قوله: "يهلِك" (١).
بكسر اللام أفصح من فتحها، ومعناه أن الخبث إذا كثر قد يحصل الهلاك العام وإن كانوا صالحون.
٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ فِي السَّدِّ: "يَحْفِرُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ, قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا فَيُعِيدُهُ الله تَعَالَى كَأَشَدِّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَهُمْ وَأَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ. قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ الله وَاسْتَثْنَى، فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كهَيْئَتِهِ حِينَ ترَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَاسِ فَيَسْتَقُونَ الميَاهَ وَتَفِرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّماءِ فَتَرْجِعُ مخُضَّبَةً بِالدِّمَاءِ فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ، وَعَلَوْنَا مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ الله تَعَالَى عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ تَسْمَنُ وتبْطَرُ وَتَشْكَرُ شَكْرًا مِنْ لحُومِهِمْ". أخرجه الترمذي (٢). [صحيح]
"النَّغَفُ (٣) " بالغين المعجمة، دود يكون في أنف الإبل والغنم، و"تَشْكَرُ (٤) " بسكون الشين المعجمة وفتح الكاف: أي تسمن وتمتلئ ضروعها لبنا.
стр. 912
٧ - وَعَنْ مُصْعَبٍ بنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف: ١٠٣]، أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لاَ، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَذَّبُوا بِالْجَنَّةِ، وَقَالُوا: لاَ طَعَامَ فِيهَا، وَلاَ شَرَابَ.
"وَالحَرُورِيَّةُ" الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ؛ وكان سعد يسميهم الفاسقين. أخرجه البخاري (١). [صحيح]
٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ الله تَعَالَى جَنَاحَ بَعُوضَةٍ, وَقَالَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥] ". أخرجه الشيخان (٢). [صحيح]
٩ - وَعَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا جَمَعَ الله تَعَالَى النَّاسَ لِيَوْمِ لاَ رَيْبَ فِيهِ يُنَادِي مُنَادٍ: مَنْ كَانَ يُشْرِكُ بِالله تَعَالَى فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لله أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْه, فَإِنَّ الله تعالى أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ". أخرجه الترمذي (٣). [صحيح]
قوله: "وعن أبي سعيد بن أبي فضالة" إلى قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكير. انتهى.
стр. 913
وفي التقريب (١): محمد بن بُكَير بالتصغير، ابن واصل الحضرمي البغدادي أبو الحسن. نزيل أصبهان، صدوق يخطئ من العاشرة، قيل: إن البخاري روى عنه. انتهى. [٣٦٩/ ب].
(سورة مريم)
١ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلونِي وَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ يَا أُخْتَ هَارُونَ؛ وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَمّونَ بِأَنَبِيَائِهِمْ وَالصَّالحِينَ قَبْلَهُمْ". أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣). [صحيح]
قوله: "يا أخت هارون".
قال قتادة وغيره (٤): كان هارون رجلاً صالحاً عابداً في بني إسرائيل، روي أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى سائر الناس.
قوله: "بكذا وكذا".
قال البيضاوي (٥): كان بينهما ألف سنة.
стр. 914
٢ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، وَقَالَ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، حَتَّى يُوقَفَ عَلَى السُّورِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ فَيُضْجَعُ وَيُذْبَحُ، فَلَوْلاَ أَنَّ الله قَضَى لأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَيَاةَ فِيهَا وَالْبَقَاءَ لمَاتُوا فَرَحًا، وَلَوْلاَ أَنَّ الله قَضَى لأَهْلِ النَّارِ الْحَيَاةَ فِيهَا وَالْبَقَاءَ لمَاتُوا تَرَحًا". أخرجه الترمذي (١) وصححه. [صحيح دون قوله: "فلولا أن الله قضى لأهل النار ... "]
"الْأَمْلَحُ (٢) " الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقيُّ البياض (٣).
وقوله: "فَيَشْرَئِبونَ (٤) " أي: يرفعون رءوسهم لينظروا إليه، "وَالتَّرح (٥) " ضدّ الفرح، وهو الحزن.
قوله: "فيشرئبون".
بمعجمة وراء مفتوحة، ثم همزة مكسورة، ثم موحدة ثقيلة مضمومة، أي: يمدون أعناقهم ينظرون.
وقوله: "أملح".
стр. 915
قال القرطبي (١): الحكمة في ذلك أن يجمع بين صفتي أهل الجنة والنار السواد والبياض.
