قوله: "وأنكر بعضهم".
أقول في الجامع (١): وأنكر ابن وضاح (٢) أن يكون "وعن هبته" من [١٦٤/ ب] كلام النبي ﷺ .
٢٤٢/ ٤ - وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ عبد الله ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُوْل الله ﷺ عنْ بَيْعِ المْاءِ". أخرجه أصحاب السنن (٣). [صحيح].
"أخرجه أصحاب السنن".
قلت: قال إنه روي عن إياس بن عبد غير مضاف إلى اسم الله، وكذلك هو في سنن أبي داود (٤) أيضاً. وترجمه في رابع الجامع (٥)، كذلك وضبطه فقال: عبد - بفتح العين وسكون الموحدة - المزني، ثم قال: حديث إياس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أنهم كرهوا بيع الماء، وهو قول ابن المبارك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقد رخص بعض أهل العلم في بيع الماء ومنهم الحسن البصري. انتهى.
стр. 492
والمراد بيع ما فضل عن كفايته وماشيته (١)، ولذا قال في حديث مسلم (٢): "فضل الماء", أي: ما فل عن حاجة من هو تحت يده بل يجدب عليه بذله.
٢٤٣/ ٥ - ولمسلم (٢) والنسائي (٣) عن جابر ﵁: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيع فَضْلِ المْاءِ" [صحيح].
٢٤٤/ ٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "لا يُبَاعُ فَضْلُ الماءِ لِيُبَاعَ بهِ الكَلأُ". أخرجه الشيخان (٤). [صحيح].
стр. 493
٢٤٥/ ٧ - وفي أخرى للستة إلا النسائي (١): "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الماءِ لِتَمْنَعُوا بهِ الْكَلأ" [صحيح].
قوله: "الكلأ". في الجامع (٢): "أنه العشب. ومعنى الحديث: أن البئر تكون في بادية أو صحراء، ويكون قريباً منها كلأ، فإذا غلب على مائها وارد ومنع من يجيء بعده من الاستسقاء منها، كان بمنعه الماءَ مانعاً له من الكلأ؛ لأنه متى أرعى ماشيته ذلك الكلأ ثم لم يسقها قتلها العطش، فالذي يمنع ماء البئر يمنع به الكلأ القريب منها، وكذلك إذا باع ماء تلك البئر يبيع به الكلأ" انتهى. [٤١/ أ].
٢٤٦/ ٨ - وفي أخرى لمالك (٣) عن عمرة بنت عبد الرحمن: "لا يُمْنعُ نَقْعُ الْبِئْرِ" [وهو مرسل صحيح الإسناد، وصحيح موصولاً].
قوله: "نقع البئر". [١٦٥/ ب] بفتح النون فقاف فعين مهملة. [قال] (٤) ابن الأثير (٥): هو فضل مائها الذي يخرج منها. وقيل له: نقع؛ لأنه ينتقع به. أي: يُرْوَي به.
стр. 494
٢٤٧/ ٩ - وعن رجل من المهاجرين قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُوْلِ الله ﷺ ثَلاَثاً أَسْمَعُهُ يَقُولُ: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكاءُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْمَاءِ، والْكَلإِ، وَالنَّارِ" (١). [صحيح].
قوله: "عن رجل من المهاجرين". زاد أبو داود (١) من أصحاب النبي ﷺ كذلك هو في الجامع (٢)، وكأنه حذفه المصنف اكتفاءً بدلالة قوله: "غزوت مع رسول الله ﷺ ". على كونه صحابياً لا يضر [جهالته] (٣).
قوله: " [الناس (٤)] شركاء في ثلاث: في الماء، والكلإ، والنار".
[قال] (٥) ابن الأثير (٦): أراد الماء ماء السماء، والعيون التي لا مالك لها، وأراد بالكلإ: مراعي الأرضين التي لا يملكها أحدُ، وأراد بالنار: الشجر الذي يحتطبه الناس فينتفعون به.
وقد ذهب قوم إلى أن الماء لا يُملَكُ، ولا يصح بيعه مطلقاً، وذهب آخرون إلى العمل بظاهر الحديث في الثلاثة. والأول الصحيح. انتهى.
٢٤٨/ ١٠ - وَعَن [نُهَيْسَةُ] (٧) الفزارية ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبِي النَّبِيَّ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! حَدِّثْني مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "الْمَاءُ". ثُمَّ قَالَ: مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "الْمِلْحُ". ثم قَالَ: مَاذا؟ قَالَ النَّارُ. ثُمَّ
стр. 495
قَالَ: يَا نَبِيَّ الله! مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ". أخرجهما أبو داود (١). [ضعيف].
قوله: "عن بُهَيسة". بضم الموحدة وفتح الهاء، وبالسين المهملة. الفَزَارية بالفاء، فزاي فراء بعد الألف نسبة إلى فزارة قبيلة. لها صحبة، روت عن أبيها.
قاله ابن الأثير (٢) ولم يذكر اسم أبيها.
وفي التقريب (٣): بهيسة الفزارية, لا تعرف، ويقال لها صحبة.
قوله: "إن تقول الخير خيرٌ لك". بكسر الهمزة, حرف شرط حذف صدر جوابها، أي: فهو خير لك لمَّا رآه حريصاً على السؤال عمَّا لا يحل منعه أتاه ﷺ بجملة عامة لكل خير.
٢٤٩/ ١١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أنَّ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "لاَ تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ المُغَنِّياتِ وَلاَ تَشْتَرُوهُنَّ، وَلاَ تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلاَ خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ. قَالَ: وفِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ " (٤). [حسن].
стр. 496
قوله: "الْقَيْنَاتِ".
أقول: بفتح القاف وسكون المثناة [١٦٦/ ب] التحتية فنون. في النهاية (١): القينة الأمة غنت أم لم تغن، والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء.
