← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد (١) أعل هذا الحديث بأن أبي بن كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية فكأن حديثه انتهى عند قوله: "لا محالة" والباقي كلام بعض الرواة، وقد أورد (٢) إعلال آخر، وأجاب عنه وأطال في ذلك. ٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ, أَلَمْ تَسْمَعُوا قَولَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ " أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤). [صحيح] حديث: " ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ": أقول: وجه المشقة ظاهرة إذ الظلم يعم كل معصية حتى الصغائر كما قال تعالى [٣٠١/ ب] لموسى ﵇: "إلا من ظلم نفسه ... " الآية. فإن المراد من ارتكب صغيرة؛ لأنه في صفات الأنبياء، وهم لا يأتون إلا صغار الذنوب ففسر ﷺ المراد من الظلم هنا وهو أنه أريد به الفرد الكامل، وهو الشرك من باب العام المراد به الخاص، واتفق عليه من عدا الوعيدية كالزمخشري (٥)، فإنه لم يفسره بذلك التفسير النبوي، وأبى من تفسير الظلم بالشرك

стр. 772

لفظ اللبس، وأبدل الشرك بالكفر تتميماً لمراده، وأورده أنه لا يجتمع الإيمان والكفر، واللبس يقتضي الاختلاط والاجتماع، وقد أخطأ مذهبه فإن الفاسق غير مؤمن عنده فقد لزمه ما فرَّ منه وخاب السعي وما بعد التفسير النبوي وصحته، مجال. ٦ - وَعَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى أُنَاسٌ إِلَى رسولُ الله ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا نَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ وَلاَ نَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ الله تَعالَى، فَأَنْزَلَ الله تَعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾. أخرجه أصحاب السنن (١) [صحيح] ٧ - وفي رواية لأبي داود (٢) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قَالَ: يَقُولُونَ: مَا ذَبَحَ الله - يعنون الميتة - لِمَ لَا تَأْكُلُونَهُ؟ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ , ثم نزل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. [صحيح]

стр. 773

٨ - وله في أخرى (١): ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. [حسن] ٩ - وعند النسائي (٢) قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: مَا ذَبَحَ الله فَلاَ تَأْكُلُوه، وَمَا ذَبَحْتُمْ أنتُمْ أَكَلْتُمُوهُ. [صحيح] قوله في حديث ابن عباس: "أخرجه أصحاب السنن": أقول: وقال الترمذي (٣): وهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عباس أيضاً، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي ﷺ مرسل. ١٠ - وعنه ﵁ قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلاَثِينَ وَالمِائَة مِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ أخرجه البخاري (٤). [صحيح] ١١ - وعَن ابن مَسْعود ﵁ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾. أخرجه الترمذي (٥). [صحيح]

стр. 774

قوله: "إلى الصحيفة التي عليها [٣٠٢/ ب] خاتم محمد" يعني: أنها محكمة في كل شريعة لا نسخ فيها. قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: وقال (١): هذا حديث حسن غريب. ١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ لمْ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ". أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣). [صحيح] قوله: "أخرجه مسلم والترمذي": قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن صحيح. ١٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قَالَ: "طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا" أخرجه الترمذي (٥). [صحيح] قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: وقال (٦): حسن غريب.

стр. 775

(سورة الأعراف) اختلف (١) في المراد بالأعراف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾: عن أبي مجلز قال: ملائكة وكلوا بالصور ليتميز الكافر من المؤمن. واستشكل بأن: الملائكة ليسوا ذكوراً ولا إناثاً، فلا يقال لهم: رجال!. وأجيب: بأنه مثل قوله تعالى في حق الجن: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. كذا ذكره القرطبي في "التذكرة" (٢): وليس بواضح، لأن الجن يتوالدون فلا يمتنع أن يقال فيهم ذكوراً وإناثاً، بخلاف الملائكة. انتهى. ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣) ﵄ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا فتَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.

стр. 776

أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢). [صحيح] قوله: "كانت المرأة تطوف": أقول: ظاهره أنه أريد جنس المرأة، وأن كل امرأة طافت تقول ذلك فصوابه التنكير في ذلك، وأن يقال: حتى طافت امرأة فقالت، أو كانت بعض [٣٠٤/ ب] النساء تقول عند طوافها، لأن المعروف أن هذا الرجز قالته امرأة واحدة كما ذكره السهيلي (٣) في شرح السيرة ضباعة بنت عامر امرأة من بني عامر بن صعصعة. قلت: شهد لما قاله السهيلي ما أخرجه عبد بن حميد (٤) عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت، ووضعت يدها على قبلها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله ... البيت. قوله: "فتقول: من يعيرني تطوافاً": في النهاية (٥): هو على حذف مضاف، أي: ذا تطواف، ورواه بعضهم بكسر التاء قال: وهو الثوب الذي يطاف به، ويجوز أن يكون مصدراً. [قوله في حديث ابن عباس: "تطواف":

