وقال (١): حسن صحيح، وهذا إحدى الروايات في سبب نزول الآية، والمشهور أنها في أخذ الفداء من الأسارى، كما تفيده رواية ابن عمر الآتية.
قوله في حديث أبي هريرة: "فتأكلها".
أقول: لفظ الترمذي (٢) بعد تأكلها: قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن، فلما كان الحديث وسليمان الأعمش أحد رواته، وهكذا ساقه ابن الأثير (٣) فحذفه المصنف. أعني قول سليمان الأعمش.
قوله: "وصححه".
قلت (٤): قال: هذا حديث حسن صحيح.
١١ - وَعَن عُمَرُ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَخَذَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ الله - عزوجل -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ: ﴿عَذَاب عَظِيمٌ (٧)﴾ ثُمَّ أَحَلَّ لَهُمُ الله الْغَنَائِمَ. أخرجه أبو داود (٥). [صحيح]
стр. 807
قوله في حديث عمر: "حتى يثخن في الأرض".
أقول: أي: يكثر القتل ويبالغ فيه من أثخنه (١) المرض إذا أثقله.
وأخرج أحمد (٢) عن أنس قال: "استشار النبي ﷺ الناس في الأسرى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رَسُولُ الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم قال: يا أيها الناس! إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، فقام عمر فقال: يا رَسُولُ الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله! [نرى] (٣) أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ".
وأخرج أبو نعيم في "الحلية (٤) " من طريق مجاهد، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ لما أسر الأسرى يوم بدر استشار أبو بكر فقال: قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم، فاستشار عمر [٣١٩/ ب] فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية، فلقي رسول الله ﷺ عمر فقال: "كاد أن يصيبنا في خلافك شر".
وأخرج ابن جرير (٥)، وابن أبي حاتم (٦).
стр. 808
والنحاس (١)، وابن مردويه (٢)، والبيهقي (٣) [في ناسخه] (٤) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله النبي ﷺ والمسلمين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم.
١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: كَانَ الأَعْرَابِيُّ لاَ يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَلاَ يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فَنُسِخَتْ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. أخرجه أبو داود (٥). [حسن]
قوله في حديث ابن عباس: "كان الأعرابي لا يرث المهاجر".
أقول: الأعراب سكان البادية (٦)، وقالوا في النسبة إليه: أعرابي، على لفظه إذْ لو ردوه إلى مفرده على القاعدة التصريفية لقالوا عربي، لكنه يلتبس بمن ينسب إلى الحضارة، إذ عربي يعم الحاضر والبادي.
стр. 809
وأخرج الطيالسي (١)، والطبراني (٢)، وأبو الشيخ (٣)، وابن مردويه (٣)، عن ابن عباس قال: "آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، وورث بعضهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وتوارثوا بالنسب".
وأخرج ابن أبي حاتم (٤)، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية، قال: نسخت هذه الآية ما كان قبلها من مواريث العقد والحلف والمواريث بالهجرة، وصارت لذوي الأرحام [٨٣/ أ].
وأما حديث ابن عباس، فإنه أفاد أنه كان لا توارث بين الأعرابي والمهاجر، وهي غير هذه الصور فإنها صورة خاصة، وهي أن سكان البادية لا يرثون المهاجر [٣٢٠/ ب].
(سورة براءة)
١ - عَن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ ﵁: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى "الأَنْفَالِ" وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذهِ هَؤُلَاءِ الآيةِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا". وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولَاً، وَكَانَتْ
стр. 810
قِصَّتُهَا شَبِيهَةٍ بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ سَطْراً بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهاَ فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ. أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢)، ولم يذكر أبو داود: فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا. [ضعيف]
قوله: "وهي من المثاني".
أقول: قسموا (٣) القرآن إلى طول ومثاني ومئين ومفصل، فالطول سبع من البقرة إلى آخر براءة، ثم المئين، وهي للسورة التي فيها المائة ونحوها، ثم المثاني سميت بذلك؛ لأنها ثنت المائين، أي: أتت بعدها، فالأنفال منها؛ لأنها سبع وسبعون آية، والمفصل من سورة القتال أو الحجرات أوقاف إلى آخره، وسؤال ابن عباس اشتمل على ثلاثة أشياء الأول: تقديم الأنفال على براءة، والثاني: لم قرن بينهما، والثالث: لِم لم يكتب البسملة بينهما. الرابع: لم وصفوها في سبع الطوال.
قوله: "في السبع الطول".
لفظ الترمذي (٤) في سبع الطِّول، وهو الأولى على غير رأي الكوفيين.
قول عثمان: "كان رسول الله".
