بهذه الصيغة، ونظائرها كثيرة في الواقعات لو تتبعتها لحصلت على أمثلة كثيرة قد نزلت من اللطف بمكان، ونجعل الحديث النبوي أسها ومنارها. انتهى.
قلت: هو كلام حسن إلا أنه يبقى فيه بحثين:
الأول: أنه كيف يحمله ﷺ على التخيير والمبالغة مع أنه ما تم الكلام إلا بقوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ فبعد هذا النفي المؤكد لا يبقى طمع.
الثاني (١): أن الطمع يتصور في الممكن كالأمثلة الذي ذكرها، والمغفرة للكافر غير ممكنة شرعاً بعد إخبار الله أنه لن يغفر لهم.
والأقرب أن الحديث من المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله والمتشابه من الحديث ثابت كالمتشابه من القرآن كما صرح به الأئمة.
٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ هَذ الآيَةُ فِيهِمْ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف]
قوله في حديث أبي هريرة: "نزلت في أهل قباء".
стр. 842
أقول: هم بنو عمرو بن عوف، وقد سألهم النبي ﷺ فقال [٣٣٦/ ب]: "ما الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ " فقالوا: الاستنجاء بالماء بعد الحجارة، فقال: "هو ذلكم فعليكموه" (١).
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: وقال الترمذي (٢): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أيوب (٣) وأنس بن مالك (٤)، ومحمد بن عبد الله بن سلام (٥).
٢٣ - وَعَنْ عِليٍّ بنْ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَالَ: اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْركٌ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ " الآية. أخرجه الترمذي (٦) والنسائي (٧). [حسن]
стр. 843
قوله في حديث علي ﵇: "فنزلت".
أقول: وروى الشيخان (١) عن ابن المسيب أنها نزلت في شأن أبي طالب لما حضرته الوفاة فقال رَسُولِ الله ﷺ : "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك".
وروى الحاكم (٢) وغيره (٣): أنها نزلت لما زار رَسُولِ الله ﷺ قبر أمه واستأذن ربه في الدعاء لها.
وجمع بين الأحاديث بتعدد النزول.
قوله: "أخرجه أبو داود (٤) والترمذي".
قلت: وقال (٥): حديث حسن، وفي الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه. انتهى [٨٨/ أ].
٢٤ - وَعَنِ ابْنِ شَهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد الرَّحْمَنِ بْنُ عبد الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عبد الله بْنَ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِىَ، قَالَ: وَكَانَ أَعْلَمُ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لَأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوة تَبُوكَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لم أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ, غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهُا، إِنَّمَا خَرَجَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. قَالَ كَعْبٌ: وَالله مَا أَنْعَمَ الله تَعَالَى عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ الله ﷺ أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ الله قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ الله ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بِذَلِكَ، قَالَ الله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ الله مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. أخرجه الخمسة (١) [صحيح]
"الرَّاحِلةُ" الجمل والناقة القويان على الأحمال والأسفار، "وَالتَّوْرِيةُ" إخفاء الشيء وإظهار غيره، "وَالمَفَاوِزُ" جمع مفازة، وهي البرية القفز "وَجَلَا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ" أظهره "وَوَجَّهَهُم" جهتهم التي يستقبلونها ومقصدهم، "وَالصَّعَرُ" بمهملتين مفتوحتين الميل "والتَّجْهِيزُ" المبادرة إلى الشيء في أول وقته, "وَاسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ" أي تتابع الاجتهاد في السير "والتَّمَادِي" التغافل والتأخر، "وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ" تباعد، وأشار به إلى ما بينه وبينهم من المسافة, "وَطَفِقتُ" مثل جعلت.
стр. 849
"وَالْأُسْوَةُ" بضم الهمزة وكسرها: القدوة "والْمَغْمُوصُ" المشار إليه بالعيب، "وَنَظَرَ فُلَانٌ فِي عَطْفَيْه" إذا أعجب بنفسه، "وَيَزُولُ بِهِ السَّرَاب" أي يظهر شخصه خيالاً فيه، "وَالَّلمْزُ" العيب "وَالْقَافِلُ" الراجع من سفره إلى وطنه "وَالْبثُّ" أشد الحزن "وَأَظَلَّ قَادِمَا" إذا دنا "وَزَاحَ عَنَّي" زال "وَأَجْمَعْتُ صِدْقهُ" أي عزمت عليه "وَالْمَخَلَّفُونَ" المتأخرون عن الغزو.
"وَالْبضْعُ" ما بني الثلاث إلى التسع من العدد "وَكّلَ سَرَائرَهُمْ" ردها إلى علم الله، "والظَّهْرُ" هنا عبارة عما يركبه "وَجِدَ" من الموجدة وهي: الغضب "وَالتَّأْنِيبُ" الملامة والتوبيخ، "وَالْاسْتِكَانَةُ" الخضوع "وَتَسَوَّرْتُ الجِدَارَ" علوته "المُضيْعَةُ" مفعلة من الضياع وهو الاطراح، ومثله الهوان، "وَالمُوَاسَاةُ" المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق ونحوهما.
