية (٩) الأقوال إلى أربعة عشر لم نجد عليها دليلاً ناهضاً فلم نذكرها. [٤١٣ ب]. ٤ - وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "اسْمُ الله الأعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (١٠)، وَفَاتِحَةُ سُورَةِ آلِ

стр. 2058

عِمْرَانَ: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وصححه. قوله: "وعن أسماء بنت يزيد" هي أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل وافدة النساء، روى عنها مسلم بن عبيد وليست بنت يزيد بن السكن. وقد جعل ابن عبد البر وافدة النساء بنت يزيد بن السكن، ولم يذكر هذه الأخرى في كتابه "الاستيعاب" (٤)، قاله ابن الأثير (٥). قلت: وقدمنا في الجزء الأول ذكر وفاتها وكلامها لرسول الله ﷺ (٦) [٤١٠ ب]. ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ إِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ". وفي رواية: "مَنْ أَحْصَاها" أخرجه البخاري (٧) بهذا اللفظ، ومسلم (٨) بدون ذكر الوتر، والترمذي (٩).

стр. 2059

وزاد فعدها: "هُوَ الله الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السَّلاَمُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبَّارُ، المتكَبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفّارُ، القَهَّارُ، الوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الفَتَّاحُ، العَلِيمُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الخافِضُ، الرَّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَليُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، المُقِيتُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الوَاسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المَجِيدُ، البَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، المُحْصِي، المُبْدِئ، المُعِيدُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، الوَاجِدُ، المَاجِدُ، الوَاحِدُ، الأحَدُ، الصَّمَدُ، القادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، البَاطِنُ، الوَالِي، المُتَعَالِي، الَبرُّ، التَّوَّابُ، المُنتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّءُوفُ, مالِكُ المُلْكِ، ذُو الجَلاَلِ والإِكْرامِ، المُقْسِطُ الجامِعُ، الغَنيُّ، المُغْني، المَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الهادِي، البَدِيعُ البَاقِي، الوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". ولم يفصل الأسماء غير الترمذي (١).

стр. 2060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2061

قوله: "في حديث أبي هريرة: إن لله تسعة وتسعين اسماً" لا دليل فيه على الحصر، وأنه ليس له تعالى إلا هذه الأسماء، بل هذه اختصت بأن من حفظها أو أحصاها [٤١١ ب] دخل الجنة، وإلا فحديث: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به عندك" أخرجه أحمد (١) وصححه ابن حبان (٢)، فإنه

стр. 2062

يدل على تعدد أسمائه تعالى، وأن منها ما لا يعلمه أحد، وإلى هذا ذهب الجمهور، ونقل النووي (١) [٤١٢ ب] اتفاق العلماء عليه. وقال (٢): ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين. ونقل في "الفتح" (٣) عن ابن حزم (٤) أنه ذهب إلى حصر أسماء الله تعالى في التسعة والتسعين، واستدل بأنه ﷺ قال: "مائة اسم إلا واحد" قال: لأنه لو جاز أن يكون له اسم واحد زائد على العدد المذكور لزم أن يكون مائة اسم، فبطل قوله: مائة إلا واحد. قال في "الفتح" (٥): وهذا الذي قاله ليس بحجة؛ لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل [٤١٣ ب] لمن أحصاها، فمن [٢٦٧/ أ] ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد، هذا وأما الحكمة في الاقتصار على العدد المذكور؛ فذكر الرازي (٦) عن الأكثر أنه تعبد لا يعقل معناه كما قيل في أعداد الصلوات وغيرها، وتكلف أقوام لاستخراج وجه الحكمة فأتوا بما لا دليل عليه.

стр. 2063

قال القرطبي (١): أسماء الله وإن تعددت فلا تعدد في ذاته ولا تركيب، [لا محسوساً كالجسميات] (٢) ولا عقلياً كالمحدودات، إنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم من جهة دلالتها على أربعة أضرب؛ الأول: ما يدل على الذات مجردة كالجلالة؛ فإنه يدل عليه دلالة مطلقة غير مقيدة، وبه تعرف جميع أسمائه، فيقال مثلاً: الرحمن من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولهذا كان الأصح أنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة. الثاني: ما يدل على الصفات الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير. والثالث: ما يدل على إضافة أمر إليه؛ كالخالق والرازق. الرابع: ما يدل على سلب شيء عنه، كالعلي والقدوس. وهذه الأقسام الأربعة منحصرة في النفي والإثبات. وقال الفخر الرازي (٣): الألفاظ [٤١٤ ب] الدالة على الصفات ثلاثة ثابتة في حق الله قطعاً وممتنعة قطعاً وثابتة، لكن مقرونة بكيفية. فالقسم الأول: منه ما يجوز ذكره مفرداً لا مضافاً، وهو كثير جداً؛ كالقادر والقاهر. ومنه: ما يجوز مفرداً ويجوز مضافاً إلا [بشرط] (٤)، ويجوز مفرداً؛ كالخالق، ويجوز: خالق كل شيء مثلاً، ولا يجوز: خالق القدرة، ومنه عكسه يجوز مضافاً ولا يجوز مفرداً كالمنشئ، فيجوز: منشئ الخلق، ولا يجوز: منشئ فقط. والقسم الثاني: إن ورد السمع بشيء فيه أطلق وحمل على ما يليق به.

