← Фикх малики

Фикх малики · id 1430

الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - نسخة التتائي

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (343 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصفحة الأخيرة من نسخة جامعة المدينة المنورة، رقمها (١٢٦٦) (م)

стр. 72

صفحة العنوان من نسخة دار الكتب (١٣٧) فقه مالك (ك)

стр. 73

الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب (١٣٧) فقه مالك (ك)

стр. 74

الرموز والاختصارات المستعملة: وهي بخلاف رموز النسخ التي سبق ذكرها. أ: بعد رقم (اللوحة) تعني الصفحة اليمنى. ب: بعد رقم (اللوحة) تعني الصفحة اليسرى التي عليها ترقيم المخطوط. ت: توفي. تت: التتائي في عبارة العدوي وغيره من الأصحاب. تح: تحقيق. د. دكتور. س: سطر ص: صفحة. ل: لوحة أي من المخطوط المصور. م: ميلادية. هـ: هجرية الكفاية: يراد بها شرح أبي الحسن المنوفي المسمى "كفاية الطالب الرباني". =: لبيان ركني الجملة الطويلة أو جواب الشرط البعيد عن أداة الشرط.

стр. 75

[مقدمة الرسالة] بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم. قال (١) أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ أبي زيدٍ (٢): الحمدُ للهِ الذي ابتدأ الإنسانَ بنعمتِه، وصوَّره فِي الأرحامِ بحِكْمَتِه، وأبرزه إلى رِفْقِه، وَمَا يسَّر (٣) له من رِزْقِه، وعلَّمَهُ ما لم يكنْ يَعْلَمُ، وكان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا، ونبَّهه بآثارِ صنعتِه، وأَعْذَر إليهِ على ألسنةِ المرسلينَ الخِيَرةِ مِنْ خَلْقِه، فهدى مَنْ وفَّقه بفضلِه، وأضلَّ مَنْ خَذَلَهُ بعَدْلِه، ويسَّر المؤمنينَ لليسرى، وشرح صدورَهم للذِّكْرَى، فآمنوا باللهِ بألسنتِهم ناطقين، وبقلوبِهم مخلصين، وبما أتتْهم به رسلُه وكتبُه عاملين، وتعلَّموا ما علَّمهم، ووقفوا عندَ ما حدَّ لهم، واستغْنَوْا بِمَا أحلَّ لهم عمَّا حرَّم عليهم. [السبب الباعث على تأليف الرسالة:] أمَّا بعدُ -أعانَنَا اللهُ وإيَّاك على رعايةِ ودائعِه، وَحِفْظِ مَا أودعَنا مِنْ شَرَائِعِه- فإنَّكَ سألتَني أنْ أكتبَ لكَ جُمْلَةً مُخْتصَرةً مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَة (٤)، ممَّا تنطقُ به الألسنة،

стр. 76

وتعتقدُه القلوبُ وتعملُه (١) الجوارحُ وما يتصلُ بالواجبِ من ذلكَ منَ السننِ من مؤكَّدِها ونوافلِها ورغائبِها، وشيءٍ منَ الآدابِ منها، وجُمَلٍ من أصولِ الفقهِ وفنونِه على مذهبِ (٢) مالكِ بنِ أنسٍ (٣) وطريقتِه، مَعَ مَا سهَّل سبيلَ ما أَشْكَلَ مِنْ ذلكَ مِنْ تفسيرِ الرَّاسِخِينَ وبيانِ المتفقِّهينَ، لِمَا رغبتَ فيهِ مِنْ تَعْليمِ ذلكَ للولدانِ كما تعلِّمُهم حروفَ القرآنِ؛ ليسبقَ إلى قلوبِهم مِنْ فَهْمِ دينِ اللهِ وَشَرَائعِه = ما تُرجَى لهم بركتُه، وتُحمَدُ لهم عاقبتُه، فأجبتُكَ إلى ذلكَ لِمَا رجوتُ لنفسي ولكَ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ مَنْ علَّم دينَ اللهِ أَوْ دَعَا إِلَيْهِ. واعلمْ أنَّ خيرَ القلوبِ أوعاها للخيرِ، وأرجى القلوبِ للخيرِ ما لم يسبقِ الشرُّ إليهِ، وَأَوْلَى ما عُنِي بِهِ النَّاصِحُونَ، وَرَغِبَ فِي أَجْرِه الرَّاغِبُونَ = إِيصَالُ الخَيْرِ إلى قلوبِ أولادِ المؤمنينَ ليرسخَ فيها، وتنبيهُهُم على معالِمِ الدِّيَانةِ وَحُدُودِ الشَّرِيعةِ ليُراضُوا عليها، وَما عَلَيْهم أَنْ تعتَقِدَهُ مِنَ الدِّينِ قُلُوبُهم، وَتعملَ بهِ جوارحُهم؛ فإنَّه رُوِي أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتابِ اللهِ (٤) يُطفِئُ غضبَ اللهِ. وَأنَّ تعليمَ الشَّيءِ في الصِّغَرِ كالنقشِ في الحجرِ. وقد مثَّلتُ لكَ مِنْ ذلكَ (٥) مَا يَنْتفعُونَ -إنْ شاء اللهُ- بحفظهِ، وَيشْرُفونَ بعِلْمِه، وَيَسْعَدُونَ باعتقادِهِ وَالعَمَلِ به. وقدْ جاء أنْ يؤمَرُوا بالصَّلاةِ لسَبْعِ سنينَ، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بيْنَهم في