"والتَيَمُّمُ" القصد "وَاسْتَلْبَثَ" أبطأ "وَالرَّحبُ" السعة "وَأَوْفَى" أشرف "وَسَلْعٌ" جبل في المدينة "وَالرَّكْضُ" ضرب الراكب الفرس برجله ليسرع العدو"وَآذَنَ" أعلم "وَأَتأَمَّمُ" أقصد "وَالْفَوْجُ" الجماعة من الناس "وَيَبْرُقُ وَجْهُهُ" إذا لمع وظهرت عليه أمارات السرور، "وَأَنْخَلِعَ مِنْ مَالي" أي أخرج من جميعه، وسمى جيش تبوك جيش العسرة؛ لأن الناس ندبوا إليه في شدة الحر فعسر عليهم وكان وقت إدراك الثمار "وَالرِّجْسُ" النجس "وَالْإرْجَاءُ" التأخير.
قوله: "في حديث ابن شهاب" - وهو محمد بن مسلم الزهري -[٣٣٧/ ب].
قوله: "أوعاهم (١) " أي: أحفظهم.
قوله: "تواثقنا على الإسلام" أي: أخذ بعضنا على بعض الميثاق.
قوله: "وما أحب أن لي بها مشهد بدر" لأنها كانت سبب ظهور الإسلام وإعلاء كلمة الله.
стр. 850
قوله: "فجلي للناس أمرهم" بالتخفيف والتشديد، أي: كشف وعرف.
قوله: "يريد بذلك الديوان" هذا مدرج من كلام الزهري.
قوله: "أصعر (١) " بالمهملتين، أي: أميل.
قوله: "فقال رجل" هو عبد الله بن أويس السلمي - بفتحتين - قاله الواقدي.
قوله: "كن أبا خيثمة" بالخاء المعجمة فمثناة فمثلثة، لفظه لفظ الأمر ومعناه الدعاء كما تقول: أسلم. أي [٣٣٨/ ب]: سلمك الله. قاله السهيلي (٢).
وقال ثعلب (٣): العرب تقول: كن زيداً، أي: أنت زيد.
وقال القاضي (٤) عياض: والأشبه عندي أن (كن) هنا للتحقيق والوجود. أي: لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة.
وقول القاضي هو الصواب، وهو معنى قول صاحب التحرير: اللهم اجعله أبا خيثمة! واسم أبي خيثمة عبد الله، وقيل: مالك بن قيس.
وروى أن أبا خيثمة بلغ شبابه، وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير، وقربت له الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضجر والربح ما هذا بخير.
فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه فمد رَسُولِ الله ﷺ طرفه إلى الطريق فإذا براكب [عراهاه] (٥) السراب، فقال: "كن أبا خيثمة" فكان هو ففرح به واستغفر له.
стр. 851
وقوله: "مبيضاً" بكسر [الباء] (١) لابس الثوب الأبيض، ويقال: هم المبيضة والمسودة بالكسر، ويجوز أن يكون مبيضاً بسكون الباء، وبتشديد الضاد من البياض [٣٣٩/ ب] وقوله: "يزول (٢) به السراب" أي: يرفعه ويظهره، يقال: زال به السراب إذا ظهر شخصه فيرى خيالاً.
قوله: "بضعة وثمانين رجلاً".
قال الواقدي (٣): إن هذا العدد كان من منافقي الأنصار وأن المعذرين من الأعراب أيضاً اثنان وثمانون رجلاً من بني غفار وغيرهم.
قوله: "قد أعطيت جدلاً" أي: فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما نسب إلي بما يقبل ولا يرد.
قوله: "مرارة بن الربيع" [٩٧/ أ]، [مرارة] (٤) بضم الميم ورائين الأولى منهما خفيفة العمري: بفتح العين المهملة نسبة إلى بني عمرو بن عوف، ويقال فيه: مرارة بن ربيعة كما قاله السهيلي (٥).
стр. 852
قال ابن حجر (١): [وهو وفي مسلم ابن ربعي في رواية [وهو خطأ] (٢)] (٣).
"وهلال بن أمية الواقفي" بقاف ثم فاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس.
وذكر ابن أبي حاتم (٤): أن سبب تخلف مرارة أنه كان له حائط حين زهى، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه قال: اللهم إني قد تصدقت [٣٤٠/ ب] به في سبيلك، وأما سبب تخلف هلال كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت [عندهم هذا العام] (٥) فلما تذكر قال: اللهم إن لك علي أن لا أرجع إلى أهل ولا مال.
قوله: "قد شهدا بدراً".
