قوله: "إصراً"، الإصر: العهد والميثاق، وقيل: الحمد الثقيل، وفي صحيح البخاري (١) قال ابن عباس: إصراً: عهداً، وأصل الإصر الشيء الثقيل [٢٦٩/ ب].
قال ابن حجر (٢): تفسيره بالعهد تفسير باللازم؛ لأن الوفاء بالعهد شديد.
٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ أَوْ يَتكلَّموا". أخرجه الخمسة (٣).
(سورة آل عمران)
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "تَلَا رَسُولُ الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وَقَرَأْتُ إِلَى: ﴿يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ قَالَ "فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ الله فَاحْذَرُوهُمْ". أخرجه الخمسة (٤) إلا النسائي. [صحيح]
قوله: "فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم".
قال ابن حجر (٥): المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه، وسمي المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبها بخلاف المتشابه. وقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه: كقيام الساعة، وخروج
стр. 703
الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشرة (١)، وليس هذا موضع بسطها وما ذكرته أشهرها [٧٠/ أ] وأقربها إلى الصواب.
وقوله: "فاحذروهم"، المراد التحذير (٢) من الإصغار إلى الذين يتبعون المتشابه من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن إسحاق من تأويلهم الحروف المقطعة، وأن عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج حتى جاء عن ابن عباس أنه فسر بهم الآية.
وقال الخطابي (٣): المتشابه على ضربين:
أحدهما: ما إذا رد إلى المحكم واعتبر [٢٧٠/ ب] به عرف معناه.
والآخر: ما لا سبيل إلى تأويله، ولا يبلغون كنهه فيهابون منه فينتهون. انتهى.
٢ - وعَنْ سَعِيدٍ بن جُبَير ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؟ قَالَ: وَمَا هِي؟ قَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (٤)، وَقَالَ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (٥)، وَقَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (٦)، وَقَالَ: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (٧)، فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذه الآيَةِ، وَفي
فِي يَوْمَيْنِ. وَقَوْلِهِ : ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾؛ سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، وَإِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، وَيْحَكَ فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِ الله . أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله: "قال رجل لابن عباس"، الرجل هو نافع (٢) بن الأزرق من الخوارج وحاصل أجوبة ابن عباس أنه لا اتحاد في الموقف، بل هو أوقات عديدة وأحوال مختلفة، والإيراد مبني على اتحاد الوقت.
٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ الله ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ وَقَالَ: "أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا"، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ أَغْمَارًا لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ الله فِي ذَلِكَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: بِبَدْرٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
قوله [٢٧١/ ب] "فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي اليهود ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ إن حاربتم رَسُولُ الله ﷺ ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآية.
стр. 706
فهو إخبار [بما يقع] (١) لهم، وقد كان كذلك فإن الثلاث الطوائف من اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة هم الذين كانوا يحاربونه فغلبوا، وأخرج منها من أخرج، وقتل من قتل ثم خيبر كذلك.
٤ - وَعَنْ ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَليَّيَ أَبِي، وَخَلِيلُ رَبِّي إِبْرَاهِيْمُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ ". أخرجه الترمذي (٢)، وصححه. [صحيح]
٥ - وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: آلَ إِبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ، قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾. أخرجه البخاري (٣) تعليقاً. [صحيح]
قوله: "والله ولي المؤمنين" أخرجه الترمذي.
أخرجه (٤) من طريق أبي الضحى عن مسروق، عن عبد الله، ثم أخرجه (٥) عن أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يقل فيه عن مسروق (٦)، هذا أصح من حديث أبي الضحى عن
стр. 707
مسروق, وأبو الضحى اسمه: مسلم بن صبيح, ثم ساقه من طريق ثالثة عن أبي الضحى, عن عبد الله، ليس فيها مسروق.
٦ - وَعَنْهُ أَيْضاً في تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الصَّالْحَةِ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أَيْ: خَالِصَاً لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهُ. أخرجه البخاري (١) في ترجمة باب. [صحيح]
٧ - وَعَن أَبُي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ مَوْلُودٌ إِلاَّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسهِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنِهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءوا إِنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾. أخرجه الشيخان (٢). [صحيح]
٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس (٣) ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾؛ قَالَ: اقْتَرَعُوا فَجَرَتْ أَقْلَامُهمْ مَعَ الْجَرْيَةِ فَعَالَ قَلَمُ زَكَرِّيَا الْجَرْيَةَ. عَالَ: أَيْ: ارْتَفَعَ عَلَى المَاءِ. [صحيح]
قوله: "إذ يلقون أقلامهم"، وكانت من حديد، وفي النهاية (٤): القلم ها هنا هو القدح، والسهم الذي يتقارع به، سمي بذلك؛ لأنه يبري كما يبرى القلم.