٢٥٠/ ١٢ - وعن أبي سعيد ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولَ الله ﷺ عَنْ شِرَاءِ الْغَنَائِم حَتَّى تُقُسَمَ". أخرجهما الترمذي (٢).
قوله: "أخرجهما الترمذي".
قلت: قال في حديث أبي أمامة: حديث أبي أمامة إنما نعرفه من هذا الوجه, وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه وهو شامي. قال البخاري في رجال هذا الحديث: عبيد الله بن زحر: ثقة، وعلي بن يزيد: ثبت الحديث. وقاسم بن عبد الرحمن: ثقة، وهو الراوي عن أبي أمامة. فأفاد كلامه حسن الحديث.
وقال الترمذي في حديث أبي سعيد: إنه حسن غريب.
٢٥١/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتبَايَعُونَ لحمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي تُنْتَجَ، فَنَهَاهُمُ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ. أخرجه الستة (٣). [صحيح].
стр. 497
وفي أخرى للبخاري (١): ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. [صحيح].
قوله: "حبل الحبلة".
أقول: بفتح المهملة والموحدة فيهما. وقد فسرها في الحديث. وإنما اختلفت الروايتان: هل إلى أن تنتج التي في بطنها أو تحمل.
وإنما نهى عنه لما فيه من الغرر.
٢٥٢/ ١٤ - وَعَن ابن عباس ﵄ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: "السَّلَفُ إلى حَبْلِ الْحَبَلة رِباً". أخرجه النسائي (٢). [صحيح].
قوله: "السلف إلى حبل الحبلة ربا". أي: منهي عنه لجهالة وقت قضائه.
٢٥٣/ ١٥ - وعن جابر ﵁ قَالَ: "نَهَى رسُوْلُ الله ﷺ عَنْ ضِرَابِ الْجَمَل". أخرجه مسلم (٣) والنسائي (٤). [صحيح].
قوله: "عن ضِراب الجمل". أي: عن بيعه. يقال: ضرب الفحل الأنثى إذا ركبها للوقاع وعلا عليها.
٢٥٤/ ١٦ - وعن أنس ﵁ قال: بَاعَ حَسَّانُ ﵁ حِصَّتَهُ مِنْ بَيْرُحَاءَ مِنْ صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ ﵁، فَقِيلَ لَهُ: أتَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟ فَقَالَ: أَلاَ أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ. أخرجه البخاري (٥). [صحيح].
стр. 498
قوله: "بَيْرُحَاءَ". اسم أرض كانت لأبي طلحة. وكأنها فيعلى من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة، وكثيراً ما تجيء في كتب الحديث "بيْرُحَاءَ"، بضم الراء والمد، فإن صحت الرواية فإنها تكون فيعلاء من البراح [١٦٧/ ب] قاله ابن الأثير (١).
وتأتي قصة البئر ووقف أبي طلحة لها على قراباته ومنهم أنس، وتمام الحديث في الجامع، وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني حديلة الذي بناه معاوية. قال: فباع حصته منها، واشترى بثمنها حدائق خيراً منها مكانها.
٢٥٥/ ١٧ - وعن ابن المسيب قَالَ: "نَهَى رَسُول الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ بِالَّلحْمِ". أخرجه مالك (٢). [حسن لغيره].
قوله: "عن بيع الحيوان باللحم. أخرجه مالك".
أقول: قال ابن عبد البر (٣) - بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه -: لا أعلم حديث النهي عن بيع الحيوان باللحم يتصل من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد على ما ذكره مالك في موطأه.
стр. 499
قال: وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به، والمراد منه فكأن مالك يقول: معناه تحريم التفاضل في الحيوان الواحد حيوان بلحمه. وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أكثر أو أقل، وبيع الحيوان باللحم لا يجوز متفاضلاً فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده بلحم إذا كانا من جنس واحد. وإذا اختلف الجنسان فلا خلاف عند مالك (١) وأصحابه في جواز بيع الحيوان باللحم كالأنعام بالحيتان والطير.
وقال أحمد (٢): لا يجوز بيع اللحم بالحيوان كقول الشافعي (٣).
وقال أبو حنيفة (٤): لا بأس باللحم بالحيوان من جنسه ومن غير جنسه على كل حال بغير اعتبار.
قلت: وأما أحسن ما قال المزني: إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز، وإن صح بطل القياس واتبع الأثر.
نعم. ذهب الشافعي (٥) إلى العمل بما رواه سعيد وإن كان مرسلاً ومذهبه عدم قبوله إلا مراسيل سعيد بن المسيب [١٦٨/ ب].
стр. 500
فإنه قال: قد اختبرها فوجدها أو أكثرها بسند [صحاحاً] (١)، فكره جميع أنواع [الحيوان] (٢) بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه؛ لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع.
الباب الثالث [٤٢/ أ]: فيما لا يجوز فعله فى البيع
وفيه ستة فصول
الفصل الأول: في الخداع
ذكر فيه ابن الأثير (٣) ثمانية فصول، والمصنف فعلها ستة. وذكر في الفصل الأول ستة أحاديث.
٢٥٦/ ١ - عن ابْنَ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِرَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبة". فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ لاَ خِلاَبَة. أخرجه الستة إلا الترمذي (٤). "الخلابة" الخداع. [صحيح].
قوله: "أن رجلاً". هو حَبَّان (٥)، بفتح الحاء المهملة فموحدة ثقيلة، ابن مُنْقِد: بضم الميم فنون ساكنة فقاف مكسورة.
قوله: "فقيل: لا خلابة". بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام، فسرها المصنف بالخديعة.
стр. 501
و"لا". لنفي الجنس. أي: لا خديعة في الدين، لأن الدين النصيحة (١). زاد في رواية "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك, وإن سخطت فاردد".
فبقي حتى أدرك زمان عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة.
واستدل بالحديث لأحمد وأحد قولي مالك: أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة. وأجيب بأنه إنما جعل ﷺ له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار.