قال الدميري في "حياة الحيوان (٢) ": وإنما جيء بالموت كهيئة الكبش لما جاء أن ملك الموت أتى آدم في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعمائة.
ونقل القرطبي (٣) عن كتاب "خلع النعلين (٤) ": أن الذابح [للكبش] (٥) بين الجنة والنار يحيى بن زكريا بين يدي النبي ﷺ إذ في اسمه إشارة إلى الحياة الأبدية، وذكر صاحب (٦) "الفردوس (٧) " أن الذي يذبحه جبريل.
قال ابن القيم في "حادي الأرواح (٨) " الكبش والاضجاع والذبح، ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيلُ، كما أخطأ فيه بعض الناس فيه خطأ قبيحاً، وقال: الموت عرض، والعرض لا يتجسَّم فضلاً عن أن يذبح، وهذا لا يصحُّ فإن الله ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صوراً معاينة يثاب بها ويعاقب، [والله تعالى] (٩) ينشئ من الأجسام أعراضاً، ومن الأعراض أعراضاً.
стр. 916
فالأقسام الأربعة [٣٧٠/ ب] ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعاً بين النقيضين، ولا شيئاً من المحال.
ولا حاجة إلى تكلف من قال: إنَّ الذبح إنما هو لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله تعالى ورسوله، والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل، وسببه قلَّة الفهم لمراد الرسول من كلامه, فظن هذا القائل أنَّ لفظ الحديث دل على أن نفس العرض يذبح، وظنَّ غالطٌ آخر: العرض يعدم ويزول، ويصير مكانه جسم يذبح [١٠٧/ أ] ولم يتنبه الفريقان لهذا القول الذي قلناه، وأن الله ينشئ من الأعراض أجساماً يجعلها مادةً لها كما في الصحيح في البقرة وآل عمران يوم القيامة "غمامتان ... الحديث (١) " فهذه هي القراءة التي ينشئها الله غمامتين، وذكر من هذا ما وردت به الأحاديث التي تثبت فيها أن الأعمال تصير أجساماً وصوراً في القبر وفي الآخرة (٢). وهو كلام حسن صحيح.
٣ - وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] قَالَ: قَالَ أَنَسُ ﵁ أَنَّ النَبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا عُرِجَ بِي رَأَيْتُ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ". أخرجه الترمذي (٣). [صحيح]
قوله في حديث قتادة: أخرجه الترمذي. قلت: وقال (٤): وفي الباب: عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، وهمام وغير واحد عن
стр. 917
قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ ، حديث المعراج بطوله، وهذا عندي مختصر من ذلك. انتهى كلامه.
٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لجِبْرِيلَ: "مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، الآية". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح]
وقوله في حديث ابن عباس: أخرجه البخاري والترمذي، قلت: وقال الترمذي (٣): هذا حديث حسن، إلا أن في لفظ [٣٧١/ ب] الترمذي: فنزلت هذه الآية، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾.
وقوله: ﴿بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ يحتمل بإذنه، ويحتمل ما نتنزل إلا مصاحبين لأمر الله عباده بما أوجب عليهم أو حرم (٤).
٥ - وَعَن أُمُّ مُبَشِّرٍ (٥) الْأَنصَارِيَّة ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "لاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ الله مِنْ أَصحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ". فقَالَتْ حَفْصَةُ ﵂: بَلَى يَا رَسُولَ الله!
стр. 918
فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ قَالَ الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] الآية" أخرجه مسلم (١). [صحيح]
٦ - وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَحَدَّثَنِى ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهمْ، فَأَوَّلهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ المُسْرِع، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كمَشْيِهِ". أخرجه الترمذي (٢). [حسن]
"الحضْرَ (٣) " بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة: العدْوُ. "وَالشَّدُّ" (٤). أيضاً العدو.
قوله: وَعَنِ السُدّي: بضم السين، وتشديد الدال المهملتين، وهو إسماعيل (٥) بن عبد الرحمن، نسب إلى السدة؛ لأنه كان يبيع المقانع عند سدة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من الطاق المسدود، وقيل: هي الظلّة على الباب لوقاية الشمس والمطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: الساحة أمام الباب.
стр. 919
وهذا إسماعيل تابعي كبير يروي عن أنس وابن عباس، وأما السُّدّي الصغِير فهو محمد (١) بن مروان، يروي عن هشام بن عروة والأعمش. متروك متهم (٢).
٧ - وَعَنْ خَبَّابٍ بن الأرَتِّ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ, فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا، فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ, فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فقُلْتُ لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى يُمِيتَكَ الله تَعَالَى ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: وَإِنِّي لميَتٌ ثُمَّ مَبْعُوْثٌ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالاً وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧] الآية". أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤). [صحيح]
"القين (٥) " الحدّاد.
