← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وكذا حمله أبو حنيفة (١) والشافعي (٢)، وهو الصحيح. انتهى. قلت: ويستأنس للتقييد بالطعام ما أخرجه ابن عبد البر (٣) من حديث أبي أمامة "رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام". الثاني: ٣٥٢/ ٢ - وَعَنْ مَالِكٍ (٤) قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَقُول: لاَ حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا، لاَ يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ الله تَعَالَى يَنْزِلُ بِسَاحَتِنَا فَيَحْتكِرُونَهُ. وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ فَلْيَبعْ كَيْفَ شَاءَ الله تَعَالَى، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ الله. [موقوف ضعيف]. قوله: "عمود كبده" ظهره، وذلك أنه يأتي على تعب وإن لم يكن جاء به على ظهره، وإنما هو مثل وإنما سمي الظهر عموداً؛ لأنه يعمدها. أي: يقيمها ويحفظها. ٣٥٣/ ٣ - وعن مالك (٥) أنه بلغه أيضاً: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَكْرةِ. [موقوف ضعيف]. الرابع: ٣٥٤/ ٤ - وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ فَقَالَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تُرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا.

стр. 597

أخرجه مالك (١). [موقوف صحيح]. قوله: "إما أن تزيد في السعر". أقول: كان حاطباً باع زبيبه برخص عما يبيعه الناس لينفقه ويعطل الناس الذين عندهم زبيب، فنهاه عمر عن ذلك، وأمره أن يبيع بسعر السوق؛ لأن في بيعه برخص إضراراً بغيره. قال مالك (٢): لا يسعر على أهل الأسواق فإن ذلك ظلم ولكن إذا كان في السوق عشرة أصوع فحط هذا صاعاً أمره أن يخرج [٢٢١/ ب] من السوق. هذا وقد أخرج ابن عبد البر (٣): زيادة في قصة عمر مع حاطب فقال: إن عمر حاسب نفسه فرجع إلى حاطب فقال له: إنما أخبرت أن عيراً مقبلة من الطائف بزبيب، فأحببت أن تعتبر بسعرك فبع كيف شئت. وأخرج أيضاً (٤): أن عمر مر بحاطب وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فذكر نحو حديث مالك، فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً [٥٨/ أ] في داره، فقال له عمر: إن الذي قلت لك ليس بعزيمةٍ مني ولا قضاءٍ، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع. انتهى.

стр. 598

٣٥٥/ ٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله سَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ: "بَلْ ادْعُو"، ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ: "بَلِ الله تعالى يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ". أخرجه أبو داود (١). [صحيح]. ٣٥٦/ ٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّاسُ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! غَلاَ السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ: "إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وإنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وصححه. ٣٥٧/ ٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنِ احْتكَرَ طَعَاماً أَرْبَعيِنَ يَوْماً يُرِيْدُ بهِ الْغَلَاءَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الله تَعَالَى وَبَرِئَ الله تَعَالَى مِنْهُ" (٤). [منكر]. قوله: "من احتكر طعاماً أربعين يوماً ... " الحديث.

стр. 599

قال ابن الأثير (١): ذكره رزين، ولم أجده. قلت: رواه أحمد (٢)، وأبو يعلى (٣)، والبزار (٤)، والحاكم (٥) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٦) وزاد فيه: وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرء جائع فقد برئت منه ذمة الله تعالى. ثم قال: وفي هذا المتن غرابة، وبعض أسانيده جيدة وقد ذكر رزين شطره الأول، ولم أره في شيء من الأصول التي جمعها. ٣٥٨/ ٨ - وعن معاذ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "بِئْسَ الْعبد المُحتكِرُ إِنْ أَرْخَصَ الله تَعَالَى الْأَسْعارَ حَزِنَ، وَإِنْ أَغَلَاهَا فَرحَ" (٧). [منكر]. قوله: "وعن معاذ". أقول: هو قال ابن الأثير (٨): ذكره رزين ولم نجده.

стр. 600

ومثله قال المنذري في [٢٢٢/ ب] الترغيب (١) والترهيب وقال: إنما رواه الطبراني وغيره بإسنادٍ واهٍ. ٣٥٩/ ٩ - وعن أبي أمامة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَهْلُ المَدَائِنِ هُم الحُبسَاءُ فِي سَبِيْلِ الله تَعَالَى فَلَا تَحْتكِرُوا عَلَيْهمُ الْأَقواتَ، ولَا تَغْلُوا عَلَيْهمُ الأَسْعارَ، فإِنَّ مَن احْتكَرَ عَلَيْهم طَعَامَاً أَرْبَعيْنَ يَومَاً ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ لَم يَكُنْ لَهُ كَفَّارةً (٢). [منكر]. قوله: "وعن أبي أمامة". قال ابن الأثير (٣) كما قال في الذي قبله، وقال المنذري مثله (٤)، ولم ينسبه لأحد. ٣٦٠/ ١٠ - وعن أبي هريرة ومعقل بن يسار ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الحاكرون وقتلة الأنفس في درجة, ومن دخل في شيء من سعر المسلمين يغليه عليهم كان حقاً على الله تعالى أن يعذبه في معظم النار يوم القيامة" (٥). [منكر].