قال العلماء: لقنه ﷺ هذا اللفظ ليتكلم به عند البيع فيطلع صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، فيرى له كما يرى لنفسه لما تقرر من حضَّ المتبايعين على النصيحة كما في حديث حكيم بن حزام: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما (٢) " الحديث. [١٦٩/ ب].
قوله: "إلا الترمذي".
أقول: أي: لم يخرجه من حديث ابن عمر. إلا أنه أخرجه من حديث أنس (٣) بلفظ: "أن رجلاً كان في عقدته ضعف، وكان يبايع [وأن] (٤) أهله أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! احجر عليه, فدعاه نبي الله ﷺ فنهاه, فقال: يا رسول الله! لا أصبر على البيع، فقال: "إذا
стр. 502
بايعت فقال: ها وها ولا خلابة". ثم قال الترمذي (١): وفي الباب عن ابن عمر. حديث أنس حسن صحيح غريب، والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: يحجر على الرجل الحر في البيع والشراء إذا كان ضعيف العقل، وهو قول أحمد وإسحاق. ولم ير بعضهم أن يحجر على الحر البالغ. انتهى.
الثاني:
٢٥٧/ ٢ - وَعَن عبد المَجِيدِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ لِي الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ ﵁: أَلاَ أُقْرئُكَ كِتَابًا كَتبَهُ لِي رَسُولُ الله ﷺ ؟ قُلْتُ بَلَى. فَأَخْرَجَ إِليَّ كِتَابًا هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لاَ دَاءَ وَلاَ غَائِلَةَ وَلاَ خِبْثَةَ، بَيعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمَ".
قال قتادة: "الغائلة" الزنا والسرقة والآباق. أخرجه البخاري تعليقاً والترمذي (٢). [حسن].
قوله: "عبد المجيد بن وهب".
قوله: "العَدَّاءُ". بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة.
و"هَوْذَة". بفتح الهاء، وسكون الواو، وفتح الذال المعجمة. أسلم العداء بعد الفتح، وكان يسكن البادية.
قوله: "لا داء" هو البرص. "ولا غائلة". بالغين المعجمة. "ولا خِبْثة". بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة ثم مثلثة.
الغائلة: الأباق والسرقة والزنا.
стр. 503
والْخِبثَة: الحرام. أراد عبداً رقيقاً لا أنه من قوم لا يحل سبيهم كمن أعطى عهداً أو أماناً أو من هو حر في الأصل.
قوله: "أخرجه البخاري تعليقاً والترمذي".
قلت: وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث وقد روى عنه هذا الحديث غير واحد من أهل الحديث.
الثالث:
٢٥٨/ ٣ - وعن ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِالله لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية. أخرجه البخاري (١). [صحيح].
"وعن ابن أبي أوفى". وهو عبد الله بن أبي وفى (٢)، واسم أبي أوفى علقمة بن قيس الأسلمي، صحابي [١٧٠/ ب]
قوله: "ليوقع فيها رجلاً من المسلمين". بحلفه الكاذب، فكأن حلفه خداعاً للمشتري وكذب بيمين فاجرة، فلذا أنزل الله فيها ما أنزل من الوعيد.
الرابع:
٢٥٩/ ٤ - وعن عَمْرٌو بِنْ دِينَار قَالَ: كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَه, فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ. قَالَ مِمَّنْ؟ قَالَ مِنْ شَيْخٍ، كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ وَالله ابْنُ عُمَرَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ
стр. 504
شَرِيكِى بَاعَكَ إِبِلاً هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ فَاسْتَقْهَا، قَالَ: فَلَمّا ذهَبَ لِيَسْتَاقُهَا قَالَ دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ الله ﷺ لاَ عَدْوَى. أخرجه البخاري (١). [صحيح].
"والهيام" داءٌ يأخذ الإبل فتعطش فتهلك منه.
"عمرو بن دينار". أقول: هو أبو محمد عمرو بن دينار المكي الأثرم مولى ابن باذان، من كبار التابعين المكيين وفقائهم سمع جماعة من الصحابة، وفاته سنة ست وعشرين ومائة.
قوله: "اسمه نَوَّاس". بفتح النون وتشديد الواو فسين مهملة. قال ابن الأثير (٢): هكذا جاء غير منسوب.
قوله: "هيم". الهيم بكسر الهاء فمثناة تحتية العطاش. والهُيام: بضم الهاء وتخفيف المثناة التحتية. يأتي أنه داء يأخذ الإبل فتعطش وتهلك منه.
قوله: "فاستقها". أمرٌ بالسَوْق.
قوله: "لا عدوى". العدوى فعلى من عداه يعدوه إذا تجاوزه إلى غيره والمراد به ما يعدي كالجرب وغيره.
٢٦٠/ ٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ فِي السُّوقِ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً. فَقَالَ: "مَا هَذَا [يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ] ". فقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، قَالَ: "أفلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنِّا". أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وهذا لفظ مسلم. [صحيح].
стр. 505
٢٦١/ ٦ - وفي رواية أبي داود (١) والترمذي (٢): فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ". [صحيح].
قوله: "أصابته السماء". أي: المطر سماه باسم مكانه كما سماه الشاعر في قوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
قوله في حديث أبي هريرة: "وفي رواية أبي داود والترمذي".
أقول: هكذا نسخ التيسير وليس في الجامع ذكر الترمذي بل أسنده إلى أبي داود خاصة [١٧١/ ب] وراجعت الترمذي فلم أجد فيه إلا اللفظ الأول.
٢٦٢/ ٧ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: "لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلاَّ أَخْبَرَهُ". أخرجه البخاري في ترجمة باب (٣). [صحيح].
قوله في حديث عقبة بن عامر: "أخرجه البخاري". عن عقبة موقوفاً.