قيل: فيه رد على من أنكر شهودهما بدراً، وأول من أنكر (٦) ذلك الأثرم صاحب الإمام أحمد وتبعه جماعة وادعوا أن جملة قد شهدا بدراً مدرجة في حديث كعب.
стр. 853
قلت: قال ابن القيم في "الهدي (١) ": إن هذا مما عد في أوهام الزهري فإنه لا يعلم عن أحد من أهل المغازي والسير [البتة] (٢) ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي، ولا أحد ممن عد أهل بدر ولذلك ينبغي أن لا يكونا من أهل فإن النبي ﷺ لم يهجر حاطباً ولا عاتبه وقد جسَّ عليه وقال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأين ذنب التخلف من ذنب الجس. انتهى كلامه.
وتعقبه الحافظ ابن حجر (٣) فقال: قلت: ليس ما استدل به بواضح؛ لأنه يقتضي أن البدري إذا جنى جناية [٣٤١/ ب] ولو كثرت لا يعاقب عليها وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب فلي قصة حاطب قد جلد قدامه بن مظعون [أي] (٤): لما شرب الخمر - وهو بدري كما تقدم وإنما لم يعاقب النبي ﷺ حاطباً ولا هجره؛ لأنه قبل عذره في كونه غريباً خشية على أهله وولده، وأراد أن يتخذ عندهم يداً فعذره لذلك، بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنَّه لم يكن لهم عذر أصلاً، انتهى كلام ابن حجر فرد كلام ابن القيم، وأن من شهد بدراً كغيره يعاقب على ذنبه، وأنه إنما لم يعاقب ﷺ حاطباً؛ لأنه قبل عذره لا لأنه من أهل بدر، فأقر كلام ابن القيم في أن حاطباً ما عوتب ولا هجر وخالفه في العلة وأنها قبول عذره.
قلت: وهذا منهما رحمهما الله عجيب فإنه ذهل ابن القيم وابن حجر في كون حاطباً لم يعاتبه ﷺ فإن الله وقع منه عتاب لحاطب من أشد العتاب وأعظم مما أتى في آيات الكتاب فإنه أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [٣٤٢/ ب] تُلْقُونَ
стр. 854
إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ (١)، وما زال تعالى ينزل العتاب على أساليب وضرب للأمثال بالخليل وقومه حتى ختم السورة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٢) الآية.
فأي عتاب أوجع من هذا العتاب؟ وكيف وهو عتاب من الرب تعالى تذوب له القلوب!
ويعلم أن الجسَّ من أعظم الذنوب بلغة أشرف خلق الله بكلام إلهي يجب إبلاغه إلى كل مكلف من الإنس والجان وتدوم تلاوته بكل لسان فكيف أنه ﷺ ما عاتب حاطباً.
وأما قول ابن القيم (٣): ولا هجره. أي: كما هجر الثلاثة.
فجوابه أن العقوبات للذنوب ليست نوعاً واحداً حتى تعين بل أنواع العقوبات كثيرة جرت بتعددها حكمة الله وعلمه فعاقب تعالى على الجسّ أعظم عقوبة بالعتاب الذي تولاه والوعيد والتهديد والتشديد، وعاقب الثلاثة بأمر العباد بهجرهم وترك مكالمتهم ومخاطبتهم وهي من عظيم العقوبات أن يصير بين الأحياء كالأموات.
ويظهر لي - والله أعلم - أن خصوصية هذه العقوبة بالثلاثة أنهم اختاروا لأنفسهم هجر رَسُولِ الله [٣٤٣/ ب] ﷺ وهجر المسلمين بتخلفهم عنهم والبقاء في الخالفين والقاعدين [٩٨/ أ] مع كونهم آثمين، فكان جزاءهم من جنس ما اختاروه بأن أمر الله رسوله ﷺ وعباده المؤمنين بأن يهجروهم وهو بين ظهورهم، يلاقونهم فلا يكالمونهم ولا يجالسونهم، ولا يدنون منهم، والمؤمنون في هجرهم إياهم مثابون وبه مأمورون، وكان لسان
стр. 855
القدر يقول لهم: اخترتم لأنفسكم هجر الرسول وأصحابه بالتخلف عنهم وأنتم آثمون، فهم الآن يهجرونكم وهم مثابون ولا يكالمونكم وهم لأمر الله فيكم ممتثلون فذوقوا ما طلبتم من هجرٍ ضاقت به عليكم الأرض بما رحبت، ولكنه آل بكم رحمة الله إلى قبول التوبة برحمته أنه أرحم الراحمن، وأسرار الله وحكمه لا تحيط به العقول، ولا تتناهى، بل يعطي تعالى كلاً من فضله فإني لم أقف على هذا لأحد، فلله الحمد ونسأله المزيد.
قوله: "أيها الثلاثة" بالرفع وموضعه، نصب على الاختصاص كما قاله سيبويه (١)، "فما هي الأرض التي أعرف".
