← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قوله: "ينهى ... " إلخ: قال النووي في شرح مسلم (١): هكذا وقع هذا اللفظ في مسلم نسخ صحيح مسلم التي ببلادنا: "أن يسمى بيعلى" وفي بعضها: "بمقبل" وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: "بيعلى". وذكر القاضي عياض (٢): إنه في أكثر النسخ: "بمقبل" وفي بعضها: "بيعلى". قال: والأشبه أنه تصحيف، قال: والمعروف: "بمقبل" وهذا الذي أنكره القاضي ليس بمنكر، بل هو الصحيح المشهور، وهو صحيح في الرواية, وفي المعنى. انتهى [٧٢ ب/ ج]. قوله: فإنك تقول: "أثَمَّ بركةُ": أي: أفي المكان بركة، فيقال: لا. قال ابن القيم (٣): الله أعلم هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع، أو مدرجةٌ من هول الصحابي، وبكل حال: فإنَّ هذه الأسماء قد تُوجب تطيُّراً تكرَهه النفوس، ويَصُدُّها عما هي بصدده, فاقتضت حكمةُ الشارع أن ينهاهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه، أو وقوعه. قوله: "ثم رأيتُه سكتَ بعدُ عنها، ثم قُبِضَ ولم ينه عنها": لفظ ابن الأثير (٤): ثم رأَيتُه سكتَ بعدُ عنها, ولم يَقُلْ شيئاً، ثم قُبِضَ رسول الله ﷺ ولم ينْه عنها.

стр. 387

قوله: "وأبو داود": أقول: لفظ "الجامع" (١) ورواية أبي داود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يُسمُّوا نافعاً وأفلح وبركة، قال الأعمش: ولا أدري أَذكرَ نافعاً أم لا، فإنّ الرجل يقول: أَثَمَّ بركة؟ فيقولون: لا، وفي أخرى له نحوه, ولم يذكر: "بركة" انتهى. وكلام المصنف أوهم أنه أخرج أبو داود معنى ما أخرجه مسلم مع أنهما كما ترى في التفاوت. قال النووي (٢): قوله: أراد أن ينهى. أي: نهي تحريم، وأما النهي الذي هو الكراهة التنزيه فقد نهى عنها بقوله: فإنك تقول: أثم هو، فيقال: لا، لساعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في الطيرة، وهذه هي العلة في الكراهة لها. بمعناه قال ابن القيم. حديث أسلم مولى عمر: ١١٩/ ٧ - وَعَن أَسْلَمَ مَولَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁: ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يكَنَّى أَبا عِيسَى، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنَّى أَبَا عِيسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ [١١٩/ ب]: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكَنَّى بِأَبِي عبد الله؟ فَقَالَ: إِنَّ النبيَّ ﷺ كَنَّانِي أبَا عِيْسَى، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا بَعْدُ فِي جَلْجَلَتِنَا، فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عبد الله حَتَّى هَلَكَ. أخرجه أبو داود (٣). [حسن].

стр. 388

"الجلج" بلام ساكنة بين جيمين أولاهما مفتوحة: هي حباب الماء في لُغة أهل اليمامة أي: تركنا في أمر ضيق كضيق الحباب. قال الزهري: الجلجلة واحدة الجلاَجِ وهي الرءوس ومعناه: وإنَّا بعدُ في عدد أفراد في عدد أفراننا وأخواننا لم ندر ما يصنع بنا (١). قوله: "يكنى بأبي عيسى": قال ابن القيم (٢): كره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى، وأجازها آخرون. قلت: ولا أدري ما وجه الكراهة. قوله: "الجلجلة": بلام ساكنة بين جيمين. قلت: في "القاموس" (٣): "الجلجلة" بحركة الجمجمة والرأس جمعه: جلج انتهى. وفي "النهاية" (٤): بالجيمين والتحريك يعني: في أمر ضيق. انتهى. قال أبو حاتم: لا يعرف جلجتنا، إلا أنه وقع في قلبي أنه أراد في أمر مضطرب لا يستقر عليه. انتهى. وأمَّا قول المصنف: بسكون اللام فغير صحيح. وقوله: "حباب الماء": لا يعرف ضبطه هل بالحاء المهملة، أو بالجيم، ولم نجده في القاموس، واعلم أن كلام عمر مع المغيرة، كالمغالطة، فإنه لما قال له: إنه ﷺ الذي كناه بأبي عيسى لم يجب عنه جواب قبول الرواية, ولا ردها بل أجاب بأنه قد غفر له ﷺ ، وهذا ليس جواباً عن الرواية, بل

стр. 389

خروج إلى الإخبار بفضله ﷺ , وأنه مغفور له، وكأنه ارتاب في الرواية, كما وقع له ذلك مع أبي موسى، ووقع لأبي بكر مع المغيرة، والله أعلم، ويأتي تفسير اللَّقحَةُ. الحديث السادس (١): وعن يحيى بن سعيد: ١٢٠/ ٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحلَبُ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُل فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ مُرَّةُ. فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ" فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: حَرْبٌ، فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ يَعِيشُ. فَقَالَ: "احْلُبْ" أخرجه مالك (٢) [صحيح لغيره]. أقول: الأنصاري أبو سعيد من بني النجار أنصاري (٣) خزرجي سمع أنس بن مالك، وجماعة من الصحابة، وعنه هشام بن عروة، ومالك ابن أنس، وابن جريج، وسعيد،

