قوله: "يحب الوتر" قال عياض (١): معناه: أن الوتر في اللغة بضد الشفع في أسمائه؛ لأنه دال على الوحدانية في صفاته، وقيل: لأنه أمر بالوتر في كل شيء كالصلوات الخمس والطواف وأعداد الطهارة، وفي المخلوقات؛ كالسماوات السبع والأرض.
قوله: "وفي رواية: من أحصاها دخل الجنة".
قلت: لفظ: "حفظها" و"أحصاها" كلاهما للشيخين، فالآخر لمسلم.
قال الخطابي (٢) - ما معناه -: الإحصاء في مثل هذا يحتمل وجوهاً، أحدها: أن يعدها حتى يستوفيها، يريد أن لا يقتصر على بعضها، بل يدعو الله بها كلها ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب.
ثانيها: المراد بالإحصاء الإطاقة، كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٣)، ومنه حديث: "استقيموا ولن تحصوا" (٤)، أي: تبلغوا [٤١٦ ب] كنه الاستقامة.
والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه اعتقادها، فإذا قال: الرزاق؛ وثق بالرزق، وكذلك سائر الأسماء.
ثالثها: المراد بالإحصاء: الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو حصاةٍ، أي: ذو عقل ومعرفة.
стр. 2067
قال القرطبي (١): المرجو من الله أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على أحد المراتب أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين.
وفيها أقوال أخر سردها في "فتح الباري" (٢) وقال: معنى أحصاها: حفظها، وهو الأظهر؛ لثبوته نصاً في الخبر.
وقال النووي في "الأذكار" (٣): وهو قول الأكثرين.
وقيل: الإحصاء هو أن يعلم معنى كل اسم [٢٦٩/ أ] بالنظر في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، ولا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواص نفعها.
وموقع العد بمقتضى كل اسم وهذا أرفع المعاني، ومنها: أن يتخلق بما يقدر عليه منها، كأن يتخلق بالحلم من صفة الحليم وبالعفو من صفة العفو ونحو ذلك، وقد روي: "تخلقوا بأخلاق الله" (٤) وهي صفاته.
وسنشير في كل اسم إلى ما يليق بالعبد أن يتخلق به. [٤١٧ ب].
(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى)
في معاني الأسماء المتقاربة في المعنى من أنه: هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد؟ أم لا بد أن تختلف (٥) مفهوماتها؟
ثم قالوا: كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والباري.
стр. 2068
قال: وهذا - أي الترادف - مع عدها في التسعة والتسعين مما يستبعده غاية الاستبعاد؛ لأن الاسم لا ترادف لحروفه بل لمعانيه، والمعاني المترادفة لا تختلف إلا حروفها، وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني، فإذا خلا عن المعنى لم يبق إلا الألفاظ، والمعنى إذا دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد، فبعيد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد، بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ مخصوص معنى - إلى أن قالوا -: فإذا رأينا لفظين متقاربين فلا بدَّ أن نتكلف إظهار مزية أحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالته بما يدل عليها الآخر.
مثلاً: الغافر (١) والغفور والغفار [٤١٨ ب] لم يكن تعبداً أن يعد هذا ثلاثة؛ لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب، حتى أن من لا يغفر إلا نوعاً واحداً من الذنوب قد لا يقال له غفور، والغفار يشير إلى كثرة على سبيل التكرار، أي: يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى أن من يغفر جميع الذنوب أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى؛ لم يستحق اسم الغفار.
وكذلك الغني (٢) والملك؛ فإن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء، والملك أيضاً هو الذي لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيداً معنى الغني وزيادة. انتهى.
واعلم أن صاحب التيسير أخذ تفسير الأسماء الحسنى بما يذكره من غريب (٣) جامع ابن الأثير، ولا يفاوته إلا في حذفه لشيء يسير.
стр. 2069
فإن قلنا: "فسراه" فمرادنا ابن الأثير وصاحب التيسير، ولما قد شرح هذه الأسماء الحسنى جماعة من أئمة العلم؛ رأيت من كمال الإفادة نقل غالب ما قالوه، وتركت ما يطول به من ضرب الأمثال ونحوها من الأقوال.