قلت: وقال (١): هذا حديث حسن، وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن بهز بن حكيم نحو هذا، ولم يذكروا فيه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. انتهى.
فإن قلت: قد ثبت حديث (٢) افتراق الأمم إلى اثنتين وسبعين فرقة، وهذه الأمة إلى ثلاث، وهنا قال: سبعين أمة؟.
قلت: المراد من الأمم الفرق من دون نظر إلى افتراقها، والحديث الآخر بالنظر إلى افتراقها.
١٢ - وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قَالَ: حُكَمَاء فُقَهَاء. أخرجه البخاري (٣) في ترجمة. [صحيح]
١٣ - وَعَن جَابِرَ بْنَ عبد الله ﵄ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ: بَنُو حَارِثَةَ، وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾. أخرجه الشيخان (٤). [صحيح]
١٤ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾.
стр. 710
أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). [صحيح]
١٥ - وعند الترمذي (٤) أنه ﷺ قَالَ: قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: "اللهمَّ الْعَنْ أَبا سُفْيَانَ، اللهمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللهمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فتَابَ الله عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلاَمُهُمْ. [صحيح]
١٦ - وعند النسائي (٥): أَنَّهُ سَمِعَهُ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ وَقَالَ: "اللهمَّ الْعَنْ". وذكر نحوه. [صحيح]
١٧ - وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَومِ: لَعَلَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى الآيَةِ. أخرجه أبو داود (٦) والترمذي (٧). [حسن]
قوله: "فأنزل الله هذه الآية, أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٨): هذا حديث حسن غريب، وقد روى عبد السلام بن حرب عن خصيف نحو هذا، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم، ولم يذكر فيه عن ابن عباس. انتهى [٢٧٣/ ب].
أخرجه الخمسة (١) إلا الترمذي. [صحيح]
قوله: "عَذق"، بفتح العين المهملة: النخلة، وهو المراد هنا، وبكسرها العنقود [٢٧٤/ ب] بما فيه من الرطب (٢).
قوله: "من نفسه شيء" أي: أنه لا يريد نكاحها.
قوله: "وإن خفتم ألا تقسطوا"، قسط الرجل إذا جار، اقتسط: عدل، والمراد هنا: العدل.
٢ - وفي رواية (٣): هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَليِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وُيرِيدُ أَنْ يَنْقُصَ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ. [صحيح]
٣ - وفي أخرى (٤): قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَالَّذِي ذَكَرَ الله تَعَالَى أنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ: وَقَوْلُ الله فِي الآيَةِ الأُخْرَى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ يَتيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. [صحيح]
стр. 714
٤ - وفي رواية (١) في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ، قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ, فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمُ الله عَنْ ذَلِكَ. [صحيح]
زاد أبو داود (٢) ﵀: وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي قَوْلِ الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَ يَقُولُ: اتْرُكُوهُنَّ إِنْ خِفْتُمْ فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكُمْ أَرْبَعًا. [صحيح]
٥ - وعنها ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ. أخرجه الشيخان (٣). [صحيح]
وفي رواية (٤): أَنَّهُ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. [صحيح]
قوله: "بالمعروف"، المعروف هنا: القسط في الإنفاق، وترك الإسراف، وروي عن ابن عباس (٥): يأكل بأطراف أصابعه، وعنه (٦) من طريق عكرمة: يأكل ولا يكتسي، وعن إبراهيم (٧): يأكل ما يسد الجوعة ويلبس ما وارى العورة.
стр. 715
٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نُسِخَتْ، وَلاَ وَالله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ بِهَا النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ: وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ؛ وَوَالٍ لاَ يَرِثُ، وَذَلِك الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله. "هي محكمة [و] (٢) ليست بمنسوخة"، زاد الإسماعيلي (٣) من وجه آخر عن الأشجعي، وكان ابن عباس إذا ولي رضخ، وإذا كان في المال قلة اعتذر إليهم، فذلك القول بالمعروف.