стр. 390

والنووي، والحمادان كان إماماً من أئمة الحديث، والفقه عالماً، ورعاً، زاهداً، صالحاً، مشهوراً بالثقة والدين. قوله: "لقحة". بفتح اللام وكسرها ذات اللبن من الإبل، وجمعها لقاح، وقيل: هي الحديثة النتاج. قوله: قال: يعيش. قال: احلبْ. أقول: قال ابن عبد البر (١): هذا عندي من الفأل؛ لأنه ﷺ كان يطلب الحسن، ويعجبه وليس من باب الطيرة في شيء؛ لأنه محال أن ينهى عنها، ويأتيه، بل هو من باب التفاؤل بالاسم الحسن، وقد قدمنا كلامه هذا. قوله: "أخرجه مالك": أقول: أخرجه مقطوعاً، فقد عرفت يحيى بن سعيد [٧٣ أ/ ج] ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢): بعد ذكره له مقطوعاً: قد روي هذا مسنداً نا عبد الرحمن نا علي نا أحمد نا سحنون نا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال: دعا النبي ﷺ يوماً بناقةٍ. الحديث. قال: وقد ذكرناه في التمهيد (٣). الفصل الثاني من الخمسة الفصول: في كتاب الأسماء وذكر فيه خمسة أحاديث، ومثلها في الجامع.

стр. 391

الحديث الأول: عن سهل بن سعد: ١٢١/ ١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدي ﵁ قَالَ: جَاءَ النبيَّ [١٢٠/ ب] ﷺ إلَى بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵂، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا كَرمَ الله وجْهه (١) - فَقَالَ: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ " فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ، فَقَالَ رَسُولُ الله النبيَّ ﷺ لإِنْسَانٍ: "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ" فَقَالَ: هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ النبيَّ ﷺ وَيَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ" قال سهل ﵁: وما كان له اسم أحبُّ إليه منهُ. أخرجه الشيخان (٢) [صحيح]. قوله: "شيء": لم يأت مفسراً في الروايات التي عرفنا، ويمكن أنه موجود لم يطلع عليه. قوله: "فغاضبني فخرج": قال ابن بطال (٣): إنَّ أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه من الغضب، وقد يدعو ذلك إلى الخروج من بيته، ولا يعاب عليه.

стр. 392

قال الحافظ ابن حجر (١): قلت: ويحتمل أن يكون خروجه خشية أن يبدو منه في حال الغيظ ما لا يليق بجناب فاطمة ﵍ فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما. وقد ذكر ابن إسحاق عقب القصة المذكورة قال: حدثني بعض أهل العلم أنَّ علياً كان إذا غضب على فاطمة في شيء لم يكلمها، بل كان يأخذ تراباً فيضعه على رأسه، وكان النبي ﷺ إذا رأى ذلك عرف، فيقول: ما لك يا أبا تراب. قوله: "فجاء": أي: النبي ﷺ . قوله: "وهو": أي: علي. قوله: "مضطجع ... إلى آخره": فيه مكارم أخلاق النبي ﷺ لأنه توجه نحو علي ﵁ ليترضاه، ومسح التراب عن ظهره ليبسطه، وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع منزلتها عنده, فيؤخذ منه استحسان الرفق بالأصهار، وترك معاتبتهم آنفاً إبقاءً لمودتهم. قوله: "قم أبا تراب! قم أبا تراب! ": وفي لفظ البخاري (٢): "اجلس أبا تراب"، وقد روي للتسمية بأبي تراب شيئان آخران. ويستفاد من الحديث جواز تكنية الشخص بأكثر من كنيته، والتلقيب بلفظ الكنية مما يشتق من حال الشخص، وأنَّ اللقب من إذا صدر من الكبير في حق الصغير تلقاه، ولو لم

стр. 393

يكن لفظه لفظ مدح، وأنَّ من حمل ذلك على التنقيص لا يلتفت إليه، وهو كما كان أهل الشام ينتقصون ابن الزبير بزعمهم حيث كان يقولون: ابن ذات النطاقين فكان يقول: تلك شكاة ظاهر [] (١) عارضاً. قوله: "اسم أحبّ إليه منه": أقول: فيه إطلاق الاسم على الكنية. قوله: "أخرجه الشيخان": أقول: في أوله في "الجامع" (٢): أنَّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يذكر علياً عند المنبر قال: فيقول: ماذا قال؟ يقول: أبو تراب، فضحك، وقال: والله! ما سماه به إلا النبي ﷺ ، وما كان له اسم أحبَّ إليه منه فأستطعمت (٣) الحديث سهلاً، فقلت: يا أبا عباس! كيف قال؟ ... فذكر الحديث. الحديث الثاني: حديث أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير: ١٢٢/ ٢ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنتَ أبِي بَكْر ﵂ قَالَت: حَمَلَتْ بِعبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكة، قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأنا مُتِمٌّ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ, فأَتَيْتُ بِهِ رسولُ الله ﷺ فَوَضَعْتُهُ في حَجْرِهِ، فَدَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ في فِيه, فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ حَنَكَهُ بِالتَّمْرَة، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وسَمَّاه عبد الله، فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ في الإِسْلاَمِ، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ. أخرجه الشيخان (٤) [صحيح].

стр. 394

قوله: "وأنا مُتِمٌّ": يقال: امرأة مُتِمَّ إذا كانت حاملاً، وقد دَنَا ولادها. قوله: "بِقُباء": بالمدّ موضع بالمدينة معروف، ويُصْرَف، ولا يُصْرف. قوله: "ثم تَفَلَ": التَّفْلُ بالمثناة من فوق، والفاء هو أن يَبْصُق أقلَّ شيء، وهو فوق النَّفث. قوله: "حَنَكَه بتمرة": بمهملة ونون ثقيلة، والتَّحنيك أن يَدْلكَ بالتَّمرة حَنك الصبي. قوله: "وبَرَّكَ عليه": التبرك على الصبي: أن يَدْعُوَ له بالبركة (١)، فيه شرعية الإتيان بالمولود إلى الرجل الصالح، وشرعية أن يتفل في فيه ويحنكه ويدعو له بالبركة، ويحنكه، ويبرك عليه، ويسميه وشرعية الفرح برد المقالة الكاذبة [٧٣ ب/ ج] وإبطال ما قيل. الحديث الثالث: حديث أبي موسى: ١٢٣/ ٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: وُلدَ لِي غُلاَمٌ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى. أخرجه الشيخان (٢). [١٢١/ ب] [صحيح]. ليس فيه زيادة على ما قبله.

