وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ. [صحيح]
٣٩ - وللخمسة (١) إلا أبا داود عن البراء ﵁: لَمَّا نَزَلَت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دعا رَسُولُ الله ﷺ زيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. [صحيح]
قوله: "عبد الله جحش": هكذا وقع في "الجامع الكبير" وفي سنن الترمذي (٢) والصواب عبد بن جحش غير مضاف، ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣) قال: وقال يحيى ابن معين: اسمه عبد الله بن جحش، ولم يصنع شيئاً، أي: ليس قول يحيى بشيء، وكنيته: أبو أحمد وهو الشاعر الأعمى، وأخوه عبد الله بن جحش، وعبيد الله بن جحش مات عبيد الله بأرض الحبشة نصرانياً، وعبد الله: هو المجدع في سبيل الله ﵁. انتهى. [٢٨٤/ ب].
قوله: "فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر" هكذا في الترمذي (٤) وصوابه: فهؤلاء القاعدون أولوا الضرر بدون فضل المجاهدون على القاعدين من غير أولي الضرر درجات،
стр. 737
وفضلهم على أولي الضرر درجة [٧٣/ أ] واحدة، والمراد: أن الله سوى في الأجر بين المجاهدين والقاعدين أولي الضرر في الأجر، ولذا كان الصواب أن يقول الترمذي: أولي الضرر في عبارته الثانية.
قوله: "الترمذي وزاد":
قلت: ثم قال في آخره (١): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.
ومقسم يقال: مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى عبد الله بن عباس، ومقسم يكنى: أبا القاسم.
٤٠ - وَعَن مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرَّحْمَنِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَخبرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْي، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثَّرُونَ سَوَادَهُمْ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآيَةَ. [صحيح]
قوله: "وعن محمد بن عبد الرحمن": هو أبو الأسود الأسدي يتيم عروة بن الزبير كما في "فتح الباري" (٣).
стр. 738
قوله: "بعث" (١): أي: جيش، والمعنى. أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة [٢٨٥/ ب].
٤١ - وَعَن ابن عبَّاس ﵄ فِي قَولَه تَعالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نَزَلَتْ فِي عبد الرحمنِ بن عَوْف ﵁ وكان جريحاً (٢). أخرجهما البخاري. [صحيح]
٤٢ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" أخرجه الخمسة (٣) إلا البخاري. [صحيح]
٤٣ - وَعَن عبد الله بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: كَيْفَ تَقْصُرُ الصَّلاَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ الله تَعَالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَانَا وَنَحْنُ ضُلاَّلٌ، فَعَلَّمَنَا فكَانَ فِيمَا عَلَّمَنَا أَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. أخرجه النسائي (٤). [صحيح]
الشَّعْر، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِى الأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَهْدَيْتَ إليَّ شِعْرَ حَسَّانَ مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ. أخرجه الترمذي (١). [حسن]
"والضافطة" (٢): ناس يحلبون الدهن والزيت ونحوهما، وقيل: هم الذين يُكْرون من منزل إلى منزل.
و"المشربة" (٣) بضم الراء وفتحها الغرفة.
و"عسى" (٤): بالمهملة كبر وأسن، وبالمعجمة قل بصره وضعف.
قوله في حديث قتادة بن النعمان: "ثم ينحله" (٥): بالحاء المهملة يعطيه [و] (٦) ينسبه إليه.
زاد الترمذي (٧) في روايته: "فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله! ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث, أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها".
стр. 742
قوله: في "ضافطة": بالضاد المعجمة كما في "النهاية" (١).
قوله: "الدرمك" بفتح الدال المهملة: دقيق الحنطة (٢).
قوله: "عدي عليه" أي: سرق ماله من العدوان والظلم (٣).
قوله: "المشربة": بضم الراء وفتحها: الغرفة (٣).
قوله: "في الدار" أي: في المدينة (٣) [٢٨٦/ ب].
قوله: "أهل جفاء" فيه جواز تكلم المتظلم عن غيره بالغيبة في القرينة.
قوله ﷺ : "سآمر في ذلك": الظاهر أن مراده ﷺ سأنظر في أمركم إن أقمتم البينة.
قوله ﷺ : "عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثَبْت": أي: أمر تثبت به السرقة منهم.
إن قلت: كيف صدقهم ﷺ بأنهم أهل بيت إسلام وصلاح، وقد اتهموا بالسرقة؟
قلت: اتهامهم بالسرقة ما يخرجهم عن ظاهر إسلام وصلاح، لأن إسلامهم قد تيقن فبقي ﷺ عليه، وأصل من تلبس بالإسلام أنه على صلاح.