стр. 77

المضاجعِ. فكذلكَ ينبغي أنْ يُعلَّموا ما فرض اللهُ على العبادِ مِنْ قولٍ وَعملٍ قبلَ بلوغِهم؛ ليأتيَ عليهمُ البلوغُ وقد تمكَّن ذلكَ مِنْ قلوبِهم، وسَكَنتْ إِلَيْه أنفسُهم، وأَنِسَتْ بما يعْمَلُونَ به من ذلكَ جَوَارِحُهم، وقد فرض اللهُ على/ أ ٧٨/ القلوبِ (١) عملًا منَ الاعتقاداتِ، وَعلى الجوارحِ الظاهرةِ عملًا منَ الطاعاتِ. وسأفصِّلُ لَكَ مَا شرطْتُ لَكَ ذِكْرَه بَابًا بَابًا؛ ليَقْرُبَ مِنْ فَهْمِ متعلِّمِيهِ إِنْ شاءَ اللهُ (تعالى)، وإياهُ نَسْتخيرُ، وبه نستعينُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلَّا باللهِ العَلِيِّ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدِنا (٢) محمدٍ (٣) وعلى آلهِ (٤) وصحبِه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 78

بابُ ما تنطقُ به الألسنةُ وتعتقدُهُ الأفئدةُ من واجبِ أمورِ الدياناتِ [الإيمان بالله (تعالى):] / خ ٢١ ب/ مِنْ ذلكَ الإيمانُ بالقلبِ والنطقُ باللسانِ أنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولدَ له، ولا والدَ له، ولا صاحبةَ له، ولا شريكَ له، ليس لأوّليّتِه ابتداءٌ، ولا لآخريّتِه انقضاءٌ، لا يبلغُ كُنْهَ (١) صفتِه الواصفون، ولا يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِرون، يعتبرُ المتفكِّرونَ بآياتِه، ولا يتفكرونَ في مائيَّةِ (٢) ذاتِه. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، العالمُ الخبيرُ، المدبِّر القديرُ، السميعُ البصيرُ، العليُّ الكبيرُ. وأنَّه فوقَ عرشِه المجيدِ بذاتِه (٤)، وهو في كلِّ مكانٍ بعلمِه، خلق الإِنسانَ ويعلمُ ما توسوسُ به نفسُه، وهوَ أقربُ إليه مِنْ حبلِ الوريدِ، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا

стр. 79

وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١)، على العرشِ استوى (٢)، وعلى المُلْكِ احتوى. وله الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ العُلَى، لم يزلْ بجميعِ صفاتِه وَأسمائِهِ، تعالى أنْ تكونَ صفاتُه مخلوقةً، وَأَسماؤهُ مُحْدَثةً. كلَّم موسى بكلامِه الذي هو صفةُ ذاتِه لَا خَلْقٌ من خلقِه (٣)، وتجلَّى للجبلِ فصار دكًّا من جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، ليس بمخلوقٍ فيبيدَ (٤)، ولا صفةً لمخلوقٍ فينفدَ (٥). [الإيمان بالقدر:] والإِيمانُ (٦) بالقدرِ خيرِه وشرِّه، حلوِّه ومُرِّه، وكلُّ ذلكَ قد قدَّره اللهُ ربُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومصدرُها عن قضائِه، عَلِم كلَّ شيءٍ قبلَ كونِهِ، فجرى على قَدَرِه، لا

стр. 80

يكونُ من عبادِه قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق عِلْمُه به ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهو اللطيفُ الخبيرُ﴾ (١). يضلُّ مَنْ يشاءُ فيخْذُلُه بعَدْلِه، ويهدي مَنْ يشاءُ فيُوَفِّقُه بفضلِه، فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيرِه إلى ما سَبَقَ مِنْ عِلْمِه وإرادتِه (٢) من شقيٍّ أو سعيدٍ، تعالى أنْ يكونَ في ملكِه ما لا يريدُ، أو يكونَ لأحدٍ عنه غنًى، أو يكونَ خالقٌ لشيءٍ إلا هو، ربُّ العبادِ وربُّ أعمالِهم، والمقدِّرُ لحركاتِهم وآجالِهم. [الإيمان بالرسل وخاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين:] الباعثُ الرسلَ (٣) إليهم لإقامةِ الحجَّةِ عليهم، ثم خَتَمَ الرِّسالةَ والنُّبوَّةَ والنِّذارةَ بنبيِّه محمدٍ ﷺ (٤)، فجعله آخرَ المرسلينَ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللهِ بإذنِه وَسِراجًا منيرًا، وَأنزل عليه كتابَه الحكيمَ، وشَرَحَ به دينَهُ القويمَ، وهدَى به الصراطَ المستقيمَ.

