← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

روي عن عيسى أنه مرّ هو والحواريون بكلب ميت فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة؟ فقال عيسى ﵇: ما أحسن بياض أسنانه! تنبيهاً على أن الذي [٤٣٢ ب] ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو حسن. قوله: "القَهَّار" فسراه بما تراه، وهذه الصفة ثابتة في القرآن، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ (١) وفيه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٢). وقال غيرهما: هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال، بل الذي لا موجود إلا وهو تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته. فائدة (٣): للعبد من هذه الصفة أن يتخلق بقهر شهواته وقهر شيطانه، [ومن] (٤) قهر شهواته فقد قهر الناس جميعاً؛ لأنهم إنما ينافسونه على الشهوات ومن أعرض [٢٧٣/ أ] وقهرها لم يبق لهم شيء ينازعونه فيه.

стр. 2102

قوله: "الوَهَّاب" (١) في القرآن: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٢) وفسراه بما تراه، وقال الغزالي (٣): الهبة هي العطية الخالية من الأعواض (٤)، فإذا كثرت العطايا بهذه الصفة سمي صاحبها جواداً ووهَّاباً، ولن يتصور الجود والهبة حقيقة إلا من الله تعالى، فهو الذي لا يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل أو آجل، ومن وهب [و] (٥) له في هبته غرض عاجل أو آجل من ثناء أو مدح أو مودة أو نحو ذلك، فهو مقابل معتاض وليس بواهب ولا جواد، وإنما الجود الحق هو الذي تفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض (٦) يعود إليه. انتهى.

стр. 2103

قوله: "الرَّزَّاق" (١) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: الرزاق هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها، والرزق رزقان، ظاهره: وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطنة: وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهو أشرف الرزقين، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد [٤٣٣ ب]، والله هو المتولي لخلق الرزقين، والمتفضل بإيصاله إلى الخلق، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فائدة: يتخلق العبد بأن يعلم أن الرزقين منه تعالى فلا يطلبهما (٢) من غيره، فإذا رزق العبد الرزق الباطن، فرزقه علماً هادياً ولساناً مرشداً معلماً، ليكون سبباً لوصول الأرزاق

стр. 2104

الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله، فيكون هذا شكراً لنعمة الله عليه بالرزق الباطن، ويعلم أن وصف الرزاق لا يستحقه إلا الله فلا ينتظر الرزق إلا منه. يروى: أنه قيل لحاتم الأصم (١): من أين تأكل؟ قال: من خزائنه، قال الرجل: يلقى عليك الخبز من السماء! فقال: لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء، فقال الرجل: أنتم تقولون الكلام، قال: لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام، فقال الرجل: أنا لا أقوى على مجادلتك، قال: لأن الباطل [لا يقوم] (٢) مع الحق. قوله: "الفَتَّاح" (٣) فسراه بما تراه وهو لفظ قرآني: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ (٤). وقال (٥) غيرهما (٦): هو الذي بعنايته ينفتح كل منغلق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (٧)، وتارة لرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال

стр. 2105

كبريائه ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (١)، ومن بيده مفاتيح الممالك ومفاتيح الرزاق فبالحري أن يكون فتاحاً. فائدة: يتخلق العبد من هذا الاسم أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، كما ورد في الحديث: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ... " (٢) الحديث، وفيه: "فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر" هذا لفظه أو معناه، وقد [٤٣٤ ب] حذفنا بعضه، وأن يكون بلسانه فاتحاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، داعياً إلى الله ذاكراً له. قوله: "العَلِيْم" (٣) فسراه بما تراه.

стр. 2106

وقال غيرهما (١): هو أن يحيط علماً بكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، عاقبته وفاتحته، وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها، ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون مستفاداً من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه. فائدة: يتخلق العبد من هذا بأن يبالغ في تعلم العلم النافع ويتوسع فيه وهو علم الكتاب والسنة، وأن يعلم أنه وإن صار عليماً بما فتح الله به عليه؛ فإن علمه يقصر عن علم الله في كل شيء، بل ما علمه وعلم جميع الخلائق في علم الله إلا كما يأخذه العصفور بمنقاره من

стр. 2107

البحر، كما قاله الخضر (١) لموسى ﵇ ويعلم أن علمه يقصر عن علم الله بدرجات لا تنحصر نذكر منها ثلاثاً (٢): الأول: معلومات العبد، وإن اتسعت فهي محصورة في قلبه، فأنى تناسب ما لا نهاية له. والثاني: أن كشفه وإن اتضح لا يبلغ الغاية التي لا يمكن وراءها، بل يكون [٢٧٤/ أ] كأنه يراها من وراء ستر رقيق (٣).

