← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قوله: "إن أحسن الحديث". قد سمى الله كلامه حديثاً في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ (١). وتقدم بقية ما في الأثر، وقد أخرجه الأخرى مرفوعاً بلفظ: "أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمَّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" أخرجه من حديث جابر بن عبد الله (٢) وأخرجه مرفوعاً أيضاً عن أبي هريرة. وقوله: "الهدي" بفتح الهاء وسكون الدال لأكثر رواة البخاري وللبعض منهم بضم الهاء مقصور ومعنى الأول الهيئة والطريقة، والثاني ضدُّ الضلال. هذا قال الحافظ (٣): إن قوله: "وأحسن الهدي هدي محمد" له حكم الرفع؛ لأنه إخبار عن صفة من صفاته، وهو أحد أقسام المرفوع، وقلَّ من نبَّه على ذلك. وفيه: الاقتباس من القرآن. التاسع حديث عائشة: ٦١/ ٩ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]. وفي رواية (٦): "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" [٩٤/ ب].

стр. 282

وقوله: "في أمرنا" أراد به الأمر الذي جاء به ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرهما، "ما ليس فيه" أي: ما لا دليل عليه من كلام الله ولا كلام رسوله. وقوله: "فهو رد" أي: مردود، فلا حكم له، ولا قبول، ولا نفوذ. وهذا حديث جليل دلَّ بمفهومه على أن كل ما كان من أوامره ﷺ فهو مقبول نافذ الحكم، وكل ما كان على غير أمره فهو مردود لا نفوذ له ولا قبول. وقوله: وفي لفظ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" هو مقيد بما أفاده الأول، وهو واضح في وجوب الاعتصام [٥٧ أ/ ج] بالكتاب والسنة. [العاشر] (١): ٦٢/ ١٠ - وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" أخرجه أبو داود (٢) [صحيح لغيره].

стр. 283

قوله: "من فارق الجماعة شبراً" في النهاية (١) مفارقة الجماعة ترك السنة واتباع البدع. وقوله: "فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه" الربقة في الأصل: عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام بمعنى: ما شد به المسلم نفسه من عرى الإسلام. أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه، انتهى. وفيه: أن مخالفة السنة توجب خروج مخالفها عن الإِسلام، ويسمي متابعها جماعة، ولو كان فرداً واحداً. قلت: وفي سنن أبي داود (٢): وفي حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، انتهى. ففسر الفرقة الناجية بالجماعة، وهم أتباع الكتاب والسنة. [الحادي عشر] (٣): حديث علي ﵇: ٦٣/ ١١ - وعَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَه الِاخْتِلاَفَ حَتَّى يَكُونَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ، أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ ﵀ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَلَى عَلِيٍّ الْكَذِبُ. أخرجه البخاري (٤) [صحيح]. وقوله: "اقضوا كما كنتم تقضون" قاله في بيع أمهات الأولاد، فإنه كان يرى بيعهن، وكان عمر يرى في خلافته عدم بيعهن ووافقه علي، ثم رجح عنده بيعهن، ثم أمر في خلافه

стр. 284

بالقضاء بما كانوا يقضون به من بيعهن (١) أفاد معناه في التوشيح، وعلله بقوله: (فإني أكره الخلاف) فإني لا يأتي الخلاف إلاَّ بالشر والتفرق، ولذا قال: "حتى يكون الناس جماعة لا يفرق بينهم" وقد كان الصحابة يكرهون الخلاف حتى أنه لما أتم عثمان صلاة الرباعية في منى أنكر ذلك ابن مسعود، ثم صلى تماماً، فقيل له: أنكرت على عثمان، وصليت كما صلَّى، فقال: "الخلاف شر كله" ونحو هذه العبارة. قوله: "كذباً" يريد ما يروى عنه ﵇ مما يخالف كلامه هذا، فإنه قد كذب عليه ﵇ ما لم يكذب على غيره. [الثاني عشر] (٢): حديث أنس: ٦٤/ ١٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ ﷺ ، قِيلَ: الصَّلاَةُ. قَالَ: أَليْسَ صَنَعْتُم ما صَنَعْتُم فِيهَا. أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤) [صحيح]. "ما أعرف شيئاً" ذكره البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها (٥). وقوله: "الصلاة" أي: قيل له: الصلاة هي شيء مما كان على عهده، وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام، فأجاب: بأنهم غيروها أيضاً بأن أخرجوها من الوقت، وأخرج أحمد أن القائل له أبو رافع، قال: يا أبا حمزة! ولا الصلاة؟ قال له أنس: "قد علمتم ما صنع الحجاج في الصلاة".

стр. 285

وقوله: "صنعتم" بالمهملتين والنون لأكثر رواة البخاري, ولبعضهم: بالمعجمة وتشديد الياء. وفي رواية الترمذي: "أو لم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم؟ ". وروى ابن سعد في "الطبقات" (١) سبب قول أنس لهذا، فأخرج في ترجمته أنس بطريقه إلى ثابت البناني قال: "كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة, فقام أنس يريد أن يكلمه, فنهاه إخوانه شفقة عليه منهم، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله ﷺ إلا شهادة أن لا إله إلا الله، فقال له رجل: فالصلاة يا أبا حمزة! قال: قد جعلتم الظهر عند المغرب، أتلك صلاة رسول الله ﷺ ؟! ". فائدة: في البخاري (٢) في باب: إثم من لم يتم الصفوف (٣). عن أنس أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: "ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف". انتهى. فهذا إنكار آخر على أهل المدينة هو عدم إقامة الصفوف، والأول تأخر الصلاة عن وقتها، وذلك كان بالشام، وهذا بالمدينة، قاله الحافظ في "الفتح" (٤). قوله: "والترمذي" وقال: حسن غريب.