قال ابن القيم (٢): هذا التنكر يجده الخائف، والحزين، والمفهوم في الأرض، وفي الشجر، والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حاله من الناس، ويجده المذنب العاصي بحسب جرمه حتى في خلق زوجته وولده، ودابته، ويجده الإنسان في نفسه، فتتنكر له نفسه فما هي نفسه التي يعرفها، وهذا سر من الله لا يخفى [إلا على قلب ميت وعلى حسب حياة القلب يجده هذا والوحشة] (٣).
قوله: "خمسين ليلة" [٣٤٤/ ب] هي قريب العدة التي فارقوا فيها رسول الله ﷺ فإنه خرج من المدينة في خامس رجب ورجع إليها في رمضان.
قوله: "هل حرك شفتيه برد السلام".
стр. 856
أقول: ليس فيه إخبار (١) بالرد ولا بعدمه، فمن جزم وقال: إنه ﷺ إنما لم يرد عليه لعموم النهي عن كلامهم.
وفيه أن السلام كلام فمن حلف أن لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو ردَّ عليه سلاماً حنث.
وفيه ترك السلام على المبتدعة ونحوهم، وهذا بناءً على أنه ﷺ لم يرد السلام، واستدل له ابن القيم (٢) أنه لو كان الرد واجباً لأسمعه ﷺ إياه.
قوله: "حائط أبي قتادة".
أبو قتادة اسمه: الحارث بن ربعي السلمي، وقيل: النعمان، شهد بدراً وما بعدها، وبدراً في قول.
قوله: فقال: "الله ورسوله أعلم".
قال القاضي (٣): لعل أبا قتادة لم يرد تكليمه بهذه الكلمة؛ لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله فقال أبو قتادة: ذلك مظهراً لاعتقاده لا ليسمعه.
قوله: "نَبَطي" أي: بالنون والموحدة، مفتوحات، والنبط هم قوم العرب دخلوا في العجم والروم واختلف أنسباهم، وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم: النبط والأنباط، سموا بذلك إذ همهم بأنباط الماء، أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة ومنزلهم البطائح (٤).
стр. 857
قوله: "قلت: هذا أيضاً من البلاء".
أي: من ابتلاء الله واختباره لإيمانه، ومحبته لله ورسوله، وإظهاراً للصحابة أنه ليس عن ضعف إيمان؛ لأنه هجر رسول الله صلى الله [٣٤٥/ ب] عليه وآله وسلم والمسلمين، وأنه ليس ممن تحمله الرغبة في الجاه والملك مع هجر النبي ﷺ والمسلمين له على مفارقة دينه، وهذا فيه تبرئة الله له من النفاق، وبيان صحة إيمانه، ولذا بادر بتسجير التنور بالصحيفة، وإتلافها خشية الفساد (١) من إبقائها لئلا تبقى سبباً للوسوسة بما فيها، وهذا كإراقة العصير خشية أن يتخمر، وهكذا تجب المسارعة إلى تحريق كتب الزنادقة والباطنية وكل ما فيه ضلالة كفصوص (٢) ابن عربي وفتوحه (٣).
стр. 858
وتائيه ابن الفارض (١) وشروحها، وكتاب الجيلي (٢). فكلها مضادة لما أنزل الله تعالى قلبت معاني ألفاظ القرآن إلى غيرها ما أنزلها به من الهدى والبينان وصيرته من وحي الشياطين داعياً للكفر والضلالات.
وقوله: "وسجرته" أي: أوقدته.
(نكتة): اتفق لي سنة (٧٤) لعله في رجب منها أنه أتاني إنسان من أهل العلم بكتاب قد بهره ما فيه من المضادة لما فيه القرآن ومن أمارة الشر والهذيان، فقال لي: انظروا هذا [٩٩/ أ]!! فنظرته، فرأيت فيه كل عجاب وهو كتاب الجيلي الذي سماه "الإنسان الكامل" وكنت قد عرفته من مدة فزادني تأمله يقيناً بوجوب إحراقه وإليه مضموماً "المضنون به عن غير أهله" كتاب منسوباً إلى الغزالي، ولم أكن قد رأيته قبل ذلك، وإذا هو أنجس طريقةً، وأخبث في الحقيقة، فحرقتهما على انضاج مأكول بنارهما، وأكلت ذلك المطبوخ لقصد علة كانت معي فزالت بحمد الله. وقد ذكر نحو هذه [٣٤٦/ ب] القضية العلامة المقبلي ﵀، وأن الإمام
стр. 859
المتوكل إسماعيل بن القاسم رحمة الله صنع نحو هذا في كتاب "الفصوص" وأطعم بناره طعاماً لامرأة كانت بها علة فزالت (١).
قال المقبلي (٢): أنه حكى هذا لبعض من يعظم ابن عربي، فقال: هذا من بركات الشيخ.
قلت: فيقال له فتحرق المصاحف القرآنية، وتجعل حطباً يطبخ بها لأمراض البرية، وهكذا فليكن الضلال!!!