قوله: في حديث خباب، وهو بالخاء المعجمة, وموحدة مشددة، وآخره موحدة.
والأرت: بفتح الهمزة فراء ساكنة فمثناة فوقية.
стр. 920
وقوله: حتى يميتك الله ثم تبعث: مفهومه أنه يكفر حينئذٍ لكنه لم يرد ذلك لأن الكفر [٣٧٢/ ب] حينئذٍ لا يتصور، فكأنه قال: لا أكفر أبداً، والنكتة في تعبيره بالبعث تعبير العاصي أنه لا يؤمن به.
٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِذَا أَحَبَّ الله عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ ﵇: إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، فَذَلِكَ قَول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]، وَقَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ". أخرجه الترمذي (١). [صحيح]
قوله: في حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي. قلت: وقال (٢): هذا حديث حسن صحيح.
(سورة الحج)
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ, قَالَ هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، فَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ. أخرجه البخاري (٣). [صحيح]
стр. 921
قوله: في حديث ابن عباس: فإن نتجت (١) بضم النون فهي منتوجة، مثل نفست فهي فهي منفوسة.
٢ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ بنُ عُبَادٍ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] وَهُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَليٌّ، وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ بنُ الْحَارِثِ ﵃، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. أخرجه البخاري (٢). [صحيح]
قوله: في حديث علي بن أبي طالب: أنا أول من يجثو بجيم ومثلثة: أول من يقعد على ركبته مخاصماً، والمراد بهذه الأدلة تقييده بالمجاهدين في هذه المبارزة، أول مبارزة وقعت في الإسلام.
وهؤلاء الستة الذين بارزوا يوم بدر، فقتل حمزة شيبة، وقتل علي الوليد، واختلف عبيدة وعتبة، فكر حمزة وعلي على عتبة فدففا عليه، واحتملا عبيدة، وقد قطعت رجله فمات بالصفراء عند رجوعهم، وعبيدة هو القائل: لو كان أبو طالب حياً لعلم أني أحق منه بقوله:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وهؤلاء الستة كلهم من قريش؛ اثنان من بني هاشم، والثالث وهو عبيدة من بني المطلب وكان أسنهم؛ والثلاثة الآخرون المشركون من بني عبد شمس بن عبد مناف.
٣ - وَعَن ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقَ لأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف]
стр. 922
قوله في حديث العتيق وقد روي عن ابن الزبير عن النبي ﷺ مرسل. قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (١): [٣٧٣/ ب] هذا حديث حسن غريب.
٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: آذَوْا نَبِيَّهُمْ حَتَّى خَرَجَ لَيَهْلِكُنَّ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ. أخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣). [إسناده صحيح]
قوله في حديث أبي بكر: "أخرجه الترمذي والنسائي".
قلت: وقال الترمذي (٤): هذا حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلاً، وليس فيه: عن ابن عباس. انتهى.
(سورة قد أفلح)
١ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولُ الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: "لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِين يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ". أخرجه الترمذي (٥). [صحيح]
стр. 923
قوله في حديث عائشة: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (١): وروي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا.
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ, وَتَسْتَرْخِي السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ". أخرجه الترمذي وصححه (٢).
قوله: "وصححه".
قلت: قال (٣): هذا حديث حسن غريب صحيح.
(سورة النور)
١ - عَن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ﵁، وَكَانَ رَجُلاً يَحْمِلُ الأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ، فكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِىٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَكَانَ وَعَدَ رَجُلاً مِنْ أُسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي تَحْتَ الْحَائِطِ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْنِي فَقَالَتْ: مَرْثَدُ؟ فَقُلْتُ مَرْثَدُ، فَقَالَتْ مَرْحَبًا وَأَهْلاً هَلُمَّ
стр. 924
فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، فَقُلْتُ: يَا عَنَاقُ! قَدْ حَرَّمَ الله تَعَالَى الزِّنَا. قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْخِيَامِ! هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ، قَالَ: فتَبِعَنِي ثَمَانِيَةٌ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى غَارٍ فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فَبَالُوا فَظَلَّ بَوْلُهُمْ عَلَى رَأْسِي وَأَعْمَاهُمُ الله عَنِّى. قَالَ ثُمَّ رَجَعُوا وَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَحَمَلْتُهُ حَتَّى قَدِمْتُ إِلَى الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ فَأَمْسَكَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣] فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا مَرْثَدُ! لاَ تَنْكِحْهَا". أخرجه أصحاب السنن (١). [حسن]
في حديث عمرو بن شعيب: "أخرجه أصحاب السنن".