стр. 286

الحديث [الثالث عشر] (١): وعَن أَبِي هُريْرَة ﵁: أنه دَخَل السوق فقال: أراكم ههنا وميراث محمدٍ ﷺ يُقْسَم في المسجِد؟ فذَهبُوا وقالوا: ما رأيْنَا شيئاً يُقْسَم؟ رأينا قَوْمَاً يقرءون القرآن. قال: فذَلكم ميراثُ نبيكم ﷺ (٢) [٩٥/ ب]، [إسناد حسن]. قوله: "ميراث محمَّد يقسم في المسجد". أقول: قد ثبت في حديث أبي الدرداء عند أبي داود (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) وابن حبان في صحيحه (٦)، وفيه: "وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" انتهى [٥٧ ب/ ج] وأحسن من قال: العلم ميراث النبي كذا أتى ... في النص والعلماء هم وراثه ما خلف المختار غير حديثه ... فينا فذاك متاعه وأثاثه فلنا الحديث وراثة نبوية ... ولكل محدث بدعةٍ إحداثه

стр. 287

الحديث [الرابع عشر] (١): حديث ابن مسعود: ٦٦/ ١٤ - وعن ابن مَسْعود ﵁ أنه قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنَّاً فليستنَّ بمن قَدْ مَاتَ، فإنَّ الحَيَّ لا تُؤمَنْ عَلِيْه الفِتْنَة، أولَئكَ أصحابُ محمدٍ ﷺ كانوا أفضلَ هذه الأمةِ أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ولإقامة دِيْنِه، فأعْرِفُوا لَهُم فَضْلُهُمْ، واتْبِعوهم على أثَرِهُم، وتُمَسَّكُوا بما اسْتَطعتُم من أخلاقهم وسِيرهم، فَإنهم كَانُوا على الهُدَى المستقيم (٢). فيه الأمر بالاستنان والاقتداء بمن قد مات وفسرهم بالصحابة الذين توفوا؛ لأنهم كانوا أفضل هذه الأمة، وذكر صفاتهم الثلاث، وخص على معرفة قدرهم، وأمرنا بالتمسك بهم والتخلق بأخلاقهم وسيرهم، وليس المراد التقليد لهم، فالاستنان اتباع الطريقة المرضية والاقتداء. حديث ابن عباس: [الخامس عشر] (٣): ٦٧/ ١٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: من تعلم كتابَ الله تعالى، ثم اتبعَ مَا فِيه هداهُ الله تعالى من الضلالةِ في الدنيا ووقاهُ سوء الحساب في الآخرِة (٤). "وأن من تعلم القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة" وهذا معلوم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٥) فتنجوا من الضلالة، ومن شر الحساب في الآخرة.

стр. 288

حديث عمر ﵁: [السادس عشر] (١): ٦٨/ ١٦ - وعن عمرَ بِن الخَطَّاب ﵁ قال: "تُرَكْتُمْ عَلى الْوَاضِحَةِ, لَيْلُهَا كَنَهارِهَا، كُوْنُوا عَلى دِيْنِ الأَعْرَابِ، وَالْغِلْمَانِ في الْكِتَاب" (٢). قوله: "تركتكم على الواضحة" أخرج ابن سعد والحاكم من رواية سعيد بن المسيب أن عمر لما قدم المدينة من الحج خطب الناس، فقال: يا أيها الناس! قد فرضت لكم الفرائض، وسنت لكم السنن الواضحة، وليس فيه زيادة ليلها كنهارها إلى آخره، وهو كلام صحيح إذ الوضوح يستلزم تساوي الأوقات في وضوحها. وقوله: "كونوا على دين الأعراب والغلمان في الكتاب" الأعراب: جمع أعرابي، وهم سكان البادية والعرب كما في "القاموس" (٣) خلاف المعجم مؤنث، وهم سكان الأنصار، أو عام، والأعراب منهم سكان البادية، انتهى. وفيه (٤): الغلام الطارُّ الشارِب والكَهْلُ ضِدُّ أو من حين يولَدُ إلى حين يَشِبّ. وفيه (٥): الكُتَّاب، كَرُمَّانٍ الكاتبونَ، والمكتبُ كمقعَدٍ موضِعُ التعليم، انتهى ومراد عمر بهذه الوصية المنع عن الخوض في تأويل المتشابهات من الآيات والصفات، وأنه لا يخاض في ذلك، بل يجب الإيمان بما سمعه من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يتعرض لتأويل ولا لقال، ولا قيل كما أن الأعراب الذين في البوادي يؤمنون بما يسمعونه من ذلك، ولا يخطر لهم تأويل ولا إشكال، بل يؤمنون بما يسمعونه من المقال، ومثله الغلمان في

стр. 289

الكُتَّاب، فإنهم يتعلمون آيات الكتاب، ويؤمنون بفطرهم كإيمان المكلفين من أولي الألباب، بل هذه الطريقة رجع إليها المحققون من علماء الأمة بعد أن تغلطوا، وولجوا كل طريقة مدلهمة كابن الخطيب الرازي، فقال: لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيناها تشفي عَليلاً، ولا تروي غليلاً. قال: واعلم أني بعد التوغل في هذه المضائق والتعمق في الاستكشاف عن هذه الحقائق رأيت الأصوب الأصلح طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين. إلى آخر كلامه. وقال أبو المعالي الجويني: لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإِسلام بإسلامهم وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر العظيم، وخضت في الذي نهى عنه أهل الإِسلام، وكل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت من الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز، فإن لم [٥٨ أ/ ج] يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، وكم عافية أمري عند الرحيل على طريقة أهل الحق، وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني - يريد نفسه - إن لم يختم له بخير، ومثله قال ابن دقيق العيد: تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستفتيتهم في المراكز وخضت بحاراً ليس يدرك قعرها ... وألقيت نفسي في فسيح المفاوز ولججت في الأفكار حتى يراجع ... اختياري، واستحسان دين العجائز

стр. 290

والحاصل: أن كل محقق رجع إلى وصية عمر ﵁ وكان عمر يعاقب من خاض في ذلك كما أخرج البزار (١) والدارقطني في الأفراد (٢) وابن مردويه (٢) وابن عساكر (٣) عن سعيد ابن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب قال: أخبرنا عن الذاريات ذرواً؟ قال: هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن: (الْحَامِلَاتِ وِقْرًا) قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾؟ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾؟ قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري امنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى، فحلف له الأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب إلى عمر، فكتب عمر ما أخاله إلا قد صدق، فخل بينه وبين مجالسته الناس.

