← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فلذا قربن منه، وأردن الاعتكاف فكره ملازمتهن المسجد مع أنه مجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنَّ محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهنَّ فاعتذر لهنَّ لذلك، أو لأنه ﷺ رَآهنَّ عنده في المسجد وهو في اعتكافه، فصار كأنه في منزله لحضوره مع أزواجه، فيذهب المهم من الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا. انتهى. قوله: "في آخر العشر من شوال": أقول: وفي رواية للبخاري [٦٧ أ/ ج] (١): "في العشر الأول من شوال". يأتي للمصنف ذكرها، وجمع الحافظ (٢) بينهما، فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنَّ المراد من قوله: آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه. قلت: وفيه نظر؛ لأنه إذا اعتكف العشر الأولى من شوال انتهى اعتكافه في أول الثلث الثاني من شوال. وأخذ منهما الإسماعيلي جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأنَّ أول شوال يوم الفطر، وصيامه حرام. وأخذ من الخبر استحباب قضاء النوافل المعتادة إذا فاتت، وأخذ منه المالكية وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه، ثم أبطله ورد بأنه إنما قضاه استحباباً، لا وجوباً بدليل أنه لم ينقل أن نساؤه اعتكفن معه في شوال. وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه ذلك في سائر التطوعات، ويدل له أنَّ المتطوع أمير نفسه. وفيه ترك الأفضل للمصلحة، وأنَّ من خشي على عمله الرياء جاز له تركه، وقطعه.

стр. 352

قلت: بل يحرم عليه الاستمرار فيه؛ لأنه استمرار في معصية، ولا يخفى أنه إن أراد أنه ﷺ خشي ذلك فقطع اعتكافه، فهو غير صحيح؛ لأنه لم يقطع اعتكافه خشية ذلك. وإن أراد أنه قطع اعتكافه نسائه لخشية الرياء عليهن فعبارته لا تؤدي هذا، ثم الذي تقدم أنه ﷺ إنما خشي أنهن قصدن القرب منه، لا إخلاص العبادة، فالأولى أن يعلل أمره ﷺ بتقويض قبب نسائه؛ لأنه لم يكن أذن إلا لواحدة، وغيرها خرج من بيته ﷺ بغير إذنه، وهو لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، ثم عمّم التقويض لقبة من أذن لها، فلأنها كانت سبب خروجهن بغير إذنه، وأمّا قبته فلأنه متطوع فهو أمير نفسه. قوله: "فقوض": بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، أي: نقض ورفع، وبه فسره المصنف. واعلم أنَّ المصنف نسب اللفظ الأول من حديث عائشة إلى الستة، فأوهم كلامه أنَّ اللفظ لهم، وليس كذلك، بل قد فصل ابن الأثير ألفاظ الروايات، فهذا اللفظ الذي أتى به المصنف برمته مجمع من ألفاظ، فلا نطول بالروايات، إلا أنَّه قال ابن الأثير لفظ الموطأ (١) أي: عن عائشة أنَّه ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة, وحفصة, وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "آلبرَّ تَقُولُونَ بهنَّ" ثم انصرفَ، ولم يعتكف حتى اعتكف عشراً من شوال. وأخرجه الترمذي (٢) عن عائشة، وأبي هريرة معاً مختصراً، قال: "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله ".

стр. 353

قلت: وقال: حسن صحيح, ثم ذكر رواية الترمذي آخراً, ثم ذكر رواية أبي داود (١)، وفيها: "ثم أخّر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني من شوال". وفي رواية (٢): قال: "اعتكف عشرين من شوال" انتهى. وبه تعرف ما في رواية التفسير من الإجمال، والإبهام، والإهمال على أنّ ابن الأثير اختصر ما في أبي داود، ففيه: "ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني: من شوال" قال أبو داود (٣): رواه ابن إسحاق، والأوزاعي عشراً، والمحفوظ عن يحيى بن سعيد نحوه، ورواه مالك (٤) [٦٧ ب/ ج]. ٩٨/ ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتكَفَ فَلْيَرْجعْ إِلَى مُعْتكفِهِ فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ورَأَيْتُنِي كَأنِّي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ" فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتكفِهِ، وَهَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشً، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ وذَلِك ليلةَ الحادِي والعِشْرِين" أخرجه الشيخان (٥) [صحيح]. ٩٩/ ٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رسول الله ﷺ يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتكَفَ عِشْرِينَ".

стр. 354

أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح]. ١٠٠/ ٤ - وَعَن أنس وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵄ قال: "كَانَ رسول الله ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتكفَ عِشْرينَ" أخرجه أبو داود (٣) عن أبي، والترمذي (٤) عن أنس. [صحيح]. ١٠١/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ [١١/ ب] ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ وكَانَ لاَ يَدْخُل البيتَ إلا لِحَاجَة الإنسان إذا كَانَ معتَكِفاً. أخرجه الستة (٥) [صحيح]. وزاد أبو داود (٦): وَكَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. [ضعيف]. وقَالَتْ (٧): السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جَنازة, ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا, ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدّ له منه، ولا اعتكاف إلا في المسجد الجامع. [حسن]. "الترجيل" تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.

стр. 355

١٠٢/ ٦ - وعنها ﵂ قالت: اعْتَكَفْت مَعَ النبي ﷺ امرأةٌ مِنْ أزْوَاجِه مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّم والصُّفْرَةَ وَهِي تُصَلِّي، وَرُبَّمَا وَضَعت الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّم. أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح]. "تحتها وهي تصلي" الحديث (٣). ١٠٣/ ٧ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قال: قَالَتْ صَفِيَّةَ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأتيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ, ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِيَ حَتَّى إذا بَلَغ بابَ المَسْجِد مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسْرَعَا فَقَالَ: "عَلَى رِسْلِكُمَا [١١٤/ ب] إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" فَقَالاَ: سُبْحَانَ الله! يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا" أَوْ قَالَ: "شَيْئًا". أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥) [صحيح]. "الانقلاب" الرجوع. قوله: "وعن علي بن الحسين": أقول: هو أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو محمَّد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بزين العابدين من أكابر سادات أهل البيت، ومن جلة التابعين، وأعلامهم.