стр. 395

الرابع: عن أنس: ١٢٤/ ٤ - وَعَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ذَهَبْتُ بِعبد الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ حِينَ وُلِدَ وَهوَ في عَبَاءَةٍ وَهو يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ تَمرَاتٍ فَلاَكَهُنَّ، ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيِّ فَمَجَّهُ فِي فِيهِ فَجَعَلَ يَتَلَمَّظُهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "انْظُروا حُبُّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ". وَسَمَّاهُ عبد الله. أخرجه الشيخان (١) وأبو داود (٢) واللفظ لمسلم. [صحيح]. ومعنى: "يهنأُ" يطليه بالقطران. قوله: "بعبد الله بن أبي طلحة": سماه عبد الله باعتبار المال، وإلَّا فإنه ذهب به قبل تسميته، وهو أخو أنس من أمه أم سليم، والمصنف أتى برواية مختصرة هي لمسلم أحد رواياته, وفي أخرى (٣) في صدره عن أنس قال: "كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلمَّا رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ فقالت أم سليم: هو أسكنُ فما كان، فقربت له العشاء، ثم أصابَ منها، فلمَّا فرغَ، قالت: وارُوا الصبي، فلما أصبحَ أبو طلحة أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "أعْرَسْتُم الليلة" قال: نعم. قال: "اللهم! بارك لهما" فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى نأتي به رسول الله ﷺ . الحديث. وله ألفاظ أخرى، وهذا اللفظ الذي أتى به المصنف هو أحد روايات مسلم. قوله: وهو في عباءة. لفظه في "الجامع" (٤): ورسول الله ﷺ في عباءة.

стр. 396

وفي رواية: وعليه خميصةٌ جوْنيَّةٌ. قال ابن الأثير (١): الخميصة: ثوبُ خَزٍّ أو صوفٍ مُعَلم، وهو أسود، والجَوْنُ يشبه إلى السواد. قوله: "وهو يَهْنَأ بعيراً له". قال ابن الأثير (١): هَنَأْتُ البعيرَ لطخته بالهنأ، وهو القطران. النووي (٢): الهناء - بكسر الهاء والمدّ - أي: يطليه، والبعير من الإبل الذكر والأنثى، كالإنسان من بني آدم. قوله: فلاكهنَّ. [قال] (٣) ابن الأثير (١): لاكَ اللُّقمَةَ في فيه إذا مَضَغَها. قوله: فَغَّر. بالفاء وغين معجمة فراء يقال: فغرَ فاهُ إذا فَتَحه. قوله: "فَمَجَّهُ": بفتح الميم وتشديد الجيم يقال: مَجَّ ريقَهُ من فيه إذا رماهُ. قوله: "يتملظه": التلمظ: تطعم ما يبقى في الفم من أثر الطعام. قوله: "حُبّ الأنصار التمر": روي بضم الحاء وكسرها فبالكسر المحبوب كالذبح بمعنى: المذبوح بالتمر مرفوع أي: محبوب الأنصار التمر، ومن نصب قال: معناه: انظروا حبّ الأنصار التمر، وأمّا من ضم الحاء، فهو مصدر.

стр. 397

الخامس: ٢٥/ ٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى. قَالَ: "فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ" فَكَانَتْ تُكَنَّى أُمِّ عبد الله. أخرجه أبو دَاوُدَ (١). وزاد رزين ﵀ (٢): "فإن الخالة أم". قوله: "كلّ صواحبي لهنَّ كُنى": كأنَّ المراد مثل أم سلمة، وأم حبيبة، وإلا فسودة وحفصة، وزينب بنت جحش، وصفية لم يكن لهنَّ كُنى. قوله: بابنك عبد الله بن الزبير. لأنه ابن أختها، والخالة كما يأتي أمّ، وفيه دليل على التكني للمرأة، وإن لم يكن لها ولد، وللرجل - أيضاً - وإن لم يكن له ولد، وليس من الكذب، بل من التفاؤل. قوله: رزين، فإن الخالة أمّ. قال ابن الأثير (٣): ولم أجدها في كتاب أبي داود.

стр. 398

قلت: أخرجها الترمذي (١) في حديث البراء بلفظ: "الخالة بمنزلة الأم". وأخرجه أبو داود (٢) من حديث علي ﵇: "الخالة والدة" عن محمَّد بن علي مرسلاً، وله طرق كثيرة, وهو مذكور في قصة بنت حمزة في حديث عمرة القضاء. الفصل الثالث: فيمن غيَّر النبي ﷺ اسمه ذكر فيه سبعة أحاديث، وفي الجامع عشرة (٣). الأول: ١٢٦/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رسول الله ﷺ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ. أخرجه الترمذي (٤). قوله: "الاسم القبيح": أي: الذي يكرهه، وإن لم يكن قبيحاً في لفظه (٥) نحو بَرَّة، فإنَّه غيره لما فيه من تزكية النفس، فيؤخذ منه كراهة التسمي بتقي، وتقي الدين، وفخر الدين، وما لا يحصى من ألقاب أضيفت إلى الدين فيها كمال التزكية، والاتصاف بعلو المقام في الدين، وهذه من البدع العظيمة. وإنما كانت كذباً، أو لا تكون إلا كذباً، لكنَّها صارت للتعارف في المخاطبات والمكاتبات أمراً مألوفاً لا ينهى عنه، ولا ينبه أحد للنهي عنه, ولم يصح منه شيء في السلف الصالح.