قلت: إلا أن في لفظ الترمذي: "أنكح عناقاً، أنكح عناقاً" مرتين، ثم قال الترمذي (٢): هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه [٣٧٤/ ب].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ ﵁ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "الْبَيِّنَةَ وَاِلاَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ الله تَعَالَى مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ
стр. 925
﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦]، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَ هِلاَلٌ، فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ"، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فتَلَكَّأَتْ وَنَكَصتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: والله لاَ أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنيْنِ، سَابغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهْوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى كَانَ لِي وَلهَا شَأْنٌ". أخرجه البخاري (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣). [صحيح]
قوله في حديث ابن عباس: "قذف امرأته".
القذف لغة: الرمي بيده، وهنا رمي المرأة بالزنا، واصله الرمي، ثم استعمل في هذا المعنى حتى غلب عليه، قاله في "النهاية (٤) ".
قوله: "ابن سحماء (٥) " بالسين والحاء المهملتين، وهي أمه، وأبوه عبدة بن مغيث، وشريك صحابي وهو حليف الأنصار، وقول من قال إنه يهودي باطل.
قوله: "البينة أو حدَّ في ظهرك".
قيل: حذف منه، فالجواب وفعل الشرط بعد لا والتقدير، وإن لا تحضرها فجزاؤك حد في ظهرك.
стр. 926
والنحاة لم يجيزوا مثل هذا الحذف إلا في الشعر، لكنه يرد عليهم الحديث الصحيح (١).
قوله: "فتلكأت (٢) " التلكؤ: التوقف والتباطئ.
قوله: "فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الآية".
قال الحافظ ابن حجر (٣): كذا في هذه الرواية أنها نزلت في حديث هلال بن أمية، وفي حديث سهل الماضي - أي: في البخاري - أنها نزلت في عويمر، وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، منهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال وصادف مجيء عومير أيضاً، فنزلت في شأنهما [٣٧٥/ ب] معاً، وقد جنح النووي (٤) إلى هذا وسبقه الخطيب (٥): وأطال المقال في ذلك. انتهى [١٠٨/ أ].
قوله: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
أي: [لولا] (٦) ما سبق من حكم الله بأن اللعان يدفع الحد عن المرأة لأقمت عليها الحد من أجل الشبه الظاهر الذي رميت به.
٣ - وَعَن الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَغَيْرُه عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بينَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَإِنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، وَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ، وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا
عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى، وَقَالَتْ: فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . أخرجه الخمسة (١) إلا أبا داود. [صحيح]
"الْعُلْقَةُ (٢) " بضم العين وسكون اللام بعدها قاف: قدر ما يمسك الرمق من الطعام (٣).
وقولها: "يُرِيبُنِي" أي: يشككني "والْغَمْصُ (٤) " العيب، "والدَّاجِنُ" الشاة التي تألف البيت، وقوله: "مَنْ يَعْذُرُ" أي: يقوم بعذري فلا يلومني إن كافأته على سوء صنعه "والْبُرَحاءُ (٥) " الشدة، وقول حسان في شعره: "وَتُصْبِحُ غَرْثَى (٦) " أي: جائعة فلا تغتاب أحدًا. ٤ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الْمَنْبَرِ وَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، وَأَمَر بِامْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٍ فَجُلِدُوا الْحَدَّ. أخرجه الترمذي (٧). [حسن]
قوله في حديث الزهري: "وإنه أقرع بيننا في غزاة".
هي غزوة بني المصطلق (٨) سنة ست، وقيل سنة أربع، وهو الصحيح بدليل أنه جرى فيه ذكر سعد بن معاذ في حديث الإفك، وسعد مات بعد غزوة الخندق، ففهم من هذا أنها كانت قبل الخندق ولا محالة أن الخندق كانت سنة أربع.
стр. 932
قوله: "من جزع أظفار".
قالوا: الصحيح في الرواية: "من جزع ظفار" بزنة قطام، وهو اسم مدينة لحمير باليمن.
في الفتح (١): "العقد"، بكسر العين قلادة, تعلق بالعنق يتزين بها.
و"جَزْع" بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة، خرز معروف في سواده بياض كالعروق.
قال (٢): ورواه الكشميهني (ظفار) بغير ألف، وكذا في رواية معمر وصالح.