стр. 2108

قوله: "القَابِضُ (١) البَاسِط (٢) " في القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (٣) وفسراه بما تراه. وقال غيرهما (٤): هو الذي يقبض الأرواح [و] (٥) الأشباح عند الممات، ويبسط الأرواح في

стр. 2109

الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات عند الأنبياء، ويبسط الأرزاق [للضعفاء] (١) ويبسط الرزق للأغنياء حتى لا تبق فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا تبقى طاقة [٤٣٥ ب] ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة منالاته وتعاليه وجلاله، ويبسطها بما ينعرف لها من بره ولطفه وجماله. قلت: ويبسطها بما يهديه إليها من وعده الصادق، ويقبضها بما يرد عليها من وعيده الحق، وغير ذلك. فائدة (٢): يتخلق العبد من هذين الاسمين أن يبسط قلوب العباد بما يذكرهم به من نعم الله التي قصر عنها التعداد، وزادت على المراد من نعمة الإيجاد من العدم، والإمداد بالجلائل والدقائق من النعم، ويقبض القلوب بما يذكرهم به من عواقب المعاصي والذنوب، وأنها أخلت الديار وأنزلت بأهلها الدمار، وألزمتهم الذلة والصغار، وأنه لا بلاء في الدنيا والآخرة إلا سببه الذنوب والأوزار، وهذه كانت طريقة سيد الأبرار محمَّد المختار ﷺ آناء الليل وأطراف النهار، كان يذكر بالجنة ويشوق إليها، وإلى نعيمها، فتنبسط إليها شوقاً قلوب الأخيار، ويحذر من النار وما أعده الله فيها للفجار فيضيق قلوب السامعين من الأخيار والأشرار. واعلم أنه لم يرد إفراد أحد الاسمين عن الآخر، ولا ورد اللفظ المشتق في القرآن إنما ورد الفعلان كما ذكرناهما، وهذا يتم على جواز اشتقاقها - الصفات له تعالى - من الأفعال التي أثبتها لنفسه، وفيه خلاف.

стр. 2110

قال الرازي (١): الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة ثابتة في حق الله قطعاً، وممتنعة [قطعاً] (٢) وثابتة لكن مقرونة مبتدعة. فالقسم الأول منه: ما يجوز ذكره مفرداً لا مضافاً، وهو كثير جداً؛ كالقادر والقاهر. ومنه ما يجوز مفرداً، ويجوز مضافاً لأمر؛ كالخالق. ويجوز: خالق كل [٤٣٦ ب] شيء مثلاً، ولا يجوز: خالق القدرة، ومنه عكسه يجوز مضافاً، ولا يجوز مفرداً كالمنشئ، فيجوز منشئ الخلق ولا يجوز المنشئ فقط. والقسم الثاني: إن ورد السمع بشيء منه أطلق وحمل على ما يليق به. والقسم الثالث: إن ورد السمع بشيء منه أطلق ما ورد منه، ولا يقاس عليه ولا يتصرف فيه بالاشتقاق، كقوله: "مكر الله، يستهزئ" فلا يجوز: ماكر ومستهزئ. انتهى. فعرفت من كلامه أنه لا يجوز اشتقاق الصفات من الأفعال التي نسبت إليه، إلا أن في منعه لإطلاق خالق القدرة تأملاً، إذ لا يظهر وجه منعه ذلك، فينظر. قال القرطبي (٣): أسماء الله وإن تعددت فلا تعدد في ذاته، لا محسوساً كالحسيات ولا عقلياً؛ كالمحدودات، وإنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هي (٤) من جهة دلالتها على أربعة أضرب: الأول: الدال على الذات مجرَّدة كالجلالة؛ فإنه يدل دلالة مطلقة غير مقيدة، وذكر ما قدمناه، قال: ولهذا كان الأصح أنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة. الثاني: ما يدل على الصفات الثابتة للذات؛ كالعليم والقدير والسميع والبصير.