فإن قلت: "تفاسير ابن الأثير وصاحب التيسير" هي التفاسير بمعناها لغة، فهذه التفاسير التي أتى بها شراح [٤١٩ ب] الأسماء الحسنى ما مستندهم فيها؟
قلتُ: لا ريب أن أهل اللغة يفسرونها بالمعاني اللغوية باعتبار ما عرفوه فيمن يتصف بها من العباد، وشراح الأسماء نظروا إلى وصف الله بها، وقد علم أنه ليس مثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فإذا وجدناه قد وصف نفسه بشيء مما يطلق على العباد فلا نقتصر بتفسيره على ما فسرناه به ذلك اللفظ الذي أطلق على العباد وقاله أهل اللغة، فإنهم إنما قالوه ناظرين إلى ما عرفوه ممن اتصف به من العباد، فإن اقتصرنا عليه في اللفظ الذي أطلق عليه تعالى كان تقصيراً به عن حقه، وربما كان تشبيهاً بخلقه، فإنك تصفه بأنه عالم كما وصف به نفسه، وتصف العالم من العباد بذلك وبين العلمين من التفاوت ما لا تحيط به عبارة؛ فإن الله تعالى [ذاتي] (١) بعلمه الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وعلم العباد إنما هو بتعليم الله، كما قالت الملائكة الذين - هم هم -: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٢)، وقال لأكرم خلقه عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (٣)، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ
стр. 2070
كُلَّهَا﴾ (١)، ولذا يفسرون علم المخلوق بالصورة الحاصلة في الفعل وعند الفعل ولا يدخل علمه تعالى فيه.
فإذا عرفت هذا وأردت تفسير صفة من صفاته تعالى [٤٢٠ ب] وجب عليك إمعان النظر وإتعاب الفكر والإتيان بما تظن أنه المراد بمعناه بالنظر إلى عظمة من اتصف به، ورفعة شأنه ومخالفته للموصوفين في كل شيء مع ملاحظة المعنى اللغوي؛ لأن أسماءه عربية، وهي من القرآن وهو عربي، ولذا ذهب المحققون من أئمة الدين إلى أنها لا تكيف صفاته تعالى، بل نؤمن بها ونصدقها ولا نكيفها؛ لأنه لا يعرف كيفية تعلق الصفة بالموصوف إلا من عرف كنه الموصوف، والله يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢) نفياً عاماً، وقال في نفي إحاطتهم بعلمه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٣) فاستثنى وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) نفي عام أيضاً.
فإن قلتَ: كيف يخاطبهم بصفة لا يعرفون كيفية تعلقها به؟ وأي فائدة في ذلك؟
قلتُ: هذا شيء كثير في المخاطبات وفي كلامه تعالى، مثل خطابهم لهم بأحكام النفس والروح، وهما متعلقان بالمخاطبين ولا يعرفون ماهيتهما، ولا كيفية تعلقهما بهما، ويذكر لهم
стр. 2071
النوم والموت ولا يعرفون ذلك فيهما، بل وصف لهم الجنة ونعيمها وأخبرهم رسوله ﷺ بأن: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب" (١) وهذا شيء كثير.
وأما الفائدة في ذلك: فليعرف في وصفه بالعلم والقدرة بأن له الكمال الذي تثبتونه أنتم للمخلوقين من العالم والقادر، ولكنه علم غير العلم الذي تثبتونه كما ذكرناه، وقادر قدرة غير ما تعرفونها [٤٢١ ب] فإنه بقدرته أمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويوضحه حديث: "إن قيراط ربنا مثل أحد" (٢)، وقول ابن عباس: "قليل لقيراط ربنا أن يكون كأحد".
وبالجملة: فكل أمر وصف به (٣) تعالى أو أضيف إليه فهو فوق ما تتخيله الأوهام وتحوم حوله الأفهام، فمعاني صفاته إنما تفسر بالتقريب وضرب الأمثال، فهذا الذي ستسمعه
стр. 2072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2075
من تفاسير الغزالي ونحوه هو بعض ما تبلغه قدرة العبد من إيضاح معانيها، وليس فيه شيء من بيان كيفية تعلقها ولا من حرفها عن المراد بها.
стр. 2076
واعلم أن للعلماء قولين في أحاديث الصفات وأتى بها؛ الأول: وهو رأي أئمة التحقيق أنها تجري كما أجراها (١) الله على ظاهرها من غير بحث عن كيفية تعلقها به تعالى ولا السؤال عن ذلك، بل كما قال في تفسير الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب.
والطريقة الثانية: طريقة التأويل كما يقولون: المراد بالاستواء الاستيلاء، ونحو ذلك. والمسألة معروفة والنزاع فيها معروف.
