← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقوله: "الرجال". مفهوم الذكور والإناث، وإنما خص قلوب الرجال؛ لأنهم الأصل في التكاليف، والذي يظهر عندي أنه أريد بالأمانة: الفطرة التي فطر الله العباد عليها، كما قدمنا، وأنه نزل القرآن مقرراً لها، فعلموا منه، ومن السنة ما يوافق الفطرة. وقوله: حدثنا. هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر أنه ينتظره, وكأنه كان بين المحدثين نزل، فأتى بثمَّ. وقوله: "عن رفع الأمانة". أي: من القلوب، وتقدم معنى ينام الرجل، وأنه كناية. قلت: ويحتمل أنَّ المراد بالنوم الغفلة عن فعل الطاعات التي بها يزيد الإيمان قوة، ويقيناً، والمراد من الأمانة الإيمان الكامل، وأن كل غفلة تضعفه، فينقص الإيمان, أي: الكامل من قلبه، ويبقى فيه أضعفه وأقلّه. "والوكت" بفتح الواو وسكون الكاف فمثناة فوقية يأتي تفسيره للمصنف. "والمجل" بفتح الميم وسكون الجيم كذلك، ثم تزداد غفلته على ما ذكرناه، فيزداد ضعف إيمانه حتى لا يبقى فيه شيء، أي: من كمال الإيمان, ثم مثل لهم المعقول بالمحسوس زيادة في إيضاحه بالحصى التي دحرجها على رجله. وقوله: "يتبايعون". مثل لرفعهما، وأنه يظهر أثره بها المعاملات الدنيوية, وأنه لا يكاد أحد منهم يؤدي أمانته [٦١ ب/ ج] في تجارته لضعف إيمانه. قوله: "ما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". هو دليل على أنه أريد بالأمانة أولاً الإيمان، ولا بدّ من حمله على الكامل، أي: مثقال حبة من إيمان كامل، وإنما أولناهُ بالكامل؛ لأنَّه من المعلوم أنه لا يخرج من الملة من لا أمانة له،

стр. 317

ولا يصير مرتداً، ويرشد إليه حديث: "المؤمن من أمنه الناس" (١) أي: الكامل الإيمان, وهو المشار إليه بقوله: إنه يقال: إنَّ في بني فلان رجلاً أميناً، وإلى هنا اللفظ النبوي، وهذا الذي اشتهر بالأمانة في بني فلان لعله الذي يقال له: ما أجلده .. إلخ. هو الذي اشتهر شهرةً باطلة؛ لأنَّه ليس في قلبه مثقال حبة خردلة من إيمان، فشهرته إمَّا لأنَّه كان يتكلف الأمانة ليجعلها مكسباً ليأمنه الناس، ولا بد أن ينال شيئاً من دنياهم بإظهاره الأمانة, فلم يكن إظهارها عن ديانة أو لأنه كان لا يخلو عن خيانة لكنه بالنسبة إلى أهل عصره خير موجود فيهم، فكان سبب شهرته. وقوله: "ولقد أتى علي زمان". هذا مدرج من كلام حذيفة. وقوله: "بايعت". في بيع السلع ونحوها لا بيعة الخلافة, كما قيل: فإنه وهمٌ يذكرهُ اليهود والنصارى، وفيه أنه حمل حذيفة الأمانة على الأموال والمعاملات، لا على الإيمان, إلا أنه قد يقال: أراد المثال، أي: مثلاً، أو لأن عدم الأمانة في المعاملات من فروع ضعف الإيمان, وذكر أهل الملتين إعلامٌ منه بأنه قد عمَّ رفع الأمانة في المعاملات كلّ فرقة. وقوله: "ساعيه". أي: واليه. قوله: وأمَّا اليوم: أي: حين تكلّمه هذا، فقد قسم الناس فريقين: فريق يرده إسلامه، وفريق يرده ساعيه إن كان ملياً.

стр. 318

والفريق الثالث: الموجودون حال تكلّمه, فإنه عرف اثنين بالأمانة لا غير, فهما اللذان يبايعهما. وفيه أنه تغير الإِسلام بضعفه، فلا يرده إسلامه، فرفعت الأمانة، ثم تغير - أيضاً - سعاة اليهود، والنصارى فلم ينصفوا من ... (١) إشارة إلى أنَّ التغير عمَّ أفراد الفرق جميعاً. وفيه أنه وقع هذا الذي كان ينتظره مما حدثه به النبي ﷺ . واعلم أنَّ حذيفة بقي إلى خلافة أمير المؤمنين علي ﵇ وبايعه, وقام في نصرته، وتوفي في أوائل خلافته، ولا ريب أنه كان قد تغير الناس مما كانوا عليه، فكيف بِنَا الآن في أواخر القرن الثاني عشر بعد المائة والألف؟! قوله: الترمذي. قلت: وقال: حسن صحيح. الحديث الثاني: ٨٦/ ٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعة" قَيلَ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟! قَالَ: "إِذَا وسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" أخرجه البخاري (٢) [صحيح]. "وُسِّدَ" أسند. قوله: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". سبب الحديث: أنَّ أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن قيام الساعة وهو القائل: وكيف إضاعتها؟ ولفظه في الجامع (٣): بينما رسول الله ﷺ في مجلسٍ يُحَّدثُ القوم؛ فقال بعض القوم:

стр. 319

سمع ما قال، فكره، وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قَضَى حديثَه قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هأنذا يا رسول الله! الحديث. فقال: "إذا وسَّدَ" يأتي تفسيره للمصنف، وهو مبني للمفعول، والمراد بالأمر، الأمر المتعلق بالدين، كالخلافة والقضاء، والإمارة، والإفتاء، ونحو ذلك. وقوله: "فانتظر الساعة". الفاء: تفريعية، أي: جواب شرط حذف، أي: إذا كان الأمر كذلك، فانتظر. قال ابن بطال (١): معنى وُسَّد الأمر إلى غير أهله: أنَّ الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قَلَّدوا غير أهل الدين، فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله إياها. وهذا من أشراطها، وقد وقع هذا من إلحاق مثل إعصار في جميع الأقطار، فعليك للساعة بالانتظار. وفيه بيان نوع من أنواع الأمانة، وهي تضييع ما أمر الله به عباده من أن يكون سادتهم، والعالمون [٦٢ أ/ ج] بأمور الدين هم علماؤهم، وأفضالهم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، فإذا ضيعت الأمة ذلك، وأسندوا أمر الدين إلى أهل الجهالة، ومشيدي أركان الضلالة فهي أشراط الساعة، فإن قلت: الأمر وسد إلى غير أهله من بعد الثلاثين سنة التي قال فيها رسول الله ﷺ : "الخلافة ثلاثون سنة، ثم يكون ملكاً عضوضاً" (٢) وإلى الآن زيادة على ألف عام منذ وسد أمر الأمة إلى غير أهله، فكيف يقول ﷺ : "فانتظر الساعة".