стр. 777

أقول: بكسر المثناة الفوقية الثوب الذي يطاف فيه] (١). قال النووي (٢): كان أهل الجاهلية يطوفون عراة يرمون ثيابهم ويتركونها مرمية بالأرض لا يأخذونها أبداً يتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى، وتسمى اللقى حتى جاء الإسلام فأمر الله بستر العورة، وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال ﷺ : "لا يطوف بالبيت عريان" (٣). قوله: "زينتكم": أقول: أخرج ابن جرير (٤) وغيره عن مجاهد قال: الزينة الثياب. وأخرج ابن جرير (٥) وغيره (٦) عن طاوس قال: الشملة من الزينة. [وأخرج] (٧) أبو داود (٨) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثياب دون، فقال: "ألك مال؟ " قال: نعم. قال: "من أيَّ المال؟ " قال: قد أتاني الله من الإبل والغنم، والخيل، والرقيق، قال: "فإذا أتاك الله فأبد أثر نعمته [عليك] (٩) وكرامته".

стр. 778

٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رسولُ الله ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ حَمَّاد ﵀: وَأَمْسَكَ سُلَيْمَانُ بِطَرَفِ إِبْهَامِهِ عَلَى أَنْمُلَةِ إِصْبَعِهِ الْيُمْنَى. قَالَ: فَسَاخَ الْجَبَلُ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. أخرجه الترمذي (١) وصححه. قوله في حديث أنس: "قال حماد": هو أحد [الرواية] (٢). قوله: "وأمسك سليمان": أقول: هو سليمان بن حرب أحد الرواة لحديث أنس، هذا وكان حكى فعل أنس حين صور له ذلك. وحديث أنس هذا أخرجه أبو الشيخ (٣) وابن مردويه (٣) من طريق ثابت عن أنس وفيه: فقال حميد: ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره. وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ وتقول أنت: ما تريد إلى هذا. وأخرج ابن جرير (٤) [و] (٥) غيره (٦) عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر، ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: تراباً، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: مغشياً عليه.

стр. 779

وأخرج ابن جرير (١) عنه أيضاً: "فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم أفاق فقال: سبحانك [٣٠٥/ ب] ثبت إليك وأنا أول المسلمين". قوله: "فساخ (٢) ": بالسين المهملة والخاء المعجمة، يقال: ساخت قوائم الدابة إذا ذهبت [٣٠٣/ ب] في الأرض. قوله: "أخرجه الترمذي وصححه": أقول: قال (٣): هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. ٣ - وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ قَولُه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية. قَالَ: سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الله تَعَالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ, فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرَّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرَّيَّةً, فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الله إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ". أخرجه الأربعة (٤) إلا النسائي. [ضعيف الإسناد]

стр. 780

قوله في حديث مسلم بن يسار: "فاستخرج منه ذرية ... " إلى آخره: الحديث مروي من طرق عديدة لا يبعد دعوى تواتر معناها. وللناس كلام كثير في ذلك أكثرهم حملها على المجاز كالزمخشري (١) ومن تبعه، وحملها آخرون على الحقيقة، وقد

стр. 781

أطلبنا البحث وبينا وجه القولين في ذيل الأبحاث (١) المسددة - بحمد الله - فمن أراد ذلك راجعه. وهذا الحديث إخبار من الله بأنه لا يدخل أحد من ولد آدم جنةً ولا ناراً إلا بعمله ولذا قال: "وبعمل أهل كذا يعملون" أي: باختيارهم وإخباره بأنهم من أهل كذا إخبار عما علمه من عملهم قبل إيجادهم، وأن هذا للعلم [٧٨/ أ]. قوله في حديث عمر: "خلقت هؤلاء للجنة":

стр. 782

أقول: اللام فيها وفي قوله: "للنار" لام العاقبة مثلها في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١)، ومثل قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢) مصرح بأن الحكمة في خلق الثقلين أن يعبدوه تعالى فمن عبده كان من أهل الجنة مئالاً، ومن لم يعبده كان من أهل النار مئالاً. فهو إذا علم أن العبد مئاله [إلى] (٣) الجنة رزقه الإقبال بقلبه على عمل أهل الجنة، وهي طاعة الله فعمل مختاراً. وإذا علم أن مئاله إلى النار خذله، فعمل بعمل أهل النار، فآل حاله إليها. وإلا فإنه يدعو الفريقين إلى عبادته ويرسل إليهم رسله، وقد سبق علمه بالشقي منهم والتقي، لكن سَبْقُ علمه لا ينافي اختيار العبد، وسبق علمه بذلك كسبق علمه بما يخلقه هو تعالى ويوجده وهو مختار فيما يخلقه ويوجده. قوله: "أخرجه الأربعة إلا النسائي": قلت: قال (٤) الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. قال: وقد ذكره بعضهم بين مسلم بن يسار و [بين] (٥) عمر رجلاً مبهماً. انتهى.