стр. 399

ولذا قلت (١) [٧٤ أ/ ج]: تسمى بنور الدين وهو ظلامة ... وهذا بشمس الدين وهو له خسف وذا شرف الإِسلام يدعوه قومه ... وقد نالهم من جوره كلهم عسف رويدك يا مسكين سوف ترى غداً ... إذا نصب الميزان وانتشر الصحف بماذا تسمى هل سعيد فحبذا ... أو سمّ شقي بئس ذا ذلك الوصف قوله: "أخرجه الترمذي" (٢): قلت: ثم قال عقبة: قال أبو بَكْرِ بن نَافع - يريد شيخه الذي حدثه به - وربما قال عمُر بنُ عليّ - يريد شيخ أبي بكر بن نافع الذي حدثه به - هشامُ بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً، ولم يذكُر فيه عن عائشة. انتهى. الحديث الثاني: ١٢٧/ ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أبِي سَلَمَة كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّى نَفْسَهَا. فَسَمَّاهَا رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ. أخرجه الشيخان (٣). [صحيح]. قوله: "زينب بنت أبي سلمة": هي ربيبة رسول الله ﷺ وهي التي قال ﷺ فيها يوم بكى: "وبنتي في حجري" يأتي في النكاح. قوله: "تزكي نفسها": لعلَّ القائل ذلك هو رسول الله ﷺ كما يأتي في الحديث الرابع أنه تلا ﷺ الآية.

стр. 400

قوله: "بَرَّةٌ": بفتح الموحدة وتشديد الراء، وهو تأنيث برّ، والبرّ ضد الفاجر. قوله: "تزكي نفسها": أي: يقال: زكى الرجل نفسه إذا وصفها بالزكاوة، وأثنى عليها وهو منهي عنه, قال الله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). قوله: "سماها زينب": في "القاموس" (٢) زنب كفرح سمن والأزنب السمين، وبه سميت المرأة زينب، أو من الزبيب ثمرُ شجرٍ حسن المنظر طيب الرائحة. الثالث: ١٢٨/ ٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ اسْمُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بَرَّةَ، فَحَوَّلَ رَسُولُ الله ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ. أخرجه مسلم (٣) [١٢٢/ ب]، [صحيح]. قوله: "جويرة": وهو تصغير جارية، وهي من أزاوجه ﷺ يأتي ذكرها، وكأنَّه ﷺ كره إطلاق الخروج من البر، أو أخرج من عندهما.

стр. 401

الرابع: ١٢٩/ ٤ - وعَن شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ عَنْ أبِيه ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ قَوْمِهُ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، قَالَ: فَدَعَانِي فَقَالَ: "إِنَّ الله تَعَالى هُوَ الْحَكَمُ، وإلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى بأَبي الْحَكَمِ؟ " فَقُلت: "إنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِي كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي، فَقَالَ: "مَا أَحْسَنَ هَذَا! فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ " فَقُلْت: شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعبد الله. قَالَ: "فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ " فَقُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ أبو شُرَيْحٍ" أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) [حسن]. قوله: "عن شريح بن هانئ" (٣): بالشين المعجمة أوله وآخره حاء مهملة يكنى: أبو المقدام شريح بن هانئ بن كعب بن يزيد الحارثي أدرك النبي ﷺ وبه كنى النبي ﷺ أباه هانئ ابن زيد، فقال: "أنت أبو شريح" وشريح من جملة أصحاب علي ﵇ رواه عنه ابنه المقدام. قوله: "إنَّ الله هو الحاكم": أقول: في "النهاية" أنه ﷺ كره له ذلك، فكناه بأبي شريح؛ لئلا يشارك الله في صفته. انتهى. وفيه تغيير الكنية، والاسم، ولو بعد الشهرة بهما.

стр. 402

الخامس: ١٣٠/ ٥ - وَعَنْ بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ اسْمُهُ أَصْرَمُ فَقَالَ لَهُ النبيَّ ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: أَصْرَمُ. فَقَالَ: "بَلْ أنتَ زُرْعَةُ" أخرجه أبو داود (١) [حسن]. قوله: "عن بشير بن ميمون": صحابي روى عن عمه المذكور، وهو أسامة بن أخْدَريّ (٢) -بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وكسر الراء وتشديد الياء. قال ابن الأثير (٣): في إسناد حديثه، وصحة صحبته مقال، وذكر أنه ليس له إلا هذا الحديث. قوله: "أَصْرَم": بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة، وفتح الراء زاد في "الجامع" (٤): في نَفَرٍ أتوا رسول الله ﷺ فقال له: "ما اسمك؟ ".

стр. 403

قال ابن الأثير (١): إنما كره أصْرَم لما فيه من معنى الصرم، وهو القطع، فجعله زُرعة - بضم الزاي وفتح الراء - مأخوذ من الزرع، والزرع النبات، وهو ضد القطع. ١٣٠/ ٦ - وَعَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أبيه ﵁: أَنَّهُ جَاء للنبي ﷺ فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: حَزْنٌ. قَالَ: "بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ". قَالَ: لَا أُغيِّر اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ﵀: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ. أخرجه البخاري (٢) وأبو داود (٣). وفي رواية لأبي داود قال: لا. السهلُ يُوطَأ وَيُمتهَنُ. [صحيح]. قال أبو داود ﵀ (٤): وغيَّر رسول الله ﷺ اسم العاصي وعزيز وعَتَلَة [١٢٣/ ب] وشيطان، والحكم، وغراب، وحبَّابٍ، وشهابٍ، فسماهُ هشاماً، وسمى حرباً سِلماً، وسمى المضطجعَ المنبعثَ، وأرضاً تسمى عفرَة سماها: خضرةَ، وشِعْبَ الضلالة، سماها شِعْبَ الهدى، وبنى الزِّنَية سماهم نبي الرُّشْدَة، وسمَّى بني مُغويَةَ بني رُشدٍ. قوله: "سعيد بن المسيب" (٥): وهو من أفاضل التابعين، وهو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حرب بن أبي وهب مخزومي قرشي مدني، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر كان سيد التابعين جمع بين الفقه والحديث، والزهد والورع، كان أعلم الناس بحديث أبي هريرة، وبقضايا عمر. مات سنة ثلاث وتسعين.