стр. 291

الحديث [الخامس عشر] (١): حديث علي: ٦٩/ ١٧ - وعَن عَلي ﵁ قال: تُرِكْتمْ على الجَادَّة، منهجٌ عليه أمُّ الكتاب (٢). أخرج هذه الآثار الخمسَةَ: رزين ﵀[٩٦/ ب]. قوله: "الجادة" في "القاموس" (٣) الجادة: معظم الطريق جمعها: جواد. وفيه (٤) أيضاً: النَّهْجُ: الطريقُ الواضِحُ كالمَنْهَجِ أو المِنْهاج. وفيه (٥) أم الكتاب: أصلَه، أو اللَّوْح المحفوظ، أو الفاتِحةُ أم القرآن جميعه. انتهى. والمعنى: ترككم رسول الله ﷺ على معظم الطريق الواضحة الذي أصله القرآن، وكل ما سلف من الأحاديث والآثار حث على الاعتصام بالكتاب والسنة. قوله: "أخرج هذه الآثار الخمسة رزين". أقول: لفظ الجامع: وهذه أحاديث وجدتها في رزين، ولم أجدها في الأصول. انتهى. وقد قدمنا لك أن قول المصنف أخرج رزين لا أخرجها كما بيناه سابقاً. الباب الثاني: (في الاقتصاد في الأعمال) أقول: القصد استقامة الطريق والاعتماد، واللام قصده وإليه، وله يقصده، وضد الإفراط كالاقتصاد، والمراد به الوسط بين الطرفين طرفي الإفراط والتفريط، ويتناسبه مدح الله لمن اعتمد أوساط الأمور، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ

стр. 292

بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ (١) كما قال عمر بن عبد العزيز: "الحسنة بين السيئتين" وقوله: " ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٢) الآية". ٧٠/ ١ - وعَن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَته، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنا فَأُصَلّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ الآخَرُ: وأنا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولاَ أتزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ إلِيْهمْ فَقَالَ "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَالله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتزَوَّجُ النَّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" أخرجه الشيخان (٣) والنسائي (٤) [٩٧/ ب]، [صحيح] قوله: "ثلاثة رهط" الرهط: منه إلى تسعة اسم جمع لا واحد له من لفظه، ووقع عند عبد الرزاق (٥) من مرسل سعيد بن المسيب تعيين الثلاثة: أنهم علي بن أبي طالب ﵇، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن مظعون، ووقع في غير هذه الرواية زيادة على الثلاثة. قوله: "عن عبادة رسول الله ﷺ " زاد مسلم [٥٨ ب/ ج] "في السر".

стр. 293

قوله: "تقالُّوها" بتشديد اللام المضمومة, أي: استقلوها, وأصل تقالّوها، أي: رأى كل منهم أنها قليلة. قال ابن الأثير: كأنهم استقلوا ذلك لأنفسهم من العمل، فأرادوا أن يكثروا منه. قوله: "قد غفر له" هي إحدى روايات البخاري، والأخرى: "غفر الله" والمراد أن من لم يعلم بحصول المغفرة له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل له بخلاف من حصل له. قوله: "فأصلي الليل أبداً" قيد الليل لا لأصلي. وقوله: "فلا أتزوج أبداً" وقع التأكيد بالأبدية في أصلي، ولا أتزوج دون الصوم. قال الحافظ في "الفتح" (١): لم يؤكده به لأنه لا بد من فطر الليالي، وكذا أيام العيد. قلت: الصيام اسم لترك المفطرات نهاراً، وليس فطر الليالي من مسماه, فطرها شرط فيه، وإلا كان مواصلاً، وهو منهي عنه، والأحسن أن يقال: ترك التقييد فيه لأنه يعلم بالقياس على أخويه إلا أنه يتعدد بعدد المتكلمين لأنه لا يفيد أحد بكلام غيره، ووجه قيام الليل والصوم عبادة ظاهرة، وأما مجرد ترك الزواج، ففي كونه عبادة تأمل إلا أنه لما دل على أن مراده ليتفرغ للعبادة, وأن التزوج أحد الأسباب المانعة عن التفرغ، والتوفر عليها عُدَّ عبادة. قوله: "أما والله" بالتخفيف الميم حرف تنبيه. "إني لأخشاكم لله" أكد بالقسم زيادة في الحث على الاقتداء به، وكالرد لما يظنونه من أن من غفر له لم يبق وجه لمخافته لدينه وخشيته من ربه، فأخبرهم مع كونه غير مبالغ في العبادة بأنه أخشاهم لله وأتقاهم له، وتأتي زيادة على هذا في النكاح.

стр. 294

وقوله: "ولكني" استدراك من شيء مطوي دل عليه السياق كأنه قال: أنا، وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواءً، لكن أنا أعمل كذا، فمن رغب عن سنتي، عن طريقتي بالإعراض إلى غيرها، فليس مني، بمعنى: ليس على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة. قلت: وترجم له البخاري (١) باب: الترغيب في النكاح، وهذا يدل أيضاً على الترغيب في الصيام أحياناً، والفطر أحياناً، وعلى القيام تارة، والنوم أخرى، والكل طريقته ﷺ وهي أشرف الطرائق إلى الله وأعلاها، وخيرها وأولاها، والمراد من قوله: "أصلي وأرقد" أي: كل ليلة أفعل الأمرين، ولعل البخاري خصه بالدلالة على التزويج لأنه ﷺ لم يقل، وأدع الزواج، فدل على أن ترك الزواج ليس من سننه بخلاف الفطر والنوم فإفطاره طاعة ليتقوى على الصوم ونومه طاعة ليتقوى على القيام، وهو دليل على فضل الاقتصاد في العبادة, وعدم الإفراط فيها، ودلَّ على ذم التفريط في فرض العبادات الواجبة، ولذا قال لمن أقسم أن لا يزيد عليه ولا ينقص، "دخل الجنة إن صدق" (٢). أو"أفلح" كما سلف. قوله: "الشيخان والترمذي". أقول: هذا وهم أو سبق، فلم من المصنف فالذي في الجامع: الشيخان، والنسائي وقع هذا على نسخة من التيسير فيها لفظ الترمذي، ثم وجدنا غيرها بلفظ: النسائي على الصواب كما هو في الجامع (٣) إلا أنه قال فيه: وهذا لفظه، أي: النسائي: "أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء"

стр. 295

"ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء" انتهى لفظ الجامع [٥٩/ أ/ ج]. فالعجب نسبة المصنف الرواية للترمذي، والعجب نسبة المصنف رواية النسائي، مثل لفظ الشيخين، وفيها زيادة رابع قال: لا آكل اللحم، وترك أكل اللحم أخص من مداومة الصيام، وخامس أيضاً، وهو النوم على الفراش، فإنه أخص من استغراق الليل بالصلاة، وسيأتي كلام المصنف يشعر بأن لفظ النسائي كلفظ الشيخين. الحديث الثاني: ٧١/ ٢ - وَعنْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: صَنَعَ رسول الله ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيه. ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيءِ أَصْنَعُهُ, فَوَالله! إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِالله وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً" أخرجه الشيخان (١). [صحيح]. قوله: "فتنزه". أقول: التنزه: التباعد عن الشيء. أي: أنهم تركوه ولم يعملوا به, ولا اقتدوا برسول الله ﷺ فيه. الثالث عن عائشة أيضاً: ٧٢/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: بَعَثَ رسول الله ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟ فَقَال: لاَ وَالله يَا رَسُولَ الله! وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ. فقَالَ النبي ﷺ : "فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّى، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأنكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ الله يَا عُثْمَانُ! فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ

стр. 296

لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ" أخرجه أبو داود (١) [صحيح]. وزاد رزين (٢) ﵀: وكانَ حلفَ أن يقومَ الليلَ كلهُ ويصومَ النهارَ، ولا ينكِحُ النساء فسأل عن يمينه فنزل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُم﴾ (٣) ويُروى أنه نوى ذلك ولم يعزم (٤). وهو أصح [٩٨/ ب]. قوله: "بعث إليَّ عثمان بن مظعون" في البخاري (٥) من حديث سعد بن أبي وقاص: ردَّ رسول الله ﷺ -على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا. التبتل هنا: الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة.

стр. 297

والتبتل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء والطيب، وكل ما يلتذ به، فلهذا أنزل في حقه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). فإن قلت: كيف يرده ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (٢)؟ قلت: هذا التبتل المأمور فسره مجاهد، فقال: "أخلص له إخلاصاً" وهو تفسير بالمعنى، وإلا فالتبتل الانقطاع، والمراد انقطع إليه انقطاعاً، ولكن لما كان حقيقة الانقطاع، لا تتم إلا بالإخلاص فسره به. قوله: "فإن لأهلك عليك حقاً": علل ﷺ أمره لعثمان بما ذكر بأن هذا الاجتهاد في العبادة تضيع به حقوقاً لأهله ولضيفه، ولنفسه، وتضييعها حرام، ولذا قال له: "اتق الله" فالمراد أمره بتقواه في عدم تضييع الحقوق بفعل ما نواه. قوله: "زاد رزين، وكان حلف. أقول: أخرجها عبد الرزاق (٣) والطبراني (٤) عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها: خولة بنت حكيم عليَّ وهي باذَّة الهيئة, فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، فدخل النبي ﷺ فذكرت ذلك له فلقي النبي ﷺ عثمان، فقال: "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا أما لك فيَّ أسوة؟ "فوالله! إني لأخشاكم لله وأحفظكم بحدوده"، والروايات واسعة في هذا المعنى عن عثمان تضمنها الدر المنثور.

стр. 298

الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمرو: ٧٣/ ٤ - وعَن عبد الله بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَالله! لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، مَا عِشْتُ. فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رسول الله! قَالَ: "فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أيامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ" قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ" فَقُلْتُ: فإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" أخرجه الخمسة إلا الترمذي (١) [٩٩/ ب]. وفي أخرى (٢): "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ". قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ الله! وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلاَّ الْخَيْرَ، وَفِيه قَالَ لي: وَأقْرَأ الْقُرآنَ في كُلِّ شَهْرٍ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "فَاقْرَأْهُ في كُلِّ عِشْرِينَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاقْرَأْهُ في كُلِّ عَشْرٍ". قلت: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاقْرَأْهُ في كُلِّ سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وقال لي رسول الله ﷺ : "إِنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطولُ بِكَ عُمْرٌ". قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، فَلَما كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ الله ﷺ . [صحيح]. وفي أخرى (٣) نحوه، وفيه: "فإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَه الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأبّد" [صحيح].

стр. 299

وفيه (١): "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇[١٠٠/ ب] كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى" [صحيح]. وفي أخرى (٢): "أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى الله تَعالى صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبَّ الصَّلاة إلى الله صَلاَةُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَام نِصفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ, وَيَنَامُ سُدُسَهُ, وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا" [صحيح]. أقول: ذكر المصنف أربع روايات في حديث عمرو: ففي الأولى نزله ﷺ في الصوم إلى ثلاثة إلى صوم يوم وإفطار يومين، ثم إلى صيام يوم، وإفطار يوم، وهو صوم داود، وهو أفضل الصيام وأعدله، وأنه لا أفضل منه. قال الحافظ ابن حجر (٣): ليس فيه نفي المساواة صريحاً، ولأن غيره قد أفاد نفي الأفضلية مطلقاً. وفي الثانية نزله في قراءة القرآن إلى شهر، ثم إلى عشر، ثم إلى سبع، ونهاه عن أقل منها، وأخبره ﷺ أنه لعله يطول به عمر، أي: فيعجز عن ما وطن نفسه عليه أيام الشباب، وثياب القوة, لذا قال: وددت أني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . قال النووي (٤): معناه: أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووطن نفسه عند رسول الله ﷺ فشق عليه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى أن لو قبل الرخصة بالأخذ بالأخف. وفي الثالثة: علل إدامة الصوم.

стр. 300

وفي الرابعة: ذكر أحب الصيام وأحب القيام، وهكذا فرقهما في الجامع بزيادات وسببه أنها رويت من طرق هكذا [٥٩ ب/ ج] وقطعه البخاري فأورده مختصراً ومطولاً في بابين من كتاب الصوم، وفي كتاب الأدب وفضائل القرآن وغيره. قال الحافظ (١): إنه رواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله ابن عمرو مطولاً ومختصراً، وفيهم من اقتصر على قصة الصلاة، وفيهم من ساق القصة كلها. وأما ألفاظه فقوله: "هجمت له العين". قال ابن الأثير (٢): هجمت العين: إذا غارت ودخلت في نُقرتها من الضعف والمرض. وقوله: "نَفِهَت" بالنون ففاء مكسورة فهاء، أي: أعيت وكلَّت. قال الخطابي (٣): محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادة، فلو استفرغ جهده بالصوم لفتر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقي وبعض القوة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله ﷺ في داود ﵇: "كان لا يفر إذا لاقى, لأنه كان يتقوى بالفطر للجهاد" انتهى. والحديث واضح فيما ترجم به المصنف غاية الوضوح، ولو قال في فصل الاقتصاد في الأعمال له لأئمة الحديث على ذلك لحديث عائشة. "يحتجز" بالمهملة فمثناه فوقية فزاي. قال ابن الأثير (٤): يتخذه حُجْرة وناحية يتفرد عليه فيها، ويأتي للمصنف تفسيره. "ويثوبون" بالمثلثة، أي: يرجعون إليه ويجتمعون عنده.