стр. 2111

الثالث: ما يدل على إضافة أمر ما إليه؛ كالخالق والرازق. الرابع: ما يدل على سلب شيء عنه كالعلي والقدوس. وهذه الأقسام الأربعة منحصرة في النفي والإثبات. انتهى. وذهب أئمة التحقيق (١) إلى تفصيل فيما يطلق عليه تعالى [٤٣٧ ب] فقال: أسماء الله في باب الدعاء توقيفية، أي: لا تدعى إلا بما ورد به الشرع، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) فلا يدعى إلا بما سمى به نفسه، فلا يقال: يا شيء، ويا موجود اغفر لي. وأما في الأخبار فيجوز أن يخبر عنه بما لم يرد مثل: موجود، ومذكور، وواجب الوجود، وصانع العالم، وكل ما كان معناه حقاً في حقه تعالى، وهذا تفصيل حسن. وسِرُّه: أن في باب الدعاء يتوسل إليه بأسمائه ولذلك يذكر الداعي في كل مطلوب ما يناسبه، ففي طلبه المغفرة يقال: يا غفور يا رحيم اغفر لي، وبه وردت الأدعية النبوية والقرآنية، ومن تتبع ذلك كتاباً وسنة وجده صحيحاً وعلم صحة هذا التفصيل [٢٧٥/ أ]. قوله: "الخَافِضُ الرَّافِع" هذان مما لم يرد في القرآن أيضاً، وجاء الفعل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣).

стр. 2112

وأما خفض فلم يحضرني أنه أتى بها القرآن. فسراه بما تراه، وقال الغزالي (١): هو الذي يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، يرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، ومن رفع مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات وإرادته عن ذميم الشهوات فقد رفعه إلى أفق الملائكة المقربين، ومن قصر مشاهدته على المحسوسات وهمته على ما يشارك فيه البهائم من الشهوات، فقد خفضه إلى أسفل سافلين، ولا يفعل ذلك إلا الله فهو الخافض الرافع. فائدة (٢): تخلق العبد من هذين الاسمين أن يرفع الحق ويخفض الباطل، فيعادي أعداء الله خفضاً لهم، ويوالي أولياءه [٤٣٨ ب] رفعاً لهم وينشر العلم النافع رفعاً له، ويخفض البدع، ويهجر أهلها خفضاً لها، وهذا يدخل فيه أنواع كثيرة. قوله: "المعزُّ المذل" (٣) لم يردا في القرآن.

стр. 2113

إنما ورد فعلاهما: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١)، قال الغزالي (٢): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عما يشاء، والملك الحقيقي: الخلاص عن ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن كشف الحجاب عن قلبه وشاهد جمال حضرته، ورزقه القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وأتاه الملك عاجلاً وسيعزه في الآخرة بالتقريب ويناديه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (٣). ومن مد عينيه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالكفاية، واستدرجه بمكره حتى اعتز بنفسه وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذله وسلبه الملك، وهذا غاية الذل. فائدة: يتخلق العبد من هذين بأن يعز نفسه بالطاعة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٤) ولا يذلها بالمعصية (٥)، ويعزها بتعلم العلم النافع ولا يذلها بالجهل، ويعزها بالقناعة ولا يذلها بالأطماع. قوله: "السَّمِيْع" (٦)

стр. 2114

قال الشراح (١): هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فيسمع السر والنجوى، بل ما هو أدق من ذلك وأخفى ويدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء

стр. 2115

في الليلة الظلماء، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ودعاء الداعين فيستجيب لهم، سميع بغير أصمخة وآذان [٤٣٩ ب] كما يفعل بغير جارحة (١) ويتكلم بغير لسان (٢)، وسمعه منزه عن أن يطرق إليه الحدثان. فائدة (٣): يتخلق العبد من هذا الاسم بعد الإيمان به بأن لا يصغي سمعه إلا إلى فائدة يستمليها أو ذكر لله ويحفظ لسانه؛ لأن يسمع ما يفوه به. قوله: "البَصِيْر" (٤) قال الشراح (٥): هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى، وإبصاره أيضاً منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما تنطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان.