стр. 320

قلت: يحتمل أنَّ المراد إذا وسد كل أمر إلى غير أهله، ولا نسلم أن قد وقع ذلك في كل أمرٍ من أمور الدين، فإنه وإن كان ولي الخلافة من ليس من أهلها، فإنه يبقى علماء يفتون بالحق، وحكام يحكمون به ومجاهدون يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، ومن نظر في سير الماضين عرف ذلك. ويحتمل أن يراد بإذا وسد، أي: إذا أجمع أهل الحق والعقد على تولية خليفة ليس أهلاً للخلافة، واتفقوا عليه جميعاً، وهذا لا يقع، فإنَّ غالب الخلفاء الذين ليسوا بأهل للأمر تغلبوا بالسيف، فلم يقع ما ذكر في الحديث. الحديث الثالث: ٨٧/ ٣ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) [حسن]. "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك". عام لكل أمانة في الأموال، والأقوال، والأفعال، ولكل مؤتمن من مسلم وغيره. "ولا تخن من خانك". أي: لا تكافئ بالخيانة الخيانة، وتقول: فلان خانني فيما أمنته عليه، فأكافئه بالخيانة فيما أمنني عليه لا سيما مع عموم قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ و ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣).

стр. 321

فيكون هذا الحديث مخصصاً للآيات، وقد بسطنا البحث في ذلك في "سبل السلام" (١) قوله: أخرجه أبو داود والترمذي. قلت: قال الترمذي (٢): حسن غريب، وصححه الحاكم (٣)، وقال الشافعي: إنَّ الحديث غير ثابت، وقال أحمد بن حنبل: إنه باطل لا يعرف عن النبي ﷺ من وجه صحيح، وأعلَّه ابن حزم، وابن القطان، والبيهقي بقيس بن الربيع (٤)، وشريك (٥)، وغيرهما. الرابع: حديث أبي موسى: ٨٨/ ٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الأَمِينَ الَّذِي يُعْطِى مَا أُخْرَجه كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيَّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ" أخرجه الخمسة إلا الترمذي (٦). وزاد النسائي في أوله: "الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" [١٠٧/ ب]، [صحيح].

стр. 322

قوله: أحد المتصدقين. والآخر الآمر له، وهو خبر إنَّ، والحديث واضح المراد. قوله: وزاد النسائي. أقول: لفظه مخالف لما ساقه المصنف، فإن لفظه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً". وقال: "الخازِنُ الأمينُ الذي يُعطى ما أُمِرَ به طيبةً به نفسه أحد المتصدقين". هكذا في الجامع (١)، وفيه الإخبار بأنَّ أهل الإيمان يتعاضدون، ويتساندون على فعل الخيرات، وأنَّ انضمام المؤمن إلى المؤمن في نشر الخير، وكفّ الشر يقوى به جانب كل منهما، كما أنَّ أحجار البنيان ولبنها يشدّ بعضها بعضاً، وتستقيم به العمارة, وتقوى بها الجُدران، وإذا أُحيل حجر منها أحيل البناء، وقد ينهدم الجدار، فكذلك المؤمنون إذا لم ينصر بعضهم بعضاً، ويشدّ كل واحدٍ أخاه، ويعينه على ما أمر الله به، وارتضاه، وإلا انهدم الدين، وقوي جانب المفسدين، وضاع الإيمان, وتهدمت منه الأركان [٦٢ ب/ ج]. والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٣) الآية.

стр. 323

وفي الآية الأخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (١) وما هدم الشرائع وأضاع الأحكام، وضعضع قواعد الإِسلام، إلا عدم تعاون العباد، وتعاضدهم وتخاذلهم، وتحاسدهم، وتنازعهم الذي تفرّع عليه ذهاب ريح الدين، وتصديق قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢).

стр. 324

[الكتاب الرابع] (١): كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعروف في "التعريفات" (٢): هو كل ما يحسن شرعاً، قاله الشريف. قال: والمنكر ما ليس فيه رضى الله تعالى من قول، ولا فعل، والمعروف: ضده. قال النووي في "شرح مسلم" (٣): قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو - أيضاً - من النصيحة التي هي الدين، ووجوبه بالشرع، لا بالعقل خلافاً للمعتزلة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٤) فليس مخالفاً لما ذكرنا, لأن المذهب الصحيح عند المحققين في الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥)، وإذا كان كذلك، فمما كلّف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب، فلا عيب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدّى ما عليه، فإنما عليه الأمر، والنهي، لا القبول، ثم إنه فرض على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين. فإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذرٍ، ولا خوف، ثم إنه قد يتعين، كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، ولا يتمكن من إزالته إلا هو.

стр. 325

قال العلماء: ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين. وقد قدمنا أنَّ الذي عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا القبول كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١). قال العلماء: ولا يشترط في الآمر الناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مخلاً بما أمر به، والنهي، وان كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان؛ أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه، وإذا أخلّ بأحديهما كيف يحلُّ له الإخلال بالآخر. قالوا: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بذوي الولايات، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين. قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهوهم عن المنكر من غير ولاية. قلت: ومثاله: حديث الباب، فإنَّ الذي أنكر على مروان فرد من أفراد رعيته، وصوبه أبو سعيد، فاستدل له بالحديث، ثم قال: واعلم [٦٣ أ/ ج]: أنَّ هذا الباب، أعني: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جداً، وهو باب عظيم، وقوام الأمر، وملاكه، وإذا كثُر الخبث عمَّ العقاب الصالح، والطالح.