стр. 601

قوله: "وعن أبي هريرة، ومعقل بن يسار". أقول: قال ابن الأثير (١): كما [قال] (٢) فيما قبله. وقال المنذري (٣): ذكره رزين أيضاً وهو مما انفرد به مهنا بن يحيى عن بقية بن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن محكول عن أبي هريرة قال: وفي هذا الحديث والحديثين قبله نكارة ظاهرة, والله أعلم. ٣٦١/ ١١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: الجالب مرزوق، والمحتكر محروم، ومن احتكر على المسلمين طعاماً ضربه الله تعالى بالإفلاس والجذام (٤). أخرج هذه الأحاديث الخمسة رزين ﵀. [ضعيف]. قوله: "وعن ابن عمر". أقول: هو في الترغيب والترهيب (٥) عن عمر نفسه، وله قصة. وقال رواه الأصبهاني (٦)، أي: بقصته، قال: وروى ابن ماجه (٧) المرفوع منه فقط عن يحيى بن حكيم وساق إسناده، وقال: هذا جيد متصل، ورواته ثقات. انتهى.

стр. 602

الباب التاسع: في الرد بالعيب الأول: ٣٦٢/ ١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ غُلاَمًا فَأَقامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ الله! قَدِ اشْتَغَلَّ غُلاَمِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ". أخرجه أصحاب السنن (١) [حسن]. ٣٦٣/ ٢ - وفي أخرى للنسائي (٢): "أَنَ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى أَنَّ الخرَاجَ بِالضَّمانِ، وَنَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ". قال الترمذي (٣): وتفسير قوله: "الخراج بالضمان" هو الرجل يشتري العبد يستغله ثم يجد به عيباً فيرده على البائع، فالعلة للمشتري؛ لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري، ونحو هذا من المسائل يكون فيه الخراج بالضمان. قوله: "أخرجه أصحاب السنن". أقول: قال المنذري (٤): على رواية أبي داود عن مخلد بن خفاف قال البخاري: "هذا [٢٢٣/ ب] حديث منكر ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث". قال الترمذي (٥): فقلت له: قد روى هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ذاهب الحديث.

стр. 603

وقال ابن أبي حاتم (١): "سئل أبي عنه - يعني: مخلد بن خفاف - فقال: لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجة. يعني الحديث الذي يروى عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "الخراج بالضمان". وقال الأزدي: مخلد بن خفاف ضعيف. انتهى. وهو أيضاً في سنن الترمذي (٢) عن مخلد بن خفاف، وكذلك في سنن النسائي (٣) عنه أيضاً. قوله: "ونهى عن ربح ما لم يضمن". أقول: هكذا نسب هذه الزيادة ابن الأثير (٤) إلى النسائي، وبحثت عنها فلم أجدها، بل الذي وجدته فيه باب الخراج بالضمان. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عيسى بن يونس ووكيع قالا: [ثنا] (٥) ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة قالت: قضى رسول الله ﷺ : "إن الخراج بالضمان". هذا آخر كلامه، ويحتمل أنه ذكره مع الزيادة في باب آخر فينظر. ثم وجدتها في سنن أبي داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (٦) من رواية عمرو أيضاً.

стр. 604

ونسبه إلى الخمسة (١) وقال: صححه الترمذي (٢) وابن خزيمة والحاكم (٣). انتهى. وقال في النهاية (٤) في تفسيرها: هو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها بربح فلا يصح البيع ولا يحل الربح؛ لأنها في ضمان البائع الأول، وليست من ضمان الثاني [٢٢٤/ ب] فربحها وخسارتها للأول. ٣٦٤/ ٣ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ إِنْ وَجَدَ دَاءً رَدَّ في ثَلَاثِ لَيَالِ بَغَيْرِ بَيِّنَةٍ, وإنْ وَجَدَ دَاءٌ بَعْدَ الثَّلاثِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ". أخرجه أبو داود (٥). [ضعيف]. قوله في حديث: "عهدة الرقيق [ثلاثة] (٦) أيام". أقول: أخرجه أبو داود: عن الحسن عن عقبة بن عامر. قال المنذري (٧): لم يصح للحسن سماع من عقبة بن عامر، ذكر ذلك ابن الديني وأبو حاتم الرازي، فهو منقطع. وقد وقع فيه أيضاً الاضطراب. وأخرجه أحمد في مسنده (٨) وفيه: "عهدة الرقيق أربع ليال"، وأخرجه ابن ماجه في سننه (٩) وفيه: "لا عهدة بعد أربع".