واختلف [٢٧٥/ ب] من قال بذلك هل الأمر على الوجوب أو الندب؟
فقال مجاهد (٣) وطائفة: هو على الوجوب، وهو قول ابن حزم: إن على الوارث أن يعطي هذه الأصناف ما طابت به نفسه.
وقال آخرون (٣): إنه على الندب قال: وهو المعتمد؛ لأنه لو كان على الوجوب لاقتضى استحقاقاً ومشاركةً في الميراث بجهة مجهولة فيفضي إلى التنازع والتقاطع.
٧ - وَعَن جَابِرَ ﵁ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ الله ﷺ يعُودُنِي وَأبُو بَكْرٍ ﵁ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فتوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَإِذَا النَّبِيُّ
стр. 716
- ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئَاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الميرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. أخرجه (١) الخمسة إلا النسائي. [صحيح]
وَفِي رِوَايَة (٢): فَنَزَلتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ؛ وَفَي أخْرَى (٣) فَنَزَلتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
وفي رواية الترمذي (٤): وَكَانَ لِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ؛ وَعِنْد أَبي دَاوُد (٥): ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؛ مَنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ.
قوله: "حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ".
قال الحافظ (٦): هكذا وقع في رواية ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هي الآية الأخيرة في سورة النساء وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؛ لأن جابر يومئذٍ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد (٧).
وفي أخرى لأبي داود (١): أَنَّ امْرَأَةَ سَعْد بْن الرَّبيعِ، وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرمذِيِّ.
قوله: "استفاء عمهما مالهما"، أي: اتخذه فيئاً لنفسه.
قوله: "وقال (٢): هذا هو الصواب" [٢٧٦/ ب]، إنما كان هو الصواب؛ لأن ثابتاً قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، وهذا أول مال قسم في الإسلام.
١٠ - وَعَنِ عَبَادَة بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ الله ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ كَرَبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ، فَأَنْزَلَ الله ﵎ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَقِي كَذَلِكَ، فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنةٍ, والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرجم". أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥). [صحيح]
ومعنى: "تربد" أي: تغير (٦).
قوله: "نزل عليه": أي: نزل الله تعالى ﷺ الوحي: "كرب [٧١/ أ] لذلك وتربد"، لونه أي: تغير [و] (٧) صار كلون الرماد.
стр. 719
والربدة: لون بين السواد والغبرة (١).
قوله: "سُري عنه": بضم المهملة وتشديد الراء، أي: كشف ما نزل به من شدة الوحي.
قوله: "أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي": لم ينسبه ابن الأثير (١) هنا إلا في مسلم، وقال (٢): في الحدود بعد نسبته إلى الثلاثة: إن في رواية أبي داود والترمذي تقديم الثيب على البكر، وفي أخرى لأبي داود ورمى بالحجارة دون الرجم، انتهى. فكان على "المصنف" أن يقول: وهذا لفظ مسلم [٢٧٧/ ب].
١١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وإنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فنزَلَتْ هَذهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤). [صحيح]
١٢ - وفي أخرى لأبي داود (٥): إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذي قَرَابَتِهِ، فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ الله عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. [صحيح]
١٣ - وعَنْه ﵁ فِي قَولِه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ لَمَّا نَزَلَت قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يتحَرَّجُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ
стр. 720
بَعْدَ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: فَنَسَخَ الله ذَلِكَ بالآيَةُ الأُخْرَى الَّتِي فِي سُورة النور فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنَّ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إِلَى قوْلِهِ: ﴿أَشْتَاتًا﴾ الآية. فَكَانَ الرَّجُل الغَنِىُّ يَدْعُو الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الطَّعَامِ فيَقُول: إِنَّي لأَجَّنَّحُ أَنْ آكُلَ مِنهُ. وَالتَّجَنُّحُ الْحَرَجُ ويَقُولُ: الْمِسْكِينُ أحَقُّ بِهِ مِنِّى. فَأُحِلَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَأُحِلَّ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ. أخرجه أبو داود (١). [حسن]
١٤ - وعَن ابن مَسْعود ﵁ قَالَ: خمسُ آيات مَا يَسُرُّني أن لي بهنَّ الدنيا ومَا فيهَا، إحداهنَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية؛ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ أخرجه رزين.