[الفصل الثاني: في التصرية (٤)]
٢٦٣/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لاَ تُصَرُّ وَيُرْوَى لاَ تُصَرُّوا الإبِلِ والْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَن يَحْلُبْها إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ".
стр. 506
أخرجه الستة (١). [صحيح].
٢٦٤/ ٢ - وفي أخرى للبخاري (٢): "فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ".
٢٦٥/ ٣ - وفي أخرى لمسلم (٣): فهو فيها بالخيار ثلاثة أيامٍ، وله: إن رد معها صاعاً من طعام لا سمراء.
وله (٤) في أخرى: مِنْ تَمْرٍ لا سَمْراءَ.
ولهما (٥): ولا تُصرُّ الإبلُ والغنمُ.
٢٦٦/ ٤ - وللنسائي ﵀: "مَنِ ابْتَاع مُحَفَّلَةً أو مُصَرَّاةً".
قوله: "لا تُصَروا".
أقول: بضم أوله وفتح ثانية بوزن تزكوا، يقال: صرى يصري تصرية، كزكى يزكي تزكية.
"الإبل والغنم". قال الأزهري: ذكر الشافعي (٦) المصراة وفسرها أنها التي تصر أخلافها، ولا تحلب أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها.
стр. 507
وقال أبو عبيد (١): هي الناقة، أو الشاة، أو البقرة، يصرى اللبن في ضرعها، أي: يحبس ويجمع، فإن كان من الأول أي الصر كان بفتح الياء، وضم الصاد، وإن كان من الثاني: فهو بضم الياء، وفتح الصاد. وإنما نهى عن ذلك؛ لأنه خداع.
قوله: "بخير النظرين". هو إمساك المبيع أو رده أيهما كان خيراً له فعله كما فسره الحديث نفسه، وأنه إذا شاء الردَّ رَدَّ معه صاعاً [٤٣/ أ] من تمر وبين في الرواية الأخرى أن هذا الصاع عوض حلبتها وبن عدة الخيار في رواية مسلم (٢) أنها ثلاثة أيام وأن الصاع من طعام لا سمراء فرواية الطعام تحمل على التمر كما في صريح البخاري (٣) أن التمر أكثر.
قال في الفتح (٤): أي: أكثر عدداً في الروايات الناصة عليه من التي لم تنص عليه.
قلت: وهو إشارة إلى ترجيح رواية التمر.
٢٦٧/ ٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها معها مثل أو مثلى لبنها قمحاً". أخرجه أبو داود (٥).
قوله: "محفلة". بضم الميم فحاء مهملة [١٧٢/ ب] ففاء مشددة. هي: المصراة من الإبل والبقر فكلمة (أو) للشك.
قوله: "مثل أو مثلي لبنها قمحاً".
стр. 508
أقول: قال الحافظ ابن حجر (١): إن في إسناده ضعفاً، وقد قال ابن قدامة: إنه متروك. الظاهر بالاتفاق. انتهى.
قلت: وقال الخطابي (٢): ليس إسناده بذلك. قال المنذري (٣): والأمر كما قال فإن جميع بن عمير قال ابن نمير: هو من أكذب الناس، وقال ابن حبان (٤): كان رافضياً يضع. انتهى.
وفي الميزان (٥) - بعد سياقه لما ذكر - قلت: له في السنن ثلاثة أحاديث، وحسن الترمذي له، وقال أبو حاتم (٦): كوفي صالح الحديث في عتق السبعة. انتهى.
قلت: وهذا الحديث رواه أبو داود وسكت عنه وهو كما ترى، والقاعدة المشهورة أن ما سكت عنه فهو حسن صالح ليست بمطردة (٧).
стр. 509
الفصل الثالث: في النَجْش
أقول: بفتح النون وسكون الجيم، ويأتي تفسيره في الكتاب. وفي النهاية (١): الأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان وفسره بأنه أن يمدح السلعة ليبيعها ويروجها، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها لنفع غيره.
٢٦٨/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَنَاجَشُوا". أخرجه الخمسة إلا النسائي (٢). [صحيح].
وقوله: "لا تَنَاجَشُوا". تفاعل من النجش، والمراد لا يناجش زيد لعمر ولا يناجش له.
٢٦٩/ ٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النجش". أخرجه الثلاثة (٣) والنسائي (٤).
وزاد مالك (٥) قال: "والنجش" أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعتِهِ أكثر منها، وليس في نَفسِكَ اشتراؤُها فيَقتدِي بكَ غيرُكَ.
قوله: "وزاد مالك". هذا هو أحد تفسيريها في النهاية، ويأتي التصريح بعليته.
الثالث:
٢٧٠/ ٣ - وعن ابْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: النَّاجِشُ آكِلُ الرِّبًا خَائِنٌ، وَهْوَ خِداعٌ بَاطِلٌ لاَ يَحِلُّ.
стр. 510
أخرجه البخاري موقوفاً معلقاً (١).
حديث ابن أبي أوفى وهو عبد الله بن أبي أوفى صحابي، وهو هنا موقوف عليه، وقد أخرجه الطبراني (٢) عن ابن أبي أوفى من وجه آخر مرفوعاً لكن قال: "ملعون" بدل خائن. انتهى.
وهذا في بعض صور النجش واضح بأنه آكل ربا، وذلك بأن واطأه البائع على ذلك، وجعل له عليه جعلاً فيشتركان جميعاً في الخيانة.
أما إذا وقع بغير مواطأة البائع فيختص بالناجش وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما شراها [١٧٣/ ب] به ليغر غيره بذلك.
قال ابن بطال (٣): أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، فنقل ابن المنذر (٤) عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع وهو قول الظاهرية (٥)، ورواية عن مالك (٦) وهو المشهور عند الحنابلة.
стр. 511
قوله: "وهو خداع باطل لا يحل".