стр. 605

وقيل: فيه أيضاً عن سمرة أو عقبة على الشك، فوقع الاضطراب في متنه وإسناده. وقال البيهقي (١): وقيل: عنه عن سمرة وليس بمحفوظ. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله يعني: أحمد بن حنبل (٢) عن العهدة، قلت: إلى أي شيء تذهب فيها؟ قال: ليس في العهدة حديث يثبت هو ذاك الحديث. يعني: حديث الحسن وسعيد، يعني: ابن أبي عروبة، شك فيه يقول: عن سمرة أو عقبة. انتهى. وقال ابن عبد البر (٣): أهل الحديث يقولون: إنه [٥٩/ أ] لم يسمع الحسن من عقبة شيئاً. قلت: ولذا قال الطحاوي (٤): إن العهدة في الرقيق لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، وإن الأصول المجمع عليها تنقضها، وأنه لم يتابع مالكاً أحد من الفقهاء على القول بها. قال ابن عبد البر (٥): وليس كما قال، بل عهدة الرقيق في الثلاث من كل ما يعرض، وفي السنة من الجنون والجذام والبرص معروفة بالمدينة, إلا أنه لا يعرفها غير أهل المدينة بالحجاز ولا في سائر آفاق الإسلام [٢٢٥/ ب] إلا من أخذها عن مذهب أهل المدينة، وذكر ابن وهب بإسناده أنه قضى عمر بن عبد العزيز في رجل باع من رجل عبداً فهلك العبد في عهدة الثلاث، فجعله عمر من مال البائع، قال ابن شهاب: والقضاة قد أدركناهم يقضون بذلك.

стр. 606

قال: وذهب الأوزاعي (١)، وأبو حنيفة (٢)، وابن جريج، وسفيان، والحسن بن صالح، وأحمد (٣)، وإسحاق، وأبو ثور (٤)، وداود (٥): أن من اشترى شيئاً من الرقيق وقبضه كل ما أصابه في الثلاث وغيرها فمن المشتري. قال ابن عبد البر (٦): لم يقل من أئمة الفتوى بالأمصار بعهدة الثلاث وعهدة السنة في الرقيق غير مالك (٧)، وسلفه في ذلك أهل بلده. انتهى. ٣٦٥/ ٤ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عبد الرَّحْمَنِ بن عوف: أَنَّ عبد الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِىٍّ فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا (٨). [موقوف صحيح]. ٣٦٦/ ٥ - وَعَن ابْنَ عُمَرَ ﵄: أَنَّه بَاعَ غُلاَمًا لَهُ بِثَمَانِمائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ: بِالْغُلاَمِ دَاءٌ تُسَمِّهِ لِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ ﵁ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي، فَقَالَ عبد الله: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَضَى عُثْمَانُ ﵁ عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ , فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ فَارْتجَعَ الْعَبْدَ فَصَحَّ عِنْدَهُ فَبَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ (٩). أخرجهما مالك. [موقوف ضعيف].

стр. 607

قوله: "وعن ابن عمر أنه باع غلاماً ... " الحديث. قال ابن عبد البر (١): قال الشافعي (٢): إذا باع شيئاً بالبراءة فالذي أذهب إليه في ذلك قضاء عثمان بن عفان أنه بريء من كل عيب لا يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه, ولم يسمه ولا وقف عليه. وقال إسحاق (٣) بن راهويه في بيع البراءة بقول عثمان. قال ابن عبد البر (٤): وروي عن زيد بن ثابت أنه كان يقول البراءة من كل عيب جائزة وهو مذهب (٥) ابن عمر. وحجة من قال بهذا القياس والاستدلال بأن من أبرأ رجلاً كان يعامله عن كل حق له قبل، فإنه يبرأ منه في الحكم؛ لأنه حق للمشتري إذا تركه جاز تركه, وأصح ما فيه عندي - والله أعلم - لا يبرأ من العيب حتى يريه إياه ويقف عليه ويتأمله المشتري، وينظر إليه لقوله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة (٦) ". ومعلوم أن العيوب تتفاوت، وبعضها أكبر من بعض، فكيف

стр. 608

يبرأ مما لم يعلم [٢٢٦/ ب] المشتري قدره. قال الشافعي (١): والحيوان يفارق غيره؛ لأنه يغتذي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفى ويظهر. انتهى. يريد أن هذه البراءة إذا كان المبيع حيواناً. وقال أبو حنيفة (٢) وأصحابه: إذا باع بيعاً بالبراءة وسمى العيوب وتبرأ منها فقد برئ وإن لم يرها إياه. وقال ابن أبي ليلى (٣): لا يبرأ حتى يسمي العيوب بأسمائها، وهو قول (٤) شريح، والحسن، وطاووس. قلت: وهو الذي اختاره ابن عبد البر كما نقلناه عنه آنفاً. الباب العاشر: في بيع الشجر والثمر، ومال العبد والجوائح هذه أربعة أنواع عقد الباب لها. ٣٦٧/ ١ - عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ بَاعَ، - وفي رواية -: مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً قَد أُبَّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". أخرجه الستة (٥). [صحيح].