стр. 81

[الإيمان باليوم الآخر:] وأنَّ السَّاعةَ آتيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ كما بدأهم يعودونَ، وَأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعبادِهِ المؤمنينَ الحسناتِ، وَصَفَح لهم بالتَّوْبةِ عنْ كبائرِ السَّيْئاتِ، وغَفَر (١) الصغائرَ باجتنابِ الكبائرِ، وجَعَلَ مَنْ لم يَتُبْ منَ الكبائرِ صائرًا إلى مشيئتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)،/ أ ٧٩/ ومَنْ عاقَبَهُ بِنَارِهِ أَخْرَجَهَ مِنْهَا بإيمانِهِ؛ فأدْخَلَهُ بِهِ جَنَّتَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خيرًا يَرَه (٣)، ويَخْرُجُ منها بشفاعةِ نبيِّهِ محمدٍ ﷺ مَنْ شَفَعَ لَهُ مِنْ أهلِ الكبائرِ مِنْ أمَّتِه. [الإيمان بأنَّ الجنة والنار حقٌّ وبمجيء الله يوم الفصل:] وَأنَّ اللهَ قَدْ خَلَقَ الجَنَّةَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لأَوْلِيَائِهِ، وَأَكْرَمَهُمْ فِيهَا بالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، وهِيَ الَّتِي أَهْبِطَ (٤) مِنْهَا آدَمَ نبيَّه وخليفتَه إلَى أَرْضِهِ بِمَا سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ.

стр. 82

وَأنَّ اللهَ (١) خَلَق النارَ فأعدَّها دارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ، وأَلْحَدَ (٢) فِي آيَاتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِه، وَجَعَلَهُمْ مَحْجُوبِينَ عنْ رُؤيتِه. وَأنَّ اللهَ ﵎ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ (٣) وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِها وعقوبتِها وثوابِها. [الإيمان بالميزان وصحف الأعمال والصراط والحوض:] وتوضعُ الموازينُ (٤) لوزنِ أعمالِ العبادِ؛ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). ويُؤْتَوْنَ صحائفَهم بأعمالِهم؛ فمَن أُوتِي كتابَه بيمينِه فسوف يُحاسَبُ حِسَابًا يسيرًا (٦)، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَه وراءَ ظهرِه فأولئكَ يَصْلَوْنَ سعيرًا.

стр. 83

وَأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ يجوزُهُ العِبَادُ بِقَدْرِ أَعْمالِهِمْ: فناجونَ متفاوِتُونَ فِي سُرْعةِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ. وقومٌ أوبقتْهم (١) فِيهَا أَعْمَالُهُمْ. وَالإيمانُ بِحَوْضِ رسولِ اللهِ ﷺ تَرِدُهُ أُمَّتُهُ، لا يظمأُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ، وَيُذَادُ عَنْهُ مَنْ بدَّلَ وَغَيَّرَ. [الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص:] وأنَّ الإيمانَ قولٌ باللسانِ وإخلاصٌ بالقلبِ وعَمَلٌ بالجوارحِ، يزيدُ بزيادةِ الأعمالِ، وينقصُ بِنَقْصِها (٢)، فيكونُ فيها النقصُ وبها الزيادةُ، ولا يكملُ قولُ الإيمانِ إلا بالعملِ، وَلَا قَوْلٌ و (٣) عَمَلٌ إلا بالنيةِ (٤)، وَلَا قَوْلٌ وعملٌ ونيةٌ إلا بموافقةِ السُّنةِ، وَأَنَّه (٥) لا يَكْفُرُ أَحَدٌ بذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ. [حياة البرزخ:] وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقُونَ، وأرواحُ أهلِ السعادةِ باقيةٌ ناعمةٌ إلى يومِ يُبعَثونَ، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ معذَّبةٌ إلى يومِ الدينِ. وَأنَّ المؤمنينَ يُفتَنُونَ فِي قُبُورِهم

стр. 84

ويُسْأَلونَ (١) ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢). [الإيمان بالملائكة:] وَأَنَّ عَلَى العِبَادِ حفظةً يكتبونَ أعمالَهم، ولا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذلكَ عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ مَلَكَ المَوْتِ يَقْبِضُ الأَرْوَاحَ بإذنِ ربِّه. [فضل الصحابة والسلف الصالح:] وَأنَّ خَيْرَ القُرُونِ القرنُ (٣) الذينَ رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ الذينَ يلونَهم ثم الذينَ يلونَهُم، وأفضلُ الصحابةِ الخلفاءُ الراشِدُونَ المهديُّونَ: أبو بكرٍ ثُمَّ (٤) عمرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ﵃ أجمعينَ (٥)، وأنْ لا يُذكَرَ أحدٌ من صحابةِ رسولِ اللهِ (٦) ﷺ إلا بأحسنِ ذِكْرٍ، والإمساكُ عمَّا

стр. 85

شَجَرَ (١) بينهم، وأنَّهم أحقُّ الناسِ أنْ يُلتَمَسَ لهم أحسنُ المخارجِ، ويُظَنَّ (٢) بهم أحسنُ المذاهبِ. [طاعة أولي الأمر:] والطاعةُ لأئمةِ المسلمينَ من ولاةِ أمورِهم (٣) وعلمائِهم (٤)، واتباعُ السلفِ الصالحِ واقتفاءُ آثارِهم، والاستغفارُ لَهُمْ. وتركُ المراءِ والجدالِ في الدينِ وتركُ كلِّ ما أحدثَهُ المحدثونَ، وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ نبيِّه وعلى آلِه وصحبِه (٥) وأزواجِه وذريَّتِه وسلَّمْ تسليمًا كثيرًا.