أقول: الأمران اللذان ذكرهما عثمان يشعرا إنما الفرق بينهما أنها تنزل الآيات فيأمر بوضعها [في السورة] (٥) أو الآية الواحدة، فكذلك، إلا أن قوله السور ذوات العدد يشعر بأنها تنزل السورة جميعها، فيقال ضعوها في السورة، وهذا لا يتم؛ لأن كل سورة منفصلة عن
стр. 811
الأخرى، فكأنه على حذف مضاف، أي: ضعوها بجنب السورة التي يذكر فيها، وأما الآية الواحدة فيأمر بوضعها في السورة الفلانية.
وفيه (١) دليل [٣٢١/ ب] على أن ترتيب الآيات غير توقيفي (٢) لقوله: ضعوها في السورة، ولم يبين موضع وضعها.
قوله: "فظننت أنها منها" هو رد لقول ابن عباس أنها من المثاني وغيره من الأسئلة؛ لأنها مبنية على أن الأنفال سورة مستقلة، وعثمان أجاب بأنه ظنها بعضاً من براءة.
стр. 812
قوله: "من آخر القرآن نزولاً".
أقول: قال الحافظ في "الفتح (١) ": المراد بعضها أو معظمها، وإلا ففيها آيات كثيرة قبل سنة الوفاة النبوية، وأوضح من ذلك أن أول براءة نزلت عند فتح مكة في سنة تسع عام حج أبي بكر، وقد نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهي في سورة المائدة سنة عشر في حجة الوداع، فالظاهر أن المراد معظمها ولا شك أن غالبها نزل في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبي ﷺ ، وسيأتي في تفسير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ أنها آخر سورة نزلت، واذكر الجمع هناك. انتهى.
قوله: "ووضعتها في السبع الطوال".
أقول: عبارة (٢) الترمذي بحذف (٣) لام السبع كما تقدم، وفيه دليل أنه اجتهاد من عثمان وظن، وأن ترتيب بعض السور غير توقيفي.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، ويزيد الفارسي هو من التابعين من أهل البصرة، ويزيد بن أبان الرقاشي من أهل البصرة، هو أصغر من يزيد الفارسي، ويزيد الرقاشي إنما يروي عن أنس. انتهى.
٢ - وَعَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: [بَلْ] (٥) هِيَ الْفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لاَ يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ ذُكِرَ فِيهَا. قَالَ
стр. 813
قُلْتُ سُورَةُ الأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. قَالَ: قُلْتُ فَالْحَشْرُ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. أخرجه الشيخان (١). [صحيح]
٣ - وفي أخرى (٢) قال: قُلْتُ سُوْرَةُ الْحَشْرُ؟ قَالَ: بَلْ سُوْرةُ النَّضِيرِ. [صحيح]
قوله: "وعن ابن جبير".
أقول: أي: سعيد التابعي المعروف.
وقوله: "سورة التوبة (٣) " سميت بذلك لذكر الله تعالى فيها توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، والثلاثة الذين خلفوا، وهي تسمى به.
فقول ابن عباس: "بل هي الفاضحة (٤) " بيان لاسم ثان لها، وفي كلام ابن عباس دليل على أن أسماء [٣٢٢/ ب] السور ليس (٥) بتوقيف إذ لو كانت أسمائها [توقيفية] (٦) لما جاز أن يعدل عن اسم سماها رسول الله ﷺ به إلى غيره كما لا يخفى.
стр. 814
وقال البيضاوي (١): لها أسماء وعدَّ لها ثلاثة عشر اسماً، أخّر منها المقشقشة [البحوث] (٢) والمبعثرة، والمبيرة، والحاضرة، والمنكلة، والمخزية، والفاضحة، والمدمدمة، والمشردة، وسورة العذاب، فالقشقشه من النفاق، وهو التبري منه والبحث عن أحوال المنافقين وإثارتها، والحفر عنها، وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم. انتهى.
قلت: تعدد هذه الأسماء يشعرك أن أسماء (٣) السور ليست كلها توقيفية.
٤ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَبَا بَكْر ﵁: بعثه في الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُوْلُ الله ﷺ قَبْلَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذَّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ،
عَاضَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا خَافُوا، وَوَجَدُوا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِهِ مِنَ التِّجَارَةِ] (١) ". أخرجه الخمسة إلا الترمذي.
٦ - وَفِي أُخْرَى للنِّسَائِي (٢) ﵀: قَالَ أَبو هُرَيْرَة ﵁: "جِئْتُ مَعَ عِليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبرَاءَةَ قِيلَ مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُنَادِي: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنةٌ, وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَوْ أَمَدُهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ. فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي أَيْ بُحَّ". [صحيح]
قوله: "بأن أبا بكر بعثه".