стр. 356

قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين. مات سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمان وخمسين، ودفن بالبقيع (١). قال: "قالت صَفيَّة". أقول: بنت حُيَيّ (٢) أم المؤمنين من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران، كانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق، فقتل يوم خيبر فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه وتزوجها، وجعل عتقها صداقها ماتت سنة خمسين، ودفنت بالبقيع. وهذا الحديث ترجم له البخاري (٣) باب: "هل يَخْرُجُ المعتَكِف لحِوائِجِه إلى بابِ المَسْجِد". قوله: رجلان من الأنصار. أقول: قال الحافظ (٤): لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث إلا أن ابن العطار في "شرح العمدة" زعم أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مسنداً. انتهى. ووقع في رواية البخاري (٥): فأبصره رجل من الأنصار، بالإفراد. قال ابن التين: وهم، ثم قال: ويحتمل تعدد القصة.

стр. 357

قال الحافظ (١): قلت: الأصل عدمه, بل هو محمول على أنَّ أحدهما كان تبعاً للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، ويحتمل أنَّ الزهري كان يشك، فيقول تارةً: رجل وتارة رجلان، وقد رواه مسلم (٢) من حديث أنس بالإفراد. قوله: "أسرعا": أي: في المشي. قوله: "على رسلكما": أقول: بكسر الراء وفتحها، أي: على هنيتكما في المشي، فليس هنا شيء يكرهانه، قال: سبحان الله يا رسول الله! زاد في رواية: فقال: يا رسول الله! هل يظن بك إلا خيراً. قوله: "من ابن آدم": المراد: جنس أولاد آدم، فيدخل الرجال والنساء، والحاصل: أنه ﷺ خشي أنَّ يوسوس لهما الشيطان؛ لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر بإعلامهما حسماً للمادة، وتعليماً لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك. وفيه دلالة أنَّ الشيطان أقدره الله على أن يجري من الإنسان مجرى دمه في عروقه. قوله: "شيئاً أو شراً": هو لفظ سنن أبي داود (٣) وهو شك من الراوي، وفيه دليل أنه يتجنب محل التهمة، وأنه يُبَّين لمن لا يعرف وجه الفعل وجهه.

стр. 358

وقال ابن دقيق العيد (١): وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظنّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأنه سبب إلى إبطال الانتفاع بهم. ومن ثمة قال بعض العلماء (١): ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم إذا كان خائفاً للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يوري بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف، والله المستعان. ذكره الحافظ (٢). الحديث الثامن: حديث ابن عمر: ١٠٤/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ عُمَر نَذَرَ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَة، ويُرْوَى: يَومَاً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فسأَل رسول الله ﷺ فَقَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" أخرجه الخمسة (٣). [صحيح]. قوله: "نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة": أقول: استدل به على أنَّ الاعتكاف جائز بغير صوم، وأنه ليس شرطاً فيه؛ لأنَّ الليل ليس طرفاً للصوم، فلو كان شرطاً لأمره النبي ﷺ به.

стр. 359

وتعقب برواية: "يوماً" وهي عند مسلم (١) وجمع بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يوماً أراد بليلته، وقد ورد [٦٩ أ/ ج] في روايات أنه ﷺ قال له: "اعتكف وصم" إلا أنها ضعفت. قوله: "أوفِ بنذرك": يأتي تحقيقه في كتاب النذر إن شاء الله تعالى.

стр. 360

[الكتاب السادس] (١) قوله: كتاب إحياء الموات قال ابن الأثير (٢): الموات الأرض التي لم تزرع، ولم تعمَرْ، ولا هي ملك لأحد، وإحياؤها مباشرة عمارتها بتأثير شيء فيها من زرع أو عمارة، أو إحاطة حائط، أو نحو ذلك. ذكر المصنف ثلاثة أحاديث في الكتاب، وفي "الجامع" (٣) سبعة. الأول: ١٠٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ عَمَّرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" قال عروة بن الزبير: قضى به عمرُ في خلافتهِ ﵁. أخرجه البخاري (٤) [صحيح]. قوله: "من عمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق بها": أقول: قال الشافعي (٥): بلاد المسلمين شيئان: عامر، وموات، فالعامر لأهله، وكذلك كلما يصلح به العامر من فناءٍ وطريق، ومسيل ماء، وغيره فهو كالعامر في أنَّ لا يملكه على أهله إلا بإذنهم. قال: والموات شيئان: موات قد كان عامراً لأهله معروفاً في الإِسلام، ثم ذهبت عمارته، فصار مواتاً، فذلك كالعامر هو لأهله لا يملك عليهم إلا بإذنهم.

стр. 361

والموات الثاني: ما لم يملكه أحد في الإِسلام، ولا عمر في الجاهلية, فذلك الموات الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتةً فهي له" (١) ومن أحيا مواتاً فهو له. والإحياء ما عرفه الناس إحياءً مثل البناء إن كان مسكناً أن يبني بناءً مثله، أو ما يقرب منه، وأقلّ عمارة الأرض الزرع فيها، وحفر البئر، ونحو ذلك. وقال ابن عبد البر (٢): إحياؤها أن تعمل حتى تعود أرضاً بيضاء يصلح أن تكون مزرعة بعد حالها الأول، فإن غرسها بعد ذلك فهو أبلغ في إحيائها، هذا مما لا خلاف فيه. واختلف في الحجر عليها بالحيطان، هل يكون ذلك إحياءً أو لا؟ قد ذهبت طائفة من التابعين ومن بعدهم إلى أنَّ من حجر على موات فقد ملكه، وأنَّ ذلك كالإحياء له، واستدلوا بما رواه شعبة وغيره عن قتادة عن الحسن عن سمرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من أحاط حائطاً على أرض فهي له" (٣). واختلفوا في شرط إذن السلطان، فقال أبو حنيفة (٤): ليس لأحدٍ أن يحيي مواتاً من الأرض إلا بإذن الإِمام، ولا يملك منه شيئاً إلا بتمليكه إياه، وقال صاحباه, والشافعي: من