стр. 86

باب ما يجب منه الوضوء والغسل / خ ٦٥ ب/ الوضوءُ يجبُ لِمَا يخرجُ من أحدِ المَخْرَجينِ من بولٍ أو غائطٍ أو ريحِ، أو (١) لِمَا يخرجُ منَ الذَّكَرِ من مَذْيٍ معَ غَسْلِ الذَّكَرِ كلِّه منه، وهو ماءٌ أبيضُ رقيقٌ يخرجُ عندَ اللذةِ بالإنْعَاظِ (٢) عندَ الملاعبةِ أوِ التَّذكارِ (٣). وأمَّا الوَدْيُ/ أ ٨٠/ فهو ماءٌ أبيضُ خاثرٌ (٤) يخرجُ بإثْرِ (٥) البولِ يجبُ منه ما يجبُ منَ البولِ. وأمَّا المنيُّ فهو الماءُ الدافقُ (٦) الذي يخرجُ عندَ اللذةِ الكبرى بالجماعِ رائحتُه كرائحةِ الطَّلْعِ (٧). وماءُ المرأةِ ماءٌ رقيقٌ أصفرُ يجبُ منه (٨) الطهرُ، فيجبُ من هذا طهرُ جميعِ الجسدِ كما يجبُ من طهرِ الحيضةِ.

стр. 87

وأمَّا دمُ الاستحاضةِ فيجبُ منه الوضوءُ، ويُستحَبُّ لها ولسَلِسِ (١) البولِ أنْ يتوضَّآ لكلِّ صلاةٍ. [أسباب الحدث:] ويجبُ الوضوءُ من زوالِ العقلِ: بنومٍ مُسْتَثْقَلٍ أو إغماءٍ أو سُكْرٍ أو تخبُّطِ جنونٍ. ويجبُ الوضوءُ منَ الملامسةِ للّذَّةِ، والمباشرةِ بالجسدِ للّذَّة، والقبلةِ للّذّةِ، ومن مسِّ الذَّكَرِ، واختُلِف في مسِّ المرأةِ فرجَها في إيجابِ الوضوءِ بذلكَ. [موجبات الغسل:] ويجبُ الطهرُ ممَّا ذَكَرْنا مِنْ خروجِ الماءِ الدافقِ للّذَّةِ في نومٍ أو يَقَظَةٍ مِنْ رجلٍ أوِ امْرَأةٍ، أوِ انقطاعِ دمِ الحيضِ (٢) أو الاستحاضةِ أو (٣) النفاسِ، أو بمغيبِ الحَشَفَةِ في الفرجِ وإنْ لم يُنزِلْ. ومغيبُ الحشفةِ في الفرجِ يوجبُ الغسلَ، ويوجبُ الحدَّ، ويوجبُ الصداقَ، ويُحَصِّنُ (٤) الزوجينِ، ويُحلُّ المطلقةَ ثلاثًا للذي طلَّقها، ويُفسِدُ الحجَّ، ويُفسِدُ الصومَ.

стр. 88

[معرفة الحيض والاستحاضة:] وإذا رأتِ المرأةُ القَصَّةَ (١) البيضاءَ تطهَّرتْ، وكذلكَ إذا رأتِ الجُفُوفَ (٢) تطهَّرتْ مكانَها، رأتْه بعدَ يومٍ أو يومينِ أو ساعةٍ، ثم إنْ عاودها دمٌ أو رأتْ صُفْرةً أو كُدْرَةً (٣) تَرَكَتِ الصَّلاةَ، ثم إذا انقطع عنها اغتسلتْ (٤)، ولكنَّ ذلكَ كلَّه كدمٍ واحدٍ في العدّةِ والاستبراءِ حتى يبعُدَ ما بينَ الدَّمَيْنِ مثلَ (٥) ثمانيةِ أيامٍ أو (٦) عشرةٍ؛ فيكونُ حيضًا مُؤْتَنَفًا (٧). ومَنْ تمادَى بها الدمُ بلغتْ خمسةَ عشرَ يومًا، ثم هي مستحاضةٌ: تتطهّرُ،