واعلم أنا نأتي عقيب شرح كل صفة ببيان ما يتخلق به العبد منها، ونذكره بلفظ "فائدة" وهي مأخوذة من كلام شراح الأسماء، إلا أني قد أحذف شيئاً مما يذكرونه وأذكر شيئاً لم يذكروه.
ووجه إثباتي لهذه الفوائد قوله ﷺ : "تخلقوا بأخلاق الله" (٢) انتهى. ولم يخرج الحديث.
وقد أخرجه [] (٣).
فلذا أعبر في أول كل فائدة بقوله: "يتخلق العبد ... " إلى آخره، والمراد بالتخلق بما ذكر هو ما ذكرنا في الفوائد للحلم؛ لأن الله حليم [٤٢٢ ب] يحب الحلم، وبكريم؛ لأن الله كريم يحب الكرم.
ثم اعلم أيضاً أن ابن الأثير والمصنف في التيسير حذفا من تفسير التسعة والتسعين أسماء كثيرة، لا أدري ما وجه حذفهما تفسيرها، وكأنه لتداخل معاني بعضها ببعض، إلا أن
стр. 2077
بعض ما شرحناه كذلك يمكن تداخل بعضها مع بعض، فالذي [شرحاه] (١) من التسعة والتسعين خمسة وستين. اسماً فقط، وقد رأينا استيفاء شرح ما تركاه.
شرح (٢) أسماء الله الحسنى
" القُدُّوسُ": الظاهر من العيوب.
"السَّلاَمُ": ذو السلام، أي: الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة.
"المؤْمِنُ": الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان بمعنى التصديق، أو يؤمنهم يوم القيامة من عذابه، فهو من الأمان.
"المهَيْمِنُ": الشهيد، وقيل: الأمين، وأصله: مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء، وقيل: الرقيب الحافظ.
"العزِيزُ": القاهر الغالب، والعزة: الغلبة.
"الجَبَّارُ": هو الذي أجبر الخلق وقهرهم على ما أراد من أمر ونهي. وقيل: هو العالي فوق خلقه.
"المتَكَبَّرُ": المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في "المتكبر" تاء المنفرد والمتخصص، لا تاء المتعاطى المتكلف، وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله تعالى، لا من الكبر الذي هو مذموم.
"البَارِئ": هو الذي خلق الخلق لا عن مثال، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله تعالى النسمة، وخلق السموات والأرض.
стр. 2078
"المُصَوِّرُ": هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل.
"الغَفَّارُ": هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد مرة، وأصل الغفر: الستر والتغطية، فالله تعالى غافر لذنوب عباده ساتر لها بترك العقوبة عليها.
"الفَتَّاحُ": هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمنغلق عليهم من أرزاقهم.
"القَابِضُ": الذي يمسك الرزق عن عباده بلطفه وحكمته.
"البَاسِطُ": الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجواده ورحمته، فهو الجامع بين العطاء والمنع.
"الخَافِضُ": الذي يخفض الجبارين والفراعنة، أي: يضعهم ويهينهم.
"الرَّافِعُ": هو الذي يرفع أولياءه ويعزهم، فهو الجامع بين الإعزاز والإذلال.
"الحَكَمُ": الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّم له الحكم ورد إليه.
"العَدْلُ": هو الذي لا تميل به الأهواء فيجور في الحكم، وهو من المصادر التي يسمى بها، كرجل ضيف وزور.
"الّلطِيفُ": الذي يُوصِل إليك أربك في رفق، وقيل: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية.
"الخَبِيرُ": العالم العارف بما كان وما يكون.
"الغفُورُ": من أبنية المبالغة في الغفران.
"الشَّكْورُ": الذي يجازي عباده ويثيبهم على أفعالهم الصالحة، فشكر الله تعالى لعباده إنما هو مغفرته لهم وقبوله لعبادتهم.
стр. 2079
"الكَبِيرُ": هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن.
"المُقِيتُ": هو المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق.
"الحَسِيبُ": هو الكافي، وهو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى: مؤلم، وقيل: هو المحاسب.
"الرَّقِيبُ": هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
"المُجِيبُ": هو الذي يقبل دعاء عباده ويستجيب لهم.
"الوَاسِعُ": الذي وسع غناه كل فقير، ورحمته كل شيء.
"الوَدُودُ": فعول بمعنى: مفعول من الوُدّ، فالله تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: إن الله تعالى يودُّ عباده الصالحين، بمعنى يرضى عنهم.