أقول: قال الطحاوي (٣): هذا مشكل؛ لأن علياً ﵇ هو المأمور بالتأذين، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة.
وأجيب بأن أبا بكر كان أمير الناس في هذه الحجة، وعلي له التأذين خاصة ولم يطقه وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه.
قوله: "يؤذنون".
أقول: التأذين: الإعلام، وقد سمي ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة سعد بن أبي وقاص وجابر.
стр. 817
قوله: "ولا يطوف بالبيت عريان".
أقول: قال الحافظ في "الفتح (١) ": روى سعيد بن منصور (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، والطبري (٥)، من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: سألت علياً بأي شيء بعثت؟ قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر. انتهى.
وظاهره أنه كان [٣٢٣/ ب] يؤذن بهذه الكلمات ويأتي بعضها في الحديث قريباً.
قوله: "ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب".
أقول: قال العلماء (٦): الحكمة في ذلك - أي: في تخصيص علي بالأذان - أن عادة العرب جرت أن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم على عادتهم في ذلك.
قوله: "ولا يحج بعد العام مشرك" [٨٤/ أ].
أقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فالآية صريحة في منعهم عن دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحج، لكن
стр. 818
لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه بالأولى في المنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله.
قوله: "وكان المشركون يوافون بالتجارة".
أقول: أي يأتون بها إلى مكة، إذ هي بلدة رزقها مجلوب من غيرها كما قال الخليل: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (١). وانقطاع المشركين عنهم سبب خوفهم العيلة، فوعدهم الله بالغنى من فضله إن شاء. [٣٢٤/ ب].
وقوله: "وفي رواية: يوم الحج الأكبر يوم النحر".
قال الحافظ في "الفتح (٢) ": قوله: "ويوم الحج الأكبر يوم النحر" هو قول حميد بن عبد الرحمن، استنبطه من قول الله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، ورواية شعيب توهم أن ذلك فيما نادى به أبو هريرة، وليس كذلك، فقد تظافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان: منع حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن علياً أيضاً كان ينادي بهما، وكان يزيد: من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأنه لا يدخل الجنة إلا مسلم.
قوله: "وإنما قيل: الحج الأكبر ... " إلى آخره.
стр. 819
أقول: في حديث ابن عمر عند أبي داود (١) رفعه وأصله في الصحيح (٢)، أنه ﷺ قال: "أي يوم هذا؟ " قالوا: هذا يوم النحر. قال: "هذا يوم الحج الأكبر".
قوله: "من أجل قول الناس: العمرة الحج الأصغر".
أقول: في "الفتح (٣) ": واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وجعله الطبري (٤) عن جماعة من التابعين. [٣٢٥/ ب].
وعن مجاهد (٥): الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد.
وقيل (٦): يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وذكر أقوالاً أخر.
قوله: "فنبذ أبو بكر".
أقول: قال الحافظ (٧): هو مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك.
قوله: "حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة".
стр. 820
أقول: قال الحافظ (١): فيه تجوز؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منها منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾، ثم ساق روايات منها: "أنه ﷺ بعثه بثلاثين أو أربعين (٢) " وفيها عن علي ﵇ روايتان أنه بعثه بأربعين (٣) آية.
قوله: "فأجله أو أمده".
أقول: شك من الراوي واستدل بهذا على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ مختص بمن لم يكن له عهداً أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته، وظاهره، ولو كانت زائدة على أربعة أشهر، وقد روى الطبري (٤) عن أبي إسحاق أنهم صنفان:
صنف: كان له عهد دون أربعة أشهر، فأمهل تمام أربعة.
وصنف: كانت مدة عهده بغير أجل، فقصرت على أربعة أشهر.
وروي أيضاً عن ابن عباس (٥): أن الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقت وقدره يزيد عليها، وأن من ليس له عهد فانقضاؤه في سلخ المحرم، لقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، والأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم؛ لأنها نزلت في شوال.
стр. 821
وقيل (١): هي عشرون من ذي الحجة ومحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر؛ لأن التبليغ كان في يوم النحر قام علي ﵇ عند [٣٢٧/ ب] جمرة العقبة فقال: أيها الناس! إني رسول رسول الله ﷺ إليكم. قالوا: بماذا؛ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، أي: من أول براءة ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.
٧ - وَعَن (٢) عَليّ بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُوْلُ الله ﷺ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، فَقَالَ يَوْمُ النَّحْرِ" وروى (٣) موقوفاً عليه وهو أصح. [صحيح]
٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فِيْهَا،. فَقَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " فقَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ. فَقَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ". أخرجه أبو داود (٤). [صحيح]
قوله في حديث ابن عمر: "أخرجه أبو داود".