فإن قلت: هذا يدل على لوم من يتهم من ليس أهلاً للتهمة.
قلت: هذا تولى الله جوابه وعاتب فيه رسوله بالآية. وأمره بالاستغفار وعاتبه على جداله عن الذين يختانون أنفسهم، وهم بنو أبيرق كما صرح به في رواية الترمذي، وفيه: واستغفر الله، مما قلت لقتادة.
стр. 743
قوله: "عسى أو عشى":
قال ابن الأثير (١) [٢٨٧/ ب]: عسى - بالسين غير المعجمة - أي: كبر وأسن. وعشى - بالمعجمة - أي: قل بصره وضعف.
قوله: "من أبي عيسى": أي: الترمذي في رواية أحد اللفظين.
قوله: "مدخول" (٢): الدخل العيب والغش يعني: إيمانه متزلزل فيه نفاق.
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: ثم قال (٣): هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده إلا محمد بن سلمة الحرَّاني.
وروى يونس بن بكير وغيره هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً، لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده, وقتادة بن النعمان هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، وأبو سعيد اسمه: سعد بن مالك بن سنان. انتهى.
٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَارِبُوا وَسَدِّدوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كفَّارَةٌ، حَتَّى النَكبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا". أخرجه مسلم (٤)، وهذا لفظه، والترمذي (٥) ولفظه: شق ذلك على المسلمين فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: وذكر الحديثَ. [صحيح]
стр. 744
"النكبة" (١): ما يصيب الإنسان من الحوادث.
قوله: "والترمذي":
قلت: إلا أن لفظه فيه تقديم الشوكة على [٢٨٨/ ب] النكبة، ولفظه: "حتى الشوكة يشاكها، أو النكبة ينكبها"، وأتى بكلمة: "أو" ولذا قال المصنف كابن الأثير: وهذا لفظه.
ثم قال الترمذي (٢): هذا حسن غريب، وابن محيصن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن. انتهى.
٤٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فقَالَ: "أَلاَ أُقْرِئُكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ" قُلْتُ: بَلَى. فَأَقْرَأَنِيهَا، فَلاَ أَعْلَمُ إِلاَّ أَنِّي قَدْ كُنْتُ وَجَدْتُ فِي ظَهْرِي انْقِصَامًا فتمَطَّأْتُ لَهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا شَأنكَ يَا أَبا بَكْرٍ؟! ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَإِنَّا لمَجْزِيُّونَ بِمَا عَمِلْنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا أنتَ يَا أَبا بَكْرٍ! وَالْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا الله تَعَالى، وَلَيْسَ لكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامةِ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف]
стр. 745
"والانقصام" (١): بالقاف: الانكسار: "والتمطي" (٢) هنا: التمدد الذي هو من مقدمات المرض.
قوله: "انقصاماً" (٣): الانقصام: بالنون فقاف فصاد مهملة: الكسر.
"فتمطأت لها": التمطي (٤): التمدد الذي هو من مقدمات الحمى لا التبختر.
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (٥): هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وموسى بن عبيدة (٦) يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى بن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح. انتهى كلامه.
وفي هامش الجامع الكبير منسوباً إلى السيد محمد بن إبراهيم، لكنه قوي جيد لكثرة شواهده وتوابعه.
أما شواهده عن أبي بكر خاصة فذكر ابن عبد البر في "التمهيد" [أنَّه روي عنه من وجوه شتى، وأمَّا توابعه من غيره فذكر ابن عبد البر في "التمهيد" (٧)] (٨) أنها كثيرة جداً، وأنه أمر مجمع عليه ولله الحمد. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
قوله: "أخرجهما الترمذي":
قلت: وقال في الآخر (١): حسن غريب. انتهى.
وقال (٢) في الأول - أعني: حديث علي بن زيد -: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة [٧٤/ أ].
سورة المائدة
[قوله] (٣): سورة المائدة
١ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ بِن الخَطَّاب ﵁: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لاَتَّخَذْنَاهَا عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ, وإنَّا وَالله بِعَرَفَةَ فِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ. يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أخرجه الخمسة (٤) إلا أبا داود. [صحيح]
قوله: "قالت اليهود":
قيل: هو كعب الأحبار، وجمعه باعتبار من كان معه على رأيه، أو أطلق هذه الصفة عليه إشارة إلى أن قوله عن ذلك وقع قبل إسلامه؛ لأن إسلامه كان في خلافة عمر [على المشهور، وأطلق عليه باعتبار ما مضى.