стр. 362

أحيا مواتاً من الأرض فقد ملكه أذن الإِمام أم لا، قال الشافعي (١): وعطية رسول الله ﷺ عامة لكل من أحيا مواتاً أثبت من عطية من بعده من سلطان وغيره. قلت: يريد أنَّ قوله ﷺ : "من عَمَّر أرضاً ليسَتْ لأحدٍ فهو أحق بها" (٢) بها، عام لكل الأمة من عصر تكلمه ﷺ إلى يوم القيامة فأي حاجة إلى إذن غيره، وهو قول أحمد وإسحاق، وأبي ثور وداود. قوله: قال عروة بن الزبير: فقضى به عمر في خلافته. أقول: لعله يريد ما رواه ابن عيينة عن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ أقطع ناساً من جهينة أرضاً، فعطلوها فجاء قوم، فعمروها، فخاصمهم أصحاب الأرض إلى عمر بن الخطاب فقال: لو كانت قطيعة من أبي بكر أو مني لم أردها إليكم، ولكنها قطيعة من رسول الله ﷺ فلا أستطيع إلا أن أردها، فردها إليهم، ثم قال: من أقطع أرضاً فعطلها ثلاث سنين [٦٩ ب/ ج] ثم أحياها غيره فهو أحق بها". انتهى. ذكره ابن عبد البر، ويحتمل أنها قصة أخرى.

стр. 363

الحديث الثاني: ١٠٦/ ٢ - وعَنْ عروة بِن الزبير قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِي لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" أخرجه الأربعة إلا النسائي (١) [صحيح]. وزاد أبو داود (٢): قال عروة: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ الله، وَالْعِبَادَ عِبَادُ الله تعالى [١١٥/ ب]، فَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ جَاءنا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ. [إسناده صحيح]. قوله: "لعرق ظالم": يروى بالإضافة والتوصيف، ويأتي تفسيره في كلام المصنف، وهو تفسير مالك له في الموطأ. قوله: "عُمّر": بضم العين المهملة وتشديد الميم، يأتي هذا تفسيرها في كلام المصنف. قوله: "أخرجه الأربعة إلا النسائي": أقول: أمَّا المنذري في "مختصر السنن" (٣) فنسبه إلى إخراج الترمذي والنسائي، وقال: قال الترمذي: حديث حسن غريب، وذكر أنَّ بعضهم رواه مرسلاً، وأخرجه النسائي - أيضاً - مرسلاً. انتهى كلامه. قلت: وأخرجه مالك مرسلاً، ولفظه عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ .

стр. 364

قال ابن عبد البر (١): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث عن هشام، وقد اختلف فيه على هشام، فرواه طائفة، كما رواه مالك مرسلاً، وهو أصح ما فيه. والله أعلم. وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر عن النبي ﷺ . وروى آخرون عن هشام عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جابر، ومنهم من يقول: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي رافع اضطربوا فيه على هشام كثيراً، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك في التمهيد، وأتينا باختلاف ألفاظ الناقلين له هناك. والحمد لله. ثم قال: رواه يحيى بن عروة عن عروة، ورواه ابن أبي مليكة عن عروة يقضيان على أن من روى هذا الحديث مرسلاً، كما رواه مالك أصح من رواية من أسنده. قلت: رواية يحيى بن عروة وابن أبي مليكة هي رواية سنن أبي داود (٢)، ثم قال: والحديث صحيح عن النبي ﷺ وقد تلقاه العلماء بالقبول. قوله: الذين جاءوا بالصلوات عنه. أقول: زاد هذا عروة؛ لأنَّه ليس بصحابي، فلم يشهد قضاء رسول الله ﷺ لكنه أخبر أنَّ الذين رووا لنا الصلاة هم الصحابة الذين رووا هذا. ١٠٧/ ٣ - قال عروة (٣): ولقد حدثني الذي حدثني بهذا الحديث: "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلاً في أَرْضِ الآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُها بِالْفُئُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا.

стр. 365

قال مالك (١) ﵀: "والعِرْق الظالمُ" كلُّ ما أخِذَ واحتُفِرَ وَغُرِسَ بغير حق "الفؤوس" جمع فأسِ، وهي الآلة المعروفة من الحديد: "والعُمُّ" جمع عَمَّية، وهي التامة في الطول والالتفاف. قوله: لقد حدثني الذي حدثني. لفظ أبي داود: "أخبرني الذي حدثني" وكأنَّ هذه القصة هي القضاء الذي أخبر عنه بقوله: قضى رسول الله أنَّ الأرض أرض الله. إلخ. قوله: "جمع عميَّة": قلت: في "الجامع" (٢) جمع: عميمة, وهي التامة في الطول والالتفاف. وفي "النهاية" (٣): مثله لفظ: "عُمّ" أي: تامة في طولها، والتفافها واحدتها: عميمة، وأصلها: عمم، فأسكن وأدغم. انتهى. ومثله في "القاموس" (٤) فإنه قال: ونخلة عميمة, وعماء طويلة، وقال: والعم الجماعة، والنخل: الطوال، وتضم. انتهى. فأفاد أنها تضم عين الجمع وتفتح فلا أدري من أين نقل المصنف أنه جمع عمية. قوله: "الحديث الثالث عن سمرة": ١٠٨/ ٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدِب قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا فِي مَوَاتٍ فَهِو لَهُ". أخرجه أبو داود (٥) [ضعيف].

стр. 366

وزاد رزين ﵀ عن سعيد بن زيد (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ عَمَرَ أَرْضًا قَد عجزَ صاحِبُها عنها وتركها مَهْلَكَة فهي له" [صحيح]. قلت: أخرجه أبو داود (٢) من طريق الحسن عنه، ولأئمة الحديث كلام كثير في سماع الحسن من سمرة قد بيناه في الجزء الثاني من سبل السلام (٣). قوله: "زاد رزين عن سعيد بن زيد": أقول: هو أول حديث في باب: إحياء الموات من سنن أبي داود (٤) عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ لكن لفظ: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" وقد قدمنا شرح ما أفاده في الحديث الأول [٧ أ/ ج].