стр. 2064

والقسم الثالث: إن ورد السمع بشيء منه أطلق ما ورد منه، ولا يقاس عليه، ولا يتصرف منه بالاشتقاق، نحو قوله: "ومكر الله"، "ويستهزئ"، فلا يجوز: ماكر ومستهزئ. انتهى. [٢٦٨/ أ]. قوله: "في حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (١) [وهذا اللفظ لمسلم] (٢) " (٣). قال الحافظ ابن حجر (٤) أنه قال ابن عطية في [تفسيره] (٥): أنه متواتر عن أبي هريرة، كذا قال. ولم يتواتر الحديث من أصله وإن خرج في الصحيح، بل غاية أمره أن يكون مشهوراً. قوله: "وزاد" أي: الترمذي: "فعدها". اعلم (٦) أنه اختلف العلماء في سرد الأسماء: هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول، وذهب آخرون إلى أنه مدرج، قالوا: لخلوّ أكثر الروايات عنه. قال الداودي (٧): لم يثبت أن النبي ﷺ عَيَّن الأسماء المذكورة.

стр. 2065

وقال ابن العربي (١): يحتمل أن الأسماء من الحديث المرفوع، ويحتمل أن تكون من جمع بعض الرواة، وهو الأظهر عندي. قال الحافظ ابن حجر (٢) - بعد نقل أقوال واسعة -: وإذا تقدر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعاً؛ فقد [٤١٥ ب] اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد، منهم: جعفر بن محمَّد الصادق، ومنهم: أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم الزاهد، ومنهم: أبو محمَّد بن حزم (٣)، وآخرهم فيما علمناه الإمام الكبير: محمَّد بن إبراهيم الوزير؛ فإنه قال في "إيثار الحق على الخلق" (٤): أنه عد ما وجده منصوصاً منها في كتاب الله باليقين من غير تقليد، قال: والذي عرفت منها إلى الآن بالنص الصريح دون الاشتقاق في القرآن مائة وخمسة وخمسين ثم سردها، وقال: إنها أصح الأسماء وأحبها إلى الله، حيث اختارها في أفضل كتبه لأفضل أنبيائه. قوله: "وتر" (٥) يجوز فتح الواو وكسرها، والوتر: الفرد، ومعناه في حق الله: أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته ولا اتصافه.

стр. 2066

قوله: "يحب الوتر" قال عياض (١): معناه: أن الوتر في اللغة بضد الشفع في أسمائه؛ لأنه دال على الوحدانية في صفاته، وقيل: لأنه أمر بالوتر في كل شيء كالصلوات الخمس والطواف وأعداد الطهارة، وفي المخلوقات؛ كالسماوات السبع والأرض. قوله: "وفي رواية: من أحصاها دخل الجنة". قلت: لفظ: "حفظها" و"أحصاها" كلاهما للشيخين، فالآخر لمسلم. قال الخطابي (٢) - ما معناه -: الإحصاء في مثل هذا يحتمل وجوهاً، أحدها: أن يعدها حتى يستوفيها، يريد أن لا يقتصر على بعضها، بل يدعو الله بها كلها ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب. ثانيها: المراد بالإحصاء الإطاقة، كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٣)، ومنه حديث: "استقيموا ولن تحصوا" (٤)، أي: تبلغوا [٤١٦ ب] كنه الاستقامة. والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه اعتقادها، فإذا قال: الرزاق؛ وثق بالرزق، وكذلك سائر الأسماء. ثالثها: المراد بالإحصاء: الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو حصاةٍ، أي: ذو عقل ومعرفة.

стр. 2067

قال القرطبي (١): المرجو من الله أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على أحد المراتب أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين. وفيها أقوال أخر سردها في "فتح الباري" (٢) وقال: معنى أحصاها: حفظها، وهو الأظهر؛ لثبوته نصاً في الخبر. وقال النووي في "الأذكار" (٣): وهو قول الأكثرين. وقيل: الإحصاء هو أن يعلم معنى كل اسم [٢٦٩/ أ] بالنظر في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، ولا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواص نفعها. وموقع العد بمقتضى كل اسم وهذا أرفع المعاني، ومنها: أن يتخلق بما يقدر عليه منها، كأن يتخلق بالحلم من صفة الحليم وبالعفو من صفة العفو ونحو ذلك، وقد روي: "تخلقوا بأخلاق الله" (٤) وهي صفاته. وسنشير في كل اسم إلى ما يليق بالعبد أن يتخلق به. [٤١٧ ب]. (فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى) في معاني الأسماء المتقاربة في المعنى من أنه: هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد؟ أم لا بد أن تختلف (٥) مفهوماتها؟ ثم قالوا: كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والباري.