стр. 783

قلت: فهو مرسل إلا أن الأحاديث المرفوعة في ذلك كثيرة صحيحة، وقد ذكر المصنف حديث أبي هريرة الآتي، وذكر في الدر المنثور (١) منها شطراً واسعاً، وفيها أنهم خرجوا في هيئة الذر، ولذا يقال له: عالم الذر. وقيل: إن الذي مسح (٢) ملك [٣٠٦/ ب] من الملائكة فأضيف الفعل إلى المسيب. [والحديث مروي من طرق عديدة لا يبعد دعوى تواتر معناها، وللناس كلام كثير] (٣).

стр. 784

٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "لَمَّا خَلَقَ الله آدَمَ ﵇ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَي رَبِّ! مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنيهِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ قَالَ: رَبِّ! كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً قَالَ: أَيْ رَبِّ! زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ رسولُ الله ﷺ : "فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ ﵇ إلا أَرْبِعين جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوَ لم يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ فَقَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرَّيَّتُهُ وَنَسِىَ آدَمُ فَأَكَلَ مِن الشَّجَرَة فَنَسِيَتْ ذُرَّيَّتُهُ, وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرَّيَّتُهُ" أخرجه الترمذي (١) وصححه. [صحيح] قوله في حديث أبي هريرة: "فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة": فإن قلت: الآية قاضية بأنه تعالى أخذ من ظهور [٧٩/ أ] بني آدم جميعاً لا من ظهر آدم، فكيف تطبيق الحديث على الآية؟ وأجيب: بأنه لا مانع أن يؤخذ كل من ظهر أبيه، والمجموع من ظهر آدم فتكون [تلك] (٢) الإخراجة التي خرجت دفعةً مثل هذا الإخراج [٣٠٧/ ب] المفرق أو نحوه. والحديث يحتمل ذلك، وليس بصريح في خلافه، ويرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٣) فخلق الأبناء ضمناً في خلق الآباء.

стр. 785

فإن قلت: وما الحكمة في هذا الإيجاد في عالم الذر؟ قلت: إذا ثبت الحكم عن الله وجب قبوله، وإن لم يعرفنا حكمته، فإنه لا علم لنا إلا ما علمنا، لكنه هنا قد تفضل علينا بذكر الحكمة هو أخذ العهد عليهم بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: أنت ربنا, قال: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. فحكمته أخذ الميثاق عليهم. إن قلت: هذا الميثاق لا يذكره بنو آدم في دار الدنيا، وإنما أخذه الله لئلا تدعى الغفلة عن الربوبية يوم القيامة كما صرحت به الآية. قلت: اقتضت حكمة الله أن ينسي العباد ذلك العهد في هذه الدار، ويخلفه بالأدلة الدالة على مثله حتى كأنهم مخاطبون بذلك الخطاب في كل آن، ثم قد صار مذكوراً لنا الآن بإخبار الله تعالى لنا، وإخبار رسوله ﷺ فيذكرون العهد يوم القيامة كما يذكرون دقيق أعمالهم وجليلها مع نسيانهم الآن لأكثرها كما قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (١) فيذكر هذا العهد. وهذا العهد أقر كل بني آدم أن الله خالقه وخالق السموات، ومنزل الغيث: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ (٣) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ

стр. 786

مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١)، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ [٣٠٨/ ب] وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (٢). وهذه هي فطرة [الله] (٣) التي فطر الناس عليها، "وكل مولود يولد على الفطرة" (٤) وهي الإقرار بالربوبية لله، وذهب الزمخشري (٥) ومن تبعه كالبيضاوي (٦) وأبي السعود (٧) [إلى] (٨) أن الآية مجاز. قال جار الله (٩): وإشهادهم على أنفسهم وقوله: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك: أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أنت ربنا: "شهدنا على أنفسنا" وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله، وفي كلام العرب إلى آخر كلامه.

стр. 787

والذي ألجأ أئمة التفسير إلى ارتكاب المجاز (١): أن هذا عهد لا يذكره بنو آدم، وتقدم الجواب عنه. قالوا: ولأنه لا يؤخذ العهد إلا على من كلف، وأدرك ما يقال له. وجوابه: لا مانع أنه تعالى كمل عقولهم، وعرفوا ما يقال لهم، والإيمان بالله وحكمته لا تأبى ذلك، وفي المسألة مباحث طويلة. قوله: "وبيصاً": [أقول] (٢) بفتح الواو فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة بريقاً ولمعاناً. قوله: "فجحد آدم": أقول: الجحد: إنكار الجاحد ما هو عالم به، ولا لوم على آدم ﵇ في ذلك، فقد ثبت في الحديث القدسي: "إن العبد يكره الموت وأن الله يكره مساءة عبده المؤمن" (٣) فلم يجعل تعالى كراهة الموت ذنباً، فإنه كراهة جبلية طبيعية بشرية، ولا ينافيه حديث: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (٤) فإنه ليس فيه إلا الإخبار بأن [٣٠٩/ ب] محبة لقاء الله سبباً لمحبة الله لقاءه، والكاره للموت كاره لكربه وشدائده لا للقاء الله.