стр. 326

وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله العقاب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (١). فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل رضي الله أن يعتني بهذا الباب، فإنَّ نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه, ويخلص نيته، ولا ينافق من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤). واعلم أنَّ الآجر على قدر النصب، ولا يتركه - أيضاً - لصداقته ومودته ومداهنته، طلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقاً، ومن حقه أن ينصحه ويدله إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان، ومحبّه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه، وعدوه من سعى في ذهاب دينه، ونقص آخرته، وإن حصل بذلك صورة بيع في دنياه، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب له، ومما يتساهل فيه كثير من الناس من هذا الباب أنهم إذا رأوا إنساناً يبيع متاعاً معيباً أو نحوه فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعرَّفون المشتري بعيب وهذا خطأ ظاهر. وقد نص العلماء أنه يجب على من علم ذلك أن ينكر على البائع، وأن يعلم المشتري به. انتهى باختصار يسير.

стр. 327

واعلم أنَّ الأمر بالمعروف تبع لما يؤمر به، فإن كان المأمور به. واجباً فواجب الأمر به، وإن كان ما يؤمر به مندوباً فمندوب الأمر به، والمنكر إن كان (١) حراماً وجب النهي عنه، وإن كان مكروهاً كان النهي عنه مندوباً، وشرطه: أنه لا يؤدي إلى الفتنة، فإن علم أنه يؤدي إليها لم يجب، ولا يندب، بل ربما كان حراماً، بل يلزمه أنه لا يحصر المنكر، ويعتزل في بيته لئلا يراه، ولا يخرج إلا لضرورة. الحديث الثالث: ٨٩/ ١ - عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أنَّ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِي: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ, وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" أخرجه الخمسة إلا البخاري (٢)، وهذا لفظ مسلم. [صحيح]. وعند الترمذي (٣): فقام رجل فقال: يا مروانُ! خالفت السنة. زاد أبو داود (٤): أخرجْتَ المنبرَ في يومِ عيدٍ ولم يكنْ يُخرجُ فيه، وبَدأت بالخطبةِ قبل الصلاةِ، وليسَ عندَ النسائِي إلا المسند فقط [١٠٨/ ب]. قوله: عن طارق بن شهاب (٥).

стр. 328

أقول: هذا أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي البجَلي الكوفي أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ وليس له سماع منه إلا شاذاً، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو أربعاً وثلاثين بين غزوة وسرية, ومات سنة اثنتين وثمانين. قوله: "مروان". هو ابن الحكم بن أبي العاص الأموي. قوله: "رجل". في المبهمات أنه عمارة بن رويبة، وفي البخاري (١) أنَّ أبا سعيد هو الذي أنكر، قال الحافظ (٢): يحتمل أن تكون القصة تعددت. وفي رواية البخاري (٣): أنه قال أبو سعيد لمروان: غيرتم والله! هذا. وقال القاضي عياض (٤): نقل أول من بدأ بالخطبة يوم العيد عثمان، وقيل: عمر بن الخطاب لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك [٦٣ ب/ ج] الصلاة من تأخر، وبَعُدَ منزلُه. وقيل: أول من فعله معاوية، وقيل: ابن الزبير (٥).

стр. 329

قوله: فقد قضى ما عليه. أي: من وجوب الإنكار الدال عليه الأمر في الحديث الذي رواه أبو سعيد من وجوب التعبير بأحد الجارحتين، فعبر باللسان كأنه لعدم الاستطاعة على التعبير باليد. وأمَّا التعبير بالقلب، فإنما هو كراهة المنكر، واعتقاد قبحه، وإثم من فعله، فليس فيه تعبير، كما في اليد، واللسان، وإنما سماه تعبيراً من باب التغليب، وفي قول أبي سعيد في محضر من الناس، وجمع عظيم دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان. قال النووي (١): فيه دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان (٢)، وإنما حكي عمن ذكرنا بالأصح. قلت: أما عن عثمان: فروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان (٣).

стр. 330

قال الحافظ ابن حجر: وكذلك روى عن عمر (١) بإسناد صحيح، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، قال: ويحتمل أنّهما فعلا ذلك نادراً، وفعله مروان مستمراً، فنسب إليه، وأنكر عليه. قوله: "منكراً". أدخل هذا الفعل تحت عموم: "من رأى منكم منكراً" وسماه منكراً؛ لأنه خلاف السنة، وهو دليل أن كل ما خالف السنة فعلاً أو قولاً فهو منكر؛ لأنه بدعة، وأنه لا اعتداد بخلاف من يخالف السنة ولو باجتهاد كما وقع لعمر، وعثمان، فإنهما لا يخالفانها، إلا لاجتهاد عندهما، وهذا يقوي ما قدمناه لك في حديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي" (٢) في أنَّ المراد من سنتهم هي: ما بقوا عليه من التمسك بسنته ﷺ ، لا أنّ لهم سنة يشرعونها ويُتبعون عليها إذا أريد ذلك لما خالفهم الصحابة ما خالفوا السنة النبوية بدعة، ومنكراً، ولومهم هذا أخذ من الحديث لبادر مروان إلى الرد على من نهاه. وقال: هذه سنة الخليفتين الراشدين، بل سلم أنها بدعة. واعتذر بما في رواية البخاري أنَّه قال: إنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلنها، أي: الخطبة قبل الصلاة. قال الحافظ (٣): وهذا يشعر بأنّ مروان فعل ذلك باجتهاد منه. قال: وأمَّا عثمان فإنما فعله لعلة.

