صحبة كل واحد منهم إلى آخر دار التكليف وعبر بقوله ﷺ : "حتى يردا عليَّ الحوض" مبالغة، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه سيما في الهداية شرح الغاية.
وقال آخرون: بل التوصية بأهل البيت توصية بتوقيرهم وتعظيمهم ومحبتهم والإحسان إلى محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم واغتفار زلاتهم، كل ذلك لأجل قرابتهم من أشرف خلق الله كما يقال:
لعين تعدَّ ألف عين وتفتدى ... وتكرم ألف للحبيب المكرم
بل قيل ما هو أبلغ من هذا:
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
وقيل: رأى المجنون كلباً ذات يوم فمدَّ له من الإحسان ذيلاً فلاموه عليه وعنفوه، وقالوا: لم مددت إليه ذيلاً؟ فقال لهم:
دعوني إن عيني رأته ... مرة بفناء ليلى
فيا هذا! إذا كانت تحب وتكرم الكلاب لأجل مشابهة لونها لون الأحباب أو لأجل أنها رؤيت في عفا أبوابهم والأعتاب فكيف لا يكرم ابني المختار ويحبون حباً في الجهر والإسرار، ويكرمون لإكرامه، ويعظمون لاستعظامه، وتغفر لهم كل زلة ويتأول لكل زلة منهم عذراً وعلة، وهذا القول أقرب من الأول، وأعم لكل أفرادهم، وأشمل وأتم في توقير المصطفى، وأدخل وأعظم في امتثال أمره، وأبتل.
ويراد في قوله: "ما تمسكتم بهما" أن التمسك بالكتاب هو ما عرفته، والتمسك بالآل هو الاعتصام بحبهم ومعرفة حقهم كما سردناه، وأن رعاية حقهم سبب للهداية واللطف من أسباب الضلالة والغواية، ويدل على أن هذا المعنى المراد قوله ﷺ في هذا الحديث في رواية
стр. 247
زيد بن أرقم عند مسلم (١): "أذكركم الله في أهل بيتي .. أذكركم الله في أهل بيتي" كررها ثلاثاً؛ فإنها توصية تُنادي على طلب رعايتهم لا على أن إجماعهم حجة، وأي ملائمة لذلك للتذكير بالتكرير؟ ويدل له أيضاً حديث: "أحبوا أهل بيتي لمحبتي" (٢) لأنه قد أعلمه الله لما ينال آله من الأمة، وما اتفق عليهم ما علمه كل من له في العلم بالسير همة.
وأشار في الهمزية (٣) إلى شيء من ذلك حيث قال عند ذكر الحسنين ﵉:
وبريحانتين طيبهما منـ .... ـك الذي حملتهما الزهراء
من شهيدين ليس ينسى الـ ... طف مصابهما ولا كربلاء
ما رعى فيهما ذمامك مرؤ ... س وقد خان عهدك الرؤساء
أبدلوا التودد والحفيظة في القر ... بى وأبدت صنابها النافقاء [٥٣ ب/ ج]
وقست منهم قلوب على من ... بكت الأرض فقدهم والسماء
فابكهم ما استطعت إن قليلاً ... في عظيمٍ من المصاب البكاء
كل يوم وكل أرض بكربي ... منهم كربلا وعاشوراء
غير أني فوضت أمري إلى ... الله وتفويض الأمور براء
وقد ثبت أن الله أخبر رسوله ﷺ أن أمته تقتل ولده الحسين، وتذيقه، ومن معه كؤوس الحين، فلذا كرر التوصية بهم والتذكير فهذا وجه الأحاديث الواسعة والكلمات الجامعة منها ما ساقه ابن حجر في شرح الهمزية حيث قال:
стр. 248
وفي الحديث: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن عبد حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذويَّ أنا حرب لمن حاربهم سلم لن سالمهم، وعدو لن عاداهم، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى" وغيره مما في معناه.
قوله: "أخرجه الترمذي" (١) قلت: وقال: حسن غريب، ولكنه يأتي حديث زيد بن أرقم (٢) هذا بأبسط لفظ، وأصح إسناداً كما أشرنا إليه.
٥٥/ ٣ - وعَن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ (٣) ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ [٩٠/ ب] يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيَّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكلَّ بِدْعَةٍ (٤) ضَلاَلَةٌ".
ومعنى: "عضوا عليها بالنواجذ" أي: تمسكوا بها كما يتمسك العاضُّ بجميع أضراسه.