стр. 788

قوله: "فجحد بنو آدم": أقول: فيه أن طباع الآباء يرثها في الغالب الأبناء في الطباع والأخلاق، ولذا قال بنو إسرائيل لمريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ (١) فأنكروا أن تأتي بخلاف ما كان عليه قراباها، وفي عكسه قال إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢)، فلا يستنكر إن أتى منه ما أتى من أخيه شقيقه، ولذا قيل: يَنْشَو الصَّغيرُ على ما كان والده ... إنَّ [العروق] (٣) عليها تَنْبتُ الشَّجرُ ثم لا أدري هل أعطي آدم الأربعين بعد الجحد أم أقام الله عليه بينة هبته، وكانت [] (٤) فمن وجد أحد الأمرين ألحقه. قوله: "ونسي آدم": أقول: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ ولا لوم عليه في النسيان لأنه جبلي لا يخلو عنه البشر إنما يؤمر العبد بالاحتراز عن أسبابه، والغفلة عن التحفظ عنها، فنسيت ذريته، أي: كان من طبائعها النسيان، وظاهره أن الجحد والنسيان لولا صدورهما عن أبي البشر لما اتفق ذلك لأولاده كما فسرته آنفاً.

стр. 789

قوله: "وخطي آدم": أي: ارتكب الخطيئة. والذي يظهر لي أنه أريد بنسيان الذرية نسيانهم العهد الذي أخذ عليهم في الآية الذي ورد الحديث تفسيراً لها، وذكره هنا لذلك، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ [٨٠/ أ]، [٣١٠/ ب]. [قوله] (١): "بأكله الشجرة": [فارتكبت] (٢) الخطايا ذريته، ونرجو أن يوفق للتوبة كما وفق آدم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (٣). واعلم أن هذا سيأتي في حرف الخاء المعجمة في بدء الخلق، وفيها زيادات منها أنه كتب عُمْر كلّ إنسان بين عينيه، وأن عُمر داود كُتب أربعين سنة فزاده آدم من عمره ستين، وكان عمر آدم ألف سنة. والحديث أخرجه الترمذي (٤) عن أبي هريرة أيضاً إلا أنه قال (٥): وهذا الحديث حسن صحيح، وقال في الحديث الآتي: حسن غريب. وما وصفه بالصحة مقدم على ما وصفه بالغرابة، فهذه الرواية أرجح من الآتية. قلت: والذي أظنه أنه انقلب على بعض الرواة فجعل الأربعين عمر داود والستين هبة آدم، وهو بالعكس كما صرحت به هذه الرواية التي صححها الترمذي، ويؤيد الانقلاب أنه تعالى قد علم طبعاً أن داود سيجعله نبياً، وثبتت حكمته تعالى أن لا يرسل نبياً إلا بعد بلوغه سن الأربعين، فلو كتب عمر داود أربعين لما تم إرساله نبياً، ولا أنزل عليه [الزبور] (٦)

стр. 790

وجعله الله خليفة, فلا بد، وأن يكون قد كتب عمره زيادة على الأربعين، وهي العشرون، فالانقلاب في متون الأحاديث [قد اتفق في أحاديث] (١) ويؤيده أنا لم نجد رواية في "الدر المنثور" (٢) بأن عمر داود أربعون مع توسعه في النقل، بل كل ما فيه من الروايات أنه ستون. إن قلت: إنه تعالى قدر [٣١١/ ب] نبوته بعد علمه أن آدم يهب له عشرين عاماً تكون فيه نبوته وخلافته. قلت: هذا ينبني على أن هبة آدم تمت لداود، وقد قدمنا لك أنه لم يأت ما يدل على ردها لآدم، ولا على عدمه إلا أن في رواية أخرجها ابن أبي حاتم (٣)، وابن منده (٤) وأبو الشيخ (٥) في [العظمة] (٦) وابن عساكر (٥) عن أبي هريرة، وفيه أنه قال آدم: "فزده من عمري أربعين سنة قال: [أ] (٧) تفعل يا آدم؟! قال: نعم. يا رب. قال: فنكتب ونختم إنا إن كتبنا وختمنا لم نغير. قال: فافعل أي رب! " الحديث. فيحتمل أنه تعالى ما كتبه وختمه، ولم يغيره وجب، فلا ترد الهبة. قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: وقال (٨): هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . [انتهى] (٩).

стр. 791

٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ ﵍ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكانَ لاَ يَعِيشُ لهَا وَلَدٌ. فَقَالَ: سَمِّيهِ عبد الحَارِثِ. فَإنَّه يَعِيْش، فَسَمَّتْهُ فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ". أخرجه الترمذي (١). [ضعيف] قوله: "فَسَمَّتْهُ فعاش": أقول: وكان إبليس يسمى في الملائكة الحارث، وأنزل الله في ذلك: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢) يريد بالشرك تسمية الولد بعبد الحارث أطلق الشرك على المعصية، وهو يطلق عليها كثيراً. وأخرج ابن جرير (٣) عن ابن عباس قال: "كانت حواء تلد لآدم أولاداً فتعبدهم لله عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت ولداً فسمياه عبد الحارث". وأخرج ابن جرير (٤) وابن المنذر (٥).