"المْجِيدُ": هو الواسع الكريم، وقيل: هو الشريف.
"البَاعِثُ": هو الذي يبعث الخلق بعد الموت يوم القيامة. "الشَّهِيدُ": هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها.
"الحَقُّ": هو المتحقق كونه ووجوده.
"الوَكِيلُ": هو الكفيل بأرزاق عباده، وحقيقته: أنه الذي يستقل بأمر الموكول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (١).
"القَوِيُّ": القادر، وقيل: التام القدرة والقوة، الذي لا يعجزه شيء.
"المتِينُ": هو الشديد القوي الذي لا تلحقه في أفعاله مشقة.
"الوَلِيُّ": الناصر، وقيل: المتولي للأمور القائم بها كولي اليتيم.
стр. 2080
"الحَمِيدُ": المحمود الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول.
"المُحصي": هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء من الأشياء دق أو جل.
"المْبْدئُ": الذي أنشأ الأشياء، واخترعها ابتداء.
"المُعِيدُ": هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة.
"الوَاجِدُ": هو الغني الذي لا يفتقر، وهو من الجِدة والغِنى.
"الوَاحِدُ": هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، وقيل: هو المنقطع القرين والشريك.
"الأحد": الفرد، والفرق بين الواحد والأحد: أن أحداً بني لنفي ما يذكر معه من العدد، فهو يقع على المذكر والمؤنث، يقال: ما جاءني أحد، أي: لا ذكر ولا أنثى، وأما الواحد؛ فإنه وضع لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول فيه: جاءني أحد من الناس، فالواحد بني على انقطاع النضير والمثل، والأحد بني على الانفراد، والوحدة عن الأصحاب، فالواحد منفرد بالذات، والأحد منفرد بالمعنى.
"الصَّمَدُ": هو السيد الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، أي: يقصدونه.
"المُقْتَدِرُ": مفتعل من القدرة، وهو أبلغ من قادر.
"المقَدِّمُ": الذي يقدم الأشياء فيضعها في مواضعها.
"المُؤَخِّرُ": الذي يؤخرها إلى أماكنها، فمن استحق التقديم قدّمه، ومن استحق التأخير أخره.
"الأوَّلُ": هو السابق للأشياء كلها.
"الآخِرُ": الباقي بعد الأشياء كلها.
"الظّاهِرُ": هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.
"البَاطِنُ": هو المحتجب عن أبصار الخلائق.
стр. 2081
"الوالِي": مالك الأشياء، المتصرف فيها.
"المُتَعالِي": هو المنزه عن صفات المخلوقين تعالى أن يوصف بها .
"البَرُّ": هو العطوف على عباده ببره ولطفه.
"المُنْتَقِمُ": هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء، وهو مفتعل من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهية حدّ السخط.
"العَفُوُّ": فعول من العفو بناء مبالغة، وهو الصفوح عن الذنوب.
"الرَّؤُوفُ": هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، والفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهية.
"ذُو الجِلاَلِ والإكْرَامِ": مصدر جليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال.
"المُقْسِطُ": العادل في حكمه، أقسط الرجل إذا عدل، فهو مقسط، وقسط: إذا جار، فهو قاسط.
"الجَامِعُ": هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب.
"المَانِعُ": هو الناصر الذي يمنع أولياءه أن يؤذيهم.
"النُّورُ": هو الذي يبصر بنوره ذوو العماية، ويرشد بهداه ذوو الغواية.
"الُوَارِثُ": هو الباقي بعد فناء الخلائق.
"الرِّشِيْدُ": هو الذي يرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفعِل.
"الصُّبُورُ": هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى، فمعنى الصبور في صفة الله تعالى قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنون منها في صفة الحليم.
سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون علوَّاً كبيراً.
стр. 2082
قوله: "هو" هذا ضمير (١) الشأن على الشأن العظيم هو الله ... إلى آخره، وهو مثل ضمير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٢).
"الله" (٣) هذا هو الاسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، وإنما استحق الوجود منه.
قال الغزالي: إن هذا الاسم أعظم الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، وسائر الأسماء إنما تدل آحادها على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره، ولأنه أخص الأسماء، إذ لا يطلقه أحد على غيره، لا حقيقة ولا مجاز. وسائر الأسماء قد يسمى بها غيره؛ كالقادر والعليم والرحيم، فلهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء.