стр. 331

قلت: وإنما كان الناس لا يجلسون لسماع الخطبة؛ لأنَّ بني أمية كانوا يسبون علياً ﵇ فكان الناس لا يبقون لسماع ذلك، فكيف يقال: إنَّه اجتهاد، بل هو إكراه للناس على البقاء لسماع ما يحرم سماعه. فإن قلت: لم لَمْ ينكر الصحابة على عمر، وعثمان، كما أنكروا على مروان. قلت: عدم النقل إلينا لا يدل على عدم وقوع الإنكار، ثم فرق بين الأمرين، فإن عثمان كان له عذر بالعلة، وعمر قدمها ليدرك بعيد الدار عن المصلى الصلاة، ثم إنهما كانا يخطبان بما لا ذنب في سماعه، ولا إثم في إيقاعه، ومروان يخطب بسبَّ أمير المؤمنين، ورأس المجاهدين، وأخي الرسول الأمين (١) الذي لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق بالنص الثابت (٢) عن ختام رسل الله أجمعين [٦٤ أ/ ج] ومن هنا يظهر لك وجه في أن الإنكار في تقدم الخطبة إنما هو إنكار لما فيها من القبائح، لكنه وجه الإنكار إلى تقديمها؛ لأنَّه لا يمكنه إنكار ما فيها من القبائح صريحاً، فلا يتوجه السؤال بأنهم لم ينكروا على الشيخين؛ لأنَّ غاية ما فعلاه تقديم الخطبة الشرعية التي على الطريقة النبوية, وتقديمها ليس بمنكر؛ لأنَّ الذي وقع منه تأخيرها فعلاً، ولم يأتِ أمر منه بوجوب التأخير غايته أنه أولى للتأسي، وفهم الشيخان جواز تقديمها،

стр. 332

والعذر صحيح لا كعذر مروان أنه كان لا يُقعد له ليملأ أسماعهم بسب من يجب على كل مؤمن محبته، وموالاته والترضي عنه والترحم، فتأمل فإنه وجه لا يحمله عليه إلا نبيه. قوله: "فليغيره بيده". أقول: رواية البخاري (١): أنَّ أبا سعيد جبذ بثوب مروان لمَّا أراد أن يصعد المنبر، فقد غير بيده. قوله: "وذلك أضعف الإيمان". قال النووي (٢): معناه - والله أعلم -: أقلّه ثمرةً، قال القاضي عياض (٣): أصلٌ في صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره. ثم استوفى مباحث في الباب نافعة لم نطول بنقلها. قوله: فقال: يا مروان! خالفت السنة. أقول: فيه إثبات السنة بالأفعال، وإن لم تصحبها أقوال، فإنَّ تقديم الصلاة كان فعله دائماً، ولم يقل صلوا قبل الخطبة، ويحتمل أنه شمله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤).

стр. 333

قوله: "أخرجت المنبر": يدل أنه أخرج منبر المدينة، وقد روي أنه لما أنكر عليه تركَ إخراجه، وأمر بمنبر من لبن وطين. وفي البخاري (١): أنه ﷺ كان ينصرف من صلاة العيد فيقوم قائماً. أي: يقابل الناس. وفي رواية لابن خزيمة (٢): خطب يوم عيد على رجليه. وهو مشعر بأنه لم يكن في مصلاه ﷺ يومئذٍ [منبر] (٣). فإن قلت: لا يخفى أنه ﷺ لم يخرج المنبر كما قاله، وهذا ترك منه ﷺ ، والترك لا يعد سنة؛ لأنها الأقوال والأفعال، والتقرير بخلاف تقديمه الخطبة، فإنه خالف فعله ﷺ . قلت: التأسي به ﷺ يجري في الأفعال والتروك، ولذا عدّ بعض علماء الأصول التروك أفعالاً، ولأنَّ المراد أنه خالف طريقته ﷺ وهديه، وهو كافٍ في سببية الإنكار، وعلى ما قررنا، فإنه إنما توسل إلى إنكاره ما هو منكر بالإجماع من سبّه لأمير المؤمنين، وإقسارهم على سماع سبه. وفيه دليل على أنه إذا وقع إنكار المنكر، ولم يؤثر فلا يجب على المنكر فراق موقف الطاعة، وإن سمع فيه، أو رأى ما يحرم مما أنكره؛ لأنه قد قام بالواجب عليه من الإنكار، فسماعه لما يحرم لا إثم عليه فيه سيما إذا خاف تفرق العباد، وزيادة الفساد، وإلا فإن ابن عمر لما دخل مسجداً لصلاة الظهر، وسمع من يثوب في أذانه، أو إقامته خرج من المسجد لما فيه من الابتداع، ولا يقال: هؤلاء أفراد من الصحابة، لا دليل في أفعالهم, لأنا نقول: هم منزهون عن فعل المنكر وسماعه بعد إنكاره.

стр. 334

قوله: "وليس عند النسائي إلا المسند". يريد قوله: "من رأى منكم منكراً" وهو بلفظ: [٦٤ ب/ ج] قريب مما تقدم. والأولى أن يقول: المرفوع، فإنَّه ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ . وأمَّا المسند فإنه خلاف المرسل، وهو الذي اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ والمسند قد يكون متصلاً ومنقطعاً في أصول علوم الحديث. الحديث الثاني: حديث ابن مسعود: ٩٠/ ٢ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبْلي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ, ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" أخرجه مسلم (١) [صحيح]. "حواري الرجل" خاصتُه وناصروُهُ. "والخلوف" جمع: خلْف بسكون اللام، وهمُ الذين يأتونَ بعدَ من مضى ويكونونَ شراً منهم. قوله: "حَوَاريُّون": قال في "شرح مسلم" (٢): قال الأزهري: هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نُقوا من كل عيب. وقال غيره: هم أنصارهم، وقيل: المجاهدون الذين يصلحون للخلافة بعدهم. انتهى.

стр. 335

وقوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف": الضمير في إنّها هو ضمير القصة والشأن، والمراد من تخلف - بضم اللام - أي: تحدث من بعدهم خُلوف - بضم الخاء - هو جمع خلْف بإسكان اللام، وهو الخالف بشر، وأمَّا بفتح اللام فإنه الخالف بخير، هذا هو الأشهر، قال بعض أئمة اللغة: هما واحد بالفتح والإسكان. قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن": أي: من غير ما أتوا من البدع بيده مع إمكانه، كما يأتي قوله: ثم يقدرون على أن يغيروا. قوله: "ومن جاهدهم بلسانه": وذلك عند تعذر الجهاد باليد، فهو مؤمن، وذلك بالإنكار عليهم ما يأتونه, والقلم أحد اللسانين، فمن جاهدهم به فقد جاهدهم بلسانه. قوله: "ومن جاهدهم بقلبه": وذلك بكراهة ما يأتونه، فهو مؤمن؛ لأنَّ هذه الثلاث هي الوظائف التي اعتبرها الشارع في الباب، وجهاد القلب مصاحب للأولين لا ينقل عنهما. الحديث الثالث: ٩١/ ٣ - وعَنْه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ في الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَوَاكلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ الآية، ثُمَّ جَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا" (١). ومعنى: "تأطروهم" تعطفوهم وتردوهم [١٠٩/ ب]، [ضعيف].