стр. 792

و [ابن] (١) أبي [٣١٢/ ب] حاتم (٢) وغيرهم (٣) عن سعيد بن جبير مثله بأطول منه، وفيه: "فسمته عبد الحارث، وكان اسمه في الملائكة الحارث". وفي الباب [روايات] (٤) بمعناه كثير [ة] (٥). قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: وقال (٦): هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد لم يرفعه. انتهى. ٦ - وَعَن ابن الزُّبَيْر ﵄ قَالَ: مَا نَزَلَتْ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. أخرجه البخاري (٧) وأبو داود (٨). [صحيح] ٧ - وفي أخرى لهمَا (٩): أَمَرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ. قوله: "في أخلاق الناس": [صحيح]

стр. 793

أقول: روي عن جعفر الصادق (١) أنه قال: "ما في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها". ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانية عقلية وشهوية وعصبية، فللعقل الحكمة، ومنها: الأمر بالمعروف، وللشهوة العفة، ومنها: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، وللعصبية الشجاعة، ومنها: الإعراض عن الجاهلين، يريدون أن دواء كل واحدة من هذه هو ما ذكر. وأخرج الطبري (٢) مرسلاً، وابن مردويه (٣) موصولاً من حديث جابر وغيره: لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سأل رسول الله ﷺ جبريل فقال: "لا علم لي حتى أسأله، ثم رجع، فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك". قلت: وأحسن من قال ملماً بالآية: خذ العفو وأمر بعرف ولا ... تجادل وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاهلين (سورة الأنفال) في "النهاية" (٤) النفل: بالتحريك الغنيمة، وجمعه: أنفال، والنفل: بالسكون وقد يحرك: الزيادة. أقول: الأنفال لغة: العطايا من القسمة غير السهم المستحق بالقسمة، واحدها نفل بفتحتين على الأشهر، والتنفيل يكون لمن صنع جميلاً في الحرب.

стр. 794

وقال أبو عبيدة في كتاب "الأموال" (١): النفل: إحسان وتفضل من المنعم، فسميت الغنائم أنفالاً، لأن الله تفضل بها على هذه الأمة، ولم يجعلها لأحد قط. ١ - عن ابن جبير قالَ: قُلْتُ لابنِ عبَّاس ﵄: سُورة الأنفالِ قال: نَزَلَت في بَدْر. أخرجه الشيخان (٢) [صحيح] قوله في حديث ابن عباس: "في بدر": أي: في قصة بدر كما أن ما في سورة آل عمران في قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٣) إلى قريب أخرها في قصة أحد. ٢ - وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْتُ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الله قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ. فَقَالَ: "هَذَا لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ". فَقُلْتُ: عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لاَ يُبْلِى بَلاَئي، فَجَاءَنِي الرَّسُولُ فَقَالَ: "إِنَّكَ سَأَلْتَنِي وَلَيْسَ لِي، وَإِنَّه قَدْ صَارَ لِي وَهُوَ لَكَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦). [حسن] قوله في حديث مصعب: "فهب لي هذا السيف": أقول: كان هذا السيف للعاص بن سعيد بن العاص يقال له: ذو الكتيبة.

стр. 795

قال القاضي عياض (١): يحتمل أن هذا كان قبل نزول قسمة (٢) الغنائم، والحديث يدل عليه. قال: وقد اختلفوا (٣) في هذه الآية، فقيل: هي بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فإن مقتضى الآية الأولى أن الغنائم كانت للنبي ﷺ كلها خاصة، ثم إنه تعالى جعل أربعة أخماسها للغانمين بالآية الأخرى، وهذا قول ابن عباس وغيره، قيل: هي محكمة، والتنفيل من [٣١٥/ ب] الخمس، وقيل: هي محكمة [وللإمام] (٤) أن ينفل من الخمس ما شاء لمن شاء حسبما يراه. انتهى باختصار. [قوله: "جئت بسيف" أي: أخذه من سلاح الأعداء، وقاتلهم به لقوله: قد شفى صدري من المشركين] (٥). [قوله: "وليس لي ولا لك": أقول: لفظه في "الجامع" (٦) بزيادة بعد قوله: "لي" فقلت: "عسى أن يعطى هذا من لا يبلى بلائي، وقد صار لي فهو لك" فحذفه "المصنف"، وما كان يحسن حذفه، إذ هو من أعلام النبوة إخبار بما في نفس سعد] (٧).