أقول: هكذا ساقه ابن الأثير كسياق المصنف وهو ظاهر أنه من كلام ابن أبي أوفى، وقال الحافظ في الفتح (١): أنه من تتمة المصنف - أي: البخاري - وليس من تتمة كلام ابن أبي أوفى.
قوله: "ذكره البخاري تعليقاً". أي: ذكر كلام ابن أبي أوفى معلقاً له مسقطاً منه [أول] (٢) الراوي من أوله فإنه قال البخاري (٣): باب النجش، ومن قال إنه لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبي أوفى ... وساقه. فهو قد حذف السند جميعه لا أوله فقط.
الفصل الرابع: في [الشرط (٤)] والاستثناء
٢٧١/ ١ - عن ابن مسعود ﵁: أَنَّه اشْتَرَى جَارِيَةً مِنِ امْرَأَتِهِ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتَهَا بِهِ، فَاسْتَفْتَى فِي ذَلِكَ عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: لاَ تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لأَحَدٍ. أخرجه مالك (٥). [موقوف ضعيف].
الحديث الأول:
قوله: "فقال عمر: لا تقربها وفيها شرط".
стр. 512
قال أبو عمر ابن عبد البر: أما ظاهر قول عمر "لا تقربها"، أنه أمضى شراءه لها ونهاه عن مسيسها، هذا هو الأظهر فيه. ويحتمل قوله "لا تقربها" أي: تنح عنها وافسخ في البيع فيها فهو بيع فاسد. قال: وحجة من قال إنه بيع فاسد أن البائع لم تطب نفسه بالبيع إلا بأن يلتزم المشتري شرطه، وعلى ذلك ملكه ما كان يملكه ولم يرض بإخراج السلعة من يده إلا بذلك، فإذا لم يسلم له شرطه لم يملك عليه ما ابتاعه بطيب نفس، فوجب فسخ البيع بينهما لفساد الشرط الذي يمنع به المبتاع من التصرف فيما ابتاعه تصرف ذي الملك في ملكه.
وحجة من رأى الشرط والبيع جائز [١٧٤/ ب] من حديث جابر في أنه ﷺ شرى بعيره وشرط له ظهره إلى المدينة وسيأتي.
٢٧٢/ ٢ - وعن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده عبد الله ﵁ قال: "نَهَى رَسُول الله ﷺ عَنْ بَيْع الْعُرْبَانِ". أخرجه مالك (١) وأبو داود (٢). [حسن لغيره].
وقال مالك: وذلك فيما نرى والله أعلم أن يشترى الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول الذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك ديناراً أو درهماً، أو أكثر من ذلك، أو
стр. 513
أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت الدابة فالذي أعطيك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيك باطل بغير شيء.
الثاني: حديث عمرو بن شعيب.
قوله: "عن بيع العربان".
أقول: بضم المهملة وسكون الراء فموحدة بعد ألفه نون، ويقال: عربون وعربون بفتح المهملة وفتح الموحدة. [٤٤/ أ].
قوله: "أو يتكارى الدابة" أدخله في البيع؛ لأن الكراء بيع منفعة.
قوله: "باطل بغير شيء". أي: أنه باطل على أجرة وقد صار لك بغير شيء.
قال ابن عبد البر (١): إن تفسير العربون بما ذكره مالك هو قول فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين. قال: وإنما نهى عنه؛ لأنه من بيع الغرور والمخاطرة، وأكل المال بالباطل، وبيع العربان بكل حال مفسوخ، ويرد على كل حال ما أخذ عرباناً في الشراء والكراء. وأما لو أنه شرى من رجل ثوباً وأعطاه من قيمته درهماً فإن رضيه أخذه وإن سخطه رده وأخذ الدرهم فأجازه مالك (٢).
стр. 514
قوله: "أخرجه الموطأ وأبو داود".
أقول: قال المنذري (١): وأخرجه ابن ماجه (٢) وهذا منقطع. انتهى.
قلت: لأن لفظه في سنن أبي داود (٣): حدثنا عبد الله بن [مسلمة] (٤) قال: قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه عن عمرو بن شعيب الحديث.
قلت: ولفظه في الموطأ (٥): مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب ... الحديث.
قال ابن عبد البر (٦): هكذا قال ذلك جماعة من رواة الموطأ. وأما القعنبي وآخرون [١٧٥/ ب] معه قد عدهم ابن عبد البر فقالوا فيه: عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب. قال: وقد تكلم الناس في الثقة عند مالك في هذا الموضع قال: وأشبه ما قيل فيه أنه ابن لهيعة؛ لأن هذا الحديث أكثر ما يعرف عند ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره.
стр. 515
قلت: وابن لهيعة لهم فيه كلام معروف يضعفونه في الرواية.
قال: وقد رواه حبيب (١) كاتب مالك عن عبد الله بن عامر السلمي عن عمرو بن شعيب بإسناده، ولكن حبيب متروك ما يستقل بحديثه ويقولون: إنه كذاب فيما يحدث فيه. انتهى.
قلت: وعبد الله بن عامر الأسلمي قال المنذري (٢): لا يحتج به.
٢٧٣/ ٣ - وَعَنْ عبد الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الأَفْرَاقُ بِأَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَثْنَى بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ (٣). [مقطوع ضعيف].
قوله: "إن جده محمد بن عمرو". أي: ابن حزم.
هذه مسألة فيها خلاف؛ فذهب مالك إلى جواز البيع لثمر حائط فيستثنى مالكه ما بينه وبين ثلث الثمرة لا يجاوز ذلك.
قال ابن عبد البر (٤): أما فقهاء الأمصار الذين دارت عليهم الفتيا وألفت الكتب على مذاهبهم فكلهم يقول: إن ذلك لا يجوز بيعه واستثناء شيء منه معلوم قل أو كثر، بل البيع في
стр. 516
ذلك باطل، ولو استثنى مداً واحداً؛ لأن ما بعد ذلك المد ونحوه مجهول، وقال مالك: إنه لا يرى بذلك بأساً إذا لم يجاوز الثلث؛ لأن رب الحائط إنما استثنى شيئاً من ثمر حائطه نفسه، وإنما ذلك شيء احتبسه [١٧٦/ ب] من حائطه وأمسكه ولم يبعه وباع من حائطه ما سوى ذلك. انتهى.