قوله: "أخرجه رزين":
أقول: صوابه لم يخرجه, ولكنه أخرجه أبو عبيد في فضائله (٢) وسعيد بن منصور (٢)، وعبد بن حميد (٢)، وابن جرير (٣)، وابن المنذر (٢)، والطبراني (٤)، والحاكم (٥)، والبيهقي في
стр. 721
الشعب (١) عن ابن مسعود الحديث، ولكني بحثت في الجامع الكبير لابن الأثير فلم أجد فيه هذا الحديث المنسوب إلى ابن مسعود أصلاً في المقام، فيبحث عنه.
١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يا رسولُ الله! يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ تغْزُو النِّسَاءُ، وإنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ. فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قَالَ مُجَاهِدٌ: وأنْزَلَ الله تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَوَّلَ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرَةً. أخرجه الترمذي (٢). [صحيح]
قال ابن الأثير (٣): وقال: هو مرسل. انتهى.
وقد راجعت الترمذي فرأيته نسختين:
إحداهما: ما قاله ابن الأثير (٣): والنسخة الأخرى لفظها: سمعت محمداً يقول: هو عندي حديث مرسل محمد بن زيد بن مهاجر لم يدرك أبا أمامة الأنصاري، قال أبو عيسى - يعني: الترمذي -: أبو أمامة هو أبو ثعلبة، ولا يعرف اسمه. انتهى.
١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولَه تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ إلأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْهَا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلاَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِى لَهُ.
стр. 722
أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢). [صحيح]
١٧ - وفي أخرى لأبي داود (٣): ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ فِي الأَنْفَالُ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية. [حسن]
قوله: "للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم":
أقول: قال الحافظ ابن حجر (٤): [هكذا] (٥) حملها ابن عباس على من آخى بينهم رسول الله ﷺ ، وحمله غيره على أعم من ذلك: فأسند الطبري (٦) عنه قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك، ومثله عن سعيد بن جبير (٧).
قوله: "ولكل جعلنا موالي":
أقول: هكذا في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية وروى الطبري (٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن الناسخ [٢٧٨/ ب] قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية. وروي من طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك.
стр. 723
قوله: "من النصر والرفادة" بكسر الراء بعدها فاء خفيفة الإعانة (١) بالعطية.
قال الحافظ ابن حجر (٢): إنه يسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد ولفظه: ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ فآتوهم نصيبهم من النصر إلى آخره. فقوله: "من النصر": يتعلق بآتوهم لا بالعاقدين، ولا بإيمانكم، وهو وجه الكلام.
١٨ - وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ، وَكَانَتْ يَتيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَتْ: لاَ تَقْرَأْ هَكَذَا. فَقَالَت: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عبد الرَّحْمَنِ حِينَ أَبَى الإِسْلاَمَ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلاَّ يُوَرِّثَهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَ الله تَعَالَى أَنْ يُوَرَّثهُ نَصِيبَهُ. أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
وزاد في رواية (٤): فَمَا أسْلَمَ حَتَّى حُمِلَ عَلَى الإسْلَامِ بِالسَّيفِ.
١٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي قَولُه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ, وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لله فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا". أخرجه مسلم (٥). [صحيح]
стр. 724
قوله: "مثقال ذرة" أي: زنة ذرة، يقال: هذا مثقال هذا أي وزنه، وهو مثقال من الثقل، والذرة: النملة الصغيرة, ويقال: واحدة الهباء، والذرة يقال: وزنها ربع وزن نخالة ورقة النخالة وزن ربع خردلة وزنة الخردلة ربع سمسمة, ويقال (١): إن الذرة لا وزن لها.
قوله: "يجزى بها":
أقول: فيهما، أي: المؤمن والكافر مثلان في الجزاء في الدنيا، ويختص المؤمن بالجزاء في الآخرة، وذلك لأنه كان مؤمناً بها، وأنها دار الجزاء، والكافر كان منكراً قائلاً: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ (٢) فكأنه أجيب عليه بالفور ليس له من جزاء في الآخرة لعدم إيمانه بها.
٢٠ - وَعَنْ مَالِكٍ (٣): أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلىَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى فِيهمَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية. إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالِاجْتِمَاعَ. [موقوف ضعيف]
قوله: "الاجتماع": أي: يقضيان بأن الرجل والمرأة مقيمان لحدود الله فيما أمرا به في الأمور الزوجية [٢٧٩/ ب] فلا فرقة بينهما أو بأنهما غير مقيمين لحدود الله فيها فيقضيان بالفرقة.