الثالث: "وعن العرباض" بكسر العين المهملة, وسكون الراء فضاد معجمة بزنة سارية بالمهملة فراء فمثناة تحتيه.
في "الاستيعاب": أنه يكنى أبا يحيى كان من أهل الصفة، وسكن الشام وبها مات سنة خمس وسبعين، وقيل: مات في فتنة ابن الزبير.
روى عنه من الصحابة أو رهم، وأبو أمامة، وروى عنه جماعة من تابعي أهل الإِسلام انتهى.
قوله: "صلى بنا رسول الله ﷺ ".
أقول: لفظ الترمذي تعيين الصلاة بأنها صلاة الغداة أوله في الجامع، قال عبد الرحمن ابن عمرو السلمي وحجر بن حجر: أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (١) وقلنا: أتيناك رائدين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: "صلى بنا".
وقوله: "ذرفت" في "النهاية" (٢): ذَرَفت تذرف جرى دمعها. وفي "القاموس" (٣): ذَرَفَ الدَّمْعُ يذرِفُ ذَرْفَاً وذُروفاً وتَذْرافاً، سال وعينه سال دمْعها، انتهى. فهو من باب ضرب.
стр. 262
والوجل: المخافة وجل كهرج، والظاهر أن سيلان الدمع يقع بعد الوجل, لأن الوجل لأن الواو لا تقتضي الترتيب وكأنه فرقه لظهوره بخلاف الوجل والوعظ التذكير ما يؤثر في القلوب من ترغيب وترهيب.
وقوله: "وإن كان" أي: المسموح له والمطاع عبداً حبشياً فيه وجوب الطاعة للأمراء كما سلف، وأنه كان ليس من ذوي الأمراء المستحقين له فلا ينافيه حديث: "الأئمة من قريش" (١) وكأنه قيل: أو يكون ذلك؟
فقال: "فإنه من يعش منكم" أيها المخاطبون بعدي بعد وفاتي.
"فسيرى اختلافاً كثيراً" هذا من أعلام النبوة فقد وقع بعد وفاته اختلافاً كثيراً وسفكاً للدماء، وتغييراً للأمور. وكأنه قيل: فماذا نصنع حينئذ؟
فقال: "فعليكم بسنتي" طريقتي. "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" أي: طريقتهم إغراء للمخاطبين بالاهتداء بهديه، والتمسك بسنته والمراد بالخلفاء الأربعة وكل خليفة على طريقتهم وسنتهم، وليس لهم سنة غير سنته ﷺ ، وإنما هو إخبار بأنهم لا يفارقون سنته إذ لو فارقوها وابتدعوا [٥٤/ أ/ ج] سنة منهم لم يكونوا راشدين ولا مهديين فكأنه قال ﷺ : فعليكم بسنتي التي سلكها واستن بها الخلفاء الموصوفون بما ذكر.
стр. 263
وقد وهم في الحديث من زعم أنَّ ما ابتدعه الخلفاء الأربعة فهو سنة، ولذا قالوا: جماعة التراويح سنة؛ لأنه قد سنها عمر أحد الخلفاء، فهي داخلة تحت الحديث وهو غلط، فإن عمر ﵁ صرح بأنها بدعة (١) كما يأتي إن شاء الله في قيام رمضان.
وأما قوله: "ونعمة البدعة" (٢) فهي دعوى منه، وإلا فما في البدع ما يمدح، ولو كان ما فعلوه سنة كسنته ﷺ لما خالفهم الصحابة، فإنهم خالفوا عمر في نهيه عن متعة الحج، فتمنعوا وخالف علي ﵇ عثمان في متعة القرآن، فأهلَّ بها، وقال: سنة رسول الله ﷺ .
وبالجملة فلا يدعي أن ما سنوه كسنته ﷺ إلا جاهل، ولذا حذر بعد ذلك من محدثات الأمور فهو احتراز عن وهم أن للخلفاء سنة يشتغلون بها، بل كل ما خالف سنته ﷺ فهو من محدثات الأمور التي هي بدع وهي ضلالات، فلله در الكلام النبوي ما أشرفه وأوفاه وأسلمه عن الاشتباه.
ويحتمل: أن يراد سنتهم سيرتهم في الرعية، وقسمتهم بالسوية، وتقيدهم للشريعة النبوية في كل مسألة ظاهرة وخفية.