стр. 367

كتاب الإيلاء: هو الكتاب السابع و"الإيلاء" بكسر الهمزة اليمين، آلى إذا حلف، وله في الفقه أحكام تخصه، وقد تسمى عندهم إيلاءً دونها، قاله ابن الأثير (١). وقال الترمذي في السنن (٢): والإيلاءُ أَنْ يحْلِفَ الرَّجُلُ ألا يَقْرَبَ امرأتَهُ أربعةَ أشهُرٍ. ١٠٩/ ١ - عَنْ أَنَسِ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ [١١٦/ ب] صُرِعَ مِن فَرَس فَجُحِشَ شِقُّهُ أو كَتْفَه، وآلى مِنْ نِسَائه شهراً فجلس في مَشْرَبه له درجُها من جِذِوعٍ، فأتاه أصْحَابه يعودونه فصلَّى بِهِم جَالِساً وهم قِيام، فَلَمَّا سلم قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ, فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا صَلَّى قَاعِداً فصلوا قعوداً، ولا تركعوا حتى يركعَ، ولا ترفعوا حتى يَرْفَع، قال: ونزل التسع وعشرين". فقالوا: يا رسول الله! إنك آليت شهراً. فقال: "إن الشهرَ تسعٌ وعشرونَ". أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥). وفي أخرى للشيخين (٦) عن أم سلمة: إن الشهرَ يكون تسعا وعشرين. وفي أخرى لمسلم (٧) عن جابر: "ثم طبَّق يديه ثلاثاً مرتين، بأصابع يديه كلَّها ومرةً بتسع منها". [صحيح]

стр. 368

قوله: "صُرِعَ": بالمهملة مبني للمجهول، أي: سقط عن ظهر دابته. وقوله: "جُحِشَ": بالجيم فمهملة مبني له - أيضاً - يقال: جُحِشَ جلُد الإنسان إذا أصابه شيء، فسلَخَه، أو خَدَشه. وقوله: "كتفه": بالمثناة الفوقية. وقوله: "أوشك": من الراوي. قوله: "من مَشْرُبَة": بفتح الميم وسكون الشين المعجمة أو ضم الراء وفتحها العُرْفَةُ والعِلَّيَّة. والمشربة كانت في حجرة عائشة كما في رواية جابر، وكان ذلك في شهر الحجة سنة خمس، كما أفاده ابن حبان. قوله: "فصلوا قعوداً": يأتي الكلام عليه في كتاب الصلاة وأنه حكم باقٍ غير منسوخ، وفيه خلاف. قوله: فقال: "إنَّ الشهر تسع وعشرون": أي: هذا الشهر. قوله: "والترمذي": قلت: وقال: حسن صحيح. واعلم أنَّ هذا الإيلاء منه ﷺ اختلف في سببه على روايات:

стр. 369

منها: أنه سبب إفشاء حفصة إلى عائشة للحديث الذي أسره إليها، واختلف - أيضاً - في الذي أسره، فقيل: إنه تحريمه لمارية (١) أسرَّه إلى حفصة, وقال: لا تخبر به عائشة، فأخبرت به عائشة، أو تحريمه للعسل (٢). وقيل: إنه أسر إليها أن أباها يلي الأمر بعد أبي بكر، وقيل: بل سبب الإيلاء أنه ﷺ فرَّق هديةً جاءت له بين نسائه, فلم ترضَ زينبُ جحشٍ بنصيبها، فزادَها مرة أخرى، فلم ترضَ فقالت عائشة: لقد أممت وجهك أن تردُّ عليك الهدية, فقال: "لأنتُن أهونُ على الله من أنْ تَغمني لا أدخل عليكن شهراً" أخرجه ابن سعد (٣) عن عمرة عن عائشة من طريق الزهري. وقيل: بل سببه طلبهن النفقة، أخرجه مسلم (٤) من حديث جابر. قال الحافظ ابن حجر (٥): اللائق بمكارم أخلاقه, وسعة صدره، وكثرة صفحه أن تكون هذه الأسباب سبباً لاعتزالهن، وسيأتي في تفسير سورة التحريم الحديث بطوله إن شاء الله تعالى.

стр. 370

قوله: وفي أخرى للشيخين (١) عن أم سلمة. أقول: لفظه: أنه ﷺ حلف لا يدخل على بعض أهله شهراً، فلما مضى تسع وعشرون يوماً غدا عليهم، أو راح، فقيل: يا رسول الله! حلفت ألا تدخل عليهن شهراً، فذكره. قوله: وفي أخرى لمسلم (٢) عن جابر. قوله: ثم طبق. حذف المصنف المعطوف عليه، فإنه عطف هو عطف على قوله ﷺ : "إنَّ الشهر يكون تسعاً وعشرين، تم طبق" فحذف المصنف المعطوف عليه من حديث جابر اكتفاءً بلفظه في أم سلمة. ١١٠/ ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. يَعني: المولى. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ ﵃، وَاثْنَي عَشَرَ رَجُلاً مِنْ الصَّحَابَة. أخرجه البخاري (٣) ومالك (٤). [صحيح]. وفي أخرى للبخاري (٥) قال: يعني ابنَ عمرَ: الإيلاء الذي سمى الله تعالى لا يَحلَّ لأحدٍ بعد الأجل إلا أن يُمسكَ بالمعروف، أو يعزمَ الطلاق كما أمر الله تعالى [١١٧/ ب]، [صحيح].

стр. 371

قوله: "وعن ابن عمر". أقول: في هذا الإيلاء عن وطئ الزوجة الذي أنزل الله فيه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١) ولذا قال البخاري: يعني ابن عمر الإيلاء الذي سماه الله فحديث ابن عمر بيان لما في الآية، وأنها إذا مضت الأربعة الأشهر يوقف الزوج المولى حتى تطلق. قال ابن عبد البر (٢): لأنّ الله قد جعل للمولى تربص أربعة أشهر لا سبيل فيها لامرأته عليه، ومعلوم أنَّ الجماع من حقوقها, ولها تركه والمطالبة به إذا انقضى الأجل الذي جعل لزوجها عليها فيه التربص، فإن طلبته في حين يجب لها عند السلطان، وقف المولى، فأمَّا فاء، وإما طلق، والدليل أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (٣). فإنه يدل على أنه لا يكون الطلاق إلا بإيقاعه لا بمضي الأربعة الأشهر كما قاله جماعة، وهذا مذهب الجمهور، فإن امتنع عن الفيئة، والتطليق طلق عنه السلطان. ١١١/ ٣ - وعن عَلي كرمَ الله وجهه قال: إذا آلى الرجلُ من امرأتهِ لَم يقعْ عليه طلاقٌ، وإن مضت الأربعةُ الأشهُرُ حتَّى يوقفَ، فإمَّا أن يطلق وإمَّا أن يُفئ. أخرجه مالك (٤). [إسناده ضعيف].