стр. 796

قوله: "من لا يبلى بلائي": يقال: أبليت بلاءً حسنًا، أي: صنعت، والأصل فيه: الابتلاء الاختبار، أي: فعلت فعلاً اختبر فيه، ويظهر به خيري وشري. قوله: "فجاءني الرسول" ظاهره أن المراد به رسول الله ﷺ لقوله: "سألتني". وقوله: "ليس لي". [قوله: "أخرجه مسلم": لفظ الجامع: أخرجه مسلم في جملة حديث طويل يأتي في فضائل سعد، ثم قال: "والترمذي". قلت: وقال: حسن صحيح] (١). ٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أخرجه أبو داود (٢). [صحيح] قوله في حديث أبي سعيد: "في يوم بدر": أقول: [ونزولها في يوم بدر] (٣).

стр. 797

قال الحسن (١): [ليس الفرار] (٢) بكبيرة إلا في يوم بدر [ويوم] (٣) الملحمة الكبرى التي تأتي آخر الزمان. وقال غيره: هو من الكبائر إذا حضر الإمام، ولم يتحيز إلى فئة، وأما إذا كان الفرار إلى الإمام فهو متحيز، والعذر الذي يحرم معه الفرار أن يفر الواحد مع الواحد، والواحد مع الاثنين، وإذا كان الواحد مع الثلاثة لم يعب على الفار فراره سواءً كان متحيزاً إلى فئة أم لا. قاله السهيلي (٤). وقال في الإتحاف حاشية "الكشاف" (٥): قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية عامة لكل ملاقاة بشرطها وبعيد ما ذكر عن بعض السلف - يريد الحسن - أنها في بدر خاصة لكثرة الأحاديث في أن الفرار من الزحف من الكبائر، ونحو ذلك بحيث يعلم المفهوم من مجموع الأحاديث قطعاً، وأيضاً لم يكونوا زحفاً من الزحوف يوم بدر، وأيضاً الظاهر أن الآية نزلت بعد الفراغ من حرب بدر، وإنما نزلت للترهيب، ولم يقع منهم يوم بدر ما يلامون عليه بحمد الله.

стр. 798

ولا يشترط في الفئة القرب كما قال ﷺ لمن قال من جيش مؤتة: نحن الفرارون. قال: "بل أنتم العكارون" وأنا فئتكم مع بعد المسافة [٣١٥/ ب] انتهى وهو حسن (١). ٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِه تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ الآية. قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عبد الدَّارِ. أخرجه البخاري (٢). [صحيح] قوله في حديث ابن عباس: "من بني عبد الدار": أقول: أي: ابن قصي. قال ابن عباس (٣): كانوا يقولون: نحن صم بكم [عميّ] (٤) عما جاء به محمد ﷺ فقتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير، وسونيط بن حرملة. "والصم": جمع: الأصم، وهو الذي لا يسمع (٥). "والبكم": جمع: الأبكم، وهو الذي لا يتكلم خرساً (٦).

стр. 799

وإنما سماهم الله بذلك لعدم انتفاعهم بالأسماع في قبول الدعوة إلى الإيمان، وعدم النطق بكلمة التوحيد؛ لا أنهم كذلك حقيقة إذ لو كانوا كذلك حقيقة لم يكلفوا ولا ذموا. ٥ - وَعَن أَنَسَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. فَلمَّا أخْرَجُوهُ نَزَلَتْ: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيَةَ. أخرجه الشيخان (١). [صحيح] قوله في حديث أنس: "قال: قال أبو جهل: [اللهم! ... إلخ"] (٢). أقول: قال الحافظ في "الفتح" (٣): ظاهره أنه القائل، وقد نسب إلى جماعة فلعله بدأ به ورضي الباقون فنسب إليهم. وقد روى الطبراني (٤) من طريق ابن عباس: أن قائل ذلك هو النضر بن الحارث قال: فأنزل الله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾. وكذا قال مجاهد (٥) وعطاء (٦).

стр. 800

والسدي (١) ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه، لكن نسبته إلى أبي جهل أولى، وعن قتادة (٢) قال: قال ذلك سفهةُ هذه الأمة وجهلتها. قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم": أقول: لما طلبوا العذاب بإنزال الحجارة، أو إتيان العذاب الأليم أجاب الله عنهم: بأنه لا يفعل ذلك ورسول الله ﷺ فيهم إكراماً له ودفعاً لوجوده بين أظهرهم أن يصابوا بالعذاب، ولذا قيل: لعين تغذي ألف عين وتفتدي ... ويكرم ألف للحبيب المكرم [٣١٦/ ب] وجرت حكمته تعالى إذا أراد إنزال العذاب بمن كذبت رسله أن يخرج (٣) الرسل من بينهم كما قال في نوح: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وفي لوط: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (٤)، وغير ذلك مما قصه في أخبار رسله. قوله: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ ": [روى ابن جرير (٥) من طريق زيد بن رومان أنهم لما قالوا ذلك ثم أمسوا ندموا فقال: غفرانك اللهم! فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾] (٦). أقول: اختلف في المراد بالمستغفرين:

стр. 801

فروى ابن أبي حاتم (١) من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس أن معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ أي: من سبق له من الله أنه سيؤمن. وقيل: من كان بين أظهرهم حينئذ من المؤمنين. قاله الضحاك (٢) وأبو مالك (٣). قلت: يؤيد أنه تعالى قال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ (٤). وأخرج الطبراني (٥) من طريق ابن أبزى قال: كان من بقي بمكة من المسلمين يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦) الآية. فأذن الله في فتح مكة، وهو العذاب الذي وعدهم الله به.