стр. 609

"والتأبير (١) " التقليح. قوله في الأول: "فماله للذي باعه"، أي: سيده، وإضافة المال على العبد لكونه تحت يده، وإلا فلا يملكه إذ لو كان ملكاً له لما خرج عنه إلا برضاه. ٣٦٨/ ٢ - وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "وَإِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ". أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤). [صحيح]. وفي رواية (٥): أمر رسول الله ﷺ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. قوله في الثاني: "جائحة (٦) " هي واحدة الجوائح، وهي الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها "بم تأخذ مال أخيك بغير حق". أقول: اختلف (٧) العلماء فيما إذا بيعت الثمار بعد بدو صلاحها، وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية، وأصابتها آفة سماوية هل تكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فقال جماعة من العلماء: تكون من ضمان المشتري، ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب.

стр. 610

وقال مالك (١): توضع في الثلث فصاعداً، ولا توضع فيما دون ذلك، يريد أنها إذا كانت دون الثلث كانت من مال المشتري. وقال قوم (٢): يجب وضعها، وهو ظاهر قوله ﷺ : "فلا يحل لك أن تأخذ منها شيئاً"، وقوله: "بم تأخذ [٢٢٧/ ب] مال أخيك"، ولا يخفى قوة هذا القول لقوة دليله، ويدل له الحديث الثالث: "أمر رسول الله ﷺ بوضع الجوائح"، وحمله على أنه ندب خلاف أصله، إذ أصله الإيجاب وصيغة الأمر لم يأت بها الراوي ولكنها معلومة أنها بلفظ أفعل ونحوه. وقد أطلنا البحث في الجوائح في حاشية (٣) ضوء النهار بحمد الله.

стр. 611

كتاب: البخل وذم المال ١ - عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَمَرَّ أَبُو ذَرٍّ ﵁ وَهُوَ يَقُول: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ، فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا، فَأَدْبَرَ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ. فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيِلي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ فَقَالَ: "أَتَرَى أُحُدًا؟ ". فَقُلْتُ أَرَاهُ. فَقَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ، ثُمَّ هَؤُلاَءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا". قُلْتُ: مَا لَكَ وَلإِخْوَانِكَ مِنْ قُرَيْشٍ لاَ تَعْتَريهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ، قَالَ: "لاَ وَرَبِّكَ لاَ أَسْأَلهُمْ عَنْ دُنْيَا وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِالله وَرَسُولِهِ". قَالَ قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ خُذْهُ: فَإِنَّ فِيْهِ الْيَوْمَ مَعونةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنَاً لِدِينِك فَدَعْهُ. أخرجه الشيخان (١). [صحيح] ٢ - وفي رواية (٢): كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رسول الله ﷺ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ يكون لي ذَهَباً تُمْسِى عَلَيَّ ثَالِثَةً وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ دِينَاراً أَرْصُدُهِ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ الله هَكَذَا". حَثَا بيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَن يَمِينِهِ وَهَكَذَا عَن شِمالِهِ. [صحيح] "ونغض الكتف" أعلاه، وقيل: العظم الرقيق الذي يلي طرفه. قوله: "برضف".

стр. 612

أقول: بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة ففاء، قال ابن الأثير (١): جمع رضفة، وهي الحجر التي تحمى وتترك في اللبن ليحمي. قوله: "حلمة ثديه". حلمة الثدي (٢) هي: الحبة على رأسه. قوله: "نغض كتفه" في النهاية (٣): النغض والنُغص، والناغض أعلى الكتف، وقيل: العظم الدقيق الذي على طرفه. انتهى. قوله: "تمسي علي ثالثة". أي: ليلة ثالثة. قيل (٤): إنما قيد بالثلاث؛ لأنه لا يمكنه تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالباً إلا أنه قد ورد يوم وليلة فالأولى أن يقال: الثلاث أقصى ما يحتاج إليه في تفريقه مثل ذلك والواحدة أقل ما يمكن. قوله: "أرصده (٥) لدين"، أي: أعده أو أحفظه، وهذا الإرصاد أعم من أن يكون صاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفيه. قوله: "إلا أن أقول به"، هكذا هو استثناء (٦) بعد استثناء فيفيد الإثبات [٦٠/ أ] فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق، فيلزم محبة [٢٢٨/ ب] وجوده مع الإنفاق، فما دام الإنفاق مستمر لا يكره وجود المال وإن انتفى الإنفاق ثبت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو كان قدر أحد أو أكثر مع استمرار الإنفاق.