قال ابن بطال (٣): الرواية "أظفار" بألف، وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: ظفار، وقال القرطبي (٤): وقع في بعض رواية مسلم "أظفار" وهي خطأ.
قوله: "الْعُلْقة" بضم العين وسكون اللام ثم قاف: القليل.
قوله: "يرحلون" بفتح أوله والتخفيف، رحلت البعير: شددت عليه رحله.
قوله: "بعدما استمر الجيش" أي: ذهب ماضياً.
قوله [٣٧٦/ ب]: "وكان صفوان بن المعطل" ذكروا في سبب تأخره أنه كان يكون على ساقة (٥) العسكر، يلتقط ما يسقط من متاع المسلمين حتى يأتيهم به، ولذلك تخلف في هذا الحديث الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا، وروي في تخلفه سبب آخر أنه كان كثير النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس.
стр. 933
وقيل: صفوان شهد أيام معاوية واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهي منكسرة حتى مات، وذلك بالجزيرة بموضع يقال له: سمطاط، قاله السهيلي.
قوله: "فأدلج (١) " بسكون الدال مع قطع الهمزة، وبتشديدها مع الوصل.
وقيل: الأول سير أول الليل، والثاني: سير آخره.
قوله: "تولى كبر الإفك" أي: تصدى لمعظمه وكبره الشيء معظمه، عن الزهري (٢) قال: قال عروة: لم يسم من أهل الإفك غير عبد الله بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله: والعصبة من ثلاثة إلى عشرة، وقد يطلق على الجماعة من غير حصر في عدد.
قوله: "يريبني" بفتح أوله من رابه، وبضمه من أرابه.
قوله: "نقهت (٣) " بفتح القاف أشهر من كسرها، والناقه [٣٧٧/ ب] الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته.
قوله: "قبل المناصع" بالنون وكسر الصاد المهملة، أماكن معروفة من ناحية البقيع (٤).
قوله: "أمر العرب الأول" بفتح الهمزة وتشديد الواو صفة أمر، وبضمها والتخفيف صفة العرب (٥).
قوله: "وأم مسطح" اسمها: سلمى.
стр. 934
قوله: "في مرطها" أي: إزارها.
قوله: "تعس (١) " بفتح المثناة، وكسر المهملة، كب لوجهه، أو هلك، أو لزمه الشر، أو بعداً، أقوال (٢).
قوله: "يا هنتاه (٣) " بفتح أوله وبالمثناة الفوقية بينهما نون ساكنة، وقد تفتح، وآخره هاء ساكنة وقد تضم، معناه: يا امراة! وقيل: يا بلهاء، وقيل: يا غافلة عن مكائد الناس.
قوله: "وضيئة" بزنة عظيمة من الوضاءة الحسن (٤)، أي: حسنة جميلة و"ضرائر" جمع ضرة، قيل: للزوجات ذلك؛ لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى.
قوله: "أغمصه" بغين معجمة وصاد مهملة، أعيبه.
و"الداجن" بالدال المهملة وجيم الشاة التي تألف البيت ولا تخرج للمرعى، وقيل: هي كلما يألف البيوت مطلقاً شاة أو طير [٣٧٨/ ب].
قوله: "فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول" أي: طلب من يعذره منه, أي: ينصفه منه.
قال الخطابي (٥): يحتمل أن يكون معناه: من يقوم يعذره فيما رمى به أهله من المكروه، ومن يقوم يعذرني إذا عاقبته على سوء ما صدر منه، ورجح النووي (٦) هنا الثاني.
стр. 935
وقيل: معنى "من يعذرني" من ينصرني والعذير الناصر.
وقيل: المراد من ينتقم لي منه, وهو كالذي قبله ويؤيده قول سعد: "أنا أعذرك منه" ذكره في "الفتح" (١).
قوله: "فقام سعد بن معاذ" استشكل ذكره في هذه القصة؛ لأنه مات في غزوة الخندق سنة أربع، أو خمس، والإفك كان في غزوة المريسيع سنة ست، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل المراجعة أولاً وثانياً بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة.
قال الحافظ ابن حجر (٢): الراجح أن المريسيع والخندق كانتا في سنة واحدة، سنة خمس، وكانت المريسيع قبلها في شعبان؛ والخندق في شوال، وبهذا يرتفع الإشكال.
قوله: "فثار الحيان" يريد الأوس والخزرج، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (٣)، وفي رواية: "فتثاور" بمثناة [٣٧٩/ ب] ثم مثلثة من الثورة.