стр. 336

قوله: "وعنه": أي: ابن مسعود. قوله: "قال: لما وقعت": لفظه في "الجامع" (١) قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو حديث مرفوع، والمصنف ذكره موقوفاً على ابن مسعود. قوله: "نهتهم علماؤهم". فيه: أنَّ النهي يقوم به العلماء، فإنَّ العالم هو خليفة الرسول، والرسل إنما بعثت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولأن العلماء هم الذين يعرفون المنكر، ويعلمون المعروف؛ ولأنهم الذين يتأتى لهم الإنكار [....] (٢) بالإتيان بالقول اللين أولاً، ثم بالأغلظ، ولذا خصهم بقوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ (٣). فالعلماء هم الذين يخاطبون بإصلاح الناس، فإذا فسدوا وأعرضوا عما به أمروا [....] (٤) محتاجين إلى من يصلحهم، ولذا قيل: يا علماء السوء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد ولسنا نريد بالعلماء الأئمة المجتهدين، بل كل من علم أن هذا الشيء منكر يُنهى عنه، وأنَّ هذا معروف يُؤمر به، وإن كان من يأمره وينهاه أعرف منه سيما بسأله عن وجه تركه المعروف وفعله المنكر تدرجاً إلى نهيه وأمره.

стр. 337

ويجب ان يكون المأمور والمنهي متقياً، ولأوامر الله ممتثلاً لمن أمره أو نهاه، ولا يكون من الذين إذا قيل له: اتقِ الله أخذته العزة بالإثم، فقد توعده الله بقوله: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ (١). قوله: فجالسوهم ... إلى آخره: لفظ الترمذي بزيادة: "في مجالسهم" وهو لفظه في "الجامع" (٢)، ولا بد منها لإفادتها أنَّ العلماء هم الذين أتوا إلى مجالس العصاة، وقصدوهم، لا أنَّ العصاة قصدوا أهل العلم، ففيه زيادة وتضمين على العلماء، لا [٦٥ أ/ ج] يفيده إلا هذه الزيادة، فما كان يحسن من المصنف إسقاطها. وخص الأكل والشرب؛ لأنهما من أعظم التأنيس لمن يواكل، ويشارب، ولذا جعل الشارع من حقوق المسلم على المسلم إجابة دعوه لأنَّ عدم إجابتها فيه إيحاش له، والمسلم مأمور بتأنيس أخيه المسلم منهي عن إيحاشه، فمواكلة الظالم من أعظم التأنيس له، وأعظم دلالة على موالاته، فلذا خصهما ﷺ من بين سائر الأنواع. فيه تحريم مخالفة من نُهي عن المنكر، ولم ينته عنه، وأن الواجب اعتزاله، والإعراض عنه، وهجره إعلاناً بقبيح ما هو عليه، وإظهاراً لعدم موالاته؛ لأنَّ المجالسة والمواكلة دليل على الموالاة لهم، وهجر العصاة واجب سيما بعد نهيهم، وإصرارهم على معاصيهم، فإن قلت: أيحرم ذلك؟ قلت: الحديث أفاد تحريمه، كيف وقد أخبر أنَّ الله لعنهم على لسان أنبيائه، أي: مبلغاً سبحانه لعنه إياهم على لسان رسله فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كأنَّ المراد طمس على

стр. 338

قلوبهم وختم عليها، وأنزل بها القسوة والغفلة، وصارت قلوب الناهي والمنهي شيئاً واحداً قلوباً غلفاً عقوبة لهم وأيّ عقوبة، فإن عقوبات (١) القلوب سلب إيمانها وإدراكها الحق أعظم العقوبات، كما عاقب الله ثعلبة بن حاطب (٢) فإنَّه لما أخلف الله ما وعده، ومنع ما أوجب عليه، وتولى معرضاً أعقبه نفاقاً إلى يوم يلقاه. قوله: "ولعنهم على لسان داود" الآية: أقول: أي: اقرءوا الآية، وهي قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) الآية. والآية دلت على أنَّ المذكورين من علمائهم كفروا، وأن نهيهم الذي نهوه أولاً لا يخرجون به من عهده الواجب عليهم؛ لأنهم والوهم بعد ذلك. فلذا قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ فلم يعدّ نهيهم الأول شيئاً، ويحتمل أنه أريد بالكفر كفر نعمة العلم الذي أعطاهم الله، ثم يحتمل أنهم عند المخاللة، والمواكلة لم يبق في قلوبهم إنكار لما هم عليه، أو أنه كانوا قادرين على التغيير باليد أو اللسان، أو أنه كان تكليف بني إسرائيل في النهي أشدّ من تكليف هذه الأمة، وأنه لا يكفي إنكار القلب.

стр. 339

وقوله: "ثم جلس، وكان متكئاً". إنما جلس لزيادة الاهتمام فيما سيقوله، ولذا ابتدأ خطابه بالقسم زيادة، وفيه دليل أنه سيكون في أمته ما كان في بني إسرائيل من الأمور التي ذكرها، وأنه يجب على علماء أمته أن يعطفوا على الحق ويردوه عنه، وإلا أصابهم ما أصاب بني إسرائيل. واعلم أنه اشتهر في العرف أنَّ الظالم هو الذي يتأمر على العباد، ويأكل أموالهم بالباطل، ويبغي في الأرض الفساد، فلا يتبادر عند إطلاقه إلا هذا الفرد، ولا ريب أنه أعظم أفراد الظلمة، ولكن الظالم المراد هنا في الأحاديث العاصي، كما قال أبو البشر آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (١) الآية, أي: بالمعصية بأكل الشجرة، وقال: ذو النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ (٢). وفي الدعاء الذي علمه النبي ﷺ أبا بكر أن يقوله في صلاته، وفيه: "إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" (٣) حديث صحيح سيأتي. وانظر إلى قوله في أول هذا الحديث: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي" إذا عرفت هذا عرفت أن كل من واكل أيّ عاصٍ وجالسه وخَالَله بعد نهيه له [٦٥ ب/ ج] ولم ينته، ويتوب، ولو كان ولده أو أخوه أو امرأته، أو خادمه، فإنه داخل في هذا الوعيد فتنبه للمراد، ولا تكن غافلاً عما أفاد.