стр. 301

وقوله: "لا يمل حتى تملوا" فجرى مجرى قولهم: حتى يشيب الغراب، ويَبْيَضَّ القَار أي: لا أفعله أبداً. وقيل: معناه: أن الله لا يطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتزهدوا في الرغبة فسمَّي الفعلين مَللاً وكلاهما ليس بملَلٍ، على جهة الإرادة كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢) وهو شائع في العربية وكثير في القرآن. انتهى. قوله: "وكان آل محمد" هذا مدرج في الحديث، قيل: والمراد من آل محمَّد هو نفسه، ويحتمل أن يراد أهله وأزواجه وعائشة الراوية منهم فهي مخبرة عن إقدامهم ببره وحولها النبوة، أي: داوموا عليه الحديث. قوله: "سددوا" في "النهاية" (٣) أي: اطلبوا بأعمالكم الاستقامة والسداد وهو القصد في الأمر والعدل فيه، وقاربوا اطلبوا المقاربة، وهي القصد في الأمور الذي لا غلو فيه ولا تقصير. قوله: "واغدوا وروحوا" أي: اعملوا في الغداة، وهي أول اليوم والرواح آخره. "الدُّلجةُ" - بضم الدال المهملة وتخفيفها وتشديدها - سير الليل والمراد به العمل في الليل. وقوله: "سباق المدلجة" إشارة إلى تعليله. وقوله: "والقصد .. القصد" أي: العدل في القول والعمل، والوسط بين الطرفين، وهو إغراء فهما منصوبان، أي: السير بالرفق والتوسط، فهم بلاغ العبد إلى الخير.

стр. 302

قوله: "يسر" هو مأخوذة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) و ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٢). وقوله: "إن شادَّ" بالشين المعجمة وتشديد الدال المهملة في "النهاية" (٣) وفيه من شاد الدين يغلبه، أي: ما يُقَاويه وَيُقَاومُه، ويكلف نفسه من العبادة فوق طاقته، والمشادة الموالية، وهو مثل الحديث الآخر: "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق" (٤) انتهى. وقوله: "يتغمدني الله برحمته" [٦٠ أ/ ج] بالغين المعجمة, أي: يلبسنها ويسترني بها مأخوذ من غمد السيف، وهو غلافه يقال: غمدت السيف وأغمدته. فإن قلت: ظاهر قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ (٥) يقتضي أن دخولها بالعمل؟

стр. 303

قلت: قد تكلم ابن القيم على المسألة في كتابه: "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (١) فقال: فصل: ومما يجب التنبيه عليه هو أن الجنة إنما تدخل تحت رحمة الله تعالى ليس عمل العبد مستقلاً بدخولها، وإن كان سبباً، وقد أثبت الله دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ (٢) ونفى رسول الله ﷺ دخولها بالأعمال في قوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة" ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال: كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته. واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل على هذا حديث أبي هريرة: "إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم" رواه الترمذي (٣). والثاني: أنَّ الباء التي نفت الدخول هي بالمعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلاً للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي بالسببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلاً بحصوله. انتهى. ٧٤/ ٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ حَصِيرٌ يَحتَجِزُهُ في اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَبْسُطُهُ في النَّهَارِ فيَجلس عليه، فَجَعَلَ النَّاسُ يثوبون إليه يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ حَتَّى كَثْروا فأقبلَ علَيْهم فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا مِنَ الأَعمالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ" وَكَان [١٠١/ ب] آلُ محمدٍ ﷺ إذا عَمِلوا عَمَلاً أثْبَتُوه" أخرجه الستة (٤) [صحيح].

стр. 304

وفي رواية للبخاري (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجْةِ. وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا، واعْلَمُوا أنَّهُ لَن يُدْخِلُ أَحَدكُم عَمَلُهُ الْجَنَّةَ" قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله تَعَالَى بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ" [صحيح]. وفي أخرى للبخاري (٢) والنسائي (٣): "إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ" يحتجزه بالزاي يجعله كالحجزة. [صحيح]. ٧٥/ ٦ - عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا"، وفي رواية: "وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا" أخرجه الشيخان (٤) [صحيح]. ٧٦/ ٧ - وعَن سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ ﵁ فإِذا هُوَ يُصَلّي صَلاَةً خَفِيفَةً كَأَنَّهَا صَلاَةُ مُسَافِرٍ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ أَبِي: يَرْحَمُكَ الله. أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ أَوْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ قَالَ: إِنَّهَا الْمَكْتُوبَةُ، وإنَّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ الله [١٠٢/ ب] ﷺ : مَا أَخْطَأْتُ إِلاَّ شَيْئًا سَهَوْتُ عَنْهُ، ثُم قًالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لاَ تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ " أخرجه أبو داود (٥) [ضعيف]. قوله: سَهْل بن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف (٦).

стр. 305

يعد في التابعين سمع أنس بن مالك, وروى عن أبيه عن جده, وحُنَيف - بضم الحاء المهملة وفتح النون -. قوله: خفيفة. زاد في "الجامع" (١): دقيقة بالدال المعجمة والقاف، أي: خفيفة، لا إطالة فيها, ولا رياء. قوله: "فَيُشدَّدَ عليكم". أقول: بأن تحدثوا، فيعجزوا عن القيام بما قد أمروا، واستدل بذلك. "فإن قوماً" يريد بهم فرقة من النصارى شددوا على أنفسهم بالغلو في العبادة والإتيان بما لم يكتب عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) فهو أيضاً نهي عن الغلو، وأمر بالاقتصاد، وتحذير من المبالغة، والرهبانية: ترك الملاذ من المطعم، والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن الحلال، والانقطاع في الصوامع، كما يفعله رهبان النصارى. زاد في الجامع (٣) بعد قوله: صلاة مسافر، أو قريب منها، وزاد في آخره: "ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب لننظر ونعتبر، قال: نعم، فركبوا جميعاً، فإذا هم بديارٍ بَادَ أهلُها، وانقضوا، وفَنُوا، خاوية على عروشها، قال: تعرف هذه الديار، قال: ما عرفين بها وبأهلها هؤلاء أهل ديار، أهلكهم البغي والحسد، إنَّ الحسد يطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك، أو يكذبه" الحديث.