стр. 264
والبدعة في "القاموس" (١): الحَدَثُ في الدين بعدَ الإكمَالِ، أو ما استُحْدِث بعد النبيَّ ﷺ من الأقوال والأعمال. انتهى.
وفسر ابن الأثير (٢) محدثات الأمور بقوله: ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماع، وقال (٣): الابتداع إن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهو في حيِّز الذمَّ والإنكار، وإن كان واقعاً تحت عموم ما نَدَبَ الله [إليه] (٤) وحضَّ عليه أو رسوله، فهو في حيِّز المدح، وإن لم يكن فمثاله موجود كنوعٍ من الجود والسخاء، وفعل المعروف، فهذا فعل من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سُبِق إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما وردَ به الشرع لأن رسول الله ﷺ قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: "من سنَّ سنةً حسنة فإن له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (٥) وقال في ضده: "من سنَّ سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" (٥) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، قال (٦): ويعضدُ ذلك قول عمر بن الخطاب في صلاة التراويح: "نعمة البدعة هذه" لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح فسماها بدعة ومدحها، انتهى.
قلت: أما مدحها فدعوى (٧)، وقد قال ﷺ : "كل بدعة ضلالة" بلفظ عام لا يخصص منه شيء من البدع إلا بنص نبوي لا باجتهاد، وإلا كان كل مبتدع لا يأتي ببدعة إلا وقد زينها
стр. 265
باجتهاده لموافقة مراده وفعل الخير قد أمر الله به فقال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (١) فتمثيله في الجود والسخاء هو من فعل الخير إن كان من حلِّه في محله على قدره، وإلا فهو من المنهي عنه، فإن الله لا يقبل صدقة من غلول ولا من ذي الإسراف إن جاوز.
والابتداع المذموم ما كان في الدين وهو قسمان:
ابتداع بزيادة أو نقصان مما شرعه الله وجد الكتاب مسوق لذم الابتداع في الدين، ولذا قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء" وسنته ﷺ كلها دين وطريقته كلها هذا، وما خالفها بزيادة أو نقصان فهو من محدثات الأمور، وقد جعلها قسماً للسنة وجعلها بدعة، وجعل البدعة ضلالة، وهذا الابتداع في الدين هو الذي ملأ البقاع وعاد به الدين غريباً يصك منه بالبدع الأسماع، وإنما عظم شأن البدعة، وصارت ضلالة؛ لأنها رد [٥٤ ب/ ج] لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) الآية.
وكقوله: "تركتم على" (٣) "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤) والمبتاع بالزيادة في الدين يقول بلسان حاله: ما كمل الدين، بل نكمله بالابتداع، وليس ما لم يكن عليه أمره ﷺ مردود، بل مقبول والمبتدع بالنقصان لقول ما كمل الدين إلا بالنقص منه، فهذا النقص هو الكمال، ورد الحديث كالأول، ولهذا كثرت الأحاديث في ذم الابتداع والتحذير منه، وأنه لا يقبل لصاحبه عمل، ولنذكر شطراً من ذلك فهذا محله.
стр. 266
أخرج الشيخان (١) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ويأتي في التفسير قريباً.
وأخرج مسلم (٢) وابن ماجه (٣) وغيرهما من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمَّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
وأخرج الطبراني (٤) قال المنذري (٥): بإسناد حسن من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته".
ورواه ابن ماجه (٦) وابن أبي عاصم في كتاب السنة (٧) من حديث ابن عباس، ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً، ولا حجاً، ولا عمرة, ولا جهاداً، ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الإِسلام كما تخرج الشعرة من العجين".
والأحاديث في الباب واسعة، ومفاسد الابتداع بحر لا يبلغ قعره كتابة يراع، وقد فاض بحره حتى غلب السنة وأشرع في نحرها الأسنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 267
ولنذكر مقالاً من ذلك ليكون قدوة للمناظر وعبرة للناظر، وهو أنه قد ثبت في جميع كتب الحديث الصحيحة وغيرها أنه لما أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (١) سألوا رسول الله ﷺ فقال بشير بن سعد: يا رسول الله! أخبرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: "قولوا: اللهم! صل على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" رواه مسلم (٢).