قوله: "ألممت بذنب (٤) " أي: وقع منك على خلاف العادة، وهذه حقيقة الإلمام.
قوله: "قلص الدمع (٥) " بفتح القاف واللام، استمسك نزوله فانقطع.
стр. 936
قوله: "ما رام مجلسه" فارقه [و] (١) مصدره الريم (٢).
قوله: "سري (٣) " يروى بالتشديد والتخفيف، أي: كشف عنه فإنه قد برأك الله، قال السهيلي (٤): كان نزول برائتها بعد قدومهم بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين.
قوله: "قالت: لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله".
قالت هذا الكلام، إدلالاً لكونهم شكوا في حالها مع علمهم بحسن (٥) طريقتها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون لا حجة لهم فيه ولا شبهة [٣٨٠/ ب].
"ولا يأتل (٦) " من الألو، أي: لا يقصر، أو من الألية اليمين، أي: لا يحلف ويؤخذ منه مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجوداً [١٠٩/ أ] لأن أبا بكر لم يقطع نفقته على مسطح إلا بعد تحقق ذنبه فيما وقع منه.
في الفتح (٧): قال عبد الله بن المبارك: "هذه أرجى آية في كتاب الله".
стр. 937
وإلى ذلك أشار القائل:
وإن عذر الذنب عن مسطح ... يحط قدر النجم عن أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى ... وعوتب الصديق في حقه
انتهى. قلت: ويحسن أن يكون قبلهما:
لا تقطع الرزق على مذنب ... واعطه المعتاد من رزقه
قوله: "أحمي سمعي وبصري" أي: لا أنسب [إليها] (١) ما لم أسمع ولا أبصر.
قوله: "تساميني (٢) " من السمو والرفعة، أي: تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب.
قوله: "أختها حمنة تحارب لها" أي: تجادل وتتعصب لأختها وتحكي قول أهل الإفك لتنخفض مرتبة عائشة [٣٨١/ ب] وتسمو مرتبة أختها زينب.
وقولها: "فهلكت" أي: بالإثم لا بجلد.
قوله: "يشبب به" التشبيب: ذكر الشاعر ما يتعلق بالنساء ونحوه. أي: يتغزل.
قوله في حديث عائشة: "وتلا القرآن" أي: الذي نزل في عذرها. زاد في الترمذي: "فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم".
قوله: "أخرجه الترمذي (٣) ".
стр. 938
قلت: ثم قال (١): هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. انتهى.
هكذا لفظه: "رجلين وامرأة" ولفظ التيسير: "بامرأتين ورجل" في نسختين من التيسير والذي في الجامع (٢) بلفظ: "رجلين وامرأة" فكأنه وقع من المصنف سبق قلم [] (٣) أي: بالحديث في حد القذف على الصواب، والرجلان حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، والمرأة حمنة بنت جحش [٣٨٢/ ب].
٥ - وعنها ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ الله نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا نَزَلْ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]
٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَةَ، فَنُسِخَ، وَاسْتُثْنِىَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] الآيَةَ. أخرجه أبو داود (٦). [إسناده حسن]
стр. 939
٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عبد الله بْنُ أُبَيًّ بْنُ سَلُولَ يَقُولُ لجارِيةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينَا شَيْئًا؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] الآية". أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). [صحيح]
قوله في حديث جابر: "فأنزل الله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ "
البغاء: الزنا وأخرج الشرط على الغالب؛ لأن الإكراه إنما هو لمريد التحصن؛ لأن غيرها تبادر إلى الزنا من غير إكراه، ويتصور الإكراه مع عدم إرادة التحصن إن تريد الزنا بشخص فيكرهها على الزنا بغيره.
٨ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ؛ قَوْلُ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآية، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الله حَلِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِم سُتُورٌ وَلاَ حِجَالٌ فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوِ الْوَلَدُ أَوْ الْيَتِيمَةُ وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَأَمَرَهُمُ الله بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ الله بِالسُّتُورِ وَبِالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ. أخرجه أبو داود (٣). [إسناده صحيح]
стр. 940
قوله في حديث عكرمة: "فلم أر أحداً يعمل بذلك بعده" لا يريد أنها منسوخة، بل يريد أنه لم يبق للاستئذان حاجة لارتفاع سببه وعلته.