стр. 306

٧٧/ ٨ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ: "مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ " قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ به. فَقَالَ: لاَ، حُلُّوهُ, لِيُصَلَّ أحَدُكُمْ نَشاطَهُ، فَإِذَا فتَرَ فَلْيَقْعُدْ" أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) [صحيح]. وقوله: "فإذا فترت" (٤). أقول: قد طوى منه. قوله: يصلي حديث أنس. وقوله ﷺ : "لا" حرف نهي، أو نفي حذف مدخوله وتقديره: لا يفعل، وأمرهم بحله، ثم أمر بأن يصلي أحدهم نشاطه، وإذا ذهب نشاطه بالفتور، فقد أمره ﷺ أن يقعد. قوله: أخرجه البخاري (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧).

стр. 307

قلت: لكن في الجامع أنَّ رواية أبو داود (١): فقال ﷺ "ما هذا الحبل" فقيل: يا رسول الله! حمنة بنت جحش تصلي, فإذا أَعْيَتْ تَعَلَّقَتْ به, فقال: "حُلُّوهُ لتصلَّ ما أطاقت, فإذا أعْيت لتجلس". وفي رواية له (٢): فقالوا: زينب تصلي، فإذا كَسِلْتْ أو فَتَرت أمسكت به، فقال: "حلوه ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر، فليقعد" انتهى. ففي تعيين المصلية ثلاث روايات، ويمكن الجمع بأن كل واحدة اتفق لها ذلك. حديث عائشة: ٧٨/ ٩ - عَنْ عَائِشَةَ رضي لله عنها قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ" قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ. فَقَالَ: "مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وكانَ أحبُّ الدين إليهِ مَا دَاوَم عَليْه صاحبه" أخرجه الثلاثة (٣) والنسائي (٤) [١٠٣/ ب]، [صحيح]. قوله فيه: وعندي امرأة من بني أسد. ورواية مسلم: "أنها الحَوْلاء بِنْتَ تُوَيْت". قوله: أخرجه الثلاثة. أقول: الشيخان، ومالك، لكن مالك أخرجه مرسلاً، وبلاغاً عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه بلفظ: مقارب لألفاظ الشيخين. الحديث.

стр. 308

حديث أبي هريرة: ٧٩/ ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً, فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ" أخرجه الترمذي (١) وصححه. "الشرَّة" النشاط والرغبة. [حسن]. قوله: شِرَّةٍ. بكسر الشين المعجمة، وتشديد الراء، هي النشاط، ويقال: شِرَّةُ النَّار أوَّله، والفترة ضد النشاط والخفة، وتقدم تفسير: "سددوا وقاربوا". وقوله: "وإن أشير إليه بالأصابع". كناية عن عدم التسديد، بل بالغ مبالغة يعرفها الناس، وعظمت في أعينهم حتى أشير إليه تعظيماً لا تفرد به من العبادة. وقوله: "فلا تَعُدُّوه". أي: ممن ترجى له النجاة كما قال في الأول، فأرجوه، أي: أرجو له النجاة مداومة على ما هو عليه, وهذا لا يرجوه لما هو عليه من العجب والرياء، وترك ما هو بصدده، وهذا من أعلام النبوة، قد شاهدنا وشاهد الناس الفريقين. قوله: أخرجه الترمذي وصححه. قلت: وقال: حسن صحيح غريب، فكان الأحسن زيادة وغربه. ٨٠/ ١١ - وعَن أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: آخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخَوكَ أَبَو الدَّرْدَاءِ

стр. 309

لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فجَاءه أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا وقَالَ لَهُ: كُلْ فَقَال: إِنِّي صَائِمٌ. فقَالَ سَلْمان مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذهبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومَ فَقَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذهبَ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ نَمْ. فَنَامَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخر الليل قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَان: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإِنْ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, ولأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَذَكَرَا ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: "صَدَقَ سَلْمَانُ". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢) [صحيح]. وزاد الترمذي ﵀: "ولضيفك عليك حقًا" [١٠٤/ ب]. قوله: "أبو جحيفة" (٣). هو السُّوائي: وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب الخير. نزل أبو جحيفة الكوفة، وابتنى بها داراً، وكان من صغار الصحابة, توفي رسول الله ﷺ ولم يبلغ الحلم، لكنه سمع من رسول الله ﷺ وروى عنه, وجعله علي ﵇ على بيت المال بالكوفة، وشاهد معه المشاهد كلها. ساق ابن عبد البر سنده إلى أبي جحيفة أنه قال: "أكلت ثريد" بلحم، وأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أتجشأ، فقال: "اكفف أو احبس عنا جشاك أبا جحيفة! فإن أكثر الناس شبعاً أطولهم جوعاً يوم القيامة" (٤) قال: فما أكل أبو جحيفة ملأ بطنه حتى فارق الدنيا كان إذا تعشى لا يتغدَّى، وإذا تغدى لا يتعشى. انتهى وليس من حديثه ما نتكلم عليه. الحديث.

стр. 310

٨١/ ١٢ - وعَنْ حَنْظَلَةَ بِن الرَّبيع الأُسَيِّدِىِّ (١) كَاتِب رَسُولِ الله ﷺ ورضي عنه قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ! فَقَالَ: سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ؟ فقُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ النبيَّ ﷺ يذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِه عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ وَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ: وَالله إِنّي لأجِدُ مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْا إلى رَسُولِ الله ﷺ وذَكرا له ذلك. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُوُنونَ عِندِي، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ! سَاعَةً وَسَاعَةً" ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣) [صحيح]. "المعافسة": المعالجة والممارسة والملاعبة. "حنظلة بن الربيع الأسيدي": يقال له: الكاتب؛ لأنه كتب الوحي لرسول ﷺ وانتقل إلى مكة، ومات بفرقيسا في زمن معاوية، روى عنه أبو عثمان النهدي - بفتح النون وبالدال المهملة - ويزيد بن الشخير - بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة وكسرها - نافق حنظلة. قال ابن الأثير (٤): النفاقُ: ضد الإخلاص، وأراد به في هذا الحديث أنني في الظاهر إذا كنت عند النبي ﷺ أخصلتُ، فإذا انفردت عنه رغبت في الدنيا، وتركتُ ما كنت عليه،

стр. 311

فكأنه نوع من الظاهر، والباطن، وما كان يرضى أَنْ يُسامِحَ نفسَهُ، وكذلك كان الصحابة ﵃ يؤاخذون أنفسهم بأقلَّ الأشياء. قوله: "رأي عين". يقال: جعلتَ الشَّيء رأيَ عيْنِك، أي: بمرأى منك، وفي مقابلتك، وهو منصوب بإضمار "نرى" ويأتي تفسير المعَافَسَة بضم الميم بعين مهملة وسين مهملة. و"الضيعات": جمع ضَيْعَة، وهي الصناعةُ والحِرفَةُ. وقوله: "ولكن ساعة وساعة". أي: ساعة لله ، ولذكر الوعد والوعيد، وساعة لأنفسكم، وما لا بدَّ لكم منه. قوله: "مسلم والترمذي". قلت: وقال صحيح، إلا أنه قال: "ساعة وساعة .. ساعة وساعة" الحديث. حديث عائشة: ٨٢/ ١٣ - وعَن مَالِكُ (١) أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂: كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ تَقُولُ: أَلاَ تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ. [موقوف ضعيف]. قوله: "ألا تريحون الكتاب". جمع: كاتب، وأرادت الحفظة الكرام الكاتبين، وذلك حثَّا لهم على ترك العمل، وطلب الاقتصاد (٢).