стр. 404

قوله: "عن أبيه أنه جاء": أقول: ظاهره أنَّ والد سعيد هو الذي جاء إليه ﷺ وليس كذلك، إنما هو جده، كما يدل له رواية ساقها ابن الأثير عن سعيد أنَّ جده قدم على رسول الله ﷺ ولفظ سنن أبي داود (١): ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده؛ ولأن المسمى إنما هو جده، وكأنَّه تساهل الراوي في اللفظ الأول للعلم، فإن والد سعيد لا يسمى حزناً، والأب يطلق على الجد [٧٤ ب/ ج]. قوله: "يوطأ ويمتهن": أي: يداسُ ويُهان هي صفة السهولة، أو من المهنةِ الخدمة، زاد أبو داود (١) قال سعيد: "فظننت أنه سيصيبنا بعد حزونة". وأمَّا لفظ: "فما زالت فينا الحزونة بعد" فهو للبخاري (٢). و"عَتْلة" بفتح العين المهملة وبمثناة فوقية مفتوحة وسكن ابن الأثير (٣) العَتْلة الشدة والغلظة، يقال: عَتَلتُ الرجل إذا جذبتَه جذباً عنيفاً، ومنه قيل: رجل عُتُلّ، وهو الجافي الغليظ. وكره ﷺ : "غُراباً"؛ لأن في معناه: البعد والاغتراب، ولأنَّ الغراب من أخبث الطيور، وقد أباح قتله في الحِل والحرم. وكره: "حبّاب"؛ لأن الحباب الحَيَّة، وبه يُسمى الشيطان حُبَاباً. وكره: "عزيز"؛ لأن العبد موصوف بالذُّل، والخضوع لله. وكره: "الحكم"؛ لأن الحكم الحاكم، ولا حكم إلا لله.

стр. 405

وكره: "شهاباً"؛ لأن الشهاب الشُّعلة؛ لأنه يرجم به الشياطين. قوله: "تسمى عفْرة": العَفْرة: من عُفرة الأرض، وهو لونها، ورويت: "عثْرة" بالثاء المثلثة، وهي التي لا نبات فيها، إنما هي صعيد قد علاها العثير وهو الغبار. قوله: "الزِّنْيَة": بالزاي مكسورة مشددة فنون فياء تحتية، يقال: هو الزنية إذا كان ولد زنا، وفلان لرشْدَةٍ إذا كان النكاح صحيح. قوله: "مغوية": بضم الميم فغين معجمة من الغواية. قلت: قال أبو داود (١) بعد أن ساق هذه الألفاظ كلها هكذا بغير إسناد: تركت أسانيدها للاختصار. انتهى. السابع: ١٣٢/ ٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وسَمَّاهَا جَمِيلَةُ" أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣) وأبو داود (٤). [صحيح]. قوله: "وسماها جميلة" في "الجامع" (٥) أن ابنَةً كانت لعمر يقال لها: عاصيَةُ. الحديث.

стр. 406

قوله: "والترمذي" (١). وقال عقبه: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَريب، وإنما أسنَدَهُ يحيى بنُ سعيد القطان عن عبيد الله عن نافع أن ابن عمر مرسل. انتهى. ١٣٣/ ٨ - وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ. فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الأَجْدَعُ شَيْطَانٌ". أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف]. قوله: "الأجدع": أقول: بفتح الهمزة وسكون الجيم ودال مهملة مفتوحة بعين مهملة، قال المنذري في مختصره (٣): فيه مجالد بن سعيد، وفيه مقال. ١٣٤/ ٩ - وَعَنْ سَهْلٍ بن سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَقَالَ: "مَا اسْمُهُ". قَالَ: فُلاَنٌ. قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ اسْمه الْمُنْذِرَ". فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ. أخرجه الشيخان (٤). [صحيح]. قوله: "قال: لا، ولكن اسمه المنذر": أخذ تسميته ﷺ له المنذر أنَّ ابن عمه المنذر ابن عمر؛ لأنه كان قد استشهد ببئر معونة، وكان أميرهم، فيقال: لكونه خلفاً منه، وأُتي المشهور فيه بضم الهمزة وفتح الياء، وحكي أنه بفتح الهمزة.

стр. 407

الفصل الرابع من كتاب الأسماء والكنى: في التسمي باسم النبي ﷺ وكنيته أي: في الجمع بينهما بين اسمه وكنيته أبو القاسم. ١٣٥/ ١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁[١٢٤/ ب] قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يَومَاً فِي الْبَقِيعِ فَسَمِعَ قَائِلَاً يقولُ: يَا أَبا الْقَاسِمِ! فَرَد رأسه إليه؟ فقال الرجُل: لَمْ أَعْنِكَ يا رسولُ الله! إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلاَنًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي" أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "ولا تكنّوا": بفتح الكاف وتشديد النون، وعلى حذف أحد التاءين، وهو نهي عن التكني بأبي القاسم. قال النووي (٣): اختلف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: الأول: المنع مطلقاً سواءً كان اسمه محمد أو لا، ثبت عن الشافعي (٤) والثاني: الجواز مطلقاً، ويختص ذلك بحال حياته ﷺ (٥). الثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره.