فائدة: يتخلق من هذا الاسم بالتأله وأعني به: أن يكون مستغرق القلب والهم بالله، ولا يرى غيره، ولا يلتفت إلى سواه [٤٢٣ ب] ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، وكيف لا يكون ذلك وقد فهم من هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فإنه هالك باطل، فيرى نفسه أول هالك وباطل كما رآه النبي ﷺ ، حيث قال: "أصدق شعر قاله شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
قوله: "الرحمن الرحيم" فسراه بما تراه، وفسره غيرهما: هما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة تستدعي مرحوماً، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، والرحمة التامة إفاضة الخير على
стр. 2083
المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة [هي] (١) التي تناول المستحق وغير المستحق، ورحمته (٢) تعالى تامة وعامة.
أما إتمامها؛ فمن حيث أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاءها.
وأما عمومها؛ فلشمولها المستحق وغيره، وعم الدنيا والآخرة وتناول الضروريات والحاجيات والمزايا الخارجة عنها، فهو تعالى الرحيم المطلق.
واعلم أن الرحمن أخص (٣) من الرحيم، ولذلك لا يسمى به غير الله، والرحيم قد يطلق على غيره، فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله الجاري مجرى العلم، وإن كان هذا مشتقاً من الرحمة قطعاً [٢٧٠/ أ] ولذا سوى الله بينهما في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤)، فالرحمن العطوف على عباده بما لا نحصيه من أياديه.
فائدة: حظ العبد من هذين الاسمين أن يرحم عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنصح وبطريق اللطف دون العنف (٥)، وأن لا يدع فاقة لمحتاج إلا سدها بقدر طاقته، ولا يترك فقيراً إلا يسعى في تعهده بماله أو [٤٢٤ ب] بجاهه، فإن عجز عن ذلك أعانه بالدعاء له.
стр. 2084
قلت: وقد ذكر عباده بما صدر عن صفته رحمته فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (١)، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (٢)، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٣).
[] (٤) وها هنا سؤال أوردوه في المقام وأجابوا عنه جواباً نفيساً، قالوا ما معناه: فإن قلت: ما معنى كونه رحيماً وأرحم الراحمين وأنت ترى الدنيا طافحة بأهل الابتلاء من الأمراض والمحتاجين وغير ذلك، وهو تعالى قادر قطعاً على إزالة ما بهم وإماطة كل بلية وحاجة وفقر؟
والجواب (٥): أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة، والأب العاقل يحمله عليها قهراً، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام ابنه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه، وتمام شفقته، وأن الأم عدو له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سبباً للذة الكثيرة لم يكن شراً، بل كان خيراً، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي
стр. 2085
ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر أعظم، فقطع اليد لسلامة البدن شر لكن في ضمنه خير [٤٢٥ ب]، [والنظر] (١) الأول في قطعها السابق إلى نظر القاطع السلامة التي هي خير محض، فهي غرض الغرض، فإن السلامة مطلوبة لذاتها أولاً، والقطع مطلوب لغيره ثانياً لا لذاته (٢).
والمراد لذاته قبل المراد لغيره؛ فإنه مطلوب ثانياً والكل مراد، لكن إرادة الخير لذاته وإرادة الشر لغيره، وهو ما في ضمنه من الخير، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلاً، فإن خطر ببالك نوع من الشر ما ترى تحته خيراً، أو خطر لك أن ذلك الخير ممكن حصوله بغير حصول الشر، فاتهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين (٣)، ولا تشكنَّ أصلاً في أنَّه تعالى الرحمن الرحيم أرحم الراحمين.
قوله: "الملك" لم يفسراه كما تراه.
стр. 2086
وقال غيرهما (١): هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء (٢) لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في وجوده، ولا في بقائه، بل كل شيء فوجوده منه، أو مما هو منه، فكل شيء سواه فهو له مملوك في ذاته وصفاته، وهو مستغن عن كل شيء، فهذا هو الملك المطلق.