стр. 372

وقَالَ (١): من حلفَ على امرأتِهِ أنْ لا يطأَهَا حتَّى تفطمَ ولدَهَا لم يكنْ مولياً. بلغني عن علي ﵁ أَنَّهُ سئلَ عن ذلكَ فلم يرهُ إيلاء. قوله: في حديث علي لم يقع عليه طلاق، وإن خصت الأربعة الأشهر. أقول: هذه المسألة وقع فيها بين السلف من الصحابة وغيرهم نزاع، فقول علي ﵇ هو رأي جماهيرهم، وهذه الرواية عن علي هي الصحيحة. وقد روي عنه أن تمضي الأربعة يقع تطليقة، وإليه ذهب جماعة من السلف. قوله: أخرجه مالك. أقول: منقطعاً، فإنه قال: عن جعفر بن محمَّد عن أبيه علي. قال ابن عبد البر: الخبر عن علي، وإن كان منقطعاً في الموطأ، فإنه متصل عنهم من طرق كثيرة صحاح، ثم ساقها بأسانيدها في كتابه: "الاستذكار" (٢). قوله: بلغني عن علي أنه سئل عن ذلك فلم يجعله إيلاءً. قال عبد الرزاق (٣) عن معمر: أنه بلغه ذلك عن علي. وذكر ابن عبد البر (٤) بسنده إلى سعيد بن جبير أنَّ علياً قال له رجل: حلفت ألَّا أمس امرأتي سنتين، فأمره باعتزالها، فقال له ذلك الرجل: إنما ذلك من أجل أنها ترضع ولدي، فخلّي بينه وبينها.

стр. 373

قال ابن عبد البر (١): ليس هذا بمضار؛ لأنه أراد إصلاح ولده، وقد همَّ رسول الله ﷺ أن ينهى عن الغَيْلَة لما علم أن العرب تعتقد أنه فساد بالولد، ثم تركها توكلاً على الله، إذا بلغه أنَّ فارس والروم يفعلون ذلك، ولا يضرّ أولادهم. والغَيْلَة (٢) وطئُ الرَّجُلِ امرأتَهُ الرَّضاع، وقد اختلف الفقهاء فيمن قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك. فقال مالك (٣): لم يكن موليا؛ لأنه ليس على وجه الضرار، إنما أراد الإصلاح لولده. وقد قال الأوزاعي (٤) والشافعي (٥): إن مضت أربعة أشهر قبل أن تكون شيء مما حلف عليه كان مولياً، وله قول آخر. وللحنفية (٦) قول ثالث أنه إن بقي بينه وبين مدة الفطام أربعة أشهر، فإنه مول. الحديث الرابع: حديث عائشة: ١١٢/ ٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: آلَى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَحَرَّمَ فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلاَلاً وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً. أخرجه الترمذي (٧). [ضعيف]. قولها: "وحرّم": أي: قربانهنَّ.

стр. 374

قوله: "فجعل الحرام": وهو قربانهنَّ. "حلالاً، وجعل في اليمين كفارة": قولها: وحرم. هو بيان لقولها: "آلى" أي: أقسم أن لا يقربهنَّ، فضرب حراماً بالقسم، ثم جعل هذا الحرام حلالاً، وكفَّر عن يمينه. قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: قال (١) بعد إخراجه عن مَسْلَمَةَ بنِ عَلْقَمَةَ عن دَاودَ عن عامر عن مَسْرُوق ما لفظه: حديث مَسْلَمة بن عَلْقَمَةَ عن داودَ رَوَاهُ عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، وغيره عن دَاوُدَ عن الشَّعبي أنَّ النبي ﷺ مرسلاً، وليس فيه عن مَسْروق عن عائشة، وهذا أصح من حديث مَسْلمة بن علقمة. انتهى كلامه.

стр. 375

كتاب: الأسماء والكنى وهو الكتاب الثامن وفيه خمسة فصول الفصل الأول: في المحبوب منها والمكروه (١) و"الكنى" جمع: كنية، وهو كل ما صدّر بأبٍ وأم. ذكر سبعة أحاديث؛ الأول: ١١٣/ ١ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف]. قوله: "حديث أبي الدرداء": واسمه عويمر بن مالك الأنصاري (٣). قوله: بأسمائكم وأسماء آبائكم. أي: يقال: يا فلان بن فلان، لا باسم أمه، وذكر جار الله في "الكشاف" (٤) في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٥) ما لفظه.

стр. 376

ومن بدع التفاسير: أنّ الإِمام جمع أمٍ، فإن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأنَّ الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء [٧١ أ/ ج] رعاية في حق عيسى بن مريم ﵇ وإظهار شرف الحسن والحسين ﵉ وألا يفتضح أولاد الزنا, وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظة أم بها حكمته. انتهى. قال سراج الدين: يريد أنَّ إماماً جمع أم غير سائغ، وإنما المعروف الأمهات أم لها حكمته في أنَّ حق عيسى في اختياره بالدعاء، فإن جعله في غير أب كرامة له لا يقضي فيه، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك إثم، فإن أباهما خير من أمهما مع أنَّ أهل البيت من أهل الغنى كلهم كالحلقة المفرغة. وأمَّا افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات وهي حاصلة دعاء أولادهم بالأمهات، أو بالآباء، ولا ذنب لهم في ذلك حتى يترتب عليه الافتضاح. قوله: "فحسنوا أسماءكم". أقول: قال في "زاد المعاد" (١): لما كانت الأسماءُ قوالِبَ للمعاني، ودالَّةٌ عليها، اقتضتِ الحكمةُ أن يكون بينها وبينها ارتباطٌ وتناسبٌ، وألا يكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلُّقَ له بها، فإن حِكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقعُ يشهد بخِلافه، بل للأسماء تأثيرٌ في المسمَيات، وللمسميات تأثير في أسمائها في الحُسن، والقبيح، والخِفِّة، والثِّقل، والكَثَافة، واللطَافة، كما قيل: وقلَّما [شاهدت] (٢) عَيَنَاكَ ذَا لَقَب ... إلا ومَعْنَاهُ إن فَكَّرتَ في لَقَبِهْ