стр. 340

قوله: "والذي نفسي بيده! حتى تأطروهم": أقول: هو غاية المقدار، أي: لا يؤمنون، ولا يكونوا آمرين ناهين حتى يعطفوهم، أي: يعطفون الذين يرتكبون المعاصي، ويردوهم عنها بالقهر، وهو مقيد بالاستطاعة، أي: إن قدرتم، وإلا فإنه يكفي الإنكار باللسان، وإلا فالقلب. وفيه ما يشعر أنَّ علماء بني إسرائيل كانوا قادرين على رد العصاة عن معاصيهم. قوله: "أخرجها أبو داود والترمذي": لكن هذا لفظ الترمذي، ولذا قال ابن الأثير (١): ورواية الترمذي، وساق اللفظ الذي ساقه المصنف، وقد كان قدم رواية أبي داود بلفظ: آخر يقارب لفظ الترمذي. الحديث الرابع: ٩٢/ ٤ - وعَنْ قَيْسٍ بِن أبِي حازم قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ الله تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوضِعِهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِما رَأَوُا الظَّالمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ" وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ قوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، فَلَمْ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابٍ" أخرجهما أبو داود (٣) والترمذي (٤) [صحيح].

стр. 341

ومعنى: "يوشك" يقرُبُ ويُسرعُ. قوله: "قيس بن أبي حازم" (١): أقول: بالمهملة والزاي، وقيس هو أبو عبد الله الأحمسي البجلي أدرك الجاهلية، وأسلم وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه، فوجده قد توفي، يعدُّ في تابعي الكوفة، وقد عد في أسماء الصحابة مع اتفاقهم أنه لم ير النبي ﷺ . شهد النهروان مع علي بن أبي طالب ﵇ قال ابن عيينة: ما كان في الكوفة أروى عن أصحاب النبي ﷺ من قيس بن أبي حازم، وطال عمره، وجاوز المائة، وتوفي سنة ثمان أو ست وتسعين. قوله: "وتضعونها في غير موضعها": أقول: كأنَّه يريد ما أخرجه ابن جرير (٢) عن جُبير بن نفير قال: كنتُ في حلقةٍ فيها أصحاب النبي ﷺ ، وإني لأصغرُ القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) فاقبلوا عليَّ بلسان واحد، فقالوا: تنزع كلمة من كتاب الله لا نعرفها, ولا ندري ما تأويلها حتى تمنيت أن لم أكن تكلمت، ثم تحدثت فكأنَّ أبا بكر خطب بعد هذا. قوله: "فلم يأخذوا على يده": هو كناية عن منعه عن الظلم نحو قوله: "حتى تأطروهم على الحق أطراً".

стр. 342

قوله: "تقدرون على أن تغيروا": فيه اعتبار القدرة على التغيير، والمراد باليد، أو باللسان، أو بالقلب مقدر أبداً، كما قدمنا، ثم إنه أفاد أبو بكر أنَّ آية: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ مقيدة بعد أن يأتوا بواجب الأمر والنهي. واعلم أن للصحابة كلام في الآية: فأخرج ابن جرير (١)، وابن مردويه (٢) عن عمر أنه قيل له: لو جلستَ هذه الأيام، فلم تأمُرْ ولم تنهَ، فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: إنها ليست لي، ولا لأصحابي, لأن رسول الله ﷺ قال: "ليبلغ الشاهد الغائب" فكنا نحن الشهودَ، وأنتم الغيب، ولكنَّ هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدِنا إنْ قالوا لم يقبل منهم. وأخرج عبد الرزاق (٣)، وابن جرير (٤) من طريق قتادة عن رجلٍ قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال: أبي بن كعب فقرأ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فقال: إنما تأويلها آخر الزمان. وأخرج ابن مردويه (٥) عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: "يا

стр. 343

معاذ! مروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبع، وإعجاب كل [٦٦ أ/ ج] ذي رأي برأيه فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم، فإنّ من ورائكم أيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم" قلت: يا رسول الله! خمسين منهم؟ قال: "بل خمسين منكم أنتم". وقريب منه أخرج الترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث حذيفة قال فيه الترمذي: حسن. قوله: أخرجه الترمذي. أقول: يعني: حديث قيس بن أبي حازم، وقال الترمذي (١): هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا مرفوعاً، وروى بعضهم عن قيس عن أبي بكر. قوله: ولم يرفعوه. الحديث الخامس: حديث حذيفة: ٩٣/ ٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده! لتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلتَنْهَوُنَّ عنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يسْتَجَيبُ لكمْ" أخرجه الترمذي (٢). قوله: "لتأمرن بالمعروف": الأمر في الثلاثة الأفعال مفتوحة؛ لأنها جواب قسم بعد رأى والله لتأمرن، أو والله! ليقرب أن يبعث عليكم عقاباً لترككم ما أوجبه عليكم من الأمر والنهي.

стр. 344

قوله: "ثم تدعونه": ليكشف عنكم العقاب. "فلا يستجيب" دعاءكم. الحديث السادس: حديث ابن مسعود: ٩٤/ ٦ - وَعَنْ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: [١١٠/ ب] قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ الله! وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١) [حسن]. قوله: "إنكم منصورون": فيه البشرى بأنَّ الأمة تنصر على من عاداها، وتصيب من حاربها، وتفتح بلاد من ناداها. وقد وقع كل ما ذكره ﷺ ، فهو من أعلام النبوة وقوع الغيب الذي أخبر به، ثم أمرهم بتقوى الله؛ لأنَّ الفتح والنصر والغلبة من أسباب البطر والأشر، وعدم القيام بواجب الشكر، ولهذا يقول الله : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ (٢). ثم خص من أنواع التقوى الآمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أنهما قد دخلا تحت الأمر بتقوى الله؛ لأنهما عمدة التقوى، ولأنَّه عند انفتاح الدنيا، والنصر على الأعداء،

стр. 345

وسعة المال، والرخاء يعرض الناس عن هذين الواجبين بخصوصهما لما فيهما من السعة على النفوس. وأمَّا قوله: "ومن كذب عليَّ متعمداً" فيأتي الكلام عليه. الحديث السابع: ٩٥/ ٧ - وَعَنِ عُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأَرْضِ كانَ مَن شَهِدَهَا فأنْكَرَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كانَ كمَنْ شَهِدَهَا" أخرجهما أبو داود (١) [حسن]. قوله: "العُرْسُ بن عَمِيرة" (٢): أقول: بضم العين المهملة وسكون الراء، وعميرة - بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء -. قوله: "من شهدها": حضرها. قوله: "فأنكرها": بلسانه، أو بقلبه، أو بيده إن أمكن. قوله: "كمن غاب": في أنه غير آثم. قوله: "فرضيها كان كمن شهدها": راضياً بها، فالإثم يتعلق بالكراهة، والرضى.