قلت: ولم يستدل لتحديده لما دون الثلث، ولا يخفى أن فعل محمد بن عمرو بن حزم ليس بحجة ولكنه يقال: الأصل جواز هذا البيع؛ لأنه تجارة عن تراضٍ فالدليل على المانع.
وأما حديث "نهى عن استثناء" فقد فسر بأن يستثني البائع شيئاً غير معلوم.
٢٧٤/ ٤ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، أخرجهما مَالِكٌ (١).
قَالَ: وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ آخُذُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
الخامس:
٢٧٥/ ٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فتلاَحَقَ بِي رَسُولِ الله ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ لَنَا قَدْ أَعْيَا، قال: فتَخَلّفَ رَسُولِ الله ﷺ فزجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بيْنَ يَدَىِ الإِبِلِ. فَقَالَ لِي: "كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ ". فَقُلْتُ بِخيرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ "أفَتَبِيعُنِيهِ". قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرَهُ. قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فتقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخبرْتُهُ بِمَا
стр. 517
صَنَعْتُ فِيهِ فَلاَمَنِي، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: "هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا". قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: "هَلاَّ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله تُوُفِّىَ وَالِدِي وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلاَ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فتزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَىَّ. أخرجه الخمسة (١). [صحيح].
وفي أخرى (٢) قال: "بِعْنِيهِ بِأوْقِيَّةٍ". قُلْتُ لاَ. قَالَ "بِعْنيِهِ بِأوْقِيَّةٍ". فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهلي، فَلَمّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي فَقَالَ: "مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ, فَخُذْ جَمَلَكَ فَهُوَ لَكَ". [صحيح].
وفي أخرى (٣): أفْقَرَني رَسُوْل الله ﷺ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِيْنة.
وفي أخرى (٣): لك ظهره إلى المدينة.
وفي أخرى (٣): فشرط ظهره إلى المدينة. قال البخاري: الاشتراط أكثر وأصحُّ.
وفي أخرى (٣): بأربعة دنانير، وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة.
وفي أخرى (٣): أوقية ذهب.
وأخرى (٣): مائتي درهم.
وأخرى (٣): بأربع أواقي.
وأخرى (٣): بعشرين ديناراً.
"أَعْطُوهَا جَابِرًا". ثُمَّ قَالَ "اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ". فقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ "الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَك". [صحيح].
قوله: "على ناضح". الناضح: الجمل يستقى عليه الماء ليسقي عليه النخل والزرع وغيره.
واعلم أن لحديث جابر عدة ألفاظ مختلفة قد تقصاها ابن الأثير (١) وأتى المصنف ببعض وداخل ألفاظ الروايات.
قال ابن الأثير (٢) بعد سياقه الحديث: "وهذا متفق عليه بين البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، علمنا عليه علاماتهم الأربع وإن لم يكن جميع الحديث متفقاً عليه".
قوله: "فَقَار ظهره". الفقار بتقديم الفاء على القاف آخره راء، خَرَزُ الظَّهْر، يقال: أفقرتك ناقتي أعرتك فقارها لتركبها (٣).
هذا اللفظ هو المراد من الحديث هنا بيع شرط.
قوله: "عروس". العروس: اسم يقع على الرجل وعلى المرأة، إذا دخل أحدهما [١٧٧/ ب] بالآخر يقال: رجل عروس، وامرأة عروس (٣).
قوله: "خالي".
أقول: اسمه جد، بفتح الجيم وتشديد الدال، ابن قيس.
قوله: "وفي أخرى أفقرني ظهره إلى المدينة".
стр. 520
قلت: ساق ابن الأثير (١) أربعه ألفاظ هنا للبخاري رابعها: "فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة".
وقوله: "حُملانه"، بضم المهملة، الحمل والمنقول محذوف، أي: استثنيت حمله إياي.
قوله: "قال البخاري: الاشتراط أكثر وأصحُّ". زاد ابن الأثير (٢): "عندي". وهي لفظ البخاري فما كان يحسن من المصنف حذفها؛ لأنه بقي كلام البخاري إخباراً أنه كذلك عند كل أحد.
قال ابن حجر (٣): أي: أكثر طرقاً وأصح مخرجاً، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة هل وقع الشرط في العقد عند البيع أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي ﷺ بعد شراءه على طريق العارية.
قال (٤) [٤٥/ أ]: والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عدداً من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح، ويترجح أيضاً بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فيكون حجة, وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره؛ لأن قوله: "لك ظهره" [١٧٨/ ب] و"أفقرناك ظهره" و"تبلغ عليه" لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك.
ثم قال الحافظ (٥): وما ذكره المصنف - أي: البخاري - من ترجيح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن إذا وقع
стр. 521
فيه الاختلاف إلا إذا تكافأت الروايات وهو شرط الاضطراب الذي يرد به الخبر وهو مفقود هنا مع إمكان الترجيح.
ثم نقل عن (١) الإسماعيلي أنه قال: قوله: "ولك ظهره"، وعد قائم مقام الشرط؛ لأن وعده ﷺ لا خلف فيه وهبته لا رجوع فيها لتنزيه الله له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حق غيره ﷺ .
وحاصله أن الشطر لم يقع في نفس العقد، وإنما وقع سابقاً أو لاحقاً، فتبرع بمنفعته أولاً كما تبرع برقبته آخراً. قال الحافظ (٢): إن هذا عنده أقوى الوجوه في نظري.
قوله: "وأخرى بعشرين ديناراً".