стр. 725
٢١ - وَعَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي النَّكَاحَ. أخرجه أبو داود (١). [حسن]
قوله: "أبو حُرَّة": بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، مشهور بكنيته اسمه: حنيفة (٢) وقيل: حكيم، وعمه قيل: اسمه: حذلم بن خيثمة، وقيل: عمر بن حمزة كما في "التقريب" (٣).
قوله: "يعني النكاح": تفسير للهجر في المضاجع، وأنه أريد به الوطء، وهذا تفسير حمَّاد، ولغيره تفاسير (٤) أخر.
٢٢ - وَعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: صَنَعَ لَنَا ابْنُ عَوْفٍ ﵁ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَأكَلْنَا، وَسَقَانَا خَمْراً قَبْلَ أَنَّ تحرم، فأخذت مِنَّي، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. فَخَلطَتْ فَنَزلَت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) وصححه. [حسن]
стр. 726
٢٣ - وعند أبي داود (١): أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف، وفيه فأتاهم علي ﵁ فأمهم في المغرب، وذكر الحديث. [حسن]
قوله: في حديث علي ﵇: "أخرجه الترمذي وأبو داود":
قلت: وقال الترمذي (٢): حسن صحيح غريب، وهذا سبب نزول الآية، والرواية هذه بينت الإمام في الصلاة، وأن الداعي عبد الرحمن بن عوف، والرواية التي انفرد بها أبو داود أبهم فيها الداعي، وأنه من الأنصار، وأن عبد الرحمن بن عوف كان هو وعلي اللذين دعيا، وكل هذا لا ضير فيه شرب الخمر كان مباحاً بنص القرآن، ثم حرم.
وعلي ﵇ يقول في روايته: "قبل أن تحرم" بيان لأنهم إنما فعلوا شيئاً حلالاً، وفاعل الحلال لا يلام شرعاً ولا عقلاً، وتفرع عليه سكر من سكر منهم، والسكر جائز منه سكر الخمرة (٣) وحضره رسول الله ﷺ وهو سكران لا يعقل في قصة الشاربين، وتكلم فقال للرسول ﷺ ولعلي ولمن معهما: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، فخرج رسول الله ﷺ [له شيء بعد ذلك] (٤) وحاصله: أن كثيراً مما حرمه الله كان حلالاً، وقد استفهم أقوام من الصحابة حال من مات، وقد شرب الخمر من المؤمنين حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٥) الآية.
стр. 727
واستنكروا صلاتهم إلى غير الكعبة قبل تحويلها، وأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ [٢٨٠/ ب] اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١).
وإنما عجبت أنه نقل عن السيد محمد بن إبراهيم الوزير الإمام الكبير أنه كتب على هامش "الجامع الكبير" ما لفظه: رواية الترمذي (٢) وأبي داود (٣) للخبر على هذه الكيفية باطلة، وقد رواها الحاكم [علامة الشيعة] (٤) من أهل الحديث صاحب المستدرك على الصحيحين، وخرجه من حديث سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي ﵇: "دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب, فتقدم رجل فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ والتبس عليه فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ " صحيح. قال الحاكم: وفي هذا الحديث فائدة [كبيرة] (٥)، وهي: أن الخوارج تنسب هذا السكر، وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دون غيره، وقد برأ الله منها فإنه راوي الحديث. انتهى كلام الحاكم ولله الحمد. انتهى المنقول عن السيد محمد ﵀.
ولا يخفى أن الحاكم كأنها خفيت عليه رواية أبي داود، فإن فيها الإبهام في تعيين القارئ الذي لبس في القراءة حتى يقول: إن فيما رواه فائدة كبيرة، وهو الرد على الخوارج (٦)، فالخوارج ليسوا بأهل لرد ما يفوهون به، فإنهم قائلون بكفر أمير المؤمنين فضلاً عن شربه
стр. 728
الحلال والتباس القراءة، فإنها لو التبست عليه وهو صاحٍ لكان معذوراً، فقد قال ﷺ لأصحابه المصلين خلفه: "لبستم عليَّ" (١) لما جهروا خلفه، ثم الإبهام في رواية والتعيين في أخرى عن راوٍ واحد في قصة واحدة لا يقتضي على رواية التعيين بالإبطال سيما علي، فالقاعدة أن زيادة العدل مقبولة، فهذه زيادة بينت الإجمال ورفعت الإبهام، ثم قول [٢٨١/ ب] السيد محمد: علامة الشيعة (٢) من باب قول يعقوب ﵇: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فإنه تلقين للعذر لإخوة يوسف ﵇ فيما فعلوه كذلك قوله: علامة الشيعة تلقين للقدح في الحاكم ممن ليس له إنصاف [٧٢/ أ] وقد قدح فيه بأنه شيعي، وهو جهل من القادح كما بيناه في "ثمرات الأنظار" (٣).