стр. 2068

قال: وهذا - أي الترادف - مع عدها في التسعة والتسعين مما يستبعده غاية الاستبعاد؛ لأن الاسم لا ترادف لحروفه بل لمعانيه، والمعاني المترادفة لا تختلف إلا حروفها، وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني، فإذا خلا عن المعنى لم يبق إلا الألفاظ، والمعنى إذا دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد، فبعيد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد، بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ مخصوص معنى - إلى أن قالوا -: فإذا رأينا لفظين متقاربين فلا بدَّ أن نتكلف إظهار مزية أحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالته بما يدل عليها الآخر. مثلاً: الغافر (١) والغفور والغفار [٤١٨ ب] لم يكن تعبداً أن يعد هذا ثلاثة؛ لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب، حتى أن من لا يغفر إلا نوعاً واحداً من الذنوب قد لا يقال له غفور، والغفار يشير إلى كثرة على سبيل التكرار، أي: يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى أن من يغفر جميع الذنوب أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى؛ لم يستحق اسم الغفار. وكذلك الغني (٢) والملك؛ فإن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء، والملك أيضاً هو الذي لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيداً معنى الغني وزيادة. انتهى. واعلم أن صاحب التيسير أخذ تفسير الأسماء الحسنى بما يذكره من غريب (٣) جامع ابن الأثير، ولا يفاوته إلا في حذفه لشيء يسير.

стр. 2069

فإن قلنا: "فسراه" فمرادنا ابن الأثير وصاحب التيسير، ولما قد شرح هذه الأسماء الحسنى جماعة من أئمة العلم؛ رأيت من كمال الإفادة نقل غالب ما قالوه، وتركت ما يطول به من ضرب الأمثال ونحوها من الأقوال. فإن قلت: "تفاسير ابن الأثير وصاحب التيسير" هي التفاسير بمعناها لغة، فهذه التفاسير التي أتى بها شراح [٤١٩ ب] الأسماء الحسنى ما مستندهم فيها؟ قلتُ: لا ريب أن أهل اللغة يفسرونها بالمعاني اللغوية باعتبار ما عرفوه فيمن يتصف بها من العباد، وشراح الأسماء نظروا إلى وصف الله بها، وقد علم أنه ليس مثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فإذا وجدناه قد وصف نفسه بشيء مما يطلق على العباد فلا نقتصر بتفسيره على ما فسرناه به ذلك اللفظ الذي أطلق على العباد وقاله أهل اللغة، فإنهم إنما قالوه ناظرين إلى ما عرفوه ممن اتصف به من العباد، فإن اقتصرنا عليه في اللفظ الذي أطلق عليه تعالى كان تقصيراً به عن حقه، وربما كان تشبيهاً بخلقه، فإنك تصفه بأنه عالم كما وصف به نفسه، وتصف العالم من العباد بذلك وبين العلمين من التفاوت ما لا تحيط به عبارة؛ فإن الله تعالى [ذاتي] (١) بعلمه الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وعلم العباد إنما هو بتعليم الله، كما قالت الملائكة الذين - هم هم -: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٢)، وقال لأكرم خلقه عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (٣)، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ

стр. 2070

كُلَّهَا﴾ (١)، ولذا يفسرون علم المخلوق بالصورة الحاصلة في الفعل وعند الفعل ولا يدخل علمه تعالى فيه. فإذا عرفت هذا وأردت تفسير صفة من صفاته تعالى [٤٢٠ ب] وجب عليك إمعان النظر وإتعاب الفكر والإتيان بما تظن أنه المراد بمعناه بالنظر إلى عظمة من اتصف به، ورفعة شأنه ومخالفته للموصوفين في كل شيء مع ملاحظة المعنى اللغوي؛ لأن أسماءه عربية، وهي من القرآن وهو عربي، ولذا ذهب المحققون من أئمة الدين إلى أنها لا تكيف صفاته تعالى، بل نؤمن بها ونصدقها ولا نكيفها؛ لأنه لا يعرف كيفية تعلق الصفة بالموصوف إلا من عرف كنه الموصوف، والله يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢) نفياً عاماً، وقال في نفي إحاطتهم بعلمه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٣) فاستثنى وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) نفي عام أيضاً. فإن قلتَ: كيف يخاطبهم بصفة لا يعرفون كيفية تعلقها به؟ وأي فائدة في ذلك؟ قلتُ: هذا شيء كثير في المخاطبات وفي كلامه تعالى، مثل خطابهم لهم بأحكام النفس والروح، وهما متعلقان بالمخاطبين ولا يعرفون ماهيتهما، ولا كيفية تعلقهما بهما، ويذكر لهم
следующие страницы →