стр. 748
قوله: "فقال عمر"] (١):
"إني لأعلم أي يوم أنزلت": يريد أنه يوم عيد أنزلها الله في يوم عيد الأسبوع، وهو الجمعة، وعيد العام، وهو يوم عرفة فقد جعل الله يوم نزولها عيداً أبداً.
قوله: "أخرجه الخمسة إلا أبا داود":
قلت: وقال الترمذي (٢): هذا حديث حسن صحيح.
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
الآية. قَالَ: أُنزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ: فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَهُ. أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤). [حسن]
قوله: "فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه":
أقول: لفظ النسائي: "فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل أليست للمسلم، فمن قتل وأفسد في الأرض، وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لمن يمنعه [ذلك] (٥) أن يقام فيه الحد الذي أصاب". انتهى.
وطريق أبي داود والنسائي عن علي بن الحسن [٢٩٠/ ب] بن واقد عن أبيه مختلف فيهما.
стр. 749
واعلم أنه قال أكثر أئمة (١) التفسير: أن المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى، ولا يطالب بشيء منها في مال ولا دم، وكذلك لو أُمِّن بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء.
قال الزجاج (٢): جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم هي كون ذلك أدعى للدخول في الإيمان، فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن من قبل القدرة عليه، فقال السدي (٣): هو كالكافر إذا أمن لا يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه، فإنه يرد على أهله، وبهذا حكم علي [كرم الله وجهه] (٤) في حارثة بن بدر التميمي، وكان قد خرج محارباً فأتى سعيد بن قيس فانطلق سعيد بن قيس على علي ﵇ وقال: يا أمير المؤمنين! ما جزاء من حارب وسعى في الأرض وفساداً؟ قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: فإن تاب قبل أن يقدر عليه؟ قال: تقبل توبته. قال: فإنه حارثة بن بدر فأتاه به فأمنه وكتب له كتاباً.
وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم ما كان قصاصاً أو مظلمة في مال. انتهى من الوسيط (٥) [٢٩١/ ب].
٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّماً مَجْلُوداً فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي كَتَابكُم؟ " قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَالَ لَهُ: "أنْشِدُكَ بِالله الَّذِي أنزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى! هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كتَابِكُمْ؟ ". فَقَالَ:
стр. 750
"اللهمَّ! لاَ، وَلَوْلاَ أَنَّكَ نَشَدْتَني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ نَجِدُه الرَّجْمَ، وَلكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ, وَإِذَا أَخَذْنَا الرَّجُلَ الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَنَجْتَمِعَ عَلَى شَيءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَان الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ! إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا. أخرجه مسلم (١)، وهذا لفظه وأبو داود (٢). [صحيح]
٤ - وفي أخرى لأبي داود (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: هَذِهِ الآيَاتُ الثَّلاَثُ نَزَلَتْ فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. [حسن]
"والتحميم" (٤): تسويد الوجه بالحمم، وهو الفحم.
قوله: "محمم": [قال] (٥) ابن الأثير (٦): التحميم: تسويد الوجه من الحمم جمع: حممة وهي الفحمة.
стр. 751
قوله: "نسود وجوههما ونحملهما":
قال النووي في "شرح مسلم" (١): هكذا في أكثر النسخ بالهاء واللام، وفي بعضها: "نجملهما" بالجيم المفتوحة، وفي بعضها: "نحممهما" بميمين، وكله متقارب، فمعنى الأول: نحملهما على جمل.
ومعنى الثاني: نجعلهما على جمل. ومعنى الثالث: نسود وجوههما بالحممة - بفتح الحاء وفتح الميم - وهذا الثالث ضعيف؛ لأنه قد قال قبله: "نسود وجوههما".
فإن قيل: كيف رجم اليهوديين أبالبينة أم بالإقرار؟
قلنا: الظاهر أنه بالإقرار؛ لأنه قد جاء في سنن أبي داود وغيره [أنهم شهدوا عليهم] (٢) أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها.
فإن صح هذا، فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفاراً فلا اعتبار بشهادتهم، وتعين أنهما أقرا بالزنا. انتهى (٣).
قلت: ورواية أبي داود (٤) التي أشار إليها قال المنذري (٥): فيها مجالد بن سعيد وهو ضعيف.
هذا وفي الحديث دليل لوجوب حدّ الزنا على الكفار، وأنه يصح نكاحهم؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على المحصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثيب بنكاحه ولم يرجم.
стр. 752
وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع (١) الشريعة.
وفيه أن الكفار إذا ترافعوا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا.
قوله: "ما تجدون في التوراة؟ ":
قال العلماء (٢): هذا السؤال ليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله ﷺ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة [٢٩٢/ ب] الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف عليه ذلك حين كتموه.
٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ- وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ - فكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلاً مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُل مِنَ النَّضِيرِ رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ فُدِيَ بِمائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلْهُ. فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنكُمُ محمدًا رسولُ الله ﷺ فَأَتَوْهُ, فَأُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وَالْقِسْطُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤). [ضعيف]
٦ - وفي أخرى لأبي داود (٥): ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَنُسِخْت قَالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. [إسناده حسن]
стр. 753
ولهما (١) في أخرى قال: قَالَ: كَانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا قَتَلُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِذَا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَني النَّضِيرِ أَدَّوْا إِلَيْهِمُ الدِّيَةَ كَامِلَةً، فَسَوَّى بَيْنَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ .
٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ ليلاً حَتَّى نَزَلَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَأَخْرَجَ رَسُولُ الله ﷺ رأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي الله" (٢). [حسن]
قوله في حديث عائشة: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (٣): هذا حديث غريب، وروى بعضهم [٢٩٣/ ب] هذا الحديث عن الجريري عن عبد الله بن شقيق كما قال: كان النبي ﷺ يحرس، ولم يذكروا فيه عن عائشة.
فإن قيل: أليس قد شج رأسه، وكسرت رباعيته، وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل: معناه: يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك.
وقيل: نزل هذا بعد أن شج رأسه، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.
وقيل: المعنى: والله يخصك بالعصمة من بين الناس لأن النبي ﷺ معصوم قاله البغوي (٤).
стр. 754
٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ، وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (١). أخرجهما الترمذي. [صحيح]
قوله في حديث ابن عباس إلى قوله: "حلالاً عنده. أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٢): هذا حديث حسن غريب، رواه بعضهم من حديث عثمان بن سعد مرسلاً، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً.
٩ - عَنْ عبد الله بِن مَسْعُود ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "أَنْتَ مِنْهُمْ". أخرجه مسلم (٣) وهذا لفظه، والترمذي (٤). [صحيح]
قوله: "أنت منهم ... أخرجه الترمذي" (٥): وقال (٦): هذا حديث حسن صحيح.
стр. 755
١٠ - وله في أخرى عن البراء ﵁ قَالَ: مَاتَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَلَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ رِجَالٌ: كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا وَقَدْ مَاتُوا يَشْرُبونَ الْخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ الآيَة. صححه الترمذي (١). [صحيح]
١١ - وَعَنْ عُمَرَ بِن الخَطَّاب ﵁ أنَّه قَالَ: اللهمَّ بَيَّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَاناً شَافِيَاً. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فَدُعي عُمَرُ ﵁ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللهمَّ! بَيَّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَاناً شَافِيَاً. فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية، فَدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللهمَّ! بَيَّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَاناً شَافِيَاً. فَنَزَلَتِ آيَةَ الْمَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ فَدُعيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْتَهَيْنَا .. انْتَهَيْنَا. أخرجه أصحاب السنن (٢). [صحيح]
[قوله في حديث عمر: "فنزلت الآية التي في البقرة":
أقول: في الآية التصريح بأن الإثم الكبير في الخمر والميسر، فالإثم كله حرام، فكيف وقد وصف بالكبر؟! قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (٣) فكيف لم يفهم عمر والصحابة التحريم سيما من آية البقرة؟ ولا يقال: إنه لما قيل:
стр. 756
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ دل على عدم التحريم، لأنا نقول: ما من محرم إلا وفيه منافع كالسرقة ونحوها، فلا أدري ما وجه عدم فهم التحريم من آية البقرة.
قوله: "فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية".
أقول: هذا بيان مفاسدها:
الأولى: وهي: إيقاع العداوة والبغضاء بين أمر الله بالتواد والتحاب، وسماهم إخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾.
والثانية: الصد عن ذكر الله الذي خلق الله له عباده، فإنه من العبادة التي قال فيها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (١).
وقوله: "وعن الصلاة": من عطف الخاص على العام؛ لشرف الخاص، ولما بين تعالى المفاسد علموا تحريمهما وانتهوا عنهما.
وفيه [٢٩٤/ ب]: أن النهي إذا قرن بذكر مفاسده كان أوقع في [] (٢) عنه كما أن الأمر إذا ذكرت مصلحة فله كان أدعى للنفوس إلى فعله.
وفيه: أن المناهي لا تكون إلا لما في المنهي عنه من المفاسد، وأن النهي للتحريم، وفيها تقديم دفع المفاسد على جلب المصالح فإنه صرح تعالى بأن فيهما منافع، وهي مصلحة لكن عارضتها مفاسد أهم منها.