أقول: وقال المنذري (٥): وأخرجه ابن ماجه (٦) والبخاري (٧) تعليقاً.
стр. 822
٩ - وعن ابن أبي أوفى (١) ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرُ يَوْمُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، يَوْمُ تُهْرَاقُ فِيْهِ الدِّمَاءُ، وَيُوضَعُ فِيْهِ الشَّعْرُ، وَيُقْضَى فيهِ التَّفَثُ، وَيَحِلُّ فِيْهِ الْحَرَامً. أخرجه رزين ﵀.
"وَقَضَاءُ التّفَثِ (٢) " هو إذهاب الشعر والدرن والوسخ.
قوله في حديث ابن أبي أوفى: "أخرجه رزين".
أقول: قد عرفناك ما في هذا غير مرة. وابن الأثير (٣) بيض له على قاعدته وفي "الدر المنثور (٤) " أنه أخرجه عبد الرزاق، (٥) وسعيد (٦) بن منصور، وابن أبي شيبة (٧)، وابن جرير (٨)، وأبو الشيخ (٩)، إلا أنه ليس فيه "ويقضي فيه التفث".
١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولِ الله ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ بَعَثَ أَبا بَكْرٍ ﵁ عَلى الْحَجِّ فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْعَرْجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ ثُمَّ اسْتَوَى لِيُكَبَّرَ فَسَمِعَ الرُّغْوَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ فَقَالَ هَذِهِ رُغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ الله ﷺ الْجَدْعَاءِ؛ لَقَدْ بَدَا
стр. 823
لِرَسُولِ الله ﷺ فِي الْحَجِّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ الله ﷺ فَنُصَلّيَ مَعَهُ فَإِذَا عَليٌّ ﵁ عَلَيْهَا - فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ لاَ، بَلْ رَسُولٌ أَرْسَلني رَسُولُ الله ﷺ بِبَرَاءَةَ أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ؛ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ, فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَدَّثَهُمْ كيْفَ يَنْفِرُونَ وَكَيْفَ يَرْمُونَ فَعَلّمَهُمْ مَنَاسِكِهِمْ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَامَ عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْر فَأَفَضْنَا فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتْهِمِ وَعَنْ نَحْرِهِمْ وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ، فَلَما فَرَغَ قَامَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ وَكيْفَ يَرْمُونَ فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ فَلَّمَا فَرَغَ قَامَ عَليٌّ ﵁ فَقَرَأَ بَرَاءةَ عَلَى النَاسِ حَتَّى خَتَمَهَا". أخرجه النسائي (١). [إسناده ضعيف]
قوله في حديث جابر: "لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر".
أقول: الجعرانة: بفتح الجيم، وقد تكسر العين وتشدد الراء [٨٥/ أ] قال الشافعي (٢): والتشديد خطأ موضع بين مكة والطائف سميت بريطة بنت سعد وكانت تلعب بالجعرانة، وهي المراد بقوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ قاله [في] (٣) القاموس (٤).
وقد اعتمر ﷺ منها عند رجوعه من حرب هوازن والطائف، وذلك في شوال من عام الفتح في السنة الثامنة، إلا أنه قال الحافظ في "الفتح" (٥): اتفقت الروايات أن حجة أبي بكر في التاسعة.
стр. 824
وقال ابن كثير (١): في هذه الرواية [٣٢٧/ ب] يريد رواية (٢) جابر: غير أنه من جهة أن الأمير عام الجعرانة كان عتاب بن أسيد، وأما حجة أبي بكر فكانت في التاسعة.
قال ابن حجر (٣): يمكن رفع الإشكال بأن المراد بقوله: "ثم أمر أبا بكر" أي: بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولي الحج لسنة ثمان، فإن النبي ﷺ لما رجع من العمرة إلى الجعرانة توجه هو ومن معه إلى المدينة, إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر على الحج وذلك سنة تسع، وليس المراد أنه أمر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجعرانة.
قوله: "بالعرج (٤) ".
أقول:- بفتح العين المهملة وسكون الراء - منزل بطريق مكة منه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر.
قوله: "ثوب بالصبح".
стр. 825
أقول: أي: أبو بكر، والمراد أقام الصلاة، وهو مغير صيغة أي: وقع التثويب بها ففي القاموس (١): التثويب: الدعاء إلى الصلاة أو تثنية الدعاء، أو أن يقول في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين، والإقامة والصلاة بعد الفريضة. انتهى.
والقرينة هنا: أن أريد الإقامة قوله: ليكبر، أي: تكبيرة الإحرام.
قوله: "الرغوة (٢) ".
أقول: مصدر رغا البعير صوت.
قوله: "الجدعاء (٣) ".