стр. 312

٨٣/ ١٤ - وعَنْ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: أخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ عن مولاة له تقوم الليل وتصومُ النَّهار فقال: "لِكُلِّ عَامِل شرَّةٌ، ولكل شرةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ صَارَت فترتُه إلى سُنْتِي فَقَد اهْتَدى، ومن أخْطأ فَقَد ضَلَّ" (١) [حسن]. ٨٤/ ١٥ - وعَنْ أِبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: "قَالَ رسول الله ﷺ : "خَيرُ الأمورِ أوْسَاطَها" أخرجهما رزين (٢) [١٠٥/ ب]. قوله: "وخير الأمور أوساطها". فقال ابن الأثير (٣): معناه: أن لكل خصلة محمودة, فإنَّ لا طرفين مذمومين، مثل: أنَّ السَّخاء وسطٌ بين البخل والتَّبذير [٦١ أ/ ج] والشجاعة وسط بين الجبن والتهوُّر، والإنسان مأمورٌ أن يتجنَّب كلَّ وصفٍ مذمومٍ، وتجنُّبه بالتَّعرِّي منه، والتَّبعُّد عنه، فكلما ازدادوا منه بعداً ازدادوا منه تعرياً، وأبعد الجهات والأماكن والمقادير من كل طرفين، فإنما هو وسطها. لأنَّ الوسط فيه تعري عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان، فلهذا خير الأمور أوساطها. اهـ.

стр. 313

قوله: "أخرجهما رزين". قدمنا لك أنَّ هذه العبارة لا تجري على طريقة المحدثين، وأن الأولى إهمالهما، وعبارة ابن الأثير، وهذه وجدتها في كتاب رزين، ولم أجدها في الأصول، وساق هذين الحديثين، وزاد بالثاء عن معاذ.

стр. 314

[الكتاب الثالث] (١): كتاب الأمانة يأتي تفسيرها. ٨٥/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ حَدِيثَيْنِ (٢) قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". ثُمّ حَدَّثَنَا عَن رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثرُهَا مِثْلَ أثر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً, فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أثر الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَتْ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيءٌ". ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَ عَلَى رِجْلِهِ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتبَايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدُهُمْ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَعْقَلَهُ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَّالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" وَلَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ [١٠٦/ ب] نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايعَ مِنْكُمْ إِلا فُلاَنًا وَفُلاَنًا" أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤) [صحيح]. "الوكتُ" الأثر في الشيء من غير لونه كالنقطة. و"المجلُ" ما يظهرُ في اليدِ شِبَه البُثر من معاناة الأشياء الصلبةِ الخشنة. و"المُنْتَبرُ" المنتفخ.

стр. 315

قوله: "حديثين". أقول: أي: فيما يتعلق بالأمانة, وإلا فالأحاديث الذي حدثهم ﷺ كثيرة، والتي رواها حذيفة كثيرة. الأول منها قوله: "حدثنا أن الأمانة". اختلف في تفسيرها، قال ابن التين: الأمانة كلما يخفى، ولا يعلمه إلا الله تعالى من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها، ونهوا عنها. وقيل: هي الطاعة. وقيل: التكاليف كلها، وقيل: هو العهد الذي أخذه الله على العباد. وهذه الأخلاق وقع في تفسير الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١) وقال ابن العربي (٢): المراد بالأمانة في حديث حذيفة: الإيمان. وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أنَّ الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا ثناها الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان, وهو التلفظ باللسان، والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن. وكني عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلاً لزهوق الإيمان عن القلب حالاً فحالاً بزهق الحجارة عن الرجل حتى يقع بالأرض. انتهى. قوله: "ثم نزل القرآن". فيه أنهم كانوا يعلمون القرآن قبل علمهم بالسنن, وفيه دليل أن نزول الأمانة على أصل القلوب لبني آدم كان مثل نزول القرآن، ولذا أتى بثمَّ.

стр. 316

وقوله: "الرجال". مفهوم الذكور والإناث، وإنما خص قلوب الرجال؛ لأنهم الأصل في التكاليف، والذي يظهر عندي أنه أريد بالأمانة: الفطرة التي فطر الله العباد عليها، كما قدمنا، وأنه نزل القرآن مقرراً لها، فعلموا منه، ومن السنة ما يوافق الفطرة. وقوله: حدثنا. هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر أنه ينتظره, وكأنه كان بين المحدثين نزل، فأتى بثمَّ. وقوله: "عن رفع الأمانة". أي: من القلوب، وتقدم معنى ينام الرجل، وأنه كناية. قلت: ويحتمل أنَّ المراد بالنوم الغفلة عن فعل الطاعات التي بها يزيد الإيمان قوة، ويقيناً، والمراد من الأمانة الإيمان الكامل، وأن كل غفلة تضعفه، فينقص الإيمان, أي: الكامل من قلبه، ويبقى فيه أضعفه وأقلّه. "والوكت" بفتح الواو وسكون الكاف فمثناة فوقية يأتي تفسيره للمصنف. "والمجل" بفتح الميم وسكون الجيم كذلك، ثم تزداد غفلته على ما ذكرناه، فيزداد ضعف إيمانه حتى لا يبقى فيه شيء، أي: من كمال الإيمان, ثم مثل لهم المعقول بالمحسوس زيادة في إيضاحه بالحصى التي دحرجها على رجله. وقوله: "يتبايعون". مثل لرفعهما، وأنه يظهر أثره بها المعاملات الدنيوية, وأنه لا يكاد أحد منهم يؤدي أمانته [٦١ ب/ ج] في تجارته لضعف إيمانه. قوله: "ما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". هو دليل على أنه أريد بالأمانة أولاً الإيمان، ولا بدّ من حمله على الكامل، أي: مثقال حبة من إيمان كامل، وإنما أولناهُ بالكامل؛ لأنَّه من المعلوم أنه لا يخرج من الملة من لا أمانة له،