فانقسم الناس طائفتان: طائفة ابتدعت في هذا اللفظ بالنقص، وهم أكثر أهل الدنيا: الحرمين والشام، ومصر، فأسقطوا منه لفظ الآل، فلا يقولون في خطبهم وتدريسهم وتأليفهم إلى ﷺ ولا تفوه بالصلاة المشروعة إنسان، ولا يعرف لها وجود (٣) في لسان، فهذه بدعة النقصان التي لا يأتي لغيرها في جميع ما ذكرناه من الأقطار أحد من الأعيان.
وابتدعت الطائفة الأخرى بدعة الزيادة في هذه الدعوات النبوية، والصلاة المحمدية فنصوا على أربعة من أعيان الآل، وأطالوا في ذكرهم الأوصاف، وخرجوا عن المشروع، وألهبوا نار الخلاف لما يعرضون به من الألفاظ مما فيه للشر إيقاظ، وهذه بدعة الزيادة حديث في اليمن في المساجد من نحو ثلاثين سنة، وإلا فإنهم كانوا يأتون بالألفاظ التي ليس فيها زيادة ولا نقصان، بل يذكرون آل محمَّد ﷺ كما أمروا به.
стр. 268
فهذه قطرة من الابتداع زيادة ونقصان، وقس عليها غيرها مما يزيدك إيضاحاً وبياناً لتغيير العباد لأنواع من العبادات بالابتداع، وفيه ما سمعته من الزجر الذي ملأ الأسماع، فلهذا قال ﷺ [٥٥ أ/ ج] هنا: "أن كل بدعة ضلالة"، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (١).
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي":
أقول: لفظ الجامع (٢) بعد سياقه للفظ المصنف هنا: أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي.
ولم يذكر الصلاة، وفي آخره تقديم وتأخير.
قلت: وقال: حسن صحيح، ولكنه قال أبو محمَّد بن حزم: إنه حديث لا يصح؛ لأنه مروي عن مولى لربعي مجهول، وعن المفضل الضبي وليس بحجة، انتهى.
قلت: تتبعت رجال الترمذي فلم يكن فيها من ذكره نعم فيهما بقية بن الوليد، وفيه لأئمة الحديث مقال، وتتبعت رجال أبي داود فلم أجد فيهم مولى ربعي ولا المفضل الضبي كما قاله أبو محمَّد بن حزم، فلا يعتبر ما قاله (٣).
стр. 269
الحديث الرابع:
٥٦/ ٤ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُل يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ الله فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاه, وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ كَمَا حَرَّمَه [٩١/ ب] الله" أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [حسن].
وزاد أبو داود (٣) ﵀ في أوله: "أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" وذكر معناه.
وزاد (٤) أيضاً: "أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُم الْحِمَارُ الأَهليُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ, فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ" [حسن].
"الأريكةُ" السريرُ في الحجلة, وقيل: هوَ كلُّ ما اتُّكئ عليه: "والقرى": الضيافة.
"وعن المقدام بن معدي كرب" في الاستيعاب (٥) بعد سياقه نسبه الكندي هو أحد الوافدين وفد على رسول الله ﷺ من كندة يُعدُّ في الشاميين، وبالشام مات سنة تسع وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة.
стр. 270
قوله: "هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته".
أقول: عسى (١) تأتي للترجي والإشفاق، وهي هنا للإشفاق، والأرِيكة: السرير في الحُجلة، وهي بالتحريك تكون كالعهن يستر بالثياب، وبها أراد كبار، ويجمع على حجال، ولا يسمى منفرداً أريكة. وقيل: هو كلما اتكأ عليه ويقال: أوشك إذا أسرع وقرب إيشاكاً. أي: لقرب رجل يقول هذا القول، لكنه لا يقوله إلا مترف قاعد في بيته في حجلته لا يطلب العلم ولا يسأل عنه.
وقوله: "فإنما حرم رسول الله ﷺ ما حرم الله" أي: وما حلله كما حلل الله، وإنما اقتصر على أحد الأمرين للعلم بأن مقابلة مثله إذ لا يكون قوله ﷺ حجة في التحريم دون التحليل، وخص التحريم؛ لأنه المخالف للأصل إذ الأصل في الأشياء الحل، والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، ومن قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣)، ومن المعلوم يقيناً أن الأحكام المأخوذة من السنة يجب العمل بها.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي":
قلت: وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. انتهى.
قوله: "وذكر بمعناه" ولفظه جميعاً: "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه, ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: "عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل".
стр. 271
أقول: قال الخطابي (١) في شرح هذا الحديث: أوتيت الكتاب ومثله، يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أن معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر المتلو.