стр. 757
وفيه: تعليم العباد الاتصاف بالإنصاف [فإنه] (١) تعالى ذكر منافعهما مع مفسدة إثمهما، ولم يقل: ليس فيها منفعة، فالعبد ينصف إن راجع خصمه، وتبين له في كلامه أو فعله من حسن وقبيح] (٢).
قوله: "أخرجه أصحاب السنن":
قلت: قال الترمذي (٣): "انتهينا .. انتهينا": مكررة. قال: وقد روي عن إسرائيل مرسلاً. انتهى.
وقال ابن الأثير (٤): إن التكرير من رواية الترمذي، وأن عند أبي داود والنسائي: "انتهينا" مرة واحدة.
١٢ - وَعَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتهُ لَكُمْ". فَلَمَّا سَمِعَوا ذَلِكَ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَجَعَلْتُ أَنْظُر يَمِينًا وَشِمَالاً، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لاَفٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لاَحَى يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله! مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَقَالَ عُمَرُ رَضِينَا بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبَّيَاً، نَعُوْذُ بِالله مِنْ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا رَأَيْت فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهمَا دُونَ الْحَائِطِ".
стр. 758
أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]
وزاد فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عبيد الله بْنُ عبد الله بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عبد الله بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْد الله بْنِ حُذَافَةَ: مَا رَأَيْتُ أَعَقَّ مِنْكَ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا يُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ، قَالَ عبد الله بْنُ حُذَافَةَ: وَالله! لَوْ أَلْحقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ.
"والإحفاء" (٣): في السؤال الاستقصاء والإكثار.
"وأرَمَّ" (٤): بفتح الهمزة والراء إذا أطرق ساكتاً من خوف.
"والرهبة": الخوف والفزع.
[قوله في حديث أنس: "حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم" كأن في الكلام طي إذ صعوده ذات يوم لا يلائم للإحفاء في المسألة.
قوله: "ارموا وارهبوا":
أقول: كذا في نسخ التيسير بواو العطف وفي "الجامع" (٥) بحرف التخيير: "أو رهبوا".
قوله: "بين يدي أمر قد حضر":
стр. 759
أقول: كأنهم قرب وفاته ﷺ ولذا لفوا رؤوسهم وبكوا، ولفظ البخاري: "فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين" (١). يروى بالحاء المهملة وبالمعجمة، وهو تردد البكاء بصوت أغن، وبوب له البخاري (٢) باب: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، ذكره في التفسير (٣)، وذكره في كتاب العلم (٤).
قوله: "قال عمر":
قال ابن بطال (٥): فهم [٢٩٥/ ب] عمر أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك فقال: "رضينا بالله رباً ... " إلى آخره] (٦).
قوله: "أحفوه": بمهملة ثم فاء. أكثروا عليه المسألة حتى جعلوه كالحافي. كما يقال: أحفاه في السؤال إذا ألح عليه، ويأتي تفسيره.
قوله: "فقال رجل من أبي": في "فتح الباري" (٧) في كتاب العلم (٨) من البخاري: أن الرجل عبد الله بن حذافة، وفي رواية قيس بن حذافة، وورد أنه كان يطعن في نسبه، وقام آخر فقال: أين أبي؟ فقال: في الدار. وقام آخر فقال: يا رسول الله! الحج علينا في كل عام؟ فقال له
стр. 760
رسول الله ﷺ : "دعك وما يؤمنك أن أقول: نعم. والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم" فأنزل الله الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾.
قوله: "لو ألحقني بعبد أسود للحقته":
أقول: قد يقال: هذا لا يتصور لأن الزنا لا يثبت به النسب، وأجيب: بأنه لم يبلغه هذا الحكم، أو يقال: أنه يتصور الإلحاق بعبد وطئها بشبهة، فيثبت النسب.
قوله: "أخرجه الشيخان والترمذي وزاد":
قلت: وقال (١): هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى.
قوله: "وقال ابن شهاب": ظاهره أنه من زيادة الترمذي، ولم أجدها فيه، بل قال ابن الأثير (٢): وأخرج الترمذي منه طرفاً يسيراً.
قلت: هو ما ذكرناه نعم ابن الأثير [٢٩٦/ ب] ساق قال ابن شهاب ... : إلى آخره بمثل ما انفرد به الترمذي، فالإيهام جاء من سياق المصنف.