стр. 2116

فائدة: يتخلق العبد من هذه الصفة بأن لا يطلق بصره في محرم، ولا يطلقه إلا فيما يقربه إلى الله من نظر في آيات سماواته وأرضه يزداد بها إيماناً بربه، ومن نظر في مصحف يبشره أو كتاب هداية يذكره وليذكر بهاتين الصفتين، قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (١) فيراقب مولاه في جميع أموره، في حركاته وسكناته. قوله: "الحَكَمْ" (٢) قال شراح الأسماء (٣): هو الحاكم المحكم لا رادّ [لحكمه] (٤) ولا معقب لحكمه ولا لقضائه، فهو الحاكم بأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، و ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (٥)، ويعني: حكمه للبر بالسعادة وللفاجر بالشقاوة أنه جعل البر والفجور سببين يسوقان صاحبهما إلى السعادة والشقاوة، كما جعل الأدوية والسموم أسباباً تسوق متناولهما إلى "الشفاء" والهلاك، وإذا كان معنى حكمه

стр. 2117

ترتيب الإنسان وتوجيهها إلى المسببات كان حكماً مطلقاً؛ لأنه مسبب كل الأسباب [٢٧٦/ أ] جملها وتفصيلها، ومن الحكم يتشعب القضاء والقدر: فتدبيره أصل في وضع الأسباب ليتوجه [٤٤٠ ب] إلى المسببات، حكمه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول: كالأرض والسماوات السبع والكواكب والأفلاك، وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله، قضاؤه كما قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (١). وتوجيهه هذه الأسباب بحركاتها المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة، قدره. فالحكم (٢) هو التدبير الأول الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر. والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. قوله: "العَدْل" (٣):

стр. 2118

هو العادل (١) الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم، ولن (٢) يعرف العادل من لا يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لا يعرف فعله، فمن أراد أن يعرف هذا الوصف، فينبغي أن يحيط علماً بأفعال الله من ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى، حتى إذا لم يرَ في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع البصر فما رأى من فطور، ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير، وقد بهره كمال العدل الإلهي وحيره اعتدال الأمور وعدلها وانتظامها وانظر (٣) عدله في خلق الإنسان، فإنه خلقه أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين والأنف والأذن، فهو وضعها مواضعها الخاصة. عدل لأنه وضع العين في أولى المواضع به من البدن، إذ لو خلقه على الرجل أو على اليد أو على القفا أو على قمة الرأس؛ لم يخف على أحد ما يتطرق إليه من النقصان والتعرض للآفات. [٤٤١ ب] وكذا علق اليدين على المنكبين، ولو علقهما من الرأس أو من الحقو أو من الركبتين؛ لم يخفَ ما يتولد عنه من الخلل، وكذلك وضع جميع الحواس على الرأس؛ فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن، ولو وضعها على الرجل اختل نظامها قطعاً وشرح ذلك في كل عضو يطول. وبالجملة: ينبغي العلم أنه لم يخلق شيء في موضعه إلا لأنه متعين [له، و] (٤) لو تيامن عنه أو تياسر أو سفل أو تعل؛ لكان ناقصاً أو باطلاً أو قبيحاً خارجاً عن التناسب كريهاً في

стр. 2119

المنظر، فهذا رمز إلى تفهم مبدأ الطريق إلى معرفة هذا الاسم. وشرحه يحتاج مجلدات، فإنه من الأسماء المشتقة من الأفعال ولا يفهم إلا بمعرفة الأفعال. فائدة (١): يتخلق العبد من هذا الاسم بأن يتصف بالعدل في ما أمر به، فيعدل أولاً في صفات نفسه فيجعل شهوته وغضبه أسيرين تحت عقله ودينه، فإذا جعل العقل خادماً للشهوة والغضب فقد ظلم نفسه، ويجعل أوامر الشرع متبوعة ونواهيه مجتنبة، وعدله في أعضائه باستعمال كل عضو لما أذن فيه الشارع، ويعدل في أهله وإن اتسع نطاق ولايته عدل في رعاياه بتحكيم أوامر الله له ولهم وعليه وعليهم، وهذا باب لا تتسع لفتحه هذه التعليقة. قوله: "اللَّطِيْفُ" (٢):