стр. 317

ولا يصير مرتداً، ويرشد إليه حديث: "المؤمن من أمنه الناس" (١) أي: الكامل الإيمان, وهو المشار إليه بقوله: إنه يقال: إنَّ في بني فلان رجلاً أميناً، وإلى هنا اللفظ النبوي، وهذا الذي اشتهر بالأمانة في بني فلان لعله الذي يقال له: ما أجلده .. إلخ. هو الذي اشتهر شهرةً باطلة؛ لأنَّه ليس في قلبه مثقال حبة خردلة من إيمان، فشهرته إمَّا لأنَّه كان يتكلف الأمانة ليجعلها مكسباً ليأمنه الناس، ولا بد أن ينال شيئاً من دنياهم بإظهاره الأمانة, فلم يكن إظهارها عن ديانة أو لأنه كان لا يخلو عن خيانة لكنه بالنسبة إلى أهل عصره خير موجود فيهم، فكان سبب شهرته. وقوله: "ولقد أتى علي زمان". هذا مدرج من كلام حذيفة. وقوله: "بايعت". في بيع السلع ونحوها لا بيعة الخلافة, كما قيل: فإنه وهمٌ يذكرهُ اليهود والنصارى، وفيه أنه حمل حذيفة الأمانة على الأموال والمعاملات، لا على الإيمان, إلا أنه قد يقال: أراد المثال، أي: مثلاً، أو لأن عدم الأمانة في المعاملات من فروع ضعف الإيمان, وذكر أهل الملتين إعلامٌ منه بأنه قد عمَّ رفع الأمانة في المعاملات كلّ فرقة. وقوله: "ساعيه". أي: واليه. قوله: وأمَّا اليوم: أي: حين تكلّمه هذا، فقد قسم الناس فريقين: فريق يرده إسلامه، وفريق يرده ساعيه إن كان ملياً.

стр. 318

والفريق الثالث: الموجودون حال تكلّمه, فإنه عرف اثنين بالأمانة لا غير, فهما اللذان يبايعهما. وفيه أنه تغير الإِسلام بضعفه، فلا يرده إسلامه، فرفعت الأمانة، ثم تغير - أيضاً - سعاة اليهود، والنصارى فلم ينصفوا من ... (١) إشارة إلى أنَّ التغير عمَّ أفراد الفرق جميعاً. وفيه أنه وقع هذا الذي كان ينتظره مما حدثه به النبي ﷺ . واعلم أنَّ حذيفة بقي إلى خلافة أمير المؤمنين علي ﵇ وبايعه, وقام في نصرته، وتوفي في أوائل خلافته، ولا ريب أنه كان قد تغير الناس مما كانوا عليه، فكيف بِنَا الآن في أواخر القرن الثاني عشر بعد المائة والألف؟! قوله: الترمذي. قلت: وقال: حسن صحيح. الحديث الثاني: ٨٦/ ٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعة" قَيلَ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟! قَالَ: "إِذَا وسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" أخرجه البخاري (٢) [صحيح]. "وُسِّدَ" أسند. قوله: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". سبب الحديث: أنَّ أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن قيام الساعة وهو القائل: وكيف إضاعتها؟ ولفظه في الجامع (٣): بينما رسول الله ﷺ في مجلسٍ يُحَّدثُ القوم؛ فقال بعض القوم:

стр. 319

سمع ما قال، فكره، وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قَضَى حديثَه قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هأنذا يا رسول الله! الحديث. فقال: "إذا وسَّدَ" يأتي تفسيره للمصنف، وهو مبني للمفعول، والمراد بالأمر، الأمر المتعلق بالدين، كالخلافة والقضاء، والإمارة، والإفتاء، ونحو ذلك. وقوله: "فانتظر الساعة". الفاء: تفريعية، أي: جواب شرط حذف، أي: إذا كان الأمر كذلك، فانتظر. قال ابن بطال (١): معنى وُسَّد الأمر إلى غير أهله: أنَّ الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قَلَّدوا غير أهل الدين، فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله إياها. وهذا من أشراطها، وقد وقع هذا من إلحاق مثل إعصار في جميع الأقطار، فعليك للساعة بالانتظار. وفيه بيان نوع من أنواع الأمانة، وهي تضييع ما أمر الله به عباده من أن يكون سادتهم، والعالمون [٦٢ أ/ ج] بأمور الدين هم علماؤهم، وأفضالهم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، فإذا ضيعت الأمة ذلك، وأسندوا أمر الدين إلى أهل الجهالة، ومشيدي أركان الضلالة فهي أشراط الساعة، فإن قلت: الأمر وسد إلى غير أهله من بعد الثلاثين سنة التي قال فيها رسول الله ﷺ : "الخلافة ثلاثون سنة، ثم يكون ملكاً عضوضاً" (٢) وإلى الآن زيادة على ألف عام منذ وسد أمر الأمة إلى غير أهله، فكيف يقول ﷺ : "فانتظر الساعة".

стр. 320

قلت: يحتمل أنَّ المراد إذا وسد كل أمر إلى غير أهله، ولا نسلم أن قد وقع ذلك في كل أمرٍ من أمور الدين، فإنه وإن كان ولي الخلافة من ليس من أهلها، فإنه يبقى علماء يفتون بالحق، وحكام يحكمون به ومجاهدون يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، ومن نظر في سير الماضين عرف ذلك. ويحتمل أن يراد بإذا وسد، أي: إذا أجمع أهل الحق والعقد على تولية خليفة ليس أهلاً للخلافة، واتفقوا عليه جميعاً، وهذا لا يقع، فإنَّ غالب الخلفاء الذين ليسوا بأهل للأمر تغلبوا بالسيف، فلم يقع ما ذكر في الحديث. الحديث الثالث: ٨٧/ ٣ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) [حسن]. "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك". عام لكل أمانة في الأموال، والأقوال، والأفعال، ولكل مؤتمن من مسلم وغيره. "ولا تخن من خانك". أي: لا تكافئ بالخيانة الخيانة، وتقول: فلان خانني فيما أمنته عليه، فأكافئه بالخيانة فيما أمنني عليه لا سيما مع عموم قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ و ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣).
следующие страницы →