стр. 346

الحديث الثامن: ٩٦/ ٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الجهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [١١١/ ب]، [حسن]. قوله: "كلمة عدل عند سلطان جائر - أو أمير جائر": هو شك من الراوي، وإنما كانت أعظم الجهاد، أو فضله على لفظ أبي داود، والنسائي (٣)، فإنه عندهما لفظ: "أفضل"؛ لأنه تكلم بحق في موقف لا يؤمن، وورد الحديث بلفظ: "كان أحب وأفضل" لما فيه من الإعلان بالحق والصدوع به، وإيثار مرضاة الله على مرضاة عباده، والمخاطرة بالنفس لإعلاء كلمة الحق، وإنما كان أفضل من الجهاد بملاقاة الأقران؛ لأنَّ ذلك فيه مظنة الظفر، والغلبة، والسلب، والنفس قوية في الدفع عن دمها بخلاف المتكلم عند السلطان الجائر، فإنَّ بنفسه وماله مخاطرة، وليس فيه شيء مما ذكرناه في ملاقاة الأقران. وفيه دليل أنَّ أحب الأعمال وأفضلها أشقها على النفس، وأنَّ التعرض للشهادة مع القطع بعدم الغلبة جائز.

стр. 347

وفيه أنه لا يشترط [٦٦ ب/ ج] في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمان على النفس؛ لأنَّ هذا الموقف مظنة عدم السلامة. وقد بسطناه في "التنوير" (١) في بحث "أحب الجهاد" أخرجه بهذا اللفظ أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة.

стр. 348

[الكتاب الخامس] (١): كتاب الاعتكاف الاعتكاف لغة كما في "النهاية" (٢) بلفظ: الاعتِكاف، والعُكوف: الإقامة على الشيء، وبالمكان ولزومهما. ويقال: عكَف يَعْكُف، ويَعْكِف عُكُوفاً، فهو عَاكِف، واعْتكفَ. ومنه قيل لِمَن لازَم المسجدَ، وأقام على العِبادَة عاكِف، ومُعْتكِف. انتهى. ويسمى جواراً، كما يأتي في أحاديث الكتاب. والاعتكاف يستحب إجماعاً، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان. الحديث الأول: عن عائشة: ٩٧/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت. كَانَ رسول الله ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله تَعالى، ويَقُول: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"، ثُمَّ اعْتكفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. أخرجه الستة (٣) [صحيح]. وفي رواية (٤): كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاء مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ - قَالَ - فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً, فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ ﵂، فَضَرَبَتْ قُبَّةً, وضَرَبَتْ زَيْنَبُ ﵂ أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَداة أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ،

стр. 349

فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَأُخْبِرَ بذلك, فَقَالَ: "مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا الْبِرُّ؟ (١) انْزِعُوهَا فَلاَ أَرَاهَا" فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [صحيح]. وفي رواية (٢): أَمَرَ بِخِبَائِهِ فقُوَّض وتركَ الاِعْتِكَافَ شَهْر رَمَضَان حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ. [صحيح]. "الخباء" بيت من وبر أو صوف، لا من شعر. و"تقويضه" رفعه. [١١٢/ ب]. أقول: هذا لفظها في البخاري ومسلم. وقوله: في رواية عائشة: "كان يجاورهن" لفظ البخاري وحده. وكذا الرواية الثالثة: "كان يعتكف في كل رمضان" هي لفظ البخاري (٣) وحده. قوله: "جاء مكانه". لفظه في البخاري (٤): "فيصلي الصبح، ثم يدخله" وفي رواية له (٥): "فإذا صلّى الغداة دخل" وفي لفظ: "حل" ولم أجد فيه لفظة: "جاء" واستدل لهذا على أنَّ نية الاعتكاف أول النهار، وهو قول الأوزاعي، والثوري. وقال الأربعة الأئمة: أوله قبل غروب الشمس، وتأولوا الحديث على أنه كان قبل المغرب معتكفاً لابثاً بين أهله بعد صلاة الغداة انفرد بنفسه في قبة.

стр. 350

وفيه دليل على جواز اتخاذه موضعاً في المسجد ينفرد به مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس, وينبغي أن يكون في آخر المسجد, وفي الخالي منه لئلا يضيق على غيره. قوله: "فاستأذنته عائشة": هو من وضع الظاهر موضع الضمير، أي: استأذنته؛ لأنها الراوية. قوله: "فضربت فيه": أي: في المسجد المعلوم. "قبة" هي: الخباء، وهو بكسر الخاء المعجمة، ثم موحدة بيت صغير من شعر. قوله: "أربع قباب": أي: بقبته ﷺ . قوله: "آلبر": بهمز واستفهام ممدود، وغير ممدود، ولفظ البر مرفوع فاعل لفعل محذوف، أي: حملهن البرد دلَّ عليه. قوله: "حملهنَّ": وفي لفظ: "البرّ تردن" والبرَّ بالنصب مفعول تردن قدم عليه؛ لأنه المسؤول عنه، والقاعدة في علم المعاني والبيان أنه الهمزة المسؤول عنه، فلذا قدم. وقوله: "تردن": بضم أوله، قال النووي (١): وسبب إنكاره ﷺ ذلك فإنه خاف أن يكنّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهن، كذا قيل، والأول ظاهر. وأمَّا غيرته ﷺ فالمراد أنهن كرهن أن يشتغل قلبه بالغيرة عليهنَّ إذا بعدن عنه.