أقول: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة فعين كذلك هي المقطوعة الأذن، قيل: ولم تكن مقطوعة الأذن، وإنما كان هذا اسماً لها.
قوله: "قبل التروية" هو الثامن من ذي الحجة، تقدم وجه تسميته بذلك.
قوله: "فقرأ على الناس سورة براءة حتى ختمها".
أقول: تقدم القدر [٣٢٨/ ب] الذي قرأه من أوائلها، وفي مسند أحمد (٤): "لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي ﷺ مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة" وقد قدمنا رواية
стр. 826
انها ثلاثون آية أو أربعون، والمراد بختمها ختم الآيات التي أرسل بها، قال الحافظ (١): كان علي ﵇ يقرأها في المواطن الثلاثة.
١١ - وَعَنْ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ ﵁ فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ يعني: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ. فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَا أَخْبَارَاً لاَ نَدْرِي مَا هِيَ، تَزْعُمُونَ أَنْ لَا مُنَافِقَ إلا أربعة، فَمَا بَالُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلاَقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ، أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لمَا وَجَدَ بَرْدَهُ. أخرجه البخاري (٢). [صحيح]
"الْأَعْلَاقُ (٣) " جمع عَلْقَ، وهو الشيء النفيس.
قوله: "وعن زيد بن وهب ... قاتلوا أئمة الكفر".
أقول: هم (٤) رؤساؤه، وهم الذين نقضوا العهد وهموا بإخراج الرسول في قول ابن عباس (٥): وهم أبو جهل، وأمية بن خلاف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، والتخصيص لهم، لأنهم الذين كانوا يحرضون أصحابهم على البقاء على الكفر.
стр. 827
قال الحافظ في "الفتح (١) ": وتعقب بأن أبا جهل، وعتبة، وأمية، قتلوا ببدر، وإنما ينطبق تفسير الآية على ما أنزلت وهو هي، فيصح في أبي سفيان وسهيل بن عمرو وقد أسلما جميعاً.
قوله: "إلا أربعة".
أقول: قال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتهم.
قوله: "فقال الأعرابي" كذلك قال (٣): لم يقف على اسمه.
قوله: "أصحاب محمد" بالنصب على أنه منادى (٤).
قوله: "ينقران".
أقول: بموحدة، أي: ينقبون، قال الخطابي (٥): وأكثر ما يكون النقر في الخشب والصخور يريد بالنون.
قوله: "أعلاقنا".
أقول: بالعين المهملة والقاف - أي: نفائس (٦) أموالنا -. فأجاب عليه بأن هؤلاء ليسوا منافقين، بل يسمون فساقاً.
قوله: "أحدهم شيخ كبير".
стр. 828
أقول: قال الحافظ (١): لم أقف على تسميته لو شرب الماء البارد لما وجد برده أي لذهاب شهوته، وفساد معدته فلا يفرق بين الألوان والطعوم [٣٢٩/ ب].
قوله: "عِلْق" بكسر العين المهملة وسكون اللام - الشيء النفيس (٢).
قلت: هو على ما ضبطناه. [و] (٣) قال ابن التين (٤): ووجدته [في بعض الروايات] (٥) مضبوطاً بالغين المعجمة [ولا وجه له، انتهى، ووجدته في نسخة الدمياطي بخطه بالغين المعجمة أيضاً] (٦).
وذكره شيخنا ابن الملقن ويمكن توجيهه بأن الأغلاق جمع غلق بفتحتين وهو الباب الذي يغلق على البيت، ويفتح بالمفتاح، ويطلق الغلق على الحديدة التي تجعل في الباب ويعمل فيها القفل، فيكون قوله: (ويسرقون أغلاقنا) إما على الحقيقة فإنه إذا تمكن من سرقة الغلق توصل إلى فتح الباب، أو فيه مجاز الحذف. أي: يسرقون ما في أغلاقنا.
١٢ - وَعَن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: "كنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلاَمِ إِلاَّ أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلاَمِ إِلاَّ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ آخَرُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، ولكنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ
стр. 829
وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ". أخرجه مسلم (١) [صحيح]
قوله في حديث النعمان بن بشير: "فقال رجل: لا أبالي".
أقول: هو العباس (٢) بن عبد المطلب، والآخر: هو عثمان بن طلحة بن شيبة بن عثمان، والثالث: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇[٨٦/ أ].
قوله: "سقاية الحاج".
أقول: الراوية ما كانت من شيء يستقه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان العباس ابن عبد المطلب يليها في الجاهلية والإسلام، والآية حكمت لعلي ﵇ بأفضلية الجهاد، وإن كان قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ فيه احتمال لكن قرينة السياق تقضي بأفضلية الجهاد.