стр. 408

قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا هو الأصح؛ لأنَّ الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار. قال النووي (١): وهذا مخالف لظاهر الحديث، وأمَّا إطباق الناس ففيه تقوية للمذهب الثاني ، وكان مسندهم ما وقع في حديث أنس هذا، وانما فهموا أنَّ النبي ﷺ مختص به بحال حياته للسبب المذكور، وقد تعقبت نقل النووي المذاهب، وزيد مذهب رابع، وهو أنه لا يجوز التسمي بمحمد مطلقاً. واحتج لهذا القول بحديث عن أنس مرفوع: "يسمونهم محمداً ثم يلعنونهم" أخرجه البزار (٢) [٧٥ أ/ ج] وأبو يعلى (٣) وسنده لين (٤). ما في الحديث: "من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي". الثاني: ١٣٦/ ٢ - وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلاَمٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقَلْنا لاَ نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلاَ نُنْعِمُكَ عَيْنًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذكَر لَه ذَلك. فَقَالَ: اسْمُ ابنك عبد الرحمن.

стр. 409

أخرجه الخمسة إلا النسائي (١) [صحيح]. زاد في رواية (٢): "تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي، فَإِنِّي إنما جُعِلْتُ قَاسِماً أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ" [صحيح]. وفي أخرى لأبي داود (٣) قال: "من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمَّى باسمي". [منكر]. قوله: "ولا ننعمك عيناً": هو من الإنعام، أي: لا ننعم عينك بذلك، فتقرَّ به عينك. قوله: "ولا تكنوا بكنيتي": قال الحافظ ابن حجر (٤): يقال: إنه يحرم أن يسمي ابنه القاسم لئلا يكنى به. قوله: "فإنما جعلت قاسم أقسم بينكم": وفي رواية في البخاري: "وإنما أنا قاسم والله يعطي" هذا يشعر بأنَّ الكنية إنما تكون سبب وصف صحيح في الكنى، أو بسبب اسم الله، وقال ابن بطال: معناه: إني لم أستأثر من مال الله بشيء دونكم، قاله تطييباً لقلوبهم حين فاضل في العطاء، فقال: "الله هذا الذي يعطيكم، وإنما أنا قاسم فمن قسمت له شيئاً فذلك نصيبه قليلاً كان أو كثيراً".

стр. 410

الثالث: حديث عائشة: ١٣٧/ ٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ امْرَأَةٌ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي وَلَدْتُ غُلاَمًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي، أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي" أخرجه أبو داود (١). [١٢٥/ ب]، [ضعيف]. قوله: "فقال: ما الذي أحلّ اسمي ... "، إلى آخره. يشبه أن يكون هذا ناسخاً للنهي سيما، وقد قال له: فذكر لي أنك تكره ذلك، فلم يقرّها على أنه يكرهه. الرابع: ١٣٨/ ٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أبيه ﵄ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ! الله، أرأيت إِنْ وُلدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكْنِيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" أخرجه أبو داود (٢)، وهذا لفظه والترمذي (٣) وصححه, وزاد فيه قال: فكانت رخصة لي. [صحيح]. وإن كان ظاهره أنها رخصة خاصة لعلي ﵁ وكان الإذن في التسمية، والتكنية، فظنه رخصة خاصة به. الفصل الخامس: من كتاب الأسماء الأول: ١٣٩/ ١ - عَنْ ابن عُمَر ﵄ قَالَ: "أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ, وَوَضْعِ الأَذَى عَنْهُ وَالْعَقِّ عَنْهُ".

стр. 411

أخرجه الترمذي (١). [حسن]. قوله: "عن ابن عمر": كذا في "الجامع" (٢) وهنا عمرو - بضم العين - والحديث عن ابن عمر، وبفتحها كما في الترمذي. قوله: "ووضع الأذى": [قال] (٣) ابن الأثير (٤): ووضع الأذى عن المولود: هو أن يُزيل ما عليه من أثَرِ الولادة، وما يخرج على جسده من أثرها. وفي "النهاية" (٥): يريد الشعر، والنجاسة، وما يخرج على رأس الصبي حين يولد، ويحلق عنه يوم سابعه.

стр. 412

قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: ساقه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, وقال: هذا حديث حسن غريب. انتهى. وهذا يزيدك يقيناً أنه عن ابن عمر - بفتح العين - نعم، ثم رأيته في سنن أبي داود عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، فعلى هذا يكون رواه ابن عمرو، وابن عمر جميعاً. الثاني: حديث عائشة: ١٤٠/ ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لهُمْ بالبَركَة ويُحَنِكُهُمْ". أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). [صحيح]. تقدم قصة أنه في إتيانهم بالصبيان إليه ﷺ وتحنيكه إياهم، وأنه ينبغي أن يؤتى بالصبي إلى الأفاضل يحنكونهم ويدعون لهم. ١٤١/ ٣ - وَعَن أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَليٍّ ﵁ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ ﵂. أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). [ضعيف]. زاد رزين (٥): وقرأ في أذنه سورةَ الإخلاص وحنَّكهُ بتمرةٍ وسماهُ. الرابع: ١٤٢/ ٤ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: جَمْرَةُ. قَالَ ابْنُ مَنْ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ [١٢٦/ ب] قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ. قَالَ أَيْنَ

стр. 413

مَسْكَنُكَ؟ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ. قَالَ: بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظًى. قَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا. قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. أخرجه مالك (١). [إسناده ضعيف منقطع]. قوله: "أن عمر": أقول: هذا منقطع؛ لأنَّ يحيى لم يدرك عمر، ولم يصله ابن عبد البر، بل ساقه, ثم قال: قال أبو عمر - يريد نفسه -: لا أدري ما أقول في هذا، إلا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون بعدي محدّثون فإن يكن فعمر منهم" (٢). وقال علي ﵇: "ما كنا نبعد أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر" (٣) وقد وافق رأيه وظنه نزول تحريم الخمر (٤).