والثاني: أنه الكتاب وحياً، وأوتي من البيان مثله، أي: أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم، ويخص ويزيد عليه ويشرع ما ليس في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزومه، فقوله كالظاهر المتلو من القرآن. انتهى.
قلت: وهذا الثاني هو مسألة التفويض المعروفة في أصول الفقه، وفيها خلاف ولا ريب أنه معلوم يقيناً أنه ﷺ أوتي القرآن، وأكثر أحكامه مجملة, ووكل الله إليه البيان، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وانظر في حكم واحد ورد في القرآن في غاية الإجماع ما بينه إلى رسول الله ﷺ وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) فإن هذين حكمان ما يعرف قدرهما عدداً ولا كيفية ولا وقتاً، إلا من بيانه ﷺ بأقواله وأفعاله، وأظن - والله أعلم - أنه قد أراد بهذه الطائفة الخوارج (٤) الذين كفروا الصحابة، فلا يقبلون رواية, ويقولون: يكفينا كتاب الله.
стр. 272
وفي قوله: "يوشك" وما شعر بذلك، فإنهم خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي ﵇، فقد صدق أنهم أسرع خروجهم، وقولهم: لا حكم إلا لله، ووجدت في "التمهيد" (١) لابن عبد البر ما لفظه بعد سياقه بسنده [٥٥ ب/ ج] عن أبي نضرة أو غيره قال: كنا عند عمران بن حصين، وكنا نتذاكر العلم قال: فقال رجل: لا تحدثوا إلا بالقرآن، فقال عمران بن حصين: إنك لأحمق أو حدث في القرآن صلاة الظهر أربع ركعات، والعصر أربع لا تجهر في شيء منها، والمغرب ثلاث تجهر بالقراءة فيها في ركعتين، ولا تجهر في ركعة، وذكر العشاء والفجر، فعرفت أن قال: قيل: بما ذكره ﷺ , فالحديث من أعلام النبوة.
قال الخطابي (٢): إنه ﷺ يحذر بهذا الحديث القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس في القرآن.
قوله: "ألا لا يحل الحمار الأهلي" هذا مما حرمه رسول الله ﷺ زيادة على ما في القرآن في قوله: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا
стр. 273
مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية، وقد وقع الإجماع على تحريم الحمار الأهلي، إلا ما يقال عن ابن عباس، وكأنه ما بلغه الخبر، ومثله في الزيادة.
قوله: "وكل ذي ناب من السباع": أي: ولا يحل لكم. في "النهاية" (١): السباع يقع على الأسد والذئاب والنمور وغيرها، وكل ذي ناب من السباع، وهو ما يفترس من السباع، ويأكل قسراً، وذكر مثلما ذكره أولاً.
قوله: "لقطة معاهد" اللقطة ما وجدتم من مساقي الأرض لا يعرف له صاحباً، والمعاهد: الذي بينك وبينه عهد وموادعة، والمراد به من كان بينه وبين المسلمين معاهدة وموادعة، ومهادنة، فلا يجوز أن يملك لقطته؛ لأنه معصوم المال يجري حكمه مجرى حكم الذمي.
وقوله: "إلا أن يستغنى عنها صاحبها" معناه: أن يتركها صاحبها لن أخذها استغناءً عنها. هذا وقد قدمنا تفسير السباع، وقال الشافعي (٢): ذو الناب المحرم هو الذي يعدو على الناس كالأسد، والنمر، والذئب، ويؤكل الضبع والثعلب، وخالفه مالك وقال: لا يؤكلا. قال ابن وهب: وكان الليث بن سعد يؤكل الهر والثعلب، وحجة مالك على الجميع عموم حديث النهي، وحديث الضبع انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس بمشهور، ولا يحتج بما انفرد به إذا خالف من هو أثبت منه.
قال ابن عبد البر (٣): وقد روى النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة.
стр. 274
وقوله: "يقروه" القرى: ما يعد للضيف من النزول, وفيه دليل على وجوب الضيافة لمن نزل بقوم بدليل قوله: "فعليهم".
وقوله: "أن يعقبهم": قال ابن الأثير (١): إنه مشدد ومخفف قال: ومعناه أن يأخذ منهم، ويغنم من أموالهم، بمقدار قِراه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (٢) أي: فكانت الغلبة لكم فغنمتم منهم. اهـ
قال الخطابي (٣): هذا في حال المضطر الذي لا يجد طعاماً، أو يخاف التلف على نفسه فله أن يأخذ من مالهم بقدر قِراه عوض ما حرموه من القرى، انتهى.