стр. 613

قوله: "حثا بين يديه"، فنص على الثلاث وحمل على المبالغة؛ لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل. قال الحافظ (١) ابن حجر: والذي يظهر لي أن ذلك من تصرف الرواة، وأن أصل الحديث مشتمل على جهات أربع. ٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُوْلِ الله ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ﷺ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؛ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلاَ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يُقْضِي بَيْنَ النَّاسِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا أبا داود، واللفظ لمسلم. [صحيح] ٤ - وَعَن ابْنِ عَمْر ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخَلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا". أخرجه أبو داود (٣) [صحيح]

стр. 614

قوله: "الشح". قال ابن الأثير (١): الشح أشد البخل، وقيل (٢) هو بخل معه حرص، "والفجور": العصيان والفسق. وقوله: "أمرهم"، أي: حملهم على ذلك فالشح أصل المعاصي، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٣). فحصر الفلاح عليهم. ٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَصْلَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ". أخرجه الترمذي (٤). [صحيح]. ٦ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ". أخرجه الترمذي (٥) وصححه. [صحيح]. قوله: "أخرجه الترمذي وصححه". قلت: قال بعد (٦) إخراجه: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث معاوية بن صالح. انتهى. ٧ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا". أخرجه الترمذي (٧)، "والمراد بالضيعة" هنا الأرض والزرع. [حسن لغيره].

стр. 615

قوله: "فترغبوا في الدنيا". أخرجه الترمذي. قلت: وقال (١) هذا حديث حسن. قوله: "الأرض والزرع". قلت: قال ابن الأثير (٢): الضيعة [٢٢٩/ ب] ها هنا المعيشة والحرفة التي يعود الإنسان بحاصلها على نفسه. ٨ - وَعَن عبد الله بْن الشّخير ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ فَقَالَ: "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي؛ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنيتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ". أخرجه مسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). [صحيح]. قوله: "أخرجه مسلم والترمذي". قلت: وقال (٦): هذا حديث حسن صحيح إلا أنه قدم "تصدقت فأمضيت، أو أكلت [فأفنيت] (٧) أو لبست فأبليت". ٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لُعِنَ عبد الدِّينَارِ، لُعِنَ عبد الدِّرْهَمِ". أخرجه الترمذي (٨). [ضعيف بهذا اللفظ].

стр. 616

قوله: "لعن عبد الدينار ... " الحديث. أخرجه الترمذي وقال" (١): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أتم من هذا وأطول. انتهى كلامه. ١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ". أخرجه البخاري (٢) والنسائي (٣). [صحيح]. ١١ - وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعُودُهُ فَوَجَدَهُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا خَالُ مَا يُبْكِيكَ؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ: أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَلَّا، وَلَكِنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ. قَالَ وَمَا ذَاكَ: قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ المَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ الله تَعَالى". وَأَجِدُنِي الْيَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ. أخرجه الترمذي (٤) والنسائي (٥). [حسن]. وزاد رزين ﵀ قال: فَلَمَّا مَاتَ حُصِّلَ مَا خَلَّفَ فَبَلغَ ثَلَاثِينَ دِرْهَماً. "يشئزك (٦) " أي: يقلقك.

стр. 617

(كتاب: البنيان) ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ بَنَيْتُ بَيْتًا بِيَدِي يُكِنُّنِي مِنَ الْمَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله تَعَالَى. أخرجه البخاري (١). [صحيح]. ٢ - وفي رواية (٢): مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ . [صحيح]. ٣ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ﵁ قَالَ: أتينا خَبَّابٍ بن الأرت ﵁ نَعُودُهُ , وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فِي بَطْنِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَصحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لاَ نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ، وَلَوْلاَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهْوَ يَبْنِى حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤجَرُ فِي كُلِّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ إِلاَّ فِي شَيْءٍ يَجعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ. أخرجه الشيخان (٣). [صحيح]. ٤ - وعَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ الله إِلاَّ الْبِنَاءَ فَلاَ خيْرَ فِيهِ". أخرجه الترمذي (٤). [ضعيف]. ٥ - وعنه ﵁ قال: خَرَجَ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَاً وَنَحْنُ مَعَهُ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: "مَا هَذِهِ". قِيْلَ: لِفُلاَنٍ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحمَلَهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى جَاءَ صَاحِبُهَا فَسَلّمَ عَلَيْهِ فِي النَّاسِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَصنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ

стр. 618

فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأُنْكِرُ نظَرَ رَسُولَ الله ﷺ ، مَا أَدْرِي مَا حَدَثَ فِيَّ؛ فَقَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. فَقَالَ: لِمَنْ هَذهِ؟ فَأَخْبَرْنَاه, فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى القُبَّةٍ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا فَقَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ". فَحَدَّثُوه بِمَا كَانَ مِنْ صَاحِبُهَا، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ مَا لاَ إِلاَّ مَا لاَ". يَعْنِى مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. أخرجه أبو داود (١). [حسن]. قوله: "إلا ما لا (٢) إلا ما لا"، يعني: لا بد منه، حذف ﷺ المستثنى كراهة لذكر الدنيا وعمارتها. [٢٣٠/ ب]. ٦ - وَعَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو بِنْ الْعَاص ﵄ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي مِنْ خُصٍّ فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عبد الله؟ "، فقلت: حَائِطَاً أُصْلِحُهُ، فقال: "الأَمْرَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ"، وفي رواية: "مَا أُرَى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ". أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) وصححه. "الخص" القصب. [صحيح]. قوله: "الخص: القصب"، بضم الخاء المعجمة وصاد مهملة. وفي النهاية (٥): الخص: بيت يعمل من الخشب والقصب، وجمعه خصاص وأخصاص سمي به لما فيه من الخصاص، وهي الفرج والأثقاب، انتهى.

стр. 619

٧ - وَعَنْ دُكَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ (١) الْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ سأَلْنَاهُ الطَّعَامَ فَقَالَ: "يَا عُمَرُ اذْهَبْ فَأَعْطِهِمْ". فَارْتَقَى بِنَا إِلَى عِلِّيَّةٍ فَأَخْرَجَ الْمِفْتَاحَ مِنْ حُجْزَتِهِ فَفَتَحَ. أخرجه أبو داود (٢). [سنده صحيح]. قوله: "أخرجه أبو داود". أقول: ترجم له: باب (٣) في اتخاذ الغرف. قلت: والجمع بينه وبين حديث أنس: أنه ﷺ اتخذ هذه الغرفة لحاجة وضع المتاع فيها، وعلم أن صاحب الغرفة [الذي] (٤) هجره ﷺ اتخذها لغير حاجة. [٢٣١/ ب]. ٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا تَشَاجَرْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ". أخرجه (٥) الخمسة إلا النسائي. [صحيح].

стр. 620

حرف التاء وفيه سبعة كتب التفسير، تلاوة القرآن، ترتيب القرآن، التوبة، التعبير، التفليس، تمني الموت (حرف التاء. أي: المثناة الفوقية) كتاب: التفسير قوله: "كتاب التفسير". أقول: التفسير (١)، تفعيل من الفسر وهو: البيان والكشف، واختلف في التفسير والتأويل؟ قال أبو عبيد (٢) وطائفة: هما بمعنى واحد. وقال الراغب (٣): التفسير أعم من التأويل وأكثر استعمالاته في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. وقيل (٤): التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل بالدراية. وذكره في "الإتقان" (٤)، أقاويل في ذلك كثيرة.

стр. 621

وفيه بابان: الباب الأول: في حكمه وفيه فصلان: الفصل الأول: في التحذير منه قوله: "الفضل الأول [في] (١) التحذير منه"، أي: من التفسير بغير علم. ١ - عَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف]. وزاد رُزين: وَمَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ فَأَخْطأَ فَقَدْ كَفَرَ. قوله: "عن جندب: من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد اخطأ". أقول: قال ابن الأثير (٤): [٢٣٢/ ب] النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلوا إما أن يراد به: الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر. وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه, وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي ﷺ فإن النبي ﷺ دعا لابن عباس وقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (٥).

стр. 622

فإن كان التأويل مسموعاً [كالتنزيل] (١) فما فائدة تخصيصه بذلك؟! وإنما النهي يحمل على أحد وجهين: (أحدهما): أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج به على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارةً مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أن ذلك المراد من الآية ذلك، لكن يلبِّس على خصمه. وتارةً يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر [٦١/ أ] برأيه [أي رأيه] (٢) هو الذي حمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عذره ذلك الوجه.

стр. 623

وتارةً يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ (١)، ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه المراد [٢٣٣/ ب] من فرعون. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة؛ تحسيناً للكلام، وترغيباً للمستمع وهو ممنوع، وقد يستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنها غير مرادة. فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي. (الوجه الثاني): أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية أكثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولاً؛ ليتقى به مواضع الغلط, ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط، والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع إلى الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٢) معناه: أنها مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به: أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، ولا يدري بماذا ظلموا أو أنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم، فهذا من الحذف

стр. 624

والإضمار، وأمثال هذا في القرآن كثير، وما عدا هذين [٢٣٤/ ب] الوجهين فلا يتطرق النهي إليه. انتهى كلامه. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". أخرجه الترمذي (١). [ضعيف]. ٣ - وله في رواية (٢): "اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَخْطَأ فَقَدْ كَفَر". [ضعيف]. قوله (٣): [الفصل] (٤) الثاني: في فضل القرآن مطلقاً أي: من غير تعيين سور منه بخلاف ما يأتي. ١ - عن الحارث الأعور قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَليٍّ ﵁ فَأَخبرْتُهُ فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوْهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أَما إِنَّهَا سَتكُونُ فِتْنَةٌ"، قُلْتُ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "كِتَابُ الله تَعَالَى فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالهزْلِ. مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله تَعَالَى، وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله وَهُوَ حَبْلُ الله الْمَتينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وهُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ

стр. 625

الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ, وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ. أخرجه الترمذي (١). [ضعيف]. قوله: "ولا يخلق"، لفظ الترمذي هكذا، "ولا يخلق عن كثرة الرد"، قال في الضياء: أخلق (٢) الثوب إذا بلي. وقال النووي (٣): يَخلُق: بضم اللام، ويجوز فتحها والياء فيهما مفتوحة, ويجوز ضم الياء مع كسر اللام، يقال: خلق الشيء، وخلق وأخلق إذا بلي، والمراد ها هنا لما تذهب جلالته وحلاوته. انتهى. قلت: ويحتمل أن يراد بالقرآن المتشابه منه أن يفسره من يفسره برأيه كتفاسير كثير المبتدعة لذلك، وتكلمهم على فواتح السور فإنه رأي محض، ومنه ما ذكره الزمخشري (٤) من أنها لقرع العصا وتحدي العرب، وأطال في هذا الوجه, وهو وجه رشيق لكنه مبتدع بالرأي المحض، وقد ذكر السيوطي في "الإتقان" كلاماً بسيطاً على التفسير بالرأي من أحب تحقيقه فليراجع كلامه (٥). قوله: "الفصل"، أي: الفاصل بين الحق والباطل، و"ما هو بالهزل"، أي: هو جدٌّ كله.

стр. 626

قوله: "الجبار"، في صفات الله الذي هو جبر (١) خلقه على ما أراد يقال: جبره وأجبره إذا قهره، وهو في صفة الآدمي: المسلط المعاتي التكبر على الناس، المتعظم عليهم. قوله: "قصمه الله"، أي: أهلكه، وهو بالقاف أن ينكسر (٢) الشيء فيبين. [٢٣٥/ ب]. قوله: "حبل الله المتين"، الحبل في كلام العرب يرد على وجوه: منها: العهد، وهو الأمان، ومنها: النور.

стр. 627

و"المتين"، القوي الشديد، يقال: هو حبل الله المتين، أي: عهده وأمانه الذي يؤمن من العذاب، أو هو نور هداه، والعرب تشبه النور الممتد بالحبل والخيط، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١). قوله: "الذكر الحكيم"، الذكر: الشرف، ومنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢)، وهو مما يذكر، أي: يقال ويحكى واللفظ "الحكيم" [المحكم] (٣) العاري عن الاختلاف والاضطراب، أو هو فعيل بمعنى فاعل، أي: أنه حاكم فيكم ولكم وعليكم. قوله: "تزيغ"، الزيغ (٤): الميل، وأراد به الميل عن الحق. قوله: "الرشد" الرشد والرشاد، ضد الضلال. قوله: "عصمة" العصمة (٥): ما يتمسك به ويمتنع ويلجأ إليه. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: ثم قال (٦): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال. انتهى بلفظه.

стр. 628

الثاني: ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ: إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ". أخرجه أبو داود (١). [صحيح]. قوله: "ما اجتمع قوم ... " الحديث. [٢٣٦/ ب]. قال النووي (٢): المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض (٣)، وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه, وقيل: الطمأنينة والوقار، وهو حسن، وفي هذا دليل على فضل الاجتماع على قراءة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه. ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في بيت أو رباط ونحوهما إن شاء الله، ويدل عليه الحديث الذي (٤) بعده فإنه مطلق يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في الحديث الأول خرج مخرج الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به. انتهى. [٦٢/ أ].

стр. 629

٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ ثَلاَثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ ". قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: "فَثَلاَثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِا أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ". أخرجه مسلم (١). [صحيح]. "الخَلِفَةُ" الناقة العشراء (٢). ٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ قال: إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِي بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ". قُلْنَا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ الله يُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: "أفلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعْلَّمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاَثٌ خَيرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ, وَأَرْبَعٌ خَيرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ". أخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤). "الكوماء (٥) " الناقة العظيمة السنام. [صحيح]. ٥ - وَعَنْ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ, وَالْحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ: الم حَرْفٌ, وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ". أخرجه الترمذي (٦) وصححه. [صحيح].