стр. 2120

فسراه (١) بما تراه، وفي شروح الأسماء (٢): إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها ولطف، ثم سلك إلى المنتفع بها سبيل الرفق دون العنف. فإذا اجتمع الرفق في الفعل والرفق في الإدراك تمَّ معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى. فأما إحاطته بالدقائق والخفايا [فلا] (٣) يمكن تفصيل ذلك، بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق. [٤٤٢ ب]. وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل أيضاً تحت الحصر؛ إذ لا يعرف اللطف في الفعل إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها، [وتقدير اتساع المعرفة فيها بلغ] (٤) المعرفة بمعنى اسم [٢٧٧/ أ] اللطيف، وشرح ذلك لا تتسع له المجلدات، ولنمثل ببعض ما عرفناه من لطفه: [فمن لطفه] (٥):

стр. 2121

خلقه (١) الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل فينتقل إلى التناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقامه الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة، بل تتفقأ البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال، ثم تأخير خلق الأسنان عن أول الخلقة للاستغناء باللبن عن السن، بل لو خلقت عند ولادته لأضر بحلمة الثدي، ثم إتيانها بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام، ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة، وإلى أنياب للكسر، وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع، ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن كالمجرفة، ولو ذكر لطفه بها تيسير لقمة يتناولها (٢) العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم، ومصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك، لكان لا يستوفي شرحه. وعلى الجملة: فهو من حيث دبر الأمور حكيم، ومن حيث أوجدها جواد، ومن حيث زينها مصور، ومن حيث وضع كل شيء موضعه عدل ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوب الرفق لطيف، ولا يعرف حقائق هذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال. ومن لطفه أنه أعطى عباده فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، ومن لطفه أن يسر لهم [٤٤٣ ب] الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف بها مدة قصيرة وهو العمر، فإنه لا نسبة له إلى الأبد، ومن سرح طرف فكره فيما لطف ربه له به عرف عجائب لطفه. فائدة (٣): يتخلق العبد من هذا الوصف اللطف بالعباد والرفق بهم والتلطف بهم في الدعوة إلى الله تعالى والهداية إلى النجاة، من غير عنف ولا خصام ولا إقناط ولا ترخيص.

стр. 2122

قوله: "الخَبِيْر" (١) هو الذي لا تعزب (٢) عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تضطرب نفس ولا تسكن إلا وهو خبير بذلك، وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة، ويسمى صاحبها خبيراً. فائدة (٣): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يكون خبيراً بما يجري في عالمه، وعالمه: قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة، والتطواف حول العاجلة، وإضمار الشر، وإظهار الإخلاص، وغير ذلك مما لا يعرفه إلا من كان ذا خبرة بصفات النفس وشرورها الكامنة فيها.

стр. 2123

قوله: "الحَلِيْم" (١) أسقط ابن الأثير تفسير الحليم والعظيم وتبعه المصنف، وفي شروح الأسماء (٢): تفسير الحليم (٣) هو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة ولا طيش، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٤)

стр. 2124

فائدة (١): يتخلق العبد من هذا بالحلم عن معاجلة عداءه بالانتقام، وعن الطيش عند طروق ما لا تطيقه الأفهام. قوله: "العَظِيْم" (٢) تقدم [٤٤٤ ب] أنهما أسقطا تفسيره.

стр. 2125

وفسره شراح الأسماء (١) بأنه الذي جاوزت إحاطته جميع حدود العقول حتى لم يتصور الإحاطة بكنهه، وأطالوا في تصوير إحاطة بصر البشر بالأشياء. قالوا: لأن اسم العظيم إنما وضع في الأصل للأجسام، يقال: هذا الجسم عظيم إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه، ثم هو ينقسم إلى: عظيم يملأ العين وتأخذ منه مأخذاً، وإلى ما لا يتصور أن يحيط [البصر] (٢) بجميع أطرافه كالأرض والسماء، فإن الغيل عظيم والجبل عظيم، ولكن البصر يحيط بأطرافه؛ فهو عظيم بالإضافة [إلى ما دونه] (٣). وأما الأرض فلا يتصور أن يحيط البصر بأطرافها وكذا السماء وذلك هو العظيم المطلق في مدركات البصر، والله أحاط كل شيء سبحانه، وقد وصف تعالى عرشه بأنه عظيم، وهذا الوصف الكريم أكثر مجيئه رديفاً للعلي، العلي العظيم وعظمته تعالى لا تحيط (٤) العقول بحقيقتها كسائر أسمائه. [٢٧٨/ أ]

стр. 2126

قوله: "الغَفُور" (١) هو بمعنى الغفار (٢)، ولكنه ينبئ عن نوع مبالغة لا يبنئ عنها الغفار، فإن الغفار مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد مرة، فالغفار يبنئ عن كثرة الفعل، والغفور يبنئ عن جودته وكمال وشموله، فهو غفور تام الغفران كامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة.