١٣ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ! اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ: "إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ". أخرجه الترمذي (٣). [حسن]
стр. 830
قوله في حديث عدي: "الصليب" في القاموس (١): الصليب العلم والذي للنصارى.
قوله: "كان إذا أحلوا لهم شيئاً [٣٣٠/ ب] استحلوه".
أقول: فسماهم تعالى أرباباً؛ لأن التحليل والتحريم من خواص الإله كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٢) فجعل التحليل والتحريم افتراءً عليه من قائلهما.
فإن قلت: قد يستنبط المجتهد من الأدلة تحريم شيء أو تحليله.
قلت: كونه من الأدلة هو من عند الله؛ لأنه أمر بالنظر فيها لإثبات الأحكام وإنما الكلام فيمن حرم وحلل غير مستند إلى شيء.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣): هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.
١٤ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أنَّا بِأَبِي ذَرًّ ﵁ فَقُلْتُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ كُنْتُ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ، فكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ كَلَام فِي ذَلِكَ، فكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ ﵁ أَنِ أَقْدُمِ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُهَا فكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ،
стр. 831
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا، فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ عَبْدَاً حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وأَطَعْتُ. أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله في حديث زيد بن وهب: "بالربذة (٢) ".
أقول: بالراء والموحدة مفتوحتين بعدهما معجمة مكان معروف بين مكة والمدينة وهو إليها أقرب نزل به أبو ذر في عهد عثمان ومات به [وإنما] (٣) مسألة زيد بن وهب عن ذلك؛ لأن مبغضي عثمان كانوا يشيعون أن عثمان نفى أبا ذر فبين له أبو ذر أن نزوله بالربذة كان باختياره.
نعم، أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور، قاله الحافظ في "الفتح" (٤).
قوله: "بالشام".
أقول: أي دمشق وكان معاوية عاملاً عليها لعثمان فوقع بينه وبن معاوية ما ذكر كان أبو ذر يحدث أهل الشام ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده، فكتب معاوية إلى عثمان إن يكن لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر فكتب إليه عثمان أن اقدم علي فقدم (٥).
قوله: "فكثر علي الناس".
стр. 832
أقول: في رواية الطبري (١) أنهم [٣٣١/ ب] كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام، فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام.
قوله: "ولو أمروا علي عبداً حبشياً".
أقول: أخرج أحمد (٢) وأبو يعلى (٣) عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال له: "كيف تصنع إذا أخرجت منه يعني مسجد المدينة"؟ قال: آتي الشام، قال: "فكيف تصنع إذا أخرجت منها؟ " قال: أعود إليه. أي: إلى المسجد النبوي. قال: "كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ " قال: اضرب بسيفي قال: "ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشداً تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك".
١٥ - وعَنَ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَقَالَ لَهُ أَعْرَابيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عزوجل - ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتها وَيْلٌ لَهُ، هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَهَا الله طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. أخرجه البخاري (٤) ومالك (٥). [صحيح]
١٦ - وعنده (٦): سُئِلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ الْمَالُ الَّذِي لاَ تُؤَدَّي زَكَاتَهُ. [موقوف صحيح]
قوله في حديث ابن عمر: "يكنزون".
стр. 833
أقول: قال الزجاج (١): الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال ويجوز عند التقييد أن يقال: عنده كنز عِلْم، والاكتناز: حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساه به ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح [وقدَّر نصب] (٢) الزكاة.
فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها.
قال ابن عبد البر (٣): وروي عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن الكنز كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز مذموم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه في ذلك جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: "هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أنت تطوع" انتهى.
قال الحافظ (٤): والظاهر أن ذلك كان أول الأمر كما قال ابن عمر وقد استدل [٣٣٢/ ب] له ابن بطال (٥) بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾: ما فضل عن الكفاية.
قلت: ولا يخفى أن سورة التوبة نزلت في غزوة تبوك وهي آخر غزوة وصدرها نزل سنة تسع وأن أنصباء الزكاة وبعث المصدقين ومعرفة مقاديرها كان قبل ذلك إلا أن يدعى أن زكاة النقدين تأخر بيان مقدار نصابهما، وهو بعيد جداً إلا أن يدعى أن آية الكنز هذه نزلت (٦)
стр. 834
في صدر الإسلام ووضعها في سورة براءة [مراتب (١)] آيات السورة بناءً على أن ترتيبها ليس بتوقيفي (٢) كما أن في هذه السورة بيان المصارف ومعلوم أن بيانها قد كان متقدماً على سنة تسع.