(سورة الفرقان)
١ - عن ابن عباس (١) ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] قَالَ: الظَّالِمُ عُقْبَةُ بنُ أَبي مُعَيْطٍ، وَيَعْنِي بِالْخَليلِ أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، وَقِيلَ أُبيٌّ، وَذَلِكَ أَنَّ عُقْبَةَ صَنَعَ طَعَامَاً فَدَعَا أَشْرَافَ قُرَيْشَ، وَكَانَ فِيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ فَامْتَنَعَ أَنْ يَطعَمَ أوْ يَشْهدَ عُقْبَةُ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ فَفَعلَ، فَأَتَاهُ أَمَّيَةُ بنُ خَلْفِ أَوْ أُبيٌّ، وَكَانَ خَلِيلَهُ، وقالَ أَصَبَأْتَ؟ قالَ: لَا؛ وَلَكِنِ اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلي أَوْ يَطْعَمَ مِنْ طَعَامِي، قَالَ: فَقَالَ مَا كُنْتُ أَرْضَى حَتَّى تَأْتِيَهُ فتَبْصُقَ فِي وَجْهِهِ، فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْراً كَافِراً. أخرجه رزين.
"الصَّبْرُ" حبس القتيل على السلاح.
قوله في حديث ابن عباس: "عقبة بن أبي معيط" [أي] (٢) ابن أبي أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
قوله: "صبراً" قيل: الصبر هو أن تمسك من ذوات الروح شيئاً حياً ثم ترميه بشيء حتى يموت، وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبراً.
стр. 941
قوله: "أخرجه رزين" تقدم الكلام على عبارته، والحديث أخرجه أبو نعيم (١) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس لفظه: "كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً ودعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ويعجبه حديثه, وغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رَسُولُ الله ﷺ إلى طعامه، فقال: ما أنا من الذي يأكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فقال: اطعم يا ابن أخي! فقال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول، فتشهد بذلك وطعم من طعامه، فبلغ ذلك [٣٨٣/ ب] أبي بن خلف، فأتاه وقال: صبوت يا عقبة! وكان خليله، قال: لا والله ما
стр. 942
صبوت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أتشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فتشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه, ففعل عقبة, فقال له رسول الله ﷺ : "لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف" فأسر عقبة يوم بدر، فقتل صبراً، ولم يقتل من الأسارى يومئذٍ غيره (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ" قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" قَالَ فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَاً لِذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] " أخرجه الخمسة (٢). [صحيح]
قوله في حديث ابن مسعود: "تصديقاً لذلك" وقد دخل قتل الولد مخافة أن يأكل تحت عموم: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣)، والزنا بحليلة الجار دخل تحت عموم (لا يزنون) وإنما خص حليلة الجار لزيادة قبحه.
стр. 943
(سورة الشعراء)
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِى: "يَا بَني فِهْرٍ! يَا بَني عَدِيٍّ!، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ يَا مُحَمَّد! أَلهذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١] " أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]
وفي رواية: وَقَدْ تَبَّ.
قوله: "وقد تب" هكذا قرأها (٣) مجاهد والأعمش، وهي - والله أعلم - قراءةً مأخوذة عن ابن مسعود؛ لأن في قراءته ألفاظاً كثيرة تعين على التفسير، وقال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس لما رجحت أن أسأله عن كثير مما كنت سألته.
فقوله: "وقد تب" أي: خسر (٤) أهله وماله، واليدان آلة الكسب، وأهله وماله مما كسب، والتباب: كالهلاك والخسار لفظاً ومعنى [٣٨٤/ ب].
стр. 944
٢ - وعن ابن عباس ﵄ فِي قوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] قَالَ: اسْتَثْنَى الله تَعَالَى مِنْهُمْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] الآية. أخرجه أبو داود (١). [إسناده حسن]
(سورة النمل)
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا يَا كَافِرُ". أخرجه الترمذي (٢). [ضعيف]
قوله: "تخرج الدابة" وهي الجساسة (٣): روي أن طولها ستون ذراعاً، ولها قوائم وزغب وريش وجناحان، لا يفوتها هارب، ولا يدركها طالب.
стр. 945
وروي (١) أنه سئل ﷺ عن مخرجها فقال: "من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام، قاله البيضاوي (٢).
قوله: "وتخطم أنف الكافر بالخاتم" أي: تسمه به من خطمت (٣) البعير إذا كويته خطا من الأنف إلى أحد خديه، وسمي بذلك السِّمةُ الخطام. [١١٠/ أ].
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه في دابة الأرض، وفي الباب عن أبي أمامة (٥).