стр. 2127

قوله: "الشَّكُور" (١) هو الذي يجازي (٢) على يسير الطاعات [كبير] (٣) الدرجات، ويعطي على العمل في أيام معدودة نعماً في الآخرة غير محدودة، ومن كافأ الحسنة بأضعافها يقال أنه شكر تلك الحسنة، ومن أثنى على المحسن أيضاً يقال أنه شكر.

стр. 2128

فإذا نظرت [٤٤٥ ب] إلى معنى الزيادة في المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله، لأن زيادته في المجازاة [غير محصورة ولا محدودة] (١) فإن نعيم الجنة لا آخر له، وهو تعالى يقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ (٢). وإن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل [مثنٍ] (٣) على غيره، والرب إذا أثنى على أعمال عبده وهو الذي هدى إليها وأعان عليها، فإنه الذي أعطى خلقه كل شيء ثم هدى. فقد نوّه بعبده ورفعه بما أهداه له وأعطاه، ولذا يقول أهل الجنة: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ (٤) يغفر ويشكر. فائدة (٥): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يكون شاكراً لمن أسدى إليه إحساناً، مجازياً له بإحسانه مثنياً عليه بإنعامه.

стр. 2129

ولذا جاء في الحديث: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" (١)، وشكر نعم الله يصرفها في وجوه مراضيه. قوله: "العَلِي" (٢) هو الذي (٣) لا رتبة فوق رتبته، فجميع المراتب منحطة عنه فهو تعالى فوق كل ذي علو ولا يحاط به ولا بكنه صفاته.

стр. 2130

قوله: "الكَبِيْر" (١) هو ذو الكبرياء (٢)، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، وكمال الذات عبارة عن كمال الوجود، وهو يرجع إلى أمرين: أحدهما: ذو أبدٍ أزلاً وأبداً، إذ كل موجود مقطوع بعدم سابق أو لاحظ فهو ناقص، فالرب أزلي لا أول لوجوده أبدي لا آخر له، والعبد أبدي غير أزلي، [بل] (٣) مسبوق بالعلم، والدنيا ليست بأبدية ولا أزلية، بل هي فانية. والثاني: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود، فلذا كان كمال الوجود لله تعالى وحده.

стр. 2131

[قوله] (١): "الحَفِيْظ" (٢) [٤٤٦ ب] أي: الحافظ (٣) لكل شيء، فهو حافظ أنفس العباد، وأن ﴿كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ (٤) وحافظ الذكر على العباد ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٥).

стр. 2132

وحافظ [أعمالهم] (١) ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ (٢) وهو حافظ السماوات عن الانفطار، وحافظ الأرض عن الانشقاق، فهو ممسك (٣) السماوات والأرض أن تزولا، وحفظه تعالى داخل في كل شيء لو عددناه لطال، وقد عدّده شراح الأسماء. فائدة (٤): يتخلق العبد من هذه الصفة بأن يكون حافظاً لجوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب، [وجلابة] (٥) الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فإنه على شفا جرف، وقد اكتنفته هذه المهلكات، ولا سلامة له إلا بحفظ الله، فالله خير حفظاً (٦). قوله: "المُقِيْت" (٧) فسراه بما تراه.

стр. 2133

وفي شروح الأسماء (١): أي خالق (٢) الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه، إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت. والقوت ما يكتفي به في قوام البدن. وإما أن يكون معناه المستولي على الشيء القادر عليه، والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ (٣) أي: مطلقاً قادراً، فيكون معناه راجعاً إلى القدرة والعلم، فيكون على هذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده؛ لأنه دل على اجتماع المعنيين.