قوله: "فإني رجل شاب" أي: أقدر على خدمة نفسي وأخاف على نفسي من حدة الشباب أن أصيب امرأتي وقد نهيت عنها.
قوله: "فخررت لله ساجداً" هذا هو سجود (٣) الشكر قد فعله رسول الله ﷺ .
قوله: "واستعرت ثوبين".
قال الواقدي (٤): استعارهما من أبي قتادة.
قوله: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" (٥) استشكل بيوم إسلامه فيقدر استثناؤه، وقيل: لأن يوم توبته مكملاً ليوم إسلامه.
стр. 860
قوله: "فقام طلحة بن عبيد الله".
قال ابن إسحاق: إنه كان أخاً لكعب في الأخوة بين (١) المهاجرين [٣٤٧/ ب] والأنصار.
قوله: "قطعة قمر" شبهه بقطعة منها لا بكلها مع أنه المعهود؛ لأن القصد إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرور، فناسب أن يشبه ببعض القمر.
قوله: "إنما أنخلع من مالي" أي: أخرج منه فنهاه ﷺ وأمره بإمساك بعضه خوفاً عليه من التضرر بالفقر والندم عليه.
قوله: "أبلاه الله" أي: أنعم عليه والإبلاء والبلاء يكون في الخير والشر، وإذا أطلق البلاء يكون في الشر غالباً، فإن أريد الخير قيد كما قيد هنا بأحسن.
قوله: "أن لا أكون كذبته كلمة". (لا) زائدة (٢) كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ﴾ (٣).
وقوله: "فأهلك" بكسر اللام، وفتحها شاذ.
قوله: " [أو] (٤) التورية (٥) " إخفاء الشيء وإظهار غيره أصلها، وراء كأنه جعل الشيء وراء ظهره.
стр. 861
وقال النووي في "الأذكار (١) " التورية: أن يقصد بالعبارة مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ. انتهى.
وقال القاضي عياض [٣٤٨/ ب] في "الشفاء (٢) " على قوله: "ورَّى بغيرها": ليس فيه خلف في القول، وإنما هو ستر مقصده، لئلا يأخذ عدوُّه حذره، وكتم وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر، والبحث عن إخباره والتعريض بذكره، لا أنه يقول: تجهزوا إلى موضع كذا أو وجهتنا إلى موضع كذا خلاف مقصده، فهذا لم يكن؛ والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف. انتهى.
٢٥ - وعن ابن عباس ﵄: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نسختها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. أخرجه أبو داود (٣). [حسن]
стр. 862
٢٦ - نَجْدَةُ بْنُ نُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: " ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قَالَ: فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ فَكَانَ عَذَابَهُمْ". أخرجه أبو داود (١). [ضعيف]
(سورة يونس)
١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن أو ترى له" أخرجه الترمذي (٢). [حسن]
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: أخرجه من طريقين كلاهما فيها رجل مجهول فإنه قال: ثنا ابن أبي عمر قال: ثنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا
стр. 863
الدرداء (١) عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: ما سألني [٣٤٩/ ب] عنها منذ سألت رسول الله ﷺ عنها أحد غيرك منذ أنزلت هي: الرؤيا الصالحة. الحديث.
ثم أخرجه الترمذي من طريق أخرى فيها ذلك الرجل من أهل مصر.
ثم أخرجه من طريق ثالثة، وليس فيها عطاء بن يسار، ولم يتكلم (٢) على هذه الروايات: ثم قال: وفي الباب عن عبادة بن الصامت. انتهى كلام الترمذي.
والذي قال إنه في الباب عن عبادة، وجدناه في "الدر المنثور (٣) " بلفظ أخرج الطيالسي (٤)، وأحمد (٥)، والدارمي (٦)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٨)، والهيثم بن كليب الشاسي (٩)، والحكيم الترمذي (١٠)، وابن جرير (١١)، وابن المنذر (١٢).
стр. 864
والطبراني (١)، وأبو الشيخ (٢)، والحاكم (٣) وصححه، وابن مردويه (٤)، والبيهقي (٥)، عن عبادة قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له". انتهى.
فهذه التي أشار إليها الترمذي لا أنه أخرجها كما قال السيوطي هنا بأن قوله. وفي الباب عن فلان [١٠٠/ ب] كما عرفناك عند قول المؤلف أخرجه رزين.
هذا وفي "الدر (٦) " روايات عن ابن عمر (٧)، وأبي هريرة (٨).
стр. 865
وعن جابر (١) بن عبد الله بن رباب، وليس بالأنصاري، وعن جابر بن عبد الله (٢)، وابن عباس (٣)، وعن حذيفة (٤)، وغيرهم.