стр. 377

وكان ﷺ يستحِبُّ الاسم الخفي، وأمرهم إذا أبردوا إليه بريداً أن يكونَ حَسَن الاسْمِ حَسَنَ الوَجْهِ (١). وكان ﷺ يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة، وكان يكره الأمكِنةَ المنكرةَ الأسماء، ويكره العُبُورَ فيها، كمَا مَرَّ بين جبلين في بعض غزواته، فسأل عن أسمائها، فقيل: فاضِحٌ ومُخزٍ، فعدلَ عنهما, ولَم يَجُزْ بينهما, ولما كان بين الأسماء والمسميات من التناسُبِ والترابط، والقرابة ما بين قوالبِ الأشياء، وحقائقها، وما بينَ الأرواحِ والأجسام عَبَرَ العقل مِن كل منهما إلى الآخر كما كان إياسُ بن معاوية يرى الشخص، ويقول: ينبغي أن يكونَ اسمُه كيْتَ وكَيْتَ، فلا يكاد يُخطئُ، وضِدُّها هذا العبور من الاسم إلى مسماه، كما عبر عمر بن الخطاب من لفظ: جَمْرَةُ وشِهَابٌ، وحِرَّة النَّار، وذاتِ لَظَى إلى معانيها، فقال: "اذهَب فقد احترق أهلك" (٢) فعبر من الألفاظ إلى أرواحها. قلت: ومن تحسين الأسماء قد أرشدهم ﷺ إلى التسمي بأسماء الأنبياء، كما يأتي، وأمرهم بأحبها إلى الله وأصدقها. فالأقسام الثلاثة داخلة تحت الأمر بتحسين الأسماء.

стр. 378

الحديث الثاني: حديث ابن عمر: ١١٤/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحَبُّ الأَسماءِ إِلَى الله تَعالى عبد الله، وَعبد الرَّحْمَنِ" أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) [١١٨/ ب]، [صحيح]. قوله: "أحب الأسماء إلى الله": هو من اسم التفضيل المبني للمفعول، أي: أكثرها محبوبية لله، وذلك لا سيما على الإقرار بالعبودية، والإضافة إلى أشرف اسم في الكون. قوله: "الترمذي": قلت: وقال: حسن. الحديث الثالث: عن أبي وهب الجشمي: ١١٥/ ٣ - وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله تَعالَى عبد الله وَعبد الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ" أخرجه أبو داود (٤)، واللفظ له، وللنسائي مختصراً (٥) [ضعيف]. أقول: اسم أبي وهب كنيته، وله صحبة ورواية, والجُشمي بضم الجيم وفتح الشين المعجمة وكسر الميم، وهو اسم قبائل من مضر وغيرها. قوله: "سموا بأسماء الأنبياء": أي: لأنَّ الله لا يختار لهم، إلا أحسن الأسماء.

стр. 379

قوله: "وأصدقها حارث وهمام". قال ابن الأثير (١): الحارث: الكاسب، والاحتراث: الاكتساب، وهمَّام فعَّال، من هَمَّ، فهو همَّام، وإنما كان أصدق الأسماء؛ لأنَّ الإنسانَ كاسبٌ، وهمَّامٌ بالطَّبع، فلا يكاد يَخلُو من كسب [٧١ ب/ ج] وهم. انتهى. قوله: حرب ومرَّة. قال (١) - أيضاً -: إنما كانا أقبح الأسماء؛ لأنَّ الحرب مما يتفاءل بها، وتُكْرَهُ لما فيها من القتل، والأذى. وأمَّا مُرّة فلأن معناه: المُرُّ، والمُرُّ كريةٌ بغيضٌ إلى الطباع، أو لأنه كنْيَةُ إبليس، فإن كنيَةَ أبو مُرَّة. قال أبو عمر بن عبد البر (٢): هذا عندي من باب الفأل الحسن، فإنَّه ﷺ كان يطلبه ويعجبه، وليس من باب الطيرة في شيء؛ لأنه محال أن ينهى عن الطيرة, ويأتيها، بل هو من باب الفأل، فإنه ﷺ يتفاءل بالاسم الحسن. وقد روى حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توجه لحاجة يحب أن يسمع يا نجيح! يا راشد، يا مبارك". وأخرج بسنده: أنَّ رسول الله ﷺ كان لا يتطير، وكان يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من أسلم، فلقي النبي ﷺ ليلاً، فقال له نبي الله ﷺ : "من أنت" فقال: أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر، وقال: "يا أبا بكر برد أمرنا وصلح" قال: "ممن؟ " قلت: من أسلم. قال لأبي بكر: "سلمنا" ثم قال: "ممن؟ " قلت: من سهمٍ قال: "خرج سهمك". انتهى.

стр. 380

قوله: أخرجه أبو داود، واللفظ له. قوله: "وعبد الرحمن": أقول: قال القرطبي (١): يلتحق بهذين الأسمين ما كان مثلهما مثل: عبد الرحيم وعبد الصمد. قال: وإنما كانت أحب إلى الله؛ لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله، وما هو وصف للإنسان واجب له، ثم أضيف العبد الى الرب إضافة حقيقة فصدقت أفراد هذه الأسماء، وشرفت بهذا التركيب، فحصلت لها الفضيلة. وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن عبد الى اسم من أسماء الله غيرهما، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٢) وفي الآية الأخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٣) ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤). ويناسب الأول ما أخرجه الطبراني (٥) مرفوعاً: "إذا سميتم فعبَّدوا". وأخرج (٦) من حديث ابن مسعود مرفوعاً: "أحبّ الأسماء إلى الله ما يعبّد به".