стр. 89

وتصومُ وتصلِّي، ويأتيها زوجُها، وإذا انقطع دمُ النُّفَسَاءِ -وإنْ كان قُربَ الوِلَادةِ- اغتسلتْ وصلّتْ، وإنْ تمادى بها الدمُ جلستْ ستينَ ليلةً، ثُمَّ اغتسلتْ، وكانتْ مستحاضةً تصلِّي وتصومُ وتُوطَأُ. بابُ طهارةِ الماءِ والثَّوْبِ والبُقْعَةِ وما يُجْزِئُ منَ اللباسِ في الصَّلاةِ / خ ٧٤ ب/ وَالمصلِّي يُناجي ربَّه؛ فعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ لذلكَ بالوضوءِ أَوْ بالطُّهْرِ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهرُ، ويكونُ ذلكَ بماءٍ طاهرٍ غيرِ مَشُوبٍ (١) بنجاسةٍ، ولا بماءٍ قد تغيَّر لونُه (٢) لشيءٍ خالَطَهُ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أو طاهِرٍ، إلا ما غيَّرتْ لونَه الأرضُ التي هو بها من سَبِخةٍ (٣) أو حَمْأةٍ (٤) ونحوِها (٥). وماءُ السماءِ وماءُ

стр. 90

العيونِ (١) وماءُ الآبارِ وماءُ البحرِ (٢) طَيِّبٌ طاهرٌ مطهِّرٌ للنجاساتِ. [الماء المتغيِّر بما خالطه، والاقتصاد في استعمال الماء:] وما غيَّر لونَهُ شَيْءٌ (٣) طاهرٌ حلَّ فيه؛ فذلكَ الماءُ طاهرٌ غيرُ مطهرٍ في وُضُوءٍ أو طُهْرٍ أوْ زوالِ نجاسةٍ. وما غيَّرتْهُ النَّجاسةُ فليس بطاهرٍ ولا مُطَهِّرٍ، وقليلُ الماءِ يُنَجِّسُه قليلُ النجاسةِ وإنْ لم تُغيِّرْهُ. وقلَّةُ الماءِ معَ إحكامِ الغَسْلِ (٤) سُنَّةٌ، والسَّرَفُ (٥) مِنْهُ غُلُوٌّ (٦) وبِدْعَةٌ (٧)، وقد توضَّأ رسولُ اللهِ ﷺ بِمُدٍّ، وهو وزنُ

стр. 91

رَطْلٍ (١) وثلثٍ، وتطهَّر بصاعٍ، وهو أربعةُ أمدادٍ بمدِّه ﵊. [طهارة البقعة للصلاة:] وطهارةُ البقعةِ للصلاةِ واجبةٌ (٢)، وكذلكَ طهارةُ الثوبِ، فقيل: إنَّ ذلكَ واجبٌ فيهما وجوبَ الفرائضِ، وقيل: وجوبَ السننِ المؤكَّدةِ. [أماكن نُهِينا أن نصليَ فيها:] ويُنهَى عنِ الصلاةِ في معاطِنِ (٣) الإبلِ وَمَحَجَّةِ الطريقِ (٤) وَظَهْرِ بيتِ اللهِ الحرامِ (٥) وَالحَمَّامِ حيثُ لا يُوقَنُ منه بطهارةٍ والمَزْبَلَةِ (٦) والمَجْزَرَةِ (٧) ومَقْبَرَةِ (٨) المشركينِ وكنائسِهم.

стр. 92

[صفة ثياب المصلي:] وأقلُّ ما يصلِّي فيه الرجلُ منَ اللباسِ ثوبٌ ساترٌ من درعٍ أو رداءٍ، والدرعُ: القميصُ، ويُكرَهُ أنْ يُصلِّيَ بثوبٍ/ أ ٨١/ ليس على أكتافِه منه شيءٌ، فإنْ فعل ذلكَ لم يُعِدْ. وأقلُّ ما يجزئُ المرأةَ مِنَ اللباسِ في الصلاةِ الدرعُ الحصيفُ (١) السابغُ الذي يسترُ ظهورَ قدَمَيْها وخِمارٌ تتقنَّعُ (٢) به، وتباشرُ بكفيْها الأرضَ في السجودِ مثلَ الرجلِ. بابُ صفةِ الوضوءِ ومسنونِه ومفروضِه وذكرِ الاستنجاءِ والاستجمارِ [الاستنجاء:] / خ ٨٠ أ/ وليس الاستنجاءُ ممَّا يجبُ أنْ يُوصَلَ به الوضوءُ لا في سننِ الوضوءِ ولا في فرائضِه، وهو من بابِ إيجابِ زوالِ النجاسةِ به أو بالاستجمارِ: أنْ لا (٣) يُصلّيَ بها في

стр. 93

جسدِه، ويُجزِئُ فِعْلُه بغيرِ نيّةٍ، وكذلكَ غسلُ الثوبِ النَّجِسِ (١). وصفةُ الاستنجاءِ أَنْ يبدأَ بعدَ غسلِ يدِه (٢) فيغسلَ مَخْرَجَ البولِ، ثُمَّ يمسحَ ما في المَخْرَجِ منَ الأذى بمَدَرٍ (٣) أو غيرِه (٤) أَوْ (٥) بيدِه، ثُمَّ يَحُكَّهَا بِالأَرْضِ، ويغسلَها، ثم يستنجيَ بالماءِ، ويواصلَ صبَّهُ، ويسترخيَ قليلًا، ويُجِيدَ عَرْكَ (٦) ذَلِكَ بِيَدِهِ حتَّى يتنظَّفَ، وليس عليه غسلُ ما بَطَنَ منَ المخرجينِ، ولا يُستَنْجَى من ريحٍ. ومَنِ استجمر بثلاثةِ أحجارٍ يخرجُ آخرُهن (٧)