стр. 802

وأخرج الترمذي (١) من حديث أبي موسى يرفعه قال: "أنزل الله عليَّ أمانين لأمتي" وذكر هذه الآية. قال: فإذا مضيت [٨٢/ أ] تركت فيهم الاستغفار، وهذا الذي يقوي القول الأول والحمل عليه أولى أن العذاب حل بهم لما تركوا الندم على ما وقع منهم وبالغوا في معاندة المسلمين ومحاربتهم وصدهم عن المسجد الحرام. ٦ - وَعَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- يَقُولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلَاَثاً ... " أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤). [صحيح] ٧ - وزاد مسلم والترمذي: "أَلاَ إِنَّ الله سَيَفْتَحُ لَكُمُ الأَرْضَ، وَسَتكْفَوْنَ الْمُؤْونَةَ، فَلاَ يَعْجِزَنَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ". قوله في حديث عقبة [بن عامر] (٥): "ألا إن القوة الرمي": أقول: تفسير لمجمل الآية، وأنه أريد بالقوة الرمي. قال النووي في شرح مسلم (٦): هذا تصريح بتفسيرها، أي: القوة بالرمي، ورد لما يذكره المفسرون من الأقوال سوى هذا. وقال القرطبي (٧): إنما فسرت القوة بالرمي، وإن كان القوة

стр. 803

تظهر بإعداد غيره [٣١٧/ ب] من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنه لأنه قد يرمي في رأس الكتيبة منهم فينهزم من خلفه. قوله: "ثلاثاً": لفظه في مسلم: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". قوله: "أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي": قلت: هكذا عبارة ابن الأثير (١) والذي في الترمذي (٢) بعد أن رواه عن رجل لم يسمِّه عن عقبة قال (٣): وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أسامة بن زيد عن صالح بن كيسان عن عقبة بن عامر، وحديث وكيع أصح يريد به الذي فيه الرجل المجهول. قال: وصالح ابن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر [وأدرك ابن عمر] (٤). وأما مسلم فإنه رواه عن أبي علي ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة .. الحديث. وثمامة مثلثته مضمومة، وشفي بشين معجمة وفاء مصغراً. قال في "التقريب" (٥): أن ثمامة ثقة مات في خلافة هشام. قال ابن الأثير (٦): إلا أن مسلماً (٧) أفرد هذه الزيادة حديثاً برأسه.

стр. 804

[قوله: "وزاد مسلم والترمذي" أقول] (١): واللفظ الذي ساقه لفظ الترمذي ولفظ مسلم: "سيفتح عليكم أرضون فيكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه". وكان حق العبارة أن يقال: أخرجه مسلم وأبو داود، وأخرجه الترمذي من طريق فيها مجهول، ومن طريق مرسلاً وقال: إن طريق رواية المجهول أصح. فإن قلت: كيف تصحح رواية المجهول. قلت: يحتمل أنه أراد أصح من المرسلة، وإن كانت في نفسها غير صحيحة، ويحتمل أنه يريد لأنها قد رويت من طريق صحيحة وهي طريق مسلم. ٨ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾؛ كُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، وَلَا عِشْرُونَ مِن مَائَتَيْنِ. ثُمَّ نَزَلَتِ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لاَ يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ. أخرجه البخاري (٢) وأبو داود. [صحيح] ٩ - وفي أخرى (٣): لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية. فَلَمَّا خَفَّفَ الله تَعَالَى عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ. [صحيح] قوله في حديث ابن عباس: "فكتب أن لا تفر مائة من مائتين".

стр. 805

أقول: استدل بالحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم لرجلين من الكفار، وتحريم الفرار عليه منهما، سواء كان طالباً لهما أو مطلوباً لهما، وسواءً وقع وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكرُ، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة جاز له التولي عنهما جزماً، كان طلبهما فهو يحرم؟ (١) على ظاهر تفسير [٣١٨/ ب] ابن عباس. قوله: "نقص عنهم من الصبر". أقول: هذا لفظ البخاري، وعند الإسماعيلي (٢) "من النصر" قال الحافظ (٣): وهذا قاله ابن عباس توقيفاً، ويحتمل أن يكون قاله بطريق الاستقراء. ١٠ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ سُودِ الرُّءُوسِ مِنْ قَبْلِكُمْ، إِنَّمَا كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا". فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ أخرجه الترمذي (٤) وصححه. [صحيح] قوله: "في حديث أبي هريرة: سود الرؤوس من قبل". هو حكاية للواقع لا قيد لمن تحلّ له، وهذه الخصيصة إحدى الخمس التي أحلت له ﷺ : "وأحلت لي الغنائم"، في حديث (٥): "أعطيت خمساً" أخرجه الترمذي.