стр. 630

[قوله في [الخامس] (١): "أخرجه الترمذي وصححه". قلت: قال (٢) الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: بلغني أن محمد بن كعب القرظي في حياة النبي ﷺ ، ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، ثم قال: ورفعه بعضهم ووقفه بعضهم] (٣). السادس: ٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا أَذِنَ الله لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". أي: يجهر به. أخرجه الخمسة (٤) إلا الترمذي. [صحيح]. وفي أخرى للبخاري (٥): "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". ومعنى: "ما أذن" أي: ما استمع، "والتغني" تحزين القراءة وترقيقها. قوله: "ما أذن الله". قال القرطبي (٦): أصل أذن بفتحتين أن المستمع يميل بإذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد (٧) به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف

стр. 631

التخاطب، والمراد (١) به في حق الله إكرام القارئ، وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء. انتهى. [٢٣٧/ ب]، والمصنف فسره باستمع. قوله: "يجهر به". أقول: ظاهره أنه من المرفوع، والذي في صحيح البخاري (٢) "يتغنى بالقرآن" هذا آخر الحديث، ثم قال: وقال صاحب له يريد أن يجهر به. انتهى. واختلف في ضمير صاحب له، فقال ابن حجر (٣): هو لأبي سلمة، يريد به راويه عن أبي هريرة، قال: والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث، أخرجه ابن أبي داود، وقد جزم بأنها من قول أبي هريرة. انتهى. قوله: "والتغني: تحزين القراءة وترقيقها". قلت: وفي صحيح البخاري (٤): وقال سفيان - أي: ابن عيينة -: تفسيره يستغنى به.

стр. 632

قال ابن حجر: كذا فسره سفيان قال: وقال ابن الجوزي (١): اختلفوا في معنى يتغنى على أربعة أقوال: أحدها: تحسين الصوت. والثاني: الاستغناء. والثالث: التحزن، قاله الشافعي. والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به. قلت: وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري، قال: المراد به التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنياً من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وأطال في البحث، ثم قال آخراً: وظواهر الأخبار يرجح أن المراد تحسين الصوت، قال: ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان وذكر الخلاف. السابع: ٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا أَذِنَ الله تَعَالَى لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِعَبْدٍ يَقْرَأُ الْقُرآنَ فِي جَوْفِ اللَّيْل، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي مُصَلّاهُ, وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى الله تَعَالَى بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ". [ضعيف]. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: يَعْنِى الْقُرْآنَ. منه بدأ الأمر به، وإليه يرجع الحكم فيه. أخرجه الترمذي (٢).

стр. 633

قوله: "ليذر (١) " بالذال المعجمة. أي: لينثر. قوله: "أخرجه الترمذي". [٢٣٨/ ب]. قلت: وقال (٢): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره. انتهى. [قوله: "منه بدأ ... " إلى آخره". أقول: أفاد الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣) أن هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي، وقال: قال المصنف - يريد البخاري - في خلق (٤) الأفعال: قال أبو عبد الرحمن السلمي. وأشار في خلق أفعال العباد أنه لا يصح مرفوعاً] (٥). ٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ". أخرجه أصحاب (٦) السنن. [صحيح].

стр. 634

قوله: "الجاهر بالقرآن ... " إلى آخره. أقول: قال الترمذي (١): ومعنى هذا الحديث أن الذي يسر بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر به؛ لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية, وإنما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب؛ لأن الذي يسر بالعمل لا يخاف عليه العجب ما يخاف عليه في العلانية. انتهى كلامه. قوله: "أخرجه الترمذي (٢) " قال: هذا حديث حسن غريب. ١٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الْأَعْمَالَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى؟ قَالَ: "الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ". قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: "الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ, كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ (٣) ". [ضعيف] قوله: "كلما حل ارتحل". أقول: في النهاية (٤): هو الذي يختم تلاوة القرآن ثم يفتتح التلاوة من أوله شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه, ثم يفتتح سيره أي: يبتديه، وكذلك قرّاءُ أهل مكة إذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدؤوا، فقرءوا الفاتحة، وخمس آيات إلى قوله: "المُفْلِحُون". من أول سورة البقرة، ويقطعون القراءة ويسمون فاعل ذلك الحال المرتحل، أي: أنه ختم القرآن، وابتدأ بأوله ولم يفصل بينهما بزمان. وقيل: أراد بالحال المرتحل الغازي الذي لا ينفتل من غزوة إلا عقبها بأخرى، انتهى من النهاية.

стр. 635

إلا أنه قال ابن القيم: إن فعل أهل مكة بدعة. قوله (١): "أخرجه الترمذي". قلت: ثم قال (١): هذا حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ثم ساق [٢٣٩ / ب] سنده إلى ابن أبي أوفى عنه ﷺ ولم يذكر فيه عن ابن عباس ثم قال: وهذا عندي أصح من حديث نصر بن علي عن الهيثم بن الربيع. انتهى. ويريد برواية نصر هي رواية ابن عباس فالحديث قد ثبت عن ابن أبي أوفى عنه ﷺ . ١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقُولُ الله ﵎: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرآنُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِى السَّائِلِينَ" (٢). أخرجهما الترمذي. [ضعيف جداً]. قوله: "أفضل ما أعطي السائلين". أقول: تمامه في الترمذي: "وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". ثم قال (٣): هذا حديث حسن. ١٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ به أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فيه, فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ به". أخرجه أبو داود (٤). [ضعيف].
следующие страницы →