стр. 94

نقيًّا (١) أجزأه، والماءُ أطهرُ وأطيبُ وأحبُّ إلى العلماءِ. [الوضوء:] ومَنْ لمْ يخرجْ منه بولٌ ولا غائطٌ، وتوضَّأَ لحدثٍ أَوْ نومٍ أو غيرِ (٢) ذلكَ ممَّا يوجبُ الوضوءَ = فلا بدَّ مِنْ غَسْلِ يدَيْهِ قبلَ إدخالِهما (٣) في إنائِه (٤). ومِنْ سُنَّةِ الوضوءِ غَسْلُ اليدَينِ قبلَ إدخالِهما (٥) في الإناءِ، والمضمضةُ والاستنشاقُ والاستنثارُ ومسحُ الأذنينِ سنةٌ، وباقيه فريضةٌ. [صفة الوضوء:] فمَن قام إلى وضوءٍ من نومٍ أو غيرِه فقد قال بعضُ العلماءِ (٦): يبدأُ فيُسمِّي اللهَ، ولم يرَهُ بعضُهم (٧) منَ الأمرِ

стр. 95

المعروفِ (١)، وَكَوْنُ الإناءِ على يمينِه أمكنُ له في تناولِه. ويَبدَأُ فيغسِلُ يديْهِ قبلَ أنْ يُدخِلَهما في الإناءِ ثلاثًا، فإنْ كان قدْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ غَسَلَ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ توضَّأ، ثُمَّ يُدخِلُ يدَه في الإناءِ فيأخذُ الماءَ، فيُمَضْمِضُ فاه ثلاثًا من غَرْفةٍ واحدةٍ -إنْ شاء- أو ثلاثِ غَرَفاتٍ، وإنِ اسْتَاكَ بأُصْبُعِه فحَسَنٌ، ثُمَّ يستنشِقُ بأنفِهِ الماءَ، ويَسْتَنْثِرُه (٢) ثلاثًا: يجعلُ يدَهُ على أَنْفِهِ كامتخاطِهِ، وَيُجْزِئُهُ أقلُّ منْ ثلاثٍ في المضمضةِ والاستنشاقِ، وَلَهُ جَمْعُ ذلكَ فِي غَرْفةٍ واحدةٍ، وَالنِّهايَةُ أَحْسَنُ. [غسل الوجه:] ثُمَّ يأخذُ الماءَ -إنْ شاء- بيدَيْهِ جميعًا، وإنْ شاء بيدِه اليُمنى، فيَجْعَلُه في يدَيْه جميعًا، ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلَى وجهِهِ، فيُفرِغُه عَلَيْهِ غَاسِلًا لَهُ بِيَدَيْهِ مِنْ أَعْلَى جَبْهَتِهِ وحَدِّ (٣) منابتِ شعرِ رأسِه إلى طَرَفِ ذَقَنِه (٤) ودَوْرِ (٥) وجهِه كلِّه من حدِّ عظميْ لَحْيَيْهِ إلى

стр. 96

صُدْغَيْهِ (١)، ويُمِرُّ يديْهِ عَلَى ما غار من ظاهرِ أجفانِه وَأساريرِ (٢) جبهتِهِ وَما تحتَ مارِنِهِ (٣) مِنْ ظَاهِرِ أَنْفِهِ؛ يغسلُ وجهَه هكذا ثلاثًا، ينقُلُ الماءَ إليه. ويُحرِّكُ لِحْيتَه في غسلِ (٤) وجهِهِ بكَفَّيْهِ ليداخلَها الماءُ لدفعِ الشعرِ لِمَا يُلَاقيِه منَ الماءِ، وليس عليه تخليلُها في الوضوءِ في قولِ مالكٍ، ويُجري عليها يدَيْهِ إلى آخرِها. [غسل اليدين:] ثُمَّ يَغْسِلُ يدَه اليُمْنَى ثلاثًا أوِ اثنتَيْنِ، يُفِيضُ عَلَيْها المَاءَ، ويَعْرُكُها بيدِه اليُسرَى، ويُخلِّلُ (٥) أصابعَ يدَيْه بعضَها (٦) ببعضٍ، ثُمَّ يغسِلُ اليُسْرَى كذلكَ. ويبلغُ فيهما بالغسلِ إلى المِرفَقَيْنِ (٧)، يُدخِلُهما في غَسْلِه، وقد قيل: إليهما حدُّ الغسلِ؛ فليس