فائدة (٣): العبد لا يتصور أن يكون [ملكاً] (٤) مطلقاً أصلاً؛ فإنه أبداً مفتقر إلى الله وإن استغنى عما سواه، ولا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء، لكن يستغني عنه أكثر الموجودات، نعم .. للعبد مملكة خاصة به وهي قلبه وقالبه، وجنده شهوته وغضبه وهواه، ورعيته لسانه ويداه وعيناه وسائر أعضائه، فإذا ملكها ولم تملكه وأطاعته ولم يطعها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإذا انضم إليه استغناؤه عن [كل] (٥) الناس واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة فهو الملك في العالم الأرضي، وهذه رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك [٤٢٦ ب] العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قوتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن [الإرشاد] (٦)، وهذا الملك عطية من الملك الحق للعبد يعطيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 2087
قوله: "القُدُّوْسُ" (١) فسراه بما تراه وقال غيرهما: هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو لقصوره خيال أو سبق إليهم وهم، أو يختلج به ضميراً أو يقضي به تقدير. ولست أقول: منزه عن العيوب والنقائص، فإن ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب فليس من الأدب أن يقول القائل: ملك البلد ليس بحائك ولا حجام؛ فإن نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الإيهام نقص بل أقول القدوس، ثم قال: هو مضموم الأول، وقد روي بفتحه وليس بالكثير، ولم يجئ مضموماً من هذا الباب إلا: قدوس وسبوح وذروح.
وقال سيبويه (٢): ليس في هذا الكلام فعول بالضم. انتهى.
هو المنزه (٣) عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق؛ لأن الخلق أولاً نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال، ولكن وصفهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم واختيارهم، ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني وقالوا: إن هذه هي أسماء الكمال.
стр. 2088
[ووضعوها] (١) إلى ما هو نقص في حقهم مثل: جهلهم وعجزهم، وعماهم وصممهم وخرسهم، فوضعوا [٢٧١/ أ] بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ، ثم كان غايتهم في الثناء على الله [تعالى أن وصفوه بما هو من أوصاف كلامهم] (٢) من علم وقدرة وسمع وبصر وتكلم، [وإن نضوا] (٣) عنه ما هو صفات [٤٢٧ ب] بعضهم، والله تعالى منزه عن أوصاف كمالهم، كما أنه منزه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة تتصورها للخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاقها عليه. انتهى.
قلت: حاصله أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته.
قوله: "السَّلام" (٤) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: هو الذي سلم ذاته عن العيوب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، حتى إذا كان كذلك لم يكن في الوجود سلامة إلا
стр. 2089
وكانت مغرية إليه صادرة منه، وقد فهمت أن أفعاله (١) سالمة عن الشر أعني الشر المطلق المراد لذاته لا لخير حاصل في ضمنه أعظم منه، وليس في الوجود شر بهذه الصفة كما سبقت إليه الإشارة.
стр. 2090
فائدة (١): كل عبد سلم قلبه من الغش والحقد والحسد، [وسلم قلبه من] (٢) إرادة الشر، [وسلمت] (٣) عن الآثام والمحظورات جوارحه، وسلمت عن الانتكاس والانعكاس صفاته - فهو الذي يأتي الله بقلب سليم، وهو السلام من العباد والقريب في وصفه من السلام المطلق. قال: وأعني بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسير شهوته وغضبه، إذ الحق عكسه؛ وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يصير الأمير مأموراً، والملك عبداً، ولن يوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكيف يوصف به من لم يسلم [هو] (٤) من نفسه؟!
قوله: "المؤمن" (٥) فسراه بما ترى.
стр. 2091
وقال غيرهما: هو الذي يعزى إليه الأمن والإيمان بإفادة أسبابه، وسده طرق المخاوف، ولا يتصور أمن إلا في محل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم والنقص والهلاك، والمؤمن المطلق هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلا ويكون مستفاداً من جهته وهو الله تعالى، والعبد ضعيف في أصل [٤٢٨ ب] فطرته، وهو عرضة الأمراض والجوع والعطش من باطنه،
стр. 2092
[وعرضة لهدفات] (١) من ظاهره، ولم يؤمنه من هذه المخاوف إلا الذي أعدّ له الأدوية النافعة دافعة لأمراضه، والأطعمة مزيلة لجوعه، والأشربة حميتة لعطشه، والأعضاء دافعة عن بدنه، والحواس جواسيس منذرة مما يقرب من مهلكاته، ثم خوفه الأعظم من مهلكات الآخرة، ولا يحصنه عنها إلا كلمة التوحيد، والله هاديه إليها ومرغّبه فيها حيث قال: "لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي" فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو المتفرد بخلقها، والهداية إلى استعمالها، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فهو المؤمن المطلق حقاً. انتهى.
وعرفت أنه اختار أنه من الأمان.