стр. 351

فلذا قربن منه، وأردن الاعتكاف فكره ملازمتهن المسجد مع أنه مجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنَّ محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهنَّ فاعتذر لهنَّ لذلك، أو لأنه ﷺ رَآهنَّ عنده في المسجد وهو في اعتكافه، فصار كأنه في منزله لحضوره مع أزواجه، فيذهب المهم من الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا. انتهى. قوله: "في آخر العشر من شوال": أقول: وفي رواية للبخاري [٦٧ أ/ ج] (١): "في العشر الأول من شوال". يأتي للمصنف ذكرها، وجمع الحافظ (٢) بينهما، فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنَّ المراد من قوله: آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه. قلت: وفيه نظر؛ لأنه إذا اعتكف العشر الأولى من شوال انتهى اعتكافه في أول الثلث الثاني من شوال. وأخذ منهما الإسماعيلي جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأنَّ أول شوال يوم الفطر، وصيامه حرام. وأخذ من الخبر استحباب قضاء النوافل المعتادة إذا فاتت، وأخذ منه المالكية وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه، ثم أبطله ورد بأنه إنما قضاه استحباباً، لا وجوباً بدليل أنه لم ينقل أن نساؤه اعتكفن معه في شوال. وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه ذلك في سائر التطوعات، ويدل له أنَّ المتطوع أمير نفسه. وفيه ترك الأفضل للمصلحة، وأنَّ من خشي على عمله الرياء جاز له تركه، وقطعه.

стр. 352

قلت: بل يحرم عليه الاستمرار فيه؛ لأنه استمرار في معصية، ولا يخفى أنه إن أراد أنه ﷺ خشي ذلك فقطع اعتكافه، فهو غير صحيح؛ لأنه لم يقطع اعتكافه خشية ذلك. وإن أراد أنه قطع اعتكافه نسائه لخشية الرياء عليهن فعبارته لا تؤدي هذا، ثم الذي تقدم أنه ﷺ إنما خشي أنهن قصدن القرب منه، لا إخلاص العبادة، فالأولى أن يعلل أمره ﷺ بتقويض قبب نسائه؛ لأنه لم يكن أذن إلا لواحدة، وغيرها خرج من بيته ﷺ بغير إذنه، وهو لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، ثم عمّم التقويض لقبة من أذن لها، فلأنها كانت سبب خروجهن بغير إذنه، وأمّا قبته فلأنه متطوع فهو أمير نفسه. قوله: "فقوض": بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، أي: نقض ورفع، وبه فسره المصنف. واعلم أنَّ المصنف نسب اللفظ الأول من حديث عائشة إلى الستة، فأوهم كلامه أنَّ اللفظ لهم، وليس كذلك، بل قد فصل ابن الأثير ألفاظ الروايات، فهذا اللفظ الذي أتى به المصنف برمته مجمع من ألفاظ، فلا نطول بالروايات، إلا أنَّه قال ابن الأثير لفظ الموطأ (١) أي: عن عائشة أنَّه ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة, وحفصة, وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "آلبرَّ تَقُولُونَ بهنَّ" ثم انصرفَ، ولم يعتكف حتى اعتكف عشراً من شوال. وأخرجه الترمذي (٢) عن عائشة، وأبي هريرة معاً مختصراً، قال: "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله ".

стр. 353

قلت: وقال: حسن صحيح, ثم ذكر رواية الترمذي آخراً, ثم ذكر رواية أبي داود (١)، وفيها: "ثم أخّر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني من شوال". وفي رواية (٢): قال: "اعتكف عشرين من شوال" انتهى. وبه تعرف ما في رواية التفسير من الإجمال، والإبهام، والإهمال على أنّ ابن الأثير اختصر ما في أبي داود، ففيه: "ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني: من شوال" قال أبو داود (٣): رواه ابن إسحاق، والأوزاعي عشراً، والمحفوظ عن يحيى بن سعيد نحوه، ورواه مالك (٤) [٦٧ ب/ ج]. ٩٨/ ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتكَفَ فَلْيَرْجعْ إِلَى مُعْتكفِهِ فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ورَأَيْتُنِي كَأنِّي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ" فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتكفِهِ، وَهَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشً، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ وذَلِك ليلةَ الحادِي والعِشْرِين" أخرجه الشيخان (٥) [صحيح]. ٩٩/ ٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رسول الله ﷺ يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتكَفَ عِشْرِينَ".

стр. 354

أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح]. ١٠٠/ ٤ - وَعَن أنس وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵄ قال: "كَانَ رسول الله ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتكفَ عِشْرينَ" أخرجه أبو داود (٣) عن أبي، والترمذي (٤) عن أنس. [صحيح]. ١٠١/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ [١١/ ب] ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ وكَانَ لاَ يَدْخُل البيتَ إلا لِحَاجَة الإنسان إذا كَانَ معتَكِفاً. أخرجه الستة (٥) [صحيح]. وزاد أبو داود (٦): وَكَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. [ضعيف]. وقَالَتْ (٧): السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جَنازة, ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا, ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدّ له منه، ولا اعتكاف إلا في المسجد الجامع. [حسن]. "الترجيل" تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.

стр. 355

١٠٢/ ٦ - وعنها ﵂ قالت: اعْتَكَفْت مَعَ النبي ﷺ امرأةٌ مِنْ أزْوَاجِه مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّم والصُّفْرَةَ وَهِي تُصَلِّي، وَرُبَّمَا وَضَعت الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّم. أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح]. "تحتها وهي تصلي" الحديث (٣). ١٠٣/ ٧ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قال: قَالَتْ صَفِيَّةَ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأتيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ, ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِيَ حَتَّى إذا بَلَغ بابَ المَسْجِد مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسْرَعَا فَقَالَ: "عَلَى رِسْلِكُمَا [١١٤/ ب] إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" فَقَالاَ: سُبْحَانَ الله! يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا" أَوْ قَالَ: "شَيْئًا". أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥) [صحيح]. "الانقلاب" الرجوع. قوله: "وعن علي بن الحسين": أقول: هو أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو محمَّد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بزين العابدين من أكابر سادات أهل البيت، ومن جلة التابعين، وأعلامهم.
следующие страницы →