стр. 414

وكذلك آية فداء الأسرى (١)، ومقام إبراهيم (٢)، وغير ذلك. قال: وقد يوجد هذا فيمن دون عمر من أهل الذكاء وحسن الظن حتى لا يكاد يخطئ ظنه. انتهى [٧٥ ب/ ج].

стр. 415

كتاب: الآنية جمع: إناء، وهو معروف. قوله: "أول الحديث": في "الجامع" (١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إنهم كانوا عند حذيفة بالمدائن (٢) فاستسقى فسقاهُ مجوسي في إناء من فضةٍ فرمَاهُ به، وقال: إنَّي قد أَمرتُه ألا يسقني فيه إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تلبَسوا ... " (٣) الحديث. [صحيح]. ١٤٣/ ١ - وَعَن حُذَيْفَةُ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلاَ الدِّيبَاجَ، وَلاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهما؛ فَإِنَّهَا لهُمْ فِي الدُّنْيَا ولَكُم فِي الآخِرة" أخرجه الخمسة (٤) [صحيح]. قوله: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج": يأتي الكلام عليهما في باب اللباس، وإنها أتى به الراوي استيفاء للحديث، وإلا فالباب معقود بقوله: "ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما".

стр. 416

هذا نهي عن الشرب، والأكل فيما كان من الذهب، والفضة من إناء وصحيفة. والنهي أصله التحريم، ونقل ابن المنذر الإجماع (١) على تحريمهما فيهما؛ إلا عن بعض التابعين (٢) وكأنه يبلغه النهي، والتحريم هو الذي دلَّ عليه الوعيد الآتي في حديث أم سلمة. وقوله: "فإنها لهم": أي: الكفار المدلول عليهم بالسياق. قوله: "في الدنيا ولكم في الآخرة": ليس المراد الإخبار بأنها مباحة للكفار في الدنيا، بل المراد أنهم الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لمسلم أن يأكل، أو يشرب في آنية الذهب، والفضة بعد علمه بالنهي. واختلف في اتخاذ أواني الذهب الفضة بعد إجماعهم على تحريم الأكل والشرب فيها، فقال الجمهور: لا يجوز اتخاذها، ومن اتخذها كان عاصياً. الثاني: ١٤٤/ ٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ".

стр. 417

أخرجه الثلاثة (١). ولمسلم في أخرى (٢): "مَنْ شَرِبَ فِي إناء مِنْ ذهبٍ أو فضةٍ". [صحيح]. قوله: "إنما يجرجر": بالجيمين مبني للمفعول، والفاعل والنار مرفوعة ومنصوبة كذا قيل إلا أنه نقل الحافظ ابن حجر (٣) عن ابن أبي الفتح أنه ما رأى أحد رواه مبنياً للمفعول، قال: وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية. قال ابن الأثير (٤): يجرجر أي: يُحدر في جوفه، فجعل الشرب جرجرة، وهو وقوع صوت الماء في الجوف. وقيل: هو تردده فيه، وقيل: هو صب الماء في الحلق. وفي الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مسلم مكلف من ذكرٍ وأنثى، ولا يلحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه من التزين الذي أبيح لهنَّ. ولا يخفى أنَّ النص في الأكل والشرب فقط، وألحق الجمهور بهما الاستعمال مثل آلة الطيب، والتكحل وغيرهما، ولا دليل عليه، وأباح ذلك جماعة لعدم الدليل (٥).

стр. 418

وللعلماء تعاليل في إبانة وجه التحريم، ولا دليل عليها، فقيل: لعينها، أي: لكونهما ذهباً وفضة, وقيل: لكونه قيم الأشياء فاتخاذ الآلات منها يقضي إلى قلتهما بأيدي الناس، فيجحف بهم وينقص [ويجوز] (١) التحلي للنساء بهما، وقيل: السرف، وكسر قلوب الفقراء. وتعقب بجواز الأواني من الجواهر النفسية وعاليها أنفس، وأكثر قيمة من الذهب والفضة. الثالث: حديث جابر: ١٤٥/ ٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلاَ يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنا. أخرجه أبو داود (٢). [حسن].

стр. 419

قوله: "فلا يعيب": أي: رسول الله ﷺ ذلك، أي: الاستمتاع بآنية الكفار، فدلّ على أن رطوبتهم ظاهرة، وهو الأصل إلا أن: الرابع: ١٤٦/ ٤ - وعَن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ﵁ قَالَ: يا رَسُولَ الله! [١٢٧/ ب] إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢)، واللفظ له وصححه. [صحيح]. "وهو حديث أبي ثعلبة": دلّ على أنه لا يباح لهم الأكل فيها، إلا إذا لم يجدوا غيرها، وأنهم يغسلونها، وذلك ليس لنجاسة رطوبتهم، بل قد ورد في الرواية أنهم يشربون فيها الخمر، ويطبخون الخنزير فهو وجه الأمر لغسلهما وتجنبها حيث لا يجدون غيرها، فيغسلونها؛ ليذهب ما يظن من المحرم فيها، وهذا لا بد منه؛ لأنه قد ثبت أكله ﷺ طعام أهل الكتاب (٣) وأكل أصحابه في عهده، ومن بعده فلا يقوم دليلٌ على نجاسة رطوبتهم، ويدلّ له.