فائدة (٢): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ودنياه، كما قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه" (٣)، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سبباً لأمن العباد من عذاب الله بالهداية إلى طريق الله والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهو حرفة الأنبياء ﵈، والعلماء.
стр. 2093
ولذا قال ﷺ : "إنكم تهافتون في النار تهافت الفراش، وأنا آخذ بحجزكم" (١).
قوله: "المهَيْمِنْ" (٢) فسره بما تراه، وقال الغزالي (٣): معناه في حق الله أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليها باطلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرف على كنه الأمور ومستول عليه حافظ له، فهو مهيمن عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل، فالجامع بين هذه المعاني اسمه [٤٢٩ ب] المهيمن، ولن يجمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله.
فائدة (٤): كل عبد راقب الله تعالى حتى أشرف على أغواره وأسراره واستولى مع ذلك على تقويم أحواله وأوصافه وقام بحفظه على الدوام على مقتضى تقويمه؛ فهو مهيمن بالإضافة إلى قلبه.
стр. 2094
قوله: "العَزِيْزُ" (١) فسراه بما تراه، وغيرهما قال (٢): هو الخطير الذي [لا يحل] (٣) وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة لم يطلق اسم العزيز عليه، ثم فسر الثلاثة وضرب الأمثال، وأبان أنها لا تكون إلا لله، فشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته، وليس ذلك على الكمال إلا لله، والكمال في صعوبة المنال أن يستحيل الوصول إليه على معنى الإحاطة بكنهه، وليس ذلك على الكمال إلا لله، فقد بينا أنه لا يعرف الله إلا الله.
فائدة (٤): يتخلق العبد من هذا بأن يكون ممن يحتاج إليه خلق الله في أهم أمورهم وهي الحياة الأبدية والأخروية، وذلك مما يقل وجوده ويصعب إدراكه وهي رتبة الأنبياء ﵈، ويشاركهم في العز من ينفرد بالقرب في عصره من درجتهم كالخلفاء، وورثتهم من العلماء، وعزة كل واحد منهم بقدر علو رتبته، وبقدر عنايته في إرشاد العباد.
стр. 2095
قوله: "الجَبَّار" (١) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: الجبار هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، والذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، فالجبار المطلق هو الله تعالى، فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد.
стр. 2096
فائدة (١): الجبار من العباد من ارتفع عن الاتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلو رتبته، بحيث يجبر الخلق [٤٣٠ ب] بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته. [٢٧٢/ أ].
قوله: "المُتَكَبِّر" (٢) فسراه بما ترى.
стр. 2097
وغيرهما قال (١): هو الذي يرى الكل صغيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد، فإن كانت هذه الرؤية كانت صادقة كان التكبر حقاً، وكان صاحبها متكبراً حقاً، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا لله تعالى. انتهى.
قلت: ولا حقّ للعبد (٢) في التخلق بهذه الصفة.
قوله: "الخالِقُ البَارِئُ المصَوِّرُ" فسراه بما ذكرا، وقال غيرهما: قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق (٣) والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل كل ما
стр. 2098
يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى إيجاد على وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً، والله تعالى خالق من حيث أنه مقدر، وبارئ (١) من حيث أنه مخترع موجد، ومصور (٢) من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب.
стр. 2099
وهو كالبنيان مثلاً، فإنه محتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن، ومساحة الأرض وعدد الأبنية بطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس ويصوره، ثم يحتاج إلى بانٍ يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية ثم يحتاج إلى من ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء، وليس كذلك في أفعال الله إذ هو المقدر والموجد والمزين، فهو الخالق البارئ المصور [فهو باعتبار تقدير هذه الأمور وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق، وباعتبار مجرد الإيجاد والإخراج من العدم بارئ] (١).
وأما المصور فهو له تعالى من حيث رتب صور الأشياء أحسن [٤٣١ ب] ترتيب وصورها أحسن تصوير، وهذا الترتيب والتصوير موجود في كل جزء من أجزاء العالم وإن صغر، حتى في النملة، بل في كل عضو من أعضاء النملة، وهكذا في كل صورة لكل حيوان ولكل نبات، بل لكل جزء من كل حيوان ونبات.
стр. 2100
قوله: "الغَفَّار" (١) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: أنه الذي يظهر الجميل ويستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح التي يسترها بإسبال الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة.