ثم قوله: "ينسب هذا السكر ... إلى آخره".
стр. 729
يقال: الروايات كلها عن علي ﵇ دالة أنهم شربوا، ولذا ذكر قوله قبل تحريم الخمر، وأن سبب نزولها قربانهم الصلاة حال سكرهم لا أنهم لا يسكرون، فليست هي آية تحريم السكر.
٢٤ - وَعَنْ عَليِّ أيْضَاً ﵁ أنَّه قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أخرجه الترمذي (١). [ضعيف]
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (٢): هذا حديث حسن غريب، وأبو فاختة (٣) اسمه: سعيد بن علاقة.
وثويرٌ: يكنى أبا جهم، وهو رجل كوفي، وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير، وابن مهدي.
كان يغمزه قليلاً. انتهى [٢٨٢/ ب].
٢٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قال: نزل قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فِي عبد الله بن حُذَافَةَ بن قَيْسِ بن عَديَّ السَّهمي إذْ بَعَثَهُ رسولَ الله ﷺ في سَريَّة. أخرجه الخمسة (٤). [صحيح]
٢٩ - وعَن خَارِجَة بنِ يَزيْد قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ بَعْدَ الَّتي فِي الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [منكر]
وزاد النسائي ﵀ في أخرى (٣): فَلَمَّا نَزَلَتْ أَشْفَقْنَا مِنْهَا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ: الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ.
٣٠ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ: لاَ. قَالَ: فتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ فَقَال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إِلى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكَّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أخرجه الخمسة (٤) إلا الترمذي. [صحيح]
قوله: في حديث ابن عباس: "فلا توبة له":
أقول في "فتح الباري" (٥): حاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس كان تارةً يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه: بأن عموم الآية التي في الفرقان خص فيها مباشرة المؤمن بالقتل معتمداً، وكثير
стр. 732
من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ، ثم رجع عنه.
وقول (١) ابن عباس: "فإن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً لا توبة له" مشهور عنه, وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصح مما تقدم روى أحمد (٢) و [الطبري (٣)] (٤) من طريق يحيى الجابر، والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) من طريق عمار كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ قال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ وساق الآية إلى: ﴿عَظِيمًا (٩٣)﴾ فقال: "لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ " قال: أفرأيت إن تاب وآمن، وعمل صالحاً، تم اهتدى؟ قال: "وأنى له التوبة والهدى" لفظ يحيى والآخر بنحوه، وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس أحاديث كثيرة.
стр. 733
منها ما أخرجه أحمد (١) والنسائي (٢) من طريق إدريس الخولاني عن معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يكون كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً".
وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة [٢٨٣/ ب] ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: إن شاء أن يجازيه تمسكاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣).
ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله، فأكمل به المائة, ثم جاء آخر فقال له: ومن يحل بينك وبين التوبة .. الحديث. وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن قتل في غير هذه الأمة، فمثله لهم أولى لما خفف الله عليهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. انتهى.
٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَزَلَتْ هَذ الآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُهَانًا (٦٩)﴾ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِى عَنَّا الإِسْلاَمُ، وَقَدْ عَدَلْنَا بِالله تَعالَى، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله تَعَالَى، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية. أخرجه الخمسة (٤) إلا الترمذي. [صحيح]
стр. 734
وزاد في رواية: قَالَ فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ وَعَقَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ، فَلاَ تَوْبَةَ لَهُ.
٣٢ - وفي رواية لأبي داود (١): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ما نَسَختها شيء.