стр. 381

إلا أنه قال الحافظ ابن حجر (١): وفي إسناد كل منهما ضعف. قوله: وأخرجه النسائي مختصراً. أقول: قال ابن الأثير (٢): إلى عبد الرحمن، وزاد فيه زيادة في وصف الخيل، والوصية بها. الحديث الرابع: حديث أبي هريرة: ١١٦/ ٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ لاَ مَالِكَ إِلاَّ الله تَعالَى". قال سفيان ﵀: مثلُ شاهان شاه. قَالَ أحْمَد بن حَنْبَل رحمه الله تعالى: سألتُ أبا عمرو رحمه الله تعالى عن أخنع فقال: أوضعَ. أخرجه الخمسة إلا النسائي (٣) [صحيح]. قوله: "أخْنَعَ": أقول: وفي البخاري (٤)، وفي رواية: "أخنا" من الخنا بفتح المعجمة وتحقيق النون مقصور، وهو الفحش في القول. وفي رواية: "كما خنا" من الخنوع، وهو الذلة.

стр. 382

قال القاضي عياض (١): معناه: أنه أشدّ الأسماء صغاراً، فسره الخليل بأفجر قال ابن بطال (٢): وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من يسمى به أشد ذلاً، ووقع عند الترمذي في آخر الحديث: "أخنع" أقبح. قوله: "ملك الأملاك": بكسر اللام من ملك الأملاك - بالكسر والفتح - جمع: مليك. قوله: "لا مالك إلا الله": في "الجامع" (٣) زاد في رواية: "لا مالك إلا الله" وقال: إنَّه زاد أبو داود والترمذي فيها: "يوم القيامة" بعد قوله: "عبد الله". قوله: "قال سفيان". أي: ابن عيينة. وقوله: "شاهان شاه": بسكون النون، وألف في آخره، وقد ينون، وليست هاء تأنيث فلا يقال: بالمثناة أصلاً، وقد تعدب بعضٌ من تفسير سفيان للفظة عربية بلفظة عجمية، وهو غفلة عن مراده، وذلك أنَّ شاهان شاه قد كانت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان على أنَّ الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان فهو [٧٢ أ/ ج] مراد بالذم، واستدل به على تحريم التسمي بهذا الاسم لوروده الوعيد الشديد، ويلحق به ما في معناه، مثل خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء (٤).

стр. 383

قلت: أما أمير الأمراء، فلفظ: أمير لا يطلق على الله تعالى بخلاف كبير الكبراء. واختلف في التسمي بقاضي القضاة، أو حاكم الحكماء، واستدل من أجاز قاضي القضاة بحديث: "أقضاكم علي" (١) ورد بأنّ التفضيل وقع في حق من خوطب به، ومن يلحق بهم، فليس مساوياً لإطلاق التفضيل بالألف واللام يريد في قولهم: أقضى القضاة، ولا يخفى ما في ذلك من الجراءة، وسوء الأدب. قال الشيخ محمَّد بن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك: قاضي القضاة، وإن كان أشهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كثير من القضاة. وقد سلم أهل العرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة، والصواب أنه لا يقال: قاضي القضاة إلا لله، فهو يقضي الحق، وهو خير القاضين، ومثله في القبح والكراهة قولهم: سيد الناس، وسيد الكل، أو الجميع، وليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ خاصة، كما قال: "أنا سيد ولد آدم" (٢). قوله: "قال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو": قال النووي (٣): هذا هو إسحاق بن مرار - بكسر الميم - وقيل: مرار بفتحها وتشديد الراء كعمار، وقيل: بفتحها، وتحقيق الراء كغزال، وهو أبو عمرو اللغوي النحوي المشهور.

стр. 384

١١٧/ ٥ - ولمسلم (١) رحمه الله تعالى في أخرى: "أغيظُ رجل على الله تعالى يوم القيامةِ وأخبثُهُ رجلٌ كان يسمَّى ملكَ الأملاكِ لا ملِكَ إلا الله تعالَى". [صحيح]. قوله: ولمسلم في أخرى: "أغيظ": بالغين المعجمة فمثناة تحتية من الغيظ، وفي شرح النووي (٢): إنه ورد في مسلم: "أخنع" و"أغيظ" و"أخبث" ووقع في مسلم (٣) - أيضاً - أغيظ رجل، وأغيظه بتكرير أغيظ. قال القاضي (٤): ليس تكريره وجه الكلام، وكأنه وقع من بعض الرواة وهم في تكريره، أو تغييره. قال بعضٌ: لعلَّ أحدهما أغنط بالنون والطاء المهملة، أي: أشده عليه، والغنط: شدة الكذب. قال المازري (٥): أغيظ هنا مصروف عن ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالغيظ، فيتأول هذا الغيظ على الغضب (٦). قوله: "لا ملك إلا لله": وفي الرواية الأولى: "لا مالك" والمراد لا مالك للأملاك إلا الله؛ لأنه نهى عن التسمي بمالك، وإن كان قد نقل ابن التين (٧) عن الداودي أنه قال: وقد ورد في بعض الأحاديث:

стр. 385

"أبغض الأسماء إلى الله خالد ومالك"، قال: وما أراه محفوظاً؛ لأنَّ في الصحابة من يسمى بهما، وقال: في القرآن تسمية خازن النار مالك. انتهى. قال ابن حجر (١): إنَّ الحديث الذي ذكره الداودي هو بلفظ: "أحب الأسماء إلى الله ما سمى به، [وأصدقها] (٢) الحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك" (٣) الحديث. وهو من رواية أحد الضعفاء, ومن مناكيره. الحديث الخامس: ١١٨/ ٦ - وَعَن جَابِر ﵁ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبَرَكَةَ وَأَفْلَحَ وَيَسَارٍ وَنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْها. أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥)، واللفظ له. زاد أبو داود (٥) ﵀: فإن الرجلَ يقولُ: أثَمَّ بركةُ؟ فيقولون: لا. [صحيح].