وفي "الإتحاف (٣) " على الكشاف: أنه أفرط أبو ذر فلم يستثن شيئاً، وظاهر الآية معه وفرط الناس فقالوا: المراد لا ينفقون منها ربع عشرها في السنة وخير الأمور أوساطها ونظيرها: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ليس المراد أن لا يستثني لحظة من الزمان إلا جاهد فيها ولا يملكون درهماً إلا ينفقونه، بل المراد التوجه والإقبال على الإنفاق في الجملة، والزيادة والنقص على حسب الداعي إلى ذلك فكم مال يتوجه إليه استغراق حراسة الثغور وإنفاق المال بلا حاصر لخشية استئصال العدو وتقاعد الناس عن الفرض، وهذه السورة برمتها في ثورة الجهاد وشدة الحاجة حال إعانة الحملة بالنفس والمال، وسائر آياتها دالة [٣٣٣/ ب] على ذلك لم ينقم عليهم عدم إخراج الزكاة فقط، بل المطلوب أعم من ذلك، وهو واضح في جيش العسرة الذي شدد فيه على الممسك لنفسه وماله، وعلى الجملة ينفقونها في مواضع الإنفاق بحسب الحال إلى كل ثم لا يصح إلا أن تكون الآية في أهل الكتاب؛ لأنه لا زكاة عليهم بل هي في أهل الإسلام خاصة (٤).
стр. 835
١٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نُزِلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ اتَّخذْنَاهُ؟ فَقَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعِيْنُ المُؤْمِنَ عَلَى إِيمَانِهِ". أخرجه الترمذي (١). [حسن]
قوله في حديث ثوبان: "في بعض أسفاره".
أقول: لعله سفره في غزوة تبوك إلا أنه مشكل لما ذكرناه.
قوله: "أفضله".
أقول: أي المال، وهذا من جواب السائل بخلاف ما يترقب من الأسلوب الحكيم (٢) وذلك لأن اللسان الذاكر [٩٨/ أ] والقلب الشاكر، والمرأة، ليس من المال، فالضمير في أفضله يعود إلى الاتخاذ الدال عليه قوله.
قوله: "وزوجة صالحة".
أقول: هكذا لفظه في الجامع (٣) أيضاً.
стр. 836
ولفظ الترمذي (١): "زوجة مؤمنة تعينه على إيمانه".
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: قال عقيبه (٢): هذا حديث حسن، سألت محمد بن إسماعيل، وقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ قال: لا. قلت له: ممن سمع من صحابة النبي ﷺ ؟ قال: سمع من جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وذكر غير واحد من أصحاب النبي ﷺ . انتهى كلامه.
قلت: فهو حديث منقطع.
١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَقَالَ يَا رَسُولَ الله! إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَالَ: "إِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلاَّ لِيُطَيَّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ، وَذَكَرَ كَلْمَةً لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ". فَكَبَّرَ عُمَرُ ﵁، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ, إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ, وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ". أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
١٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي النُّورِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾. أخرجه أبو داود (٤). [حسن]
стр. 837
٢٠ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا؛ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا مُرَاءٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذَا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ. أخرجه الشيخان (١) [والنسائي (٢)] (٣). [صحيح]
قوله في حديث أبي مسعود البدري: "آية الصدقة".
أقول: قال الحافظ (٤): كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
و"نحامل" أي: يحمل على ظهره بالأجرة، وماضيه حامل كسافر، وفي النهاية (٥) أي يتكلف الحمل بالأجرة فنكتسب ما نتصدق به.
قوله: "فجاء رجل بشيء كثير".
أقول: هو عبد الرحمن (٦) بن عوف، وضمير قالوا للمنافقين.
стр. 838
وقوله: "وجاء رجل"، هو أبو عقيل (١) بفتح أوله واسمه حبحاب بمهملتين بينهما موحدة ساكنة، وقيل: بجيمين، وقيل: فيه غير ذلك.
٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفّيَ عبد الله بنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَباهُ فَأَعْطَاهُ؛ ثُمَّ سَأَلهُ أَنْ يُصَلّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلّيَ عَلَيْهِ, فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا خَيَّرَنِي الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ"، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ (٨٤)﴾. أخرجه الخمسة إلا أبا داود (٢). [صحيح]
وزاد الترمذي: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
стр. 839
قوله في حديث ابن عمر: "لما توفي عبد الله بن أُبَيًّ".
أقول: كانت وفاته بعد منصرفهم من تبوك في شهر القعدة سنة تسع.
قال: ابنه هو عبد الله بن عبد الله (١) كان من المخلصين.
قوله: "فأعطاه" أي: قميصه، قيل: وإنما لم ينهه الله عن التكفين في قميصه، ونهاه عن الصلاة؛ لأن الضنة بالقميص يكون مخلاً بالكرم؛ لأنه مكافأة له لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر، والصلاة دعاء للميت واستغفار له، وهو منهي عنه في حق الكافر.