وادعى بعضهم أن هذا كان قبل فرض الزكاة، ثم نسخ.
قلت: ويأتي تحقيقاً البحث عند ذكر الضيافة إن شاء الله.
الخامس:
٥٧/ ٥ - وعَنْ أَبِي مُوسَى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْث الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فكَانَت مِنْهَا طَائِفة طَيِّبة قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ [٩٢/ ب]، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ (٤) أَمْسَكَتِ
стр. 275
الْمَاءَ، فَنَفَعَ الله بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِي قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ في دينِ الله تعالى وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي الله تعالى بِهِ, فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ" (١) [صحيح].
стр. 276
قوله: "وعن أبي موسى".
أقول: قدم أبو موسى (١) مكة ثم أسلم، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم مع مهاجرة الحبشة ورسول الله ﷺ بخيبر، وقيل: بل أسلم ورجع إلى بلاده، ثم قدم مع من قدم من الحبشة ولاه عمر بن الخطاب البصرة بعد أن عزل عنها المغيرة، فافتتح الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى خلافة عثمان فعزله، فانتقل إلى الكوفة، ثم ولاه عثمان الكوفة، ولم يزل عاملاً حتى قتل عثمان [٥٦ أ/ ج] ثم بعد التحكيم سكن مكة إلى أن مات سنة خمسين، وقيل: قبلها.
قوله: "إن مثله" [يقال] (٢): بكسر الميم وسكون المثلثة مثل شبه لفظاً ومعنى وبفتحهما مثل شبه، والمراد بالمثل الصفة العجيبة، والقول السائر ومثله.
وقوله: "من الهدى" أي: الدلالة الموصلة إلى المطلوب والعلم المراد به معرفة الأدلة الشرعية.
стр. 277
قوله: "قبلت الماء" بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول. "والكلأ" بالهمزة مقصور.
قوله: "والعشب" هو من عطف الخاص على العام, لأن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس والعشب للرطب فقط.
وقوله: "الكثير" صفة للعشب، وقد حذفت صفة الكلأ؛ لأنه إذا كان الخاص كثير فبالأولى العام له ولغيره.
وقوله: "وكان منها" أي: من الأرض التي أصابها الغيث.
قوله: "أجادب": في رواية البخاري لغير أبي ذر، وفي رواية مسلم بالجيم والدال المهملة بعدها موحدة جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس، وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، وفي (١) رواية أبي ذر للبخاري: "إجاذات" بكسر الهمزة والحاء والدال المعجمتين وآخره مثناة من فوق قبلها ألف جمع إجاذة، وهي الأرض التي تمسك الماء، وقال الهروي (٢): هي العذرات التي تأخذ ماء السماء، فتمسك على الشاربين. قال الهروي: وهذا المناسب للفظ الحديث.
قال الخطابي (٢): وأما أجاديب فهو غلط وتصحيف.
وقوله: "ينفع الله بها" أي: بالأجادب، وفي رواية للبخاري به، أي: الماء.
قوله: "ورعوا" من الرعي، وفي رواية للبخاري: "وزرعوا" بزيادة زاي من الزرع. قال النووي (٣): كلاهما صحيح.
стр. 278
قوله: "وأصاب": أي: الغيث طائفة منها، أي: الأرض. "طائفة أخرى" أي: قطعة: "إنما هي قيعان" جمع قاع، وهو المستوي من الأرض الملساء التي لا تنبت، وقد فسرها قوله ﷺ : "لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ".
قوله: "فذلك" أي: مثل من فقُه بضم القاف، وصار فقيهاً.
قوله: "ونفعه ما بعثني الله به مثله وعلم إلا أجر" قال القرطبي (١) وغيره: ضرب رسول الله ﷺ لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل الغيث عليها، فمنهم العالم العامل فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوا فله، أو لم ينفعه ما جمع لكنه، أداة لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء، فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله ﷺ : "نضر الله امرءٌ سمع مقالتي فأداها كما سمعها" (٢) ومنهم من سمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به، ولا ينقله إلى غيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة الملساء التي لا تقبل الماء، ويفسده على غيرها، وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأولتين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما [٥٦ ب/ ج] وأفرد الثالثة المذمومة لعدم النفع بها، وانتفاعها في نفسك.