٣٣ - وفي رواية للنسائي (٢) والترمذي (٣) رحمهما الله: سُئِلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "يَجِيءُ المَقْتُول مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي". ثُمَّ قَالَ: وَالله لَقَدْ أَنْزَلَهَا الله تَعالَى، وَلَمْ يَنْسَخَهَا. [صحيح]
٣٤ - وعن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: هِي جَزَاؤُهُ, فَإِنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ جَزَائِهِ فَعَلَ. أخرجه أبو داود (٤). [حسن مقطوع]
٣٥ - وعن ابن عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَقِيَ ناسٌ مِنْ المُسْلِمين رَجُلاً فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فَأخَذوه فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَات فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وَقَرأها ابن عباس ﵄ السلام. أخرجه الخمسة (٥) إلا النسائي، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح]
стр. 735
٣٦ - وعند الترمذي (١) ﵀ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، وأَتَوْا بِهَا رَسُولَ الله ﷺ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى الآية. [صحيح]
قوله: "على رجل من بني سليم":
قلت: القاتل له أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك كما في "فتح الباري" (٢).
٣٧ - وعنه ﵁: أَنَّ رسولُ الله ﷺ قَالَ لِلْمِقْدَادِ: "إِذَا كَانَ رَجُل مُؤْمِنٌ يُخْفِى إِيَمانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ، فَقَتَلْتَهُ فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِى إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ" أخرجه البخاري (٣).
٣٨ - وعنه ﵁ أيضاً قَالَ: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَيهَا). أخرجه البخاري (٤)، وهذا لفظه، والترمذي (٥).
وزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بدر. قال عبد الله بن جَحْش وابنُ مَكْتوم: إنَّا أعْمَيان يا رسولُ الله، يَا رَسُولَ الله! فَهَلْ لَنَا رُخْصَةٌ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) فَهَؤُلاَءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
стр. 736
وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ. [صحيح]
٣٩ - وللخمسة (١) إلا أبا داود عن البراء ﵁: لَمَّا نَزَلَت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دعا رَسُولُ الله ﷺ زيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. [صحيح]
قوله: "عبد الله جحش": هكذا وقع في "الجامع الكبير" وفي سنن الترمذي (٢) والصواب عبد بن جحش غير مضاف، ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣) قال: وقال يحيى ابن معين: اسمه عبد الله بن جحش، ولم يصنع شيئاً، أي: ليس قول يحيى بشيء، وكنيته: أبو أحمد وهو الشاعر الأعمى، وأخوه عبد الله بن جحش، وعبيد الله بن جحش مات عبيد الله بأرض الحبشة نصرانياً، وعبد الله: هو المجدع في سبيل الله ﵁. انتهى. [٢٨٤/ ب].
قوله: "فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر" هكذا في الترمذي (٤) وصوابه: فهؤلاء القاعدون أولوا الضرر بدون فضل المجاهدون على القاعدين من غير أولي الضرر درجات،
стр. 737
وفضلهم على أولي الضرر درجة [٧٣/ أ] واحدة، والمراد: أن الله سوى في الأجر بين المجاهدين والقاعدين أولي الضرر في الأجر، ولذا كان الصواب أن يقول الترمذي: أولي الضرر في عبارته الثانية.
قوله: "الترمذي وزاد":
قلت: ثم قال في آخره (١): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.
ومقسم يقال: مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى عبد الله بن عباس، ومقسم يكنى: أبا القاسم.
٤٠ - وَعَن مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرَّحْمَنِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَخبرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْي، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثَّرُونَ سَوَادَهُمْ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآيَةَ. [صحيح]
قوله: "وعن محمد بن عبد الرحمن": هو أبو الأسود الأسدي يتيم عروة بن الزبير كما في "فتح الباري" (٣).
стр. 738
قوله: "بعث" (١): أي: جيش، والمعنى. أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة [٢٨٥/ ب].
٤١ - وَعَن ابن عبَّاس ﵄ فِي قَولَه تَعالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نَزَلَتْ فِي عبد الرحمنِ بن عَوْف ﵁ وكان جريحاً (٢). أخرجهما البخاري. [صحيح]
٤٢ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" أخرجه الخمسة (٣) إلا البخاري. [صحيح]
٤٣ - وَعَن عبد الله بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: كَيْفَ تَقْصُرُ الصَّلاَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ الله تَعَالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَانَا وَنَحْنُ ضُلاَّلٌ، فَعَلَّمَنَا فكَانَ فِيمَا عَلَّمَنَا أَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. أخرجه النسائي (٤). [صحيح]