أقول: عد خمس روايات في قدر الثمن، ومثله في الجامع (٣) وزاد: قال البخاري: أقول: الذي بأوقية أكثر. انتهى.
وهذا هو لفظ البخاري في صحيحه إشارة إلى ترجيح رواية الأوقية، وما كان [١٧٩/ ب] يحسن من المصنف حذفها وهي في الجامع (٤).
وقال القرطبي: اختلفوا في ثمن الجمل اختلافاً لا يقبل التلفيق وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق وهو مبني على أمر لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما يحصل من مجموع الروايات أنه باعه البعير بثمن معلوم بينهما وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك (٥).
стр. 522
قال الإسماعيلي (١): ليس اختلافهم في قدر الثمن بضائر؛ لأن الغرض الذي سيق الحديث لأجله بيان كرمه ﷺ وتواضعه وحنوه على أصحابه، وبركة دعائه، وغير ذلك, ولا يلزم من وهم بعضهم في قدر الثمن توهين لأصل الحديث. انتهى.
قال الحافظ (٢) - بعد نقله - قلت: وما جنح إليه البخاري من الترجيح [أقعد] (٣)، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد فليعتمد ذلك، وبالله التوفيق. انتهى.
قوله: "فالكَيْس الكَيْس" (٤). بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية فسين مهملة الجماع والعقل فكأنه جعل طلب الولد عقله.
قوله: "تمتشط [١٨٠/ ب] الشعثة" (٤). الامتشاط تسريح الشعر، يعني: حتى تصلح من شأنها، بحيث إذا قدم بعلها وجدها متجملة حسنة الحال.
"الشعثة" (٤). المرأة البعيدة العهد بالغسل والتسريح.
قوله: "وتستحد" (٤) بالمهملات من الحديد وهو أخذ بالموسى وغيرها، وهذا أيضاً كالأول.
و"المغيبة" (٤) بضم الميم [فغين] (٥) معجمة، التي غاب عنها زوجها.
قوله: "قد أخذته فتبلغ عليه إلى المدينة". هذا من أدلة أنه أعاره ﷺ بعد تمام العقد وملكه ﷺ للحمل.
стр. 523
قوله: "قالها ثلاثاً".
أقول: وللنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: "استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمساً وعشرين مرة".
قوله: "البلاط" (١).
أقول: بفتح الموحدة، ما تفرش به الأرض من حجارة أو غيرها، ثم سمى المكان بلاطاً على المجاز، وهو مكان معروف بالمدينة، وهو بقرب مسجد رسول الله ﷺ .
السادس: حديث بريرة:
٢٧٦/ ٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءتْها لتَسْتَعِينَ فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِىَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا، وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلاَؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فقَالَ لَهَا: "ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: "مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كتَابِ الله تَعَالى! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطُ، شَرْطُ الله تَعَالى أَحَقُّ وَأَوْثَقُ". أخرجه الستة (٢). [صحيح].
وفي أخرى (٣) قال: "اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا"، فَاشْتَرَتْهَا وَأَعْتَقْتُهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلاَءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ". [صحيح].
стр. 524
قال النووي (١): هذا حديث عظيم كثير الأحكام والقواعد، وفيه مواضع تشعبت فيها مذاهب:
(أحدها): أنها كانت مكاتبة وباعها مواليها واشترتها عائشة, وأقر النبي ﷺ بيعها، فيدل على جواز بيع المكاتب وهو رأي جماعة من التابعين (٢)، وأحمد (٣)، ومالك (٤). وقال قوم منهم الشافعي (٥): لا يجوز بيعه وحملوا هذه القصة على أنها عجزت نفسها وفسخت الكتابة.
(الثاني): قوله ﷺ [١٨١/ ب]: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق". وهذا مشكل من حيث أنها اشترتها واشترطت لهم الولاء، وهذا الشرط يفسد البيع، ومن حيث أنها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصح ولا يحصل لهم فكيف أذن ﷺ [٤٦/ أ] لعائشة في هذا؟! ولهذا أنكر بعض العلماء هذا الحديث بجملته وهذا يروى عن يحيى بن أكثم (٦)، واستدل بسقوط هذه اللفظة في كثير من الروايات.
стр. 525
وقال كثير من العلماء: هذه اللفظة صحيحة. واختلفوا في تأويلها [وذكروا] (١) وجوهاً فيها. ثم قال: [والأصح] (٢) في تأويل الحديث ما قاله أصحابنا في كتب الفقه: إن هذا الشرط خاص في قصة عائشة واحتمل هذا الإذن وإبطاله في هذه القصة خاصة وهي قضية عين لا عموم لها.
قالوا: والحكمة في إذنه فيه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك وزجرهم عن مثله. قال: وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة. انتهى.
وتعقب ابن دقيق العيد (٣) بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل ولأن الشافعي نص على خلاف هذه القاعدة.
قوله: "ليس في كتاب الله". يحتمل أن يراد بكتاب الله حكم الله ويراد بذلك في كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإن الشريعة كلها في كتاب الله بغير واسطة كالنصوصات في القرآن عن الأحكام، وأما بواسطة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥).
وقوله: [١٨٢/ ب] "وشرط الله". أي: قضاؤه وحكمه "أحق وأوثق" أي: بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع.
قوله: "الولاء لمن أعتق ولو اشترطوا مائة شرط".
стр. 526
أقول: قال النووي (١): قال العلماء: الشرط فى المبيع أقسام:
(أحدها): شرط يقتضيه إطلاق العقد بأن شرط تسليمه للمشتري أو تبقية الثمرة على الشجر أوان الجذاذ أو الرد بالعيب.
(الثاني): شرط فيه مصلحة، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن والضمين والخيار، وتأجيل الثمن ونحو ذلك. وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد بلا خلاف.
(الثالث): اشترط العتق في العبد المبيع أو الأمة وهو جائز أيضاً عند الجمهور لحديث عائشة، وترغيباً في العتق لقوته وسرايته.