قوله: "إنما خيري [ربي] (٢) ".
أقول: استشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر من خرج على الصحيح على تصحيحه.
قال ابن التين (٣): مفهوم الآية تزل فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر الباقلاني (٤) صحة الحديث وكذا إمام الحرمين (٥) والغزالي (٦) وسبب ذلك أن الذي يفهم من الآية إنما هو
стр. 840
التسوية بين الاستغفار وتركه كما فهم عمر لما يقتضيه سياق القصة من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخره، وحمل السبعين على المبالغة.
وأقوى ما أجيب به عن ذلك أن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ إلى آخره لم ينزل مع أول الآية بل تراخى نزوله ففهم ﷺ من ذلك القدر النازل ما هو الظاهر [٣٣٥/ ب] من أن (أو) للتخيير، وأن العدد لا مفهوم له ولا إشكال حينئذٍ [ذكره في التوشيح] (١) قلت: قوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ إخبار بعدم المغفرة قد أفاد الحكم قبل نزول علته وهي: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، فلم يرتفع الإشكال.
وفي الإتحاف (٢) قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ إن قلت: المراد بالتركيب الأول استواء الاستغفار وعدمه وبالثاني المبالغة لا العدد المخصوص، فما وجه ما روي عنه ﷺ أنه حمل [الأول] (٣) على التخيير والثاني على حقيقة العدد؟ والحاصل أنه حملهما على الحقيقة دون المجاز الذي دل المقام على أنه المراد.
قلت: أحسن ما فتح الله به بعد الزمن الطويل، وعدم الظفر من كلام الناس بما يشفي أنه من حمل كلام المتكلم على أخفى معنييه إظهاراً للطمع في فصله والاشفاق مما دل عليه المقام من الشدة نحو: مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب.
وفدت الأخيلية على الحجاج فأمر بعض خدمه أن يعطيها مائة، فقالت: مُره أن يجعلها أدما، فقال الخادم: إنما أراد الأمير الشاء، فقال الحجاج: اجعلها أدما فأخذت مائة من الإبل
стр. 841
بهذه الصيغة، ونظائرها كثيرة في الواقعات لو تتبعتها لحصلت على أمثلة كثيرة قد نزلت من اللطف بمكان، ونجعل الحديث النبوي أسها ومنارها. انتهى.
قلت: هو كلام حسن إلا أنه يبقى فيه بحثين:
الأول: أنه كيف يحمله ﷺ على التخيير والمبالغة مع أنه ما تم الكلام إلا بقوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ فبعد هذا النفي المؤكد لا يبقى طمع.
الثاني (١): أن الطمع يتصور في الممكن كالأمثلة الذي ذكرها، والمغفرة للكافر غير ممكنة شرعاً بعد إخبار الله أنه لن يغفر لهم.
والأقرب أن الحديث من المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله والمتشابه من الحديث ثابت كالمتشابه من القرآن كما صرح به الأئمة.
٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ هَذ الآيَةُ فِيهِمْ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف]
قوله في حديث أبي هريرة: "نزلت في أهل قباء".
стр. 842
أقول: هم بنو عمرو بن عوف، وقد سألهم النبي ﷺ فقال [٣٣٦/ ب]: "ما الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ " فقالوا: الاستنجاء بالماء بعد الحجارة، فقال: "هو ذلكم فعليكموه" (١).
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: وقال الترمذي (٢): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أيوب (٣) وأنس بن مالك (٤)، ومحمد بن عبد الله بن سلام (٥).
٢٣ - وَعَنْ عِليٍّ بنْ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَالَ: اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْركٌ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ " الآية. أخرجه الترمذي (٦) والنسائي (٧). [حسن]
стр. 843
قوله في حديث علي ﵇: "فنزلت".
أقول: وروى الشيخان (١) عن ابن المسيب أنها نزلت في شأن أبي طالب لما حضرته الوفاة فقال رَسُولِ الله ﷺ : "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك".
وروى الحاكم (٢) وغيره (٣): أنها نزلت لما زار رَسُولِ الله ﷺ قبر أمه واستأذن ربه في الدعاء لها.
وجمع بين الأحاديث بتعدد النزول.
قوله: "أخرجه أبو داود (٤) والترمذي".
قلت: وقال (٥): حديث حسن، وفي الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه. انتهى [٨٨/ أ].
٢٤ - وَعَنِ ابْنِ شَهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد الرَّحْمَنِ بْنُ عبد الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عبد الله بْنَ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِىَ، قَالَ: وَكَانَ أَعْلَمُ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لَأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوة تَبُوكَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لم أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ, غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهُا، إِنَّمَا خَرَجَ