(سورة القصص)
١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَيَّ الأَجَليْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَقَالَ قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ. أخرجه البخاري (٦). [صحيح]
٢ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَسُولُ الله ﷺ حَيْثُ يُرَاوِدُ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ عَلَى الْإِسْلَامِ". أخرجه مسلم (٧) والترمذي (٨). [صحيح]
стр. 946
قوله في حديث أبي هريرة: "إنك لا تهدي من أحببت".
اختلفوا في المراد (١) بمتعلق أحببت فقيل: التقدير أحببت هدايته، وقيل: أحببته هو لقرابته منك.
قوله: "يراود عمه أبا طالب على الإسلام" بينت المراودة حديث الترمذي أنه قال لعمه: "قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" قال: لولا أن تعيرني قريش - إنما يحمله عليه الجزع - لأقررت بها عينك، وهو في البخاري (٢) بأتم من هذا السياق، وابن الأثير (٣)، والمصنف اقتصر على نسبة الحديث إلى مسلم والترمذي.
وقال الترمذي (٤) [٣٨٥/ ب] بعد إخراجه: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان. انتهى. وهو في البخاري بزيادات فيه.
٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] قَالَ: إِلَى مَكَّةَ. أخرجه البخاري (٥). [صحيح]
قوله في حديث ابن عباس: "قال: إلى مكة" هكذا في هذه الرواية.
стр. 947
وروى عبد الرزاق (١) عن معمر عن قتادة قال: كان ابن عباس يكتم تفسير هذه الآية.
وروى الطبري (٢) من وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الجنة، وإسناده ضعيف، ومن وجه آخر: إلى الموت، وفيه أقوال (٣) أخر مضعفة.
(سورة العنكبوت)
١ - عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوْا يَأْتُونَهُ فِي نَادِيهمْ فَقَالَ: "كَانُوا يَحْبِقُونَ (٤) فِيهِ وَالْخَذْفُ وَالسُّخْرِيَّةُ بِمَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف]
стр. 948
"الحَبَقُ (١) " الضراط "وَالخَذْفُ (٢) " بالمعجمة: رمي الحصاة من طرف الأصبعين.
قوله في حديث أم هانئ: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣) عقب إخراجه: هذا حديث حسن، وإنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. انتهى.
ووثق الحافظ في "التقريب (٤) " حاتماً، وقال: أبو صغيرة اسمه مسلم.
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قَالَ: ذِكْرُ الْعبد الله تَعَالَى بِلِسَانِهِ كَبِيْرٌ، وَذِكْرُهُ لَهُ وَخَوْفُهُ مِنْهُ إِذَا أَشْفَى عَلَى ذَنْبٍ فَتَرَكَهُ مِنْ خَوْفِهِ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِهِ بِلِسَانِهِ مِن غَيْرِ نَزْعٍ عَنِ الذَّنبِ. أخرجه رزين.
قوله في حديث ابن عباس: "أخرجه رزين".
قلت: لم أجده بلفظه عن ابن عباس، لكنه أخرج ابن جرير (٥)، وابن المنذر (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يقول: "ولذكر الله لعباده إذا ذكروه
стр. 949
أكبر من ذكرهم إياه". انتهى من "الدر المنثور (١) " وفيه روايات أخر عن غير ابن عباس كلها موقوفة.
(سورة الروم)
١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١ - ٥] قَالَ: فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ: بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ. أخرجه الترمذي (٢) وَقَالَ (٣): هكَذَا قَرَأَ (٤) نَصْرُ ابنُ عليٍّ: غَلَبَتْ. [ضعيف]
قوله في حديث أبي سعيد: "فأعجب ذلك [المؤمنين (٥)] " وذلك لكونهم أهل كتاب، وكان الروم نصارى، وفارس [٣٨٦/ ب] أميون.
قوله: "أخرجه الترمذي".
стр. 950
قلت: وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
قوله: "نصر بن علي (١) " هو: نصر بن علي بن صهبان الأزدي [الحمصي] (٢) الحافظ أحد أئمة البصرة روي عنه السند.
وقوله: "بالفتح" أي: للغين المعجمة.
(سورة لقمان ﵇ -)
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: ثُمَّ قَرَأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ " (٣) إلى آخرها. أخرجه البخاري (٤). [صحيح]
قوله في حديث ابن عمر: "مفاتيح الغيب خمس":
قال ابن أبي حمزة (٥): عبر بالمفاتيح؛ لتقريب الأمر على السامع؛ لأن كل شيء جعل بينك وبين حجاب، فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أغلق الباب احتيج إلى المفاتيح، فإذا كان الشيء الذي لا يطلع على المغيب إلا بتوصل لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب؟!