(الرابع): ما سوى ذلك من الشروط كشرط استثناء منفعة أو شرط أن يبيعه شيئاً آخراً، ويكريه داره، ونحو ذلك، فهذا شرط باطل فبطل العقد هكذا قاله الجمهور. وقال أحمد: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان. انتهى.
الفصل الخامس: الأول: في الملامسة والمنابذة
٢٧٧/ ١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَالْمُلاَمَسَةُ: لمُسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدهِ بِاللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ لاَ يُقَلِّبُهُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبِهِ، وينْبِذَ الآخَرُ بِثَوْبَهُ وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلاَ تَرَاضٍ، وَاللِّبْسَتَيْنِ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ: وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الأُخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهْوَ جَالِسٌ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. أخرجه الخمسة إلا الترمذي (٢). [صحيح].
стр. 527
وفي أخرى للنسائي (١): وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ إِذَا نبَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ إِلَيْكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ، وَالْمُلاَمَسَةُ أَنْ يَمَسَّهُ بِيَده وَلاَ يَنْشُرهُ وَلاَ يُقَلِّبَهُ إِذَا مَسَّ وَجَبَ الْبَيْعُ. [صحيح].
وعنده (٢) عن ابن عمر: وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية. [صحيح لغيره].
قوله: "لا يُقَلِّبه". زاد ابن الأثير (٣): ولا ينظر إليه ثم يقع البيع عليه، وهذا هو بيع الغرر والمجهول.
قوله: "وينبذ الآخر ثوبه"، عبارة الجامع (٤): "أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا نبذت إلي الثوب أو نبذته إليك فقد وجب البيع".
وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب [١٨٣/ ب] البيع. انتهى.
وظاهر كلام المصنف أن كل واحد ينبذ ثوبه، وهو أحد التفاسير في الجامع، ثم قال: قال الفقهاء: وهو باطل؛ لأنه تعليق وعدول عن الصيغة الشرعية.
الفصل السادس: في بيع الغرر وغيره
أي: في النهي عنه وهي عبارة الجامع.
قوله: "وغيره". هو المضطر والحصاة كما فيه.
الأول: عن أبي هريرة:
٢٧٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُوْلُ الله ﷺ عَن بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ".
стр. 528
أخرجه الخمسةُ (١). [صحيح].
قوله: "عن بيع الغرر".
أقول: الغرر ماله ظاهر يؤثره، وباطن يكرهه, فظاهره يغر المشتري، وباطنه مجهول.
وقال النووي (٢): هو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع يدخل فيه مسائل كثيرة غير محصورة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه وما لا يتم ملك البائع عينه، وعد نظائر لهذا كثيرة، فكل هذا بيع باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر بيعاً كما يجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه، ولا يمكن رؤيته، وكذا القول في الحمل واللبن، وكذا أجمع العلماء على بيع أشياء فيها غرر حقير منها، الإجماع على صحة بيع الحبة المحشوة ولم ير حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز.
وأجمعوا: على دخول [١٨٤/ ب] الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء. وعلى جواز الشرب من السقي بالعوض مع جهالة قدر المشروب.
قال أصحابنا: والبطلان سبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز منه إلا بمشقة أو كان الغرر حقيراً جاز البيع وإلا فلا.
واعلم أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وحبل الحبلة، وبيع الحصاه, وعسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، ونهى عنها لكونها من معاملات الجاهلية المشهورة. انتهى. [٤٧/ أ].
стр. 529
قوله: "وعن بيع الحصاة (١) ".
أقول: اختلف في تفسيره, فقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة، ويرمي حصاة؛ أو من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي.
وقيل: هو أن يشترط الخيار إلى أن يرمي الحصاة.
وقيل: أن يجعلا نفس المرمي بيعاً.
قوله: "إلا البخاري" أي: فإنه لم يخرجه وقد بوب لبيع (٢) الغرر لكنه قال الحافظ (٣): ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحاً، وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد (٤) وساق بسنده إلى ابن عمر أنه ﷺ نهى عن بيع الغرر.
٢٧٩/ ٢ - وَفِي أُخْرَى لَأبي دَاوُدَ (٥) عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ المُوسِرُ فيهِ على مَا فِي يَدِه، وَيُبَايعُ المُضْطَرُّون وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِذلكَ.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْ وَبَيْعِ الْغَرَرِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ. [ضعيف].
قوله: "عن علي".
أقول: فيه راوٍ مجهول فإنه ساقه أبو داود عن شيخ من تميم قال خطبنا علي ابن أبي طالب [١٨٥/ ب]، أو قال: قال علي.
стр. 530
قولى: "عضوض"، بالعين المهملة وضادين معجمة، قال ابن الأثير (١) هو الكلب، ومنه: مِلْكٌ عَضُوضٌ، إذا كان فيه عَسَفٌ وظُلْمٌ.
قوله: "بيع المضطر (٢) "، هو على وجهين:
(الأول): أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه وهذا فاسد.
(و الثاني): أن يضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤنة ترهقه فيبيع ما في يده بالوَكْسِ، وهذا سبيله من جهة المروة والدين أن لا يبايع على هذا الوجه, ويعان ويُقْرَض، ويمهل عليه إلى المَيْسرة، فإن عقد البيع على هذا الحال جاز ولم يُفْسخ.
الحديث الثاني: عن جابر:
٢٨٠/ ٣ - وَعْن جَابِر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "لاَ يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ, ودَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ". أخرجه الخمسة إلا البخاري (٣). [صحيح].
أقول: هذا عقد له ابن الأثير فصلاً (٤) فقال في النهي عن بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان.
قال النووي (٥): هذه الأحاديث.- أي: حديث جابر وغيره مما في معناه - تضمن تحريم بيع الحاضر للبادي.