وفيه رواية (٥) أن البشرى هو أنه يقال له قبل موته: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] عن ابن عباس، وعنه رواية (٦) هي قوله لنبيه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ (٧).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا أَغْرَقَ الله تَعَالَى فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! لَوْ
стр. 866
رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ، وَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ". أخرجه الترمذي (١) وصححه. [صحيح]
"وحَالُ الْبَحْرِ" بالمهملة: طينه الأسود الذي في قعره.
قوله: "من حال البحر" في النهاية (٢): إنه الطين الأسود كالحمأة.
قوله: "خشية أن يقول: لا إله إلا الله فيرحمه".
الحديث أخرجه الترمذي وقال (٣): غريب حسن صحيح، وأخرجه أيضاً (٤) من طريق أخرى كلاهما [٣٥٠/ ب] عن ابن عباس وقال فيها (٥): حسن فقط.
والحديث أخرجه جماعة: ابن جرير (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن أبي حاتم (٨)، وابن حبان (٩)، وأبو الشيخ (١٠)، والحاكم (١١) وصححه.
стр. 867
وابن مردويه (١)، والبيهقي في "الشعب" (٢).
واستشكله من المعتزلة الزمخشري، ومن الأشعرية الرازي، فأما الزمخشري (٣) فأنكر لفظه "خشية أن تدركه رحمة الله" فإنه أقرب أصل الحديث ثم قال: وأما ما نقم الله من قولهم خشية أن تدركه رحمة الله فمن زيادات الباهتين لله وملائكته، وفيه جهالتان: أحدهما: أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه، والأخرى: من كره إيمان الكافر وأحب بقاءة على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. انتهى.
وقال الرازي (٤): والجواب الأقرب أن الحديث لا يصح (٥)؛ في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتاً، أو ما كان ثابتاً لم يجز على جبريل أن يمنعه التوبة، بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة لقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية، ثم ذكر الوجه الذي ذكره "الكشاف" (٦) بأنه يتم الإيمان في القلب ولو ختم لسانه، ثم ذكر الرضا بالكفر كفر، ثم قال (٧): وأيضاً فكيف بالله أن يأمر موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً لعله يذكر أو يخشى، بأن يمنعه من الإيمان، ولو قيل: بأن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فإنه يبطله قول جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٨) وقوله في صفته: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ
стр. 868
مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ (١)، وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (٢)، وأما إن قيل: إن التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذٍ لا يبقى لهذا الذي فعل جبريل فائدة أصلاً، انتهى ببعض اختصار.
فالزمخشري ردَّ اللفظة التي فيها الإشكال رواية، وأبان ما فيها من الإشكال درايةً، وتبعه الرازي فيهما ولكن رد بعض الحديث وقبول بعضه مشكل؛ لأنها رواية واحدة من طرق عديدة لا وجه لردها من حيث الرواية.
وأما الإشكالان اللذان [٣٥١/ ب] ردها بسببهما، فقد أشار في "الإتحاف" إلى ردهما؛ لأنه اعتمد أنه يصح الإيمان بالقلب دون اللسان قال: وهو كلام خارج عما تضمنه الحديث، إذ لا نزاع أن فرعون قد تكلم بكلمة الإيمان.
قلت: فينتقل إلى إشكال آخر: وهو أنه أي فائدة في دس جبريل في فيه من حال البحر إنما هو لئلا ينطق بكلمة الإيمان وقد نطق بها ولا يفعل جبريل إلا بأمر الله، ولا يأمر الله بفعل عبث، ثم قال في "الإتحاف" رداً للإيراد.
الثاني: الذي أورده الزمخشري فكذلك لم يتضمن الحديث إرادة بقاء فرعون على الكفر؛ لأنه قد آمن ولم يبق في وسعه غير ما فعل، فإن أراد الزمخشري على خلاف الإيمان فليس بلازم؛ لأنه قد آمن، وإن أراد بقاء حكم الكفر لعدم قبول الإيمان بالله، فدار إبقاء حكم الكفر على الكافرين [أبد] (٣) الآبدين منذ منعهم التوبة. انتهى.
стр. 869
ولا يخفى أن دس جبريل لحال [١٠١/ أ] البحر لئلا تدركه الرحمة. أي: فيخرج عن الكفر بالرحمة، وهذا عين إرادة بقائه على الكفر، وأما القسم الآخر من [] (١) فلم يرده الزمخشري.
وأما قول الرازي (٢) أنه كيف يأمر رسوليه ﵉ بأن يقولا لفرعون قولاً ليناً، ويأمر جبريل أن يمنعه من الإيمان ففيه شيئان:
الأول: أنه قد ذكر أن الإيمان بالقلب صحيح، إذا منعت اللسان، فأي نفع من دسه لحال البحر في فيه، ومثله قال الزمخشري.
الثاني: أنه تعالى أمر رسوليه ﵉ بالقول اللين أول الأمر ثم لما تمادى في كفره قال الله: ﴿آسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا. ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] فلا منافاة بين حال الإغضاب وقبله.