١٣ - وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلاَ يَحْلُبُهَا أَحَدٌ. وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلهَتِهِمْ لاَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيءٌ. وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ الْبِكْرُ تبكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الإِبِلِ، بِأُنْثَى ثُمَّ تُثَنِّى بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ. وَالْحَامِ: فَحْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ وَسَمَّوْهُ الْحَامِ. قَالَ: وقَالَ أبو هُريْرَة ﵁: قَالَ رسول الله
стр. 761
- ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لحُيٍّ الخزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" أخرجه الشيخان (١). [صحيح]
"والقصب" (٢): واحد الأقصاب، وهي الأمعاء.
قوله: "وعن ابن المسيب":
قال أبو عبيدة (٣): جعلها - أي: البحيرة - قوم من الشاء خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها أي: شقوها، وتركت فلا يمسها أحد.
وقال آخرون (٤): بل البحيرة الناقة كذلك، وخلوا عنها فلا تركب ولا يضربها فحل.
وقوله: "ولا يحلبها أحد": هكذا أطلقه هنا. وقال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويجعلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وفيها قول آخر.
قوله: "والسائبة":
قال أبو عبيدة (٥): كانت السائبة من جميع الأنعام [٧٥/ أ] وتكون نزوراً للأصنام فتسيب ولا تحبس عن مرعى، ولا يركبها أحد.
стр. 762
قوله: "البحيرة":
أقول: هو تفسير لما في الآية. وروي أن أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع أذانهما وخرم أذانهما قال ﷺ : "فرأيته في النار يخبطانه بأخفافها، ويقضمانه بأفواههما".
قوله: "البحيرة": في "الكشاف" (١): كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي: شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن مرعى، ولا ماء، وإذا لقيها المعيّي - أي: الذي قد أعياه السفر وأتعبه - لم يركبها، وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو بريت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.
وقيل (٢): كان [٢٩٧/ ب] الرجل إذا أعتق العبد قال: هو سائبة فلا عقل ولا ميراث بينهما، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، واذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء، ولا مرعى. انتهى.
ولابن الأثير في "غريب الجامع" (٣) نفسير غير هذا اكتفينا بالإشارة إليه عن نقله إلا أنه لم يفسر الوصيلة فيه، وفسرها في "النهاية" (٤): بأنها الشاة إذا ولدت ستة أبطن اثنين اثنين،
стр. 763
وولدت في السابعة ذكراً وأنثى، قالوا: وصلت أخاها فأحلوا لبنها للرجال وحرموه على النساء، ثم ذكر تفسير آخر بلفظ: قيل (١): والكل غير ما في "الكشاف"، والله أعلم.
[قوله في حديث ابن المسيب: "رأيت عمرو بن عامر":
أقول: كان عمرو بن عامر الخزاعي] (٢) أول من أدخل الأصنام الحرم، وحمل الناس على عبادتها، وكانت العرب قد جعلته رباً لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم، وربما نحر عشرة آلاف بدنه وكسا عشرة آلاف حلة، وكان يلت السويق على صخرة معروفة تسمى: صخرة اللات، ويقال: إن الذي كان يلت من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو: إنه لم يمت، ولكن دخل الصخرة فأمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتاً يسمى اللات.
ويقال: إنه أقام أمره وأمر ولده على هذا ثلاثمائة سنة بمكة فلما مات سميت تلك الصخرة اللات، محففة التاء وأعدت فيما يعبد.
١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَني سَهْمٍ مَعَ تميمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَميمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْليَائِهِ فَحَلَفَا: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وإنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قَالَ: وَفِيهِمْ
стр. 764
نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية". أخرجه البخاري (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣). [صحيح]
"والجام" الإناء "وتخويصه" أن تجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل.
قوله في حديث ابن عباس: "مع تميم الداري".
أقول: هو تميم بن أوس (٤) بن خارجة السبائي أبو رقية، له رواية, ولا يعرف لعدي (٥) بن بداء إسلام. قاله الكاشغري [٢٩٨/ ب].
قوله: "وفيهم نزلت: (يا أيها الذين آمنوا) ".
أقول: كان نزولها سنة عشر كما ذكر العامري في البهجة (٦)] (٧) [٧٦/ أ].
قوله: "وعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم ... " إلى آخره.
هذا الحديث من مراسيل ابن عباس، لأنه لم يحضر القصة، وقد جاء في بعض الطرق أنه رواها عن تميم، بيّن ذلك الكلبي.
стр. 765
قوله: "والرجل".
هو: بُديل - بضم الباء فدال مهملة فمثناة تحتية مصغر بدل - ابن أبي مارية السهمي مولى عمرو بن العاص.
وفي الترمذي (١): يقال له: بديل بن أبي مريم، والكاشغري: بديل هو ابن أبي مارية. وقيل: بزيل، بالزاي.
قوله: "فقام رجلان".
هما: عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان.