стр. 386

قوله: "ينهى ... " إلخ: قال النووي في شرح مسلم (١): هكذا وقع هذا اللفظ في مسلم نسخ صحيح مسلم التي ببلادنا: "أن يسمى بيعلى" وفي بعضها: "بمقبل" وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: "بيعلى". وذكر القاضي عياض (٢): إنه في أكثر النسخ: "بمقبل" وفي بعضها: "بيعلى". قال: والأشبه أنه تصحيف، قال: والمعروف: "بمقبل" وهذا الذي أنكره القاضي ليس بمنكر، بل هو الصحيح المشهور، وهو صحيح في الرواية, وفي المعنى. انتهى [٧٢ ب/ ج]. قوله: فإنك تقول: "أثَمَّ بركةُ": أي: أفي المكان بركة، فيقال: لا. قال ابن القيم (٣): الله أعلم هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع، أو مدرجةٌ من هول الصحابي، وبكل حال: فإنَّ هذه الأسماء قد تُوجب تطيُّراً تكرَهه النفوس، ويَصُدُّها عما هي بصدده, فاقتضت حكمةُ الشارع أن ينهاهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه، أو وقوعه. قوله: "ثم رأيتُه سكتَ بعدُ عنها، ثم قُبِضَ ولم ينه عنها": لفظ ابن الأثير (٤): ثم رأَيتُه سكتَ بعدُ عنها, ولم يَقُلْ شيئاً، ثم قُبِضَ رسول الله ﷺ ولم ينْه عنها.

стр. 387

قوله: "وأبو داود": أقول: لفظ "الجامع" (١) ورواية أبي داود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يُسمُّوا نافعاً وأفلح وبركة، قال الأعمش: ولا أدري أَذكرَ نافعاً أم لا، فإنّ الرجل يقول: أَثَمَّ بركة؟ فيقولون: لا، وفي أخرى له نحوه, ولم يذكر: "بركة" انتهى. وكلام المصنف أوهم أنه أخرج أبو داود معنى ما أخرجه مسلم مع أنهما كما ترى في التفاوت. قال النووي (٢): قوله: أراد أن ينهى. أي: نهي تحريم، وأما النهي الذي هو الكراهة التنزيه فقد نهى عنها بقوله: فإنك تقول: أثم هو، فيقال: لا، لساعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في الطيرة، وهذه هي العلة في الكراهة لها. بمعناه قال ابن القيم. حديث أسلم مولى عمر: ١١٩/ ٧ - وَعَن أَسْلَمَ مَولَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁: ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يكَنَّى أَبا عِيسَى، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنَّى أَبَا عِيسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ [١١٩/ ب]: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكَنَّى بِأَبِي عبد الله؟ فَقَالَ: إِنَّ النبيَّ ﷺ كَنَّانِي أبَا عِيْسَى، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا بَعْدُ فِي جَلْجَلَتِنَا، فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عبد الله حَتَّى هَلَكَ. أخرجه أبو داود (٣). [حسن].

стр. 388

"الجلج" بلام ساكنة بين جيمين أولاهما مفتوحة: هي حباب الماء في لُغة أهل اليمامة أي: تركنا في أمر ضيق كضيق الحباب. قال الزهري: الجلجلة واحدة الجلاَجِ وهي الرءوس ومعناه: وإنَّا بعدُ في عدد أفراد في عدد أفراننا وأخواننا لم ندر ما يصنع بنا (١). قوله: "يكنى بأبي عيسى": قال ابن القيم (٢): كره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى، وأجازها آخرون. قلت: ولا أدري ما وجه الكراهة. قوله: "الجلجلة": بلام ساكنة بين جيمين. قلت: في "القاموس" (٣): "الجلجلة" بحركة الجمجمة والرأس جمعه: جلج انتهى. وفي "النهاية" (٤): بالجيمين والتحريك يعني: في أمر ضيق. انتهى. قال أبو حاتم: لا يعرف جلجتنا، إلا أنه وقع في قلبي أنه أراد في أمر مضطرب لا يستقر عليه. انتهى. وأمَّا قول المصنف: بسكون اللام فغير صحيح. وقوله: "حباب الماء": لا يعرف ضبطه هل بالحاء المهملة، أو بالجيم، ولم نجده في القاموس، واعلم أن كلام عمر مع المغيرة، كالمغالطة، فإنه لما قال له: إنه ﷺ الذي كناه بأبي عيسى لم يجب عنه جواب قبول الرواية, ولا ردها بل أجاب بأنه قد غفر له ﷺ ، وهذا ليس جواباً عن الرواية, بل

стр. 389

خروج إلى الإخبار بفضله ﷺ , وأنه مغفور له، وكأنه ارتاب في الرواية, كما وقع له ذلك مع أبي موسى، ووقع لأبي بكر مع المغيرة، والله أعلم، ويأتي تفسير اللَّقحَةُ. الحديث السادس (١): وعن يحيى بن سعيد: ١٢٠/ ٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحلَبُ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُل فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ مُرَّةُ. فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ" فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: حَرْبٌ، فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ يَعِيشُ. فَقَالَ: "احْلُبْ" أخرجه مالك (٢) [صحيح لغيره]. أقول: الأنصاري أبو سعيد من بني النجار أنصاري (٣) خزرجي سمع أنس بن مالك، وجماعة من الصحابة، وعنه هشام بن عروة، ومالك ابن أنس، وابن جريج، وسعيد،

стр. 390

والنووي، والحمادان كان إماماً من أئمة الحديث، والفقه عالماً، ورعاً، زاهداً، صالحاً، مشهوراً بالثقة والدين. قوله: "لقحة". بفتح اللام وكسرها ذات اللبن من الإبل، وجمعها لقاح، وقيل: هي الحديثة النتاج. قوله: قال: يعيش. قال: احلبْ. أقول: قال ابن عبد البر (١): هذا عندي من الفأل؛ لأنه ﷺ كان يطلب الحسن، ويعجبه وليس من باب الطيرة في شيء؛ لأنه محال أن ينهى عنها، ويأتيه، بل هو من باب التفاؤل بالاسم الحسن، وقد قدمنا كلامه هذا. قوله: "أخرجه مالك": أقول: أخرجه مقطوعاً، فقد عرفت يحيى بن سعيد [٧٣ أ/ ج] ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢): بعد ذكره له مقطوعاً: قد روي هذا مسنداً نا عبد الرحمن نا علي نا أحمد نا سحنون نا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال: دعا النبي ﷺ يوماً بناقةٍ. الحديث. قال: وقد ذكرناه في التمهيد (٣). الفصل الثاني من الخمسة الفصول: في كتاب الأسماء وذكر فيه خمسة أحاديث، ومثلها في الجامع.
следующие страницы →