وأما الإشكال الوارد على صاحب "الإتحاف" بعد قوله بأنه قد آمن بأنه كيف لم يقبل الله إيمانه وقد بذل وسعه، فقد أجاب هو عنه بأنه مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [٣٥٢/ ب] قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥]. انتهى.
فجعله كإيمان من حضره الموت وإلى مثله ذهب الرازي، فإنه أورد السؤال وأجاب عنه بشبه أجوبة هذا أحدها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول؛ لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء، وفي هذه الحال لا تكون التوبة مقبولة، ولهذا السبب قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] انتهى.
стр. 870
وصاحب "الإتحاف" لم يرتض تعليل عدم القبول بالإلجاء، بل بما علله الله أنها سنته التي قد خلت في عباده.
وقال أبو السعود (١): إن قوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] الآية، فيها من الدلالة على عظم السخط وشدة الغضب ما لا يخفى، كما يفصح عنه ما روي أن جبريل دسَّ فاه عند ذلك بحال البحر ولسده به، فإنه تأكيد للرد القولي بالرد الفعلي، ولا ينافيه تعليله بمخافة إدراك الرحمة، إذ المراد بها الرحمة الدنيوية. أي: النجاة التي هي طلبة المخذول، وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان، كما في إيمان قوم يونس، حتى يلزم من كراهية ما لا يتصور في شأن جبريل من الرضى بالكفر، إذ لا استحالة في ترتيب هذه الرحمة على مجرد التفوه بكلمة الإيمان، وإن كان ذلك في حالة اليأس، فيحمل. دسه على سد باب الاحتمال البعيد بكمال الغيظ وشدة الحرْدِ فتدبر. والله الموفق. انتهى بلفظه.
ويريد بالرحمة الدنيوية تخليصه من الغرق، وهو نظير: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ (٢).
قلت: فهذه أقوال أئمة التحقيق من كل فريق، ولم يصف ماؤها (٣) عن الكدر، ولا اتضح وجه الحديث بها، ولا أسفر فالذي يقوى أنه من الأحاديث المتشابهة. والله أعلم.
стр. 871
يجب بها الإيمان ونوكل المراد بها الرحمن [٣٥٣/ ب].
стр. 872
(سورة هود)
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ الله! قَدْ شِبْتَ! قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ, وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كوِّرَتْ". أخرجه الترمذي (١). [صحيح]
قوله: "قال أبو بكر: يا رسول الله! قد شبت".
أي: قد ظهر فيك شيء منه، وإلا فإنه كما في كتب السير توفي ﷺ وما فيه نحو عشرين شعرة بيضاء، فذكر هذه السور لما فيها من أوصاف أحوال الآخرة.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: أخرجه في سورة الواقعة لا في هود ثم قال (٢) عقب إخراجه: هذا حديث حسن غريب ولا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه [وروي عن علي بن صالح هذا الحديث، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلاً] (٣) انتهى كلامه.
٢ - وعنه ﵁: "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٥] قَالَ: كانَ أُنَاسٌ يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ".
стр. 873
أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله: "كان [أناس] (٢) ... " إلى [آخره] (٣).
أي: يقضوا الحاجة في الخلاء وهم عراة. وعن ابن التين (٤) أنه روي "يتحلوا" بالمهملة.
قال الشيخ أبو الحسن الفاسي (٤): إنه أحسن. أي: يرقد على حلاوة قفاه.
قال ابن حجر (٥): والأول أولى، وفي البخاري روايات عنه وقراءات.
٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ الله تَعَالَى لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. أخرجه الشيخان (٦) والترمذي (٧). [صحيح]
قوله في حديث أبي موسى: "يملي".
أي: يمهله، ووقع في رواية الترمذي: "أن الله" وربما قال: "يمهل".
стр. 874
قوله: "لم يُفلته".
بضم أوله من الرباعي. أي: لم يخلصه، أي: إذا أهلكه لم يرجع عنه الهلاك.
قال ابن حجر (١): وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كل على ما يليق به.
وقيل: المراد فلم يفلته لم يؤخره.
قال ابن حجر (١): وفيه نظر؛ لأنه يتبادر منه أن الظالم إذا صرف عن منصبه وأهين، أي: لا يعود إلى غره، والمشاهد بخلاف ذلك، فالأولى حمله على الغالب [١٠٢/ أ] [٣٥٤/ ب].
٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودُ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، وَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَقَدْ سَتَرَكَ الله تَعَالَى، لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسَكَ، وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَأتبعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً فَدَعَاهُ فَتَلاَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولُ الله! هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: "بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً". أخرجه الخمسة إلا النسائي (٢). [صحيح]
قوله: "جاء رجل".
قيل: هو [أبو اليسر بن] (٣) عمرو الأنصاري.
стр. 875
وقيل: هو أبو نفيل (١) نبهان التمار.
وقيل: ابن معتب (٢) الأنصاري.