стр. 97

بواجبٍ إدخالُهما فيه، وإدخالُهما فيه (١) أحوطُ لِزَوَالِ تكلُّفِ التحديدِ. [مسح الرأس:] ثُمَّ يأخذُ الماءَ بيدِه اليُمْنَى، فيُفرِغُهُ على باطنِ يدِهِ اليُسرَى، ثم يَمْسحُ بهما رأسَهُ، يبدأُ من مُقدَّمِهِ مِنْ أوَّلِ منابتِ شعرِ رأسِهِ، وقد قَرَنَ أطرافَ أَصَابعِ يدَيْهِ بعضَها ببعضٍ على رأسِه،/ أ ٨٢/ وجعل إبهاميْه في صُدْغيْه، ثُمَّ يَذْهَبُ بيدَيْهِ ماسِحًا إلى طرفِ شَعْرِ رأسِهِ ممَّا يلي قفاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهما إِلَى حَيْثُ بَدَأَ، ويأخذُ بإبهاميْه خلفَ أُذُنَيْه إلى صُدْغَيْه، وكيْفَمَا مسح أَجْزَأه إذا أَوْعَب (٢) رأسَه، والأَوَّلُ أحسنُ، ولو أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا مَبْلُولَتَيْنِ، ومَسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ. ثُمَّ يُفرِغُ الماءَ عَلَى سبَّابتَيْهِ وإبهاميْه، وإنْ شاء غمس ذلكَ في الماءِ، ثُمَّ يمسحُ أُذُنَيْهِ ظاهرَهُما وباطنَهُما. وتمسحُ المرأةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وتمسحُ على دَلالَيْها (٣)، ولا تمسحُ على الوقايةِ (٤)،

стр. 98

وتُدخِلُ يدَيْها من تحتِ عِقاصِ (١) شعرِها في رجوعِ يديْها في المسحِ. [غسل الرجلين:] ثُمَّ يغسلُ رجلَيْه، يصُبُّ الماءَ بيدِه اليُمنى على رِجلِه اليمنى، ويَعْرُكُها بيدِه اليسرى قليلًا قليلًا يوعبُها بذلكَ ثلاثًا، وإنْ شاء خَلَّلَ أصابعَه في ذلكَ، وإنْ ترك فلا حَرَجَ، والتخليلُ أطيبُ للنفسِ، ويَعرُكُ عَقِبَيْهِ (٢) وَعُرْقُوبَيْه (٣) وَمَا لا يكادُ يُداخِلُه الماءُ بسرعةٍ من جَسَاوةٍ (٤) أو شُقُوقٍ، فليبالِغْ بالعَرْكِ معَ صبِّ الماءِ بيدِه؛ فإنَّه جاء الأثرُ: (ويلٌ للأعقابِ منَ النارِ)، وعقبُ الشيءِ: طَرَفُه وآخرُه، ثُمَّ يغسلُ (٥) اليسرى مثلَ ذلكَ. وليس تحديدُ غسلِ أعضائِه ثلاثًا ثلاثًا بأمرٍ لا يجزئُ دونَه، ولكنَّه أكثرُ ما يُفعَلُ، ومَن كان يوعِبُ بأقلَّ مِنْ ذلكَ أجزأه إذا أحكم ذلكَ، وليس كلُّ الناسِ في إحكامِ ذلكَ سواءً.

стр. 99

[الذكر بعد الوضوء:] وقد (١) قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ (٢) إلى السماءِ، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه = فُتِحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ يدخلُ مِنْ أيِّها شاء)، وقد استحبَّ (٣) بعضُ العلماءِ (٤) أنْ يقولَ بإثرِ الوضوءِ: (اللهمَّ اجعلْني منَ التَّوَّابينَ، واجعلْني منَ المتطهرينَ). ويجبُ عليه أنْ يعملَ عملَ الوضوءِ احتسابًا للهِ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ يرجو تقبُّلَه وثوابَه وتطهيرَه منَ الذنوبِ، ويُشعِرُ نفسَه أنَّ ذلكَ تأهُّبًا (٥) وتَنَظُّفًا لمناجاةِ ربِّه وَالوُقُوفِ بينَ يدَيْهِ لأداءِ فرائضِه والخضوعِ له بالركوعِ والسجودِ؛ فيعملُ على يقينٍ بذلك و (٦) تحفُّظٍ فيه؛ فإنَّ تمامَ كُلِّ عَمَلٍ بحسنِ النيةِ فيه.

стр. 100

بابٌ في (١) الغُسْل / خ ٩٥ ب/ وأمَّا الطُّهْرُ فَهُوَ مِنَ الجَنَابةِ وَمِنَ الحَيْضَةِ والنِّفاسِ سواءٌ (٢) في الصفةِ (٣)، فإنِ اقتصر (٤) المتطهِّرُ على الغسلِ دونَ الوضوءِ أجزأه، وأفضلُ لهُ أنْ يتوضأَ بعدَ أنْ يبدأَ بغسلِ ما بفرجِه أو (٥) جسدِه منَ الأذى، ثم يتوضَّأُ وضوءَه للصلاةِ (٦)، فإنْ شاء غَسَلَ رجلَيْه، وإنْ شاء أَخَّرَهُما إلى آخرِ غُسلِه. ثُمَّ يغمسُ يدَيْه في الإناءِ، ويَرْفَعُهما غيرَ (٧) قابضٍ بهما شيئًا، فيُخلِّلُ بهما أصولَ شعرِ رأسِه، ثُمَّ يَغْرِفُ بهما عَلَى رأسِه ثلاثَ غَرَفاتٍ غاسلًا له بهنَّ، وتفعلُ ذلكَ (٨) المرأةُ، وتَضْغَثُ (٩) شعرَ (١٠) رأسِها