стр. 806

وقال (١): حسن صحيح، وهذا إحدى الروايات في سبب نزول الآية، والمشهور أنها في أخذ الفداء من الأسارى، كما تفيده رواية ابن عمر الآتية. قوله في حديث أبي هريرة: "فتأكلها". أقول: لفظ الترمذي (٢) بعد تأكلها: قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن، فلما كان الحديث وسليمان الأعمش أحد رواته، وهكذا ساقه ابن الأثير (٣) فحذفه المصنف. أعني قول سليمان الأعمش. قوله: "وصححه". قلت (٤): قال: هذا حديث حسن صحيح. ١١ - وَعَن عُمَرُ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَخَذَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ الله - عزوجل -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ: ﴿عَذَاب عَظِيمٌ (٧)﴾ ثُمَّ أَحَلَّ لَهُمُ الله الْغَنَائِمَ. أخرجه أبو داود (٥). [صحيح]

стр. 807

قوله في حديث عمر: "حتى يثخن في الأرض". أقول: أي: يكثر القتل ويبالغ فيه من أثخنه (١) المرض إذا أثقله. وأخرج أحمد (٢) عن أنس قال: "استشار النبي ﷺ الناس في الأسرى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رَسُولُ الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم قال: يا أيها الناس! إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، فقام عمر فقال: يا رَسُولُ الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله! [نرى] (٣) أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ". وأخرج أبو نعيم في "الحلية (٤) " من طريق مجاهد، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ لما أسر الأسرى يوم بدر استشار أبو بكر فقال: قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم، فاستشار عمر [٣١٩/ ب] فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية، فلقي رسول الله ﷺ عمر فقال: "كاد أن يصيبنا في خلافك شر". وأخرج ابن جرير (٥)، وابن أبي حاتم (٦).

стр. 808

والنحاس (١)، وابن مردويه (٢)، والبيهقي (٣) [في ناسخه] (٤) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله النبي ﷺ والمسلمين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. ١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: كَانَ الأَعْرَابِيُّ لاَ يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَلاَ يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فَنُسِخَتْ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. أخرجه أبو داود (٥). [حسن] قوله في حديث ابن عباس: "كان الأعرابي لا يرث المهاجر". أقول: الأعراب سكان البادية (٦)، وقالوا في النسبة إليه: أعرابي، على لفظه إذْ لو ردوه إلى مفرده على القاعدة التصريفية لقالوا عربي، لكنه يلتبس بمن ينسب إلى الحضارة، إذ عربي يعم الحاضر والبادي.

стр. 809

وأخرج الطيالسي (١)، والطبراني (٢)، وأبو الشيخ (٣)، وابن مردويه (٣)، عن ابن عباس قال: "آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، وورث بعضهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وتوارثوا بالنسب". وأخرج ابن أبي حاتم (٤)، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية، قال: نسخت هذه الآية ما كان قبلها من مواريث العقد والحلف والمواريث بالهجرة، وصارت لذوي الأرحام [٨٣/ أ]. وأما حديث ابن عباس، فإنه أفاد أنه كان لا توارث بين الأعرابي والمهاجر، وهي غير هذه الصور فإنها صورة خاصة، وهي أن سكان البادية لا يرثون المهاجر [٣٢٠/ ب]. (سورة براءة) ١ - عَن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ ﵁: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى "الأَنْفَالِ" وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذهِ هَؤُلَاءِ الآيةِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا". وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولَاً، وَكَانَتْ

стр. 810

قِصَّتُهَا شَبِيهَةٍ بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ سَطْراً بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهاَ فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ. أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢)، ولم يذكر أبو داود: فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا. [ضعيف] قوله: "وهي من المثاني". أقول: قسموا (٣) القرآن إلى طول ومثاني ومئين ومفصل، فالطول سبع من البقرة إلى آخر براءة، ثم المئين، وهي للسورة التي فيها المائة ونحوها، ثم المثاني سميت بذلك؛ لأنها ثنت المائين، أي: أتت بعدها، فالأنفال منها؛ لأنها سبع وسبعون آية، والمفصل من سورة القتال أو الحجرات أوقاف إلى آخره، وسؤال ابن عباس اشتمل على ثلاثة أشياء الأول: تقديم الأنفال على براءة، والثاني: لم قرن بينهما، والثالث: لِم لم يكتب البسملة بينهما. الرابع: لم وصفوها في سبع الطوال. قوله: "في السبع الطول". لفظ الترمذي (٤) في سبع الطِّول، وهو الأولى على غير رأي الكوفيين. قول عثمان: "كان رسول الله". أقول: الأمران اللذان ذكرهما عثمان يشعرا إنما الفرق بينهما أنها تنزل الآيات فيأمر بوضعها [في السورة] (٥) أو الآية الواحدة، فكذلك، إلا أن قوله السور ذوات العدد يشعر بأنها تنزل السورة جميعها، فيقال ضعوها في السورة، وهذا لا يتم؛ لأن كل سورة منفصلة عن
следующие страницы →