١٥ - وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُنْزِلَتِ المَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلحْمًا، فَأُمِرُوا أَنْ لاَ يَخُونُوا وَلاَ يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ". أخرجه الترمذي (٢). [سنده ضعيف]
قوله في حديث عمار: "أخرجه الترمذي":
قلت: وساقه بأطول مما ساقه "المصنف" من حديث ابن عباس عن تميم الداري قال (٣): هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو نصر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عند ابن الكلبي سمعت محمد بن سعيد يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النصر، وقد تركه أهل العلم، ولا يعرف لسالم أبي النصر المدني رواة عن أبي صالح مولى أم هانئ.
стр. 766
وقد روى عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه. انتهى بلفظه.
ورواية ابن عباس هي التي ساقها المصنف ونسبها إلى الشيخين والترمذي (١)، ثم ساق حديث ابن عباس، ثم قال (٢) بعد سياقه ببعض مغايرة للفظه هنا: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة ومحمد بن أبي القاسم كوفي قيل: إنه صالح الحديث. انتهى.
قلت: وقد أوضحنا الحديث وقررنا معناه في "ذيل الأبحاث المسددة" (٣) تقريراً يطابق معنى الآية مطابقة ظاهرة [٢٩٩/ ب]
(سورة الأنعام)
١ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّا لاَ نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ أخرجه الترمذي (٤). [ضعيف]
قوله في [رواية] (٥) علي: [فأنزل الله تعالى] (٦): ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾.
стр. 767
أقول: قرئ بالتشديد والتخفيف من كذبه إذا جعله كاذباً في زعمه، [وأكذبه إذا وجده كاذباً، والمعنى: أن تكذيبك أمر راجع إلى الله؛ لأنك رسوله المصدق بالمعجزات، فهم لا يكذبونك في الحقيقة، وإنما يكذبون الله بجحد آياته] (١).
[قلت: ثم ساق رواية أخرى (٢) بمعنى هذه التي عن علي ﵇ فيها عن ناجيه أن أبا جهل فذكره نحوه فيه عن علي، وهذا أصح] (٣).
٢ - وَعَنْ سَعْدٍ بن أَبِي وَقَّاص ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رسولُ الله ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلاَءِ لاَ يَجْتَرئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلاَلٌ، وَرَجُلاَنِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِى نَفْسِ رَسُولِ الله ﷺ مَا شَاءَ [الله] أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية. أخرجه مسلم (٤). [صحيح]
стр. 768
قوله: [في حديث سعد بن أبي وقاص: لا] (١) أسميهما.
[قلت:] (٢) سماهما في رواية عمار بن ياسر وصهيب.
قوله: "فحدث نفسه":
أقول: أي: رسول الله ﷺ حدَّث نفسه، أي: يطرد من ذكر، وكأنه فهمه من قرينة الحال.
وقوله: "لا يجترئون علينا" من الجراءة أي: لا يسلكون علينا مسالك أهل الجراءة والإقدام بسبب قربهم منك، وفي الآية ثناء عظيم على الستة الفقراء، وإخبار بأنهم يريدون وجه الله بدعائهم، وهي مثل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَ﴾ الآية (٣).
٣ - وَعَنْ سَعْدِ أيْضَاً ﵁ قَالَ: فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ". أخرجه الترمذي (٤). [ضعيف]
والمراد بالتأويل هنا: الوجود والوقوع، لا التفسير ونحوه.
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (٥): حسن غريب.
стр. 769
٤ - وَعَن جَابِرَ بْنَ عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ" فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: "هَاتَانِ أَهْوَنُ - أَوْ - هَاتَانِ أَيْسَرُ". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح]
[قوله: "شيعاً":
[قال] (٣) في "النهاية" (٤) الشيع: الفرق، أي: يجعلكم فرقاً مختلفين، الشيعة: الفرقة من الناس، وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقد غلب على هذا الاسم كل من يتولى علياً ﵇ وأهل بيته حتى صار لهم علماً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عُرف أنه منهم، وتجمع الشيعة على شيع وأصلها من المشايعة، وهي المتابعة. انتهى.
قوله: "يلبسكم": يخلطكم من الالتباس] (٥).
قوله: "هاتان أهون أو أيسر" [أقول] (٦) هو شك من الراوي [٣٠٠/ ب] والضمير (٧) يعود على الكلام الأخير. أي: خصلة الالتباس، وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعض هذا، وقد
стр. 770
روي ابن مردويه (١) ما يفسر حديث جابر ولفظه عنه من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض، ولا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف والرجم وأبى أن يرفع عنهم الآخرين".