قلت: ولذا ذكر في أصل المثل ثلاثة طوائف، وفي التفريع اقتصر على طائفتين لأنه جعل الأولين في التفريع شيئاً واحداً هو المنتفع بما بعث به الرسول ﷺ ، وإن اختلف النفع قد جمعهما حصول أصله، فكلهما شيئاً واحداً.
стр. 279
والحديث السادس:
٥٨/ ٦ - وعَنه ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ كمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمه فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَي، وَإِنِّي أنا النَّذِيرُ الْعُريَانُ فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلُجوا، وَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ, وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ" أخرجه الشيخان (١). [٩٣/ ب] [صحيح].
قوله: "إن مثلي".
أقول: الأول ذكر ﷺ فيه مثل ما بعثه الله به, وهذا مثله نفسه باعتبار ما بعثه به.
قوله: "النذير العريان" هو بضم العين المهملة وسكون الراء، وهو الذي لا ثوب عليه خصه لأنه أبينُ في العين، وأصل هذا أن الرجل منهم كان إذا أنذر قوماً وجاء من بلد بعيد انسلخ من ثيابه ليكون أبين للعين قاله ابن الأثير (٢).
وقوله: "فالنجاء": بالمد والهمز نصب على الإغراء. أي: اطلبوا الخلاص لأنفسكم، ولفظ النجاء مكرر في لفظ الجامع (٣) وهو لفظ الشيخين، فكأنه سقط من قلم المصنف.
"أدْلجُوا" إذا جُفِّف من أدلج يُدْلج - بمعنى: سار الليل كله - وإذا ثقل من أدلَج يَّدلج كان إذا سار من آخر الليل، و"مهلهم" بفتح الميم والهاء، أي: إناتهم وتؤدهم.
وقوله: "فذلك": اتحافاً ذكر من المثلين الأول للأولى، والثاني للثاني.
стр. 280
والحديث السابع:
٥٩/ ٧ - وعَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّمَا مَثَلي وَمَثَلُكم كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا" أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢)، واللفظ للبخاري. [صحيح].
قوله: "الفراش" هو الطائر الذي يرمي نفسه في اللهب: "والحجز" بضم المهملة وفتح الجيم جمع حجزة بضمها وسكون الجيم، وهي معقد منتهى الإزار. "والاقتحام" في الشيء إلقاء النفس.
فيه: أنه لا نجاة عن النار إلا باتباعه ﷺ ، والاعتصام بما جاء به.
قوله: "واللفظ للبخاري": قلت: كذا في الجامع (٣) إلا أن لفظه: "مثلي ومثل الناس" لا مثلكم كما قاله المصنف.
نعم، في مسلم في آخره: "فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار .. هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
الحديث الثامن:
٦٠/ ٨ - وعَن ابْنِ مَسْعُود ﵁ قال: "إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَأَحْسَنَ الهدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" أخرجه البخاري (٤) [صحيح].
стр. 281
قوله: "إن أحسن الحديث".
قد سمى الله كلامه حديثاً في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ (١).
وتقدم بقية ما في الأثر، وقد أخرجه الأخرى مرفوعاً بلفظ: "أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمَّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" أخرجه من حديث جابر بن عبد الله (٢) وأخرجه مرفوعاً أيضاً عن أبي هريرة.
وقوله: "الهدي" بفتح الهاء وسكون الدال لأكثر رواة البخاري وللبعض منهم بضم الهاء مقصور ومعنى الأول الهيئة والطريقة، والثاني ضدُّ الضلال.
هذا قال الحافظ (٣): إن قوله: "وأحسن الهدي هدي محمد" له حكم الرفع؛ لأنه إخبار عن صفة من صفاته، وهو أحد أقسام المرفوع، وقلَّ من نبَّه على ذلك. وفيه: الاقتباس من القرآن.
التاسع حديث عائشة:
٦١/ ٩ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح].
وفي رواية (٦): "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" [٩٤/ ب].
стр. 282
وقوله: "في أمرنا" أراد به الأمر الذي جاء به ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرهما، "ما ليس فيه" أي: ما لا دليل عليه من كلام الله ولا كلام رسوله.
وقوله: "فهو رد" أي: مردود، فلا حكم له، ولا قبول، ولا نفوذ.
وهذا حديث جليل دلَّ بمفهومه على أن كل ما كان من أوامره ﷺ فهو مقبول نافذ الحكم، وكل ما كان على غير أمره فهو مردود لا نفوذ له ولا قبول.