стр. 2134

قوله: "الحَسِيْب" (١) فسراه بالكافي، وزاد شراح الأسماء (٢): فهو حسب (٣) كل أحد وكافيه، وهو وصف لا يتصور حقيقة لغيره تعالى، فإن الكفاية يحتاج إليها المكفي لوجوده

стр. 2135

ولدوام وجوده ولكمال وجوده، [٤٤٧ ب] وليس في الوجود شيء، هو وحده كافٍ لكل شيء إلا الله، فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء، أي: هو وحده كافٍ ليحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها، ويكمل به وجودها، فإنه الذي خلق لك الطعام والشراب والمسكن، وكفى الطفل بخلق اللبن في ثدي أمه، وخلق له الهداية إلى التقامه وامتصاصه، فالله وحده حسيب كل شيء وكافيه. قوله: "الجَلِيْل" (١) هو مما حذفا تفسيره، وغيرهما قال (٢): هو الموصوف بنعوت الجليل، وهي الغنى والملك والتقدس والعلم والقدرة، وغيرها من صفات كماله، فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق، والموصوف ببعضها جلالته [٢٧٩/ أ] بقدر ذلك. فكما أن الكبير يرجع إلى كمال الذات، كذلك الجليل إلى كمال الصفات، والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات. وقد أطالوا الكلام في بيان ذلك.

стр. 2136

قوله: "الكَرِيْم" (١) هو مما تركا تفسيره، وقال شراح الأسماء (٢): هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفى عاتب وما استقصى، فلا يضيع من لاذ به والتجأ،

стр. 2137

ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك الله وحده فقط. قوله: "الَّرقِيْب" (١) فسراه بالحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، قال الشراح: فمن (٢) لاحظ الشيء حتى لا يغفل عنه ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة لزوماً لو عرفه الممنوع عنه لما أقدم عليه، سمي رقيباً وكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، لكن باعتبار كونه لازماً دائماً، وبالإضافة إلى [٤٤٨ ب] ممنوع عنه محروس عن التناول.

стр. 2138

فائدة (١): يتخلق العبد من هذه الصفة بأن يكون مراقباً لربه، وذلك بأن يعلم أن الله رقيبه وشاهده في كل حال، ويعلم أن نفسه عدو له والشيطان عدو له ينتهزان منه الفرص حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة؛ فيأخذ منهما حذره بمعرفته مكائدهما ومداخلهما. قوله: "المجِيْب" (٢) فسراه بما تراه وهو حسن، وأنه (٣) الذي يجيب دعاء السائلين ويجيب المضطرين، بل ينعم قبل الدعاء، ويتفضل قبل النداء وليس ذلك إلا لله؛ لأنه يعلم حاجة المحتاجين قبل السؤال، بل علمها في الأزل، وقدر كفاية المحتاجين قبل ما نزل بهم من الحاجات وحلّ.

стр. 2139

فائدة (١): يتخلق العبد من هذا الوصف بأن يكون مجيباً لمولاه فيما إليه من التكاليف دعاه، مقبلاً على ما يرضاه، مجيباً لمن سأله أمراً يقضيه له وهو قادر عليه قضاه، مجيباً لمن سأله عن علم أفتاه بلطف الجواب وتحري الصواب. قوله: "الوَاسِعُ" (٢) مشتق (٣) من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، ويضاف أخرى إلى "الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر، وعلى أي شيء نزل، فالواسع المطلق هو الله تعالى؛ لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته، بل تنفد

стр. 2140

البحار ولو مداداً لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه، فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وإن عظمت؛ فإنها تنتهي إلى طرف، فالذي لا تنتهي إلى طرف، هو أحق باسم السعة، والله تعالى هو الواسع المطلق. قوله: "الوَدُوْدُ" (١) قال المصنف: فعول (٢) بمعنى مفعول من الود، وهو الذي يحب الخير لجميع الخلق فيحسن [٤٤٩ ب] إليهم ويثني عليهم، وهو قريب من معنى الرحيم، وإنما أفعال المودة تقتضي الإنعام على سبيل الابتداء فمودته إرادته النعمة والكرامة، وللناس (٣) كلام كثير في محبة الله عباده، ومحبتهم إياه معروف لا نطول به ولعله يأتي، والمصنف هنا قد جعل منه تعالى لعباده رضاه عنهم. قوله: "المَجِيْد" (٤):
следующие страницы →