فيستفاد [بهذه] (٢) الرواية [٧٧/ أ] [المراد] (٣) بقوله: "أو من فوقكم ... أو من تحت أرجلكم":
وأخرج (٤) من طريق ابن عباس أن المراد بالفوق حبس المطر، وبالتحت منع الثمرات.
قال ابن حجر (٥): والأول هو المعتمد. قال: وفي الحديث دليل على أن الرجم والخسف لا يقعان في هذه الأمة، وفيه نظر فقد روى أحمد (٦) والطبري (٧) من حديث أبي بن كعب في هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: هن أربع وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد وفاة نبيهم بعد خمس وعشرين سنة ألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأن بأس بعض، وبقيت اثنتان يأتيان لا محالة الخسف والرجم.
стр. 771
وقد (١) أعل هذا الحديث بأن أبي بن كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية فكأن حديثه انتهى عند قوله: "لا محالة" والباقي كلام بعض الرواة، وقد أورد (٢) إعلال آخر، وأجاب عنه وأطال في ذلك.
٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ, أَلَمْ تَسْمَعُوا قَولَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ " أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤). [صحيح]
حديث: " ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ":
أقول: وجه المشقة ظاهرة إذ الظلم يعم كل معصية حتى الصغائر كما قال تعالى [٣٠١/ ب] لموسى ﵇: "إلا من ظلم نفسه ... " الآية. فإن المراد من ارتكب صغيرة؛ لأنه في صفات الأنبياء، وهم لا يأتون إلا صغار الذنوب ففسر ﷺ المراد من الظلم هنا وهو أنه أريد به الفرد الكامل، وهو الشرك من باب العام المراد به الخاص، واتفق عليه من عدا الوعيدية كالزمخشري (٥)، فإنه لم يفسره بذلك التفسير النبوي، وأبى من تفسير الظلم بالشرك
стр. 772
لفظ اللبس، وأبدل الشرك بالكفر تتميماً لمراده، وأورده أنه لا يجتمع الإيمان والكفر، واللبس يقتضي الاختلاط والاجتماع، وقد أخطأ مذهبه فإن الفاسق غير مؤمن عنده فقد لزمه ما فرَّ منه وخاب السعي وما بعد التفسير النبوي وصحته، مجال.
٦ - وَعَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى أُنَاسٌ إِلَى رسولُ الله ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا نَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ وَلاَ نَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ الله تَعالَى، فَأَنْزَلَ الله تَعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾. أخرجه أصحاب السنن (١) [صحيح]
٧ - وفي رواية لأبي داود (٢) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قَالَ: يَقُولُونَ: مَا ذَبَحَ الله - يعنون الميتة - لِمَ لَا تَأْكُلُونَهُ؟ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ , ثم نزل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. [صحيح]
стр. 773
٨ - وله في أخرى (١): ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. [حسن]
٩ - وعند النسائي (٢) قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: مَا ذَبَحَ الله فَلاَ تَأْكُلُوه، وَمَا ذَبَحْتُمْ أنتُمْ أَكَلْتُمُوهُ. [صحيح]
قوله في حديث ابن عباس: "أخرجه أصحاب السنن":
أقول: وقال الترمذي (٣): وهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عباس أيضاً، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي ﷺ مرسل.
١٠ - وعنه ﵁ قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلاَثِينَ وَالمِائَة مِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ أخرجه البخاري (٤). [صحيح]
١١ - وعَن ابن مَسْعود ﵁ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾. أخرجه الترمذي (٥). [صحيح]
стр. 774
قوله: "إلى الصحيفة التي عليها [٣٠٢/ ب] خاتم محمد" يعني: أنها محكمة في كل شريعة لا نسخ فيها.
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (١): هذا حديث حسن غريب.
١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ لمْ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ". أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣). [صحيح]
قوله: "أخرجه مسلم والترمذي":
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن صحيح.
١٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قَالَ: "طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا" أخرجه الترمذي (٥). [صحيح]
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: وقال (٦): حسن غريب.
стр. 775
(سورة الأعراف)
اختلف (١) في المراد بالأعراف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾:
عن أبي مجلز قال: ملائكة وكلوا بالصور ليتميز الكافر من المؤمن.
واستشكل بأن: الملائكة ليسوا ذكوراً ولا إناثاً، فلا يقال لهم: رجال!.
وأجيب: بأنه مثل قوله تعالى في حق الجن: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾.
كذا ذكره القرطبي في "التذكرة" (٢): وليس بواضح، لأن الجن يتوالدون فلا يمتنع أن يقال فيهم ذكوراً وإناثاً، بخلاف الملائكة. انتهى.
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣) ﵄ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا فتَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.