وقوله: وفي لفظ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" هو مقيد بما أفاده الأول، وهو واضح في وجوب الاعتصام [٥٧ أ/ ج] بالكتاب والسنة.
[العاشر] (١):
٦٢/ ١٠ - وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" أخرجه أبو داود (٢) [صحيح لغيره].
стр. 283
قوله: "من فارق الجماعة شبراً" في النهاية (١) مفارقة الجماعة ترك السنة واتباع البدع.
وقوله: "فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه" الربقة في الأصل: عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام بمعنى: ما شد به المسلم نفسه من عرى الإسلام. أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه، انتهى.
وفيه: أن مخالفة السنة توجب خروج مخالفها عن الإِسلام، ويسمي متابعها جماعة، ولو كان فرداً واحداً.
قلت: وفي سنن أبي داود (٢): وفي حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، انتهى.
ففسر الفرقة الناجية بالجماعة، وهم أتباع الكتاب والسنة.
[الحادي عشر] (٣): حديث علي ﵇:
٦٣/ ١١ - وعَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَه الِاخْتِلاَفَ حَتَّى يَكُونَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ، أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي.
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ ﵀ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَلَى عَلِيٍّ الْكَذِبُ.
أخرجه البخاري (٤) [صحيح].
وقوله: "اقضوا كما كنتم تقضون" قاله في بيع أمهات الأولاد، فإنه كان يرى بيعهن، وكان عمر يرى في خلافته عدم بيعهن ووافقه علي، ثم رجح عنده بيعهن، ثم أمر في خلافه
стр. 284
بالقضاء بما كانوا يقضون به من بيعهن (١) أفاد معناه في التوشيح، وعلله بقوله: (فإني أكره الخلاف) فإني لا يأتي الخلاف إلاَّ بالشر والتفرق، ولذا قال: "حتى يكون الناس جماعة لا يفرق بينهم" وقد كان الصحابة يكرهون الخلاف حتى أنه لما أتم عثمان صلاة الرباعية في منى أنكر ذلك ابن مسعود، ثم صلى تماماً، فقيل له: أنكرت على عثمان، وصليت كما صلَّى، فقال: "الخلاف شر كله" ونحو هذه العبارة.
قوله: "كذباً" يريد ما يروى عنه ﵇ مما يخالف كلامه هذا، فإنه قد كذب عليه ﵇ ما لم يكذب على غيره.
[الثاني عشر] (٢): حديث أنس:
٦٤/ ١٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ ﷺ ، قِيلَ: الصَّلاَةُ. قَالَ: أَليْسَ صَنَعْتُم ما صَنَعْتُم فِيهَا. أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤) [صحيح].
"ما أعرف شيئاً" ذكره البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها (٥).
وقوله: "الصلاة" أي: قيل له: الصلاة هي شيء مما كان على عهده، وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام، فأجاب: بأنهم غيروها أيضاً بأن أخرجوها من الوقت، وأخرج أحمد أن القائل له أبو رافع، قال: يا أبا حمزة! ولا الصلاة؟ قال له أنس: "قد علمتم ما صنع الحجاج في الصلاة".
стр. 285
وقوله: "صنعتم" بالمهملتين والنون لأكثر رواة البخاري, ولبعضهم: بالمعجمة وتشديد الياء.
وفي رواية الترمذي: "أو لم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم؟ ".
وروى ابن سعد في "الطبقات" (١) سبب قول أنس لهذا، فأخرج في ترجمته أنس بطريقه إلى ثابت البناني قال: "كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة, فقام أنس يريد أن يكلمه, فنهاه إخوانه شفقة عليه منهم، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله ﷺ إلا شهادة أن لا إله إلا الله، فقال له رجل: فالصلاة يا أبا حمزة! قال: قد جعلتم الظهر عند المغرب، أتلك صلاة رسول الله ﷺ ؟! ".
فائدة: في البخاري (٢) في باب: إثم من لم يتم الصفوف (٣). عن أنس أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: "ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف". انتهى.
فهذا إنكار آخر على أهل المدينة هو عدم إقامة الصفوف، والأول تأخر الصلاة عن وقتها، وذلك كان بالشام، وهذا بالمدينة، قاله الحافظ في "الفتح" (٤).
قوله: "والترمذي" وقال: حسن غريب.