стр. 420

الخامس: أثر عن ابن عمر: ١٤٧/ ٥ - وَعَن ابن عُمَر ﵁ قَالَ: تَوَضَّأَ عُمَرُ ﵁ بِالْحَمِيمِ فِي جَرِّ نَصْرَانِيَّةٍ وَمِنْ بَيْتِهَا. أخرجه رزين (١). قلت: وترجم به البخاري (٢)، والله أعلم. قوله: "أخرجه رزين":

стр. 421

كتاب: الأجل والأمل ١٤٨/ ١ - وعَنْ ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ وخَطَّ خَطّأً خَارِجًا مِنْهُ, وَخَطَّ خُطُوطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: "هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ, وَهَذِهِ الْخُطُوط الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ [١٢٨/ ب] هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا" أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح]. إلا أنه أتى بالإنسان بلفظه، ولم يأت به خطاً كما في الحديث الخطوط الصغار متصلة بالأجل، وصورته في الجامع هكذا في الهامش منه [صورة] وفي شروح الحديث صور كثيرة، وهذه التي في الجامع أقرب إلا أنه جعل الأرض متصلة بالإنسان، والحديث دال أنها قريبة منه صيبه هذا تارة وهذا تارة، والمصنف في مثاله الذي صوره جعلها متصلة بالأجل. قوله: "أخرجه البخاري والترمذي": قلت: وقال: حسن صحيح. ١٤٩/ ٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ رسولُ الله ﷺ خَطاً، وَقَالَ: "هَذَا الإنسَانُ، وَخَطّ إِلَى جَانِبِه خَطاً، وقَالَ: هَذَا أَجَلُه, وخَط آخرَ بَعِيْداً مِنه وقَالَ: هَذَا الأَمَلُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ" أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤). [صحيح].

стр. 422

الثاني: عن أنس قال: خط رسول الله ﷺ . هذا الخط ليس فيه إلا الإنسان وأجله وأمله. وقوله: "بينما هو كذلك" أي: الإنسان، أي: بينما هو يؤمل، وورد في رواية بهذا اللفظ البخاري والترمذي. قلت: لفظ الترمذي (١): مختصر ساقه ابن الأثير (٢) بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "هذا ابن آدم، [وهذا] (٣) أجله" ووضع يده عند قفاه، ثم بسطها وقال: وثمة أمله، وثمة أجله". وقال: حسن صحيح، وهذه الأحاديث كلها مخبرة بأن أمل الإنسان أطول من أجله، وأنه ينبغي له أن يقصر أمله ليجتهد في العمل الصالح، ويسابق إلى الخيرات، ويبادر بها أجله. الثالث: عن ابن عمر (٤): ١٥٠/ ٣ - وعَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْكِبِي وَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صحَّتِكَ لمِرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ. أخرجه البخاري (٥) والترمذي (٦). وزاد بعد قوله: "أو عابر سبيل: وعُدّ نفسكَ من أهل القبور. [صحيح].

стр. 423

قوله: "بمنكبي": بفتح الميم وكسر الكاف، فجمع العضد والكتف، وضبط بالإفراد والتثنية. قوله: "أو عابر سبيل": قال الطيبي (١): ليست "أو" للشك بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى: "بل" تشبيه للناسك السالك بالغريب الذي ليس له سكن يأويه، ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى، وأضرب عنه إلى عابر سبيل [١٢٩/ ب] لأن الغريب قد سكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية ومفاوز مهلكة وقطاع الطريق، فإن من شأنه لا يقيم لخطة ولا يسكن لمحة، ومن ثمة عقبه بقوله: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ... " إلى آخره، وبقوله: "عدَّ نفسك من أهل القبور" فإن المراد استمر سايراً، ولا تفتر فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية. قالوا: وفيه إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقالوا: هذا أصل في الحث على الفرار من الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها، والقناعة بالبلغة فيها. وقال النووي (٢): معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق الغريب في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل: هو المار على الطريق طالباً وطنه فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده, فشأنه أن يبادر ويفعل ما أرسل له، وقد استشكل عطف عابر سبيل على غريب.

стр. 424

وأجيب: بأنه من عطف الخاص على العام، وفيه نوع من الترقي لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم. قوله: "وكان ابن عمر يقول ... ". أقول: هو استنباط منه من الحديث كما قال بعض العلماء: كلام ابن عمر منتزع من الحديث المرفوع، وهو يتضمن النهاية في قصر الأمل، وأن العاقل ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وهذا الذي أتى به ابن عمر قد ثبت. أخرجه الحاكم مرفوعاً أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (١). قوله: "وزاد": أي: الترمذي [١٣٠/ ب]. أقول: لفظه في الجامع (٢) بعد سياق ما ساقه "المصنف": هذه رواية البخاري وأخرجه الترمذي [٣٢/ أ] قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي, وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبور" قال مجاهد: قال لي ابن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً. انتهى. أي: هل يقال: شقي أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به فإنه لا يتعين. وقيل: المراد هل يقال: حي أو ميت.

стр. 425

وأما قوله: "من صحتك لسقمك" أي: فإن المرض قد يطرأ فيفوت العمل عليه فيصل المعاد بغير زاد بخلاف إذا اجتهد في صحته في الأعمال الصالحة، فإنه يكتب له ما عمله في صحته في أيام مرضه لحديث: "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً". [الرابع: "عن بريدة "] (١): ١٥١/ ٤ - وعَن بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ وَمَا هَذِهِ - وَرَمَى بِحَصَاتَيْنِ -؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هَذَاكَ الأَمَلُ، وَهَذَا الأَجَلُ" أخرجه الترمذي (٢). [ضعيف]. قوله: "ورمى بحصاتين": كأنه ﷺ أبعد بحصاة، وهي الأمل، وقرب الأخرى، وهي الأجل. وهذه الأحاديث دالة على كثرة تحذيره ﷺ للعباد من الآمال؛ لأن من طال أمله ساء عمله، وأنه كان لا يزال يضرب لهم الأمثال بالأقوال والأفعال حثاً لهم على المسارعة بصالح الأعمال، وقد أشار الله إلى هذا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ (٣). قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: وقال: حسن غريب.
следующие страницы →