قوله في حديث ابن مسعود: "إني عالجت امرأة".
قال ابن حجر (٣): لم أقف على أسمها إلا أنها من الأنصار".
قوله: " ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
تمسك بالآية المرجئة (٤)، وقالوا: إن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة كانت أو صغيرة.
وحمل الجمهور (٥) هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح (٦): "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر".
وقال طائفة (٧): إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لما عدا الكبائر من الذنوب، وإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الحسنات شيئاً منها، أي: الصغائر.
стр. 876
وقيل (١): إن الحسنات تكون سبباً لترك السيئات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢)، لا أنها تكفر شيئاً حقيقة.
وقال ابن عبد البر (٣): ذهب بعض أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من الآثار والأحاديث الظاهرة في ذلك قال: ويرد عليه الحث على التوبة في آي كبيرة، فلو كانت الحسنات تكفر جميع السيئات لما احتيج إلى التوبة.
واستدل بهذا الحديث إلى أنه لا حَدَّ في القُبْلة واللمس، ولا تعزير على من أتى شيئاً منها وجاء تائباً.
قوله: "فقال رجل (٤) ".
قيل: هو عمر بن الخطاب، وقيل: معاذ بن جبل. [٣٥٥/ ب].
(سورة يوسف)
١ - عَنْ عُرْوَةُ بْن الزُّبَير ﵀: "أَنَّهُ سَألَ، عَائِشَةَ ﵂ عَنْ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] أَمْ (كُذِّبُوا) قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقَالَ: وَالله لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ! أَجل لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَعَلَّهَا قَدْ (كُذِبُوا) فَقَالَتْ: مَعَاذَ الله؛ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ وَطَالَ عَلَيْهِمْ
стр. 877
الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ؛ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ الله تَعَالى عِنْدَ ذَلكَ". أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله: "أكذبوا أم كذبوا".
أي: المثقلة أم المخففة، وقع هكذا صريحاً في رواية الإسماعيلي (٢)، قالت عائشة: كذبوا، أي: بالتثقيل، وفي رواية الإسماعيلي (٣) مثقلة.
قوله: "قلت: فهي مخففة قالت: معاذ الله".
هذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف وهي قراءة (٤) ابن مسعود وابن عباس وجماعة من القراء, وقد ذكر ابن حجر (٥): أن عائشة تقول: (كذبوا) هو مثقلة, أي: كذبهم أتباعهم.
وقد روى (٦) [الطبري] (٧) أن سعيد بن جبير سئل عن هذه الآية فقال: "يئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا" فقال الضحاك بن مزاحم لما سمعه: لو رحلت إلى اليمن في هذه لكان قليلاً.
стр. 878
وعن مسلم بن يسار (١) أنه سأل سعيد بن جبير وقال: آية بلغت مني كل مبلغ، فقرأ هذه الآية بالتخفيف، قال: "من هذه الموت أن يظن الرسل ذلك" فأجابه بنحو ذلك، قال: فرجت عني فرج الله عنك، وقام إليه فاعتنقه [١٠٣/ أ].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ قَالَ: يَسْأَلْهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ، وَمَنْ خَلَقَ السَّمَواتِ والْأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ الله، فَذلِكَ إِيْمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَذَلِكَ شِرْكُهُمْ".
стр. 879
أخرجه رزين (١).
قلت: وأخرجه البخاري (٢) تعليقاً في آخر صحيحه، والله أعلم.
قوله في حديث ابن عباس [قوله] (٣): "أخرجه رزين".
قلت: تقدم نحو هذا وما عليه، والذي في "الدر المنثور (٤) " أنه أخرج ابن جرير (٥)، وابن أبي حاتم (٦)، وأبو الشيخ (٧)، عن ابن عباس قال: "يسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض فسيقولن الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره" [٣٥٦/ ب].
(سورة الرعد)
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] قَالَ: "الدَّقَلُ وَالْفَارسيُّ، وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ". أخرجه الترمذي (٨).
стр. 880
قوله: "الدَّقل (١) ". [حسن]
بفتح المهملة والقاف. رديء التمر.
"والفارسيُّ" نسبة إلى فارس الإقليم المعروف جيد التمر.
في تفسير البغوي (٢): قال الحسن في هذه الآية: "هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم يقول: كانت الأرض من طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها، فصارت قطعاً متجاورات, فنزل عليها الماء من السماء, فتخرج هذه زهرتها، وشجرها، وثمارها، ونباتها، وتخرج هذه سبخَها وملحها [وجنيها] (٣) وكل سقي بماءٍ واحد كذلك الناس خلقوا من آدم فتنزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسوا قلوب فتلهوا".
قال الحسن: "والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان".
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. انتهى.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن غريب، وقد رواه زيد بن أنيسة عن الأعمش بنحو هذا، وسيف بن محمد - يريد أحد رواته - هو أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري. انتهى.