والعفو: هو الستر، وأول ستره على العبد: أن جعل متاع بدنه الذي تستقبحه الأعين مستورة في باطنه مغطاة بجمال ظاهره، فكم بين باطن العبد وظاهره في النظافة والقذارة، والقبح والجمال، فانظر ما الذي أظهره وما الذي ستره.
وستره الثاني: أن جعل خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سرّه، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله من مخازي وساوسه، وما ينطوي عليه ضميره من الغش والخيانة وسوء الظن بالناس لمقتوه، بل سعوا في هلاكه، فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوراته.
وثالث ستره على عبده: مغفرة ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها على رءوس الخلائق.
فائدة (٢): يتخلق العبد من هذه الصفة أن يستر على غيره ما يجب أن يستره عليه، فلا يفشي عن خلق الله إلا أحسن ما يعلم، وكل مخلوق لا ينفك عن كمال ونقص وعن قبح وحسن، فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو نصيب من التخلق بهذا الوصف، كما
стр. 2101
روي عن عيسى أنه مرّ هو والحواريون بكلب ميت فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة؟ فقال عيسى ﵇: ما أحسن بياض أسنانه! تنبيهاً على أن الذي [٤٣٢ ب] ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو حسن.
قوله: "القَهَّار" فسراه بما تراه، وهذه الصفة ثابتة في القرآن، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ (١) وفيه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٢).
وقال غيرهما: هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال، بل الذي لا موجود إلا وهو تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته.
فائدة (٣): للعبد من هذه الصفة أن يتخلق بقهر شهواته وقهر شيطانه، [ومن] (٤) قهر شهواته فقد قهر الناس جميعاً؛ لأنهم إنما ينافسونه على الشهوات ومن أعرض [٢٧٣/ أ] وقهرها لم يبق لهم شيء ينازعونه فيه.
стр. 2102
قوله: "الوَهَّاب" (١) في القرآن: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٢) وفسراه بما تراه، وقال الغزالي (٣): الهبة هي العطية الخالية من الأعواض (٤)، فإذا كثرت العطايا بهذه الصفة سمي صاحبها جواداً ووهَّاباً، ولن يتصور الجود والهبة حقيقة إلا من الله تعالى، فهو الذي لا يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل أو آجل، ومن وهب [و] (٥) له في هبته غرض عاجل أو آجل من ثناء أو مدح أو مودة أو نحو ذلك، فهو مقابل معتاض وليس بواهب ولا جواد، وإنما الجود الحق هو الذي تفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض (٦) يعود إليه. انتهى.
стр. 2103
قوله: "الرَّزَّاق" (١) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: الرزاق هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها، والرزق رزقان، ظاهره: وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطنة: وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهو أشرف الرزقين، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد [٤٣٣ ب]، والله هو المتولي لخلق الرزقين، والمتفضل بإيصاله إلى الخلق، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
فائدة: يتخلق العبد بأن يعلم أن الرزقين منه تعالى فلا يطلبهما (٢) من غيره، فإذا رزق العبد الرزق الباطن، فرزقه علماً هادياً ولساناً مرشداً معلماً، ليكون سبباً لوصول الأرزاق
стр. 2104
الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله، فيكون هذا شكراً لنعمة الله عليه بالرزق الباطن، ويعلم أن وصف الرزاق لا يستحقه إلا الله فلا ينتظر الرزق إلا منه.
يروى: أنه قيل لحاتم الأصم (١): من أين تأكل؟ قال: من خزائنه، قال الرجل: يلقى عليك الخبز من السماء! فقال: لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء، فقال الرجل: أنتم تقولون الكلام، قال: لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام، فقال الرجل: أنا لا أقوى على مجادلتك، قال: لأن الباطل [لا يقوم] (٢) مع الحق.
قوله: "الفَتَّاح" (٣) فسراه بما تراه وهو لفظ قرآني: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ (٤).
وقال (٥) غيرهما (٦): هو الذي بعنايته ينفتح كل منغلق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (٧)، وتارة لرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال
стр. 2105
كبريائه ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (١)، ومن بيده مفاتيح الممالك ومفاتيح الرزاق فبالحري أن يكون فتاحاً.
فائدة: يتخلق العبد من هذا الاسم أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، كما ورد في الحديث: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ... " (٢) الحديث، وفيه: "فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر" هذا لفظه أو معناه، وقد [٤٣٤ ب] حذفنا بعضه، وأن يكون بلسانه فاتحاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، داعياً إلى الله ذاكراً له.
قوله: "العَلِيْم" (٣) فسراه بما تراه.