стр. 101

بيدَيْها (١)، وليس عليها حَلُّ عِقاصِها. ثُمَّ يُفيضُ الماءَ على شِقِّه الأيمنِ ثُمَّ على شِقِّه الأيسرِ، ويتدلَّكَ بيدَيْه بإثرِ صَبِّ الماءِ حتى يَعُمَّ جَسَدَه، وما شَكَّ أنْ يكونَ الماءُ أَخَذَه من جسدِه (٢) عاوَدَهُ بالماءِ، ودَلَكَه بيدَيْه (٣) حتى يُوعِبَ جميعَ جسدِه، ويُتابعُ عُمْقَ (٤) سُرَّتِه وتحتَ حَلْقِه، ويُخلِّلُ شعرَ لِحْيَتِهِ وتحتَ جَناحَيْهِ وبينَ ألْيَتَيْهِ ورَفْغَيْهِ (٥) وتحتَ رُكْبَتَيْهِ وأسافلَ (٦) رجلَيْه، ويُخلِّلُ أصابعَ يدَيْه، ويَغْسِلُ رِجْلَيْهِ/ أ ٨٣/ آخرَ ذلكَ، يجمَعُ ذلكَ فيهِما لتَمَامِ غُسْلِه ولتمامِ (٧) وُضُوئِه إنْ كان أخَّر غَسْلَهما. ويحذرُ أنْ يمسَّ ذَكَرَه في تدلُّكِه بباطنِ كفِّه (٨)، فإنْ فعَل ذلكَ وقد أَوْعبَ طُهْرَهُ

стр. 102

أعاد الوضوءَ، وإنْ مسَّه في ابتداءِ غُسلِه و (١) بعدَ أنْ غَسَلَ مواضعَ الوضوءِ منه = فلْيُمِرَّ (٢) بعدَ ذلكَ بيدَيْه على مواضعِ الوضوءِ بالماءِ على ما ينبغي من ذلكَ (٣)، ويَنْوِيه. بابٌ في مَنْ لم يجد الماءَ وصفةِ التيمُّمِ / خ ٩٩ أ/ التيمُّمُ يجبُ لعدمِ الماءِ في السفرِ إذا يَئِسَ أنْ يَجِدَه في الوقتِ، وقد يجبُ معَ وجودِه إذا لم يقدرْ على مسِّه في سَفَرٍ أو حَضَرٍ لمرضٍ مانعٍ، أو مريضٌ (٤) يقدرُ على مسِّه ولا يجدُ مَنْ يناولُه إيَّاه، وكذلكَ مسافرٌ يَقْرُبُ منه الماءُ ويمنعُهُ خوفُ لصوصٍ أو سباعٍ، وإذا أَيْقَنَ المسافرُ بوجودِ الماءِ في الوقتِ أخَّرَ إِلَى آخِرِهِ، وإنْ يَئِس منه تيمَّمَ فِي

стр. 103

أوَّلِهِ، وإنْ لم يكنْ عندَه منه علمٌ تيمَّم في وسَطِهِ (١)، وكذلك إنْ خاف أنْ لا يُدرِكَه (٢) في الوقتِ ورجا أنْ يُدركَه فيه. ومَن تيمَّم من هؤلاءِ ثُمَّ أصاب الماءَ في الوقتِ (٣) بعدَ أنْ صلَّى؛ فأمَّا المريضُ الذي لم يجدْ مَنْ يناولُه إيّاه فلْيُعِدْ، وكذلكَ الخائفُ من سباعٍ ونحوِها، وكذلكَ المسافرُ الذي يخافُ أنْ لا يُدرِكَ الماءَ في الوقتِ ويرجو أنْ يُدرِكَه فيه، ولا يُعيدُ غيرُ هؤلاءِ. ولا يُصَلِّي صلاتينِ بتيمُّمٍ واحدٍ من هؤلاءِ إلا مريضٌ لا يقدرُ على مسِّ الماءِ لضررٍ بجسمِه مقيمٍ، وقد قيل: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ، وقد رُوِي عن مالكٍ فيمَن ذكر (٤) صلواتٍ أنْ يُصَلِّيَها بتيمُّمٍ واحدٍ. والتيممُ بالصَّعيدِ الطاهرِ، وهو ما ظهر على وجهِ الأرضِ منها: من ترابٍ أو رملٍ أو حجارةٍ أو سَبَخةٍ (٥). يضرِبُ بيدَيْهِ الأرضَ فإنْ تعلَّق بهما شيءٌ نَفَضَهما نَفْضًا خفيفًا، ثم يمسحُ بهما وجهَه كلَّه مسحًا، ثُمَّ يضربُ بيدَيْهِ الأرضَ، فيمسحُ يُمناه بيُسراه: يجعلُ (٦) أصابعَ يدِه اليسرى على أطرافِ أصابعِ يدِه اليمنى، ثم يُمِرُّ أصابعَه على ظاهرِ يدِه

стр. 104

وذراعِه وقد حَنَى عليه أصابعَه حتى يبلغَ المِرْفَقينِ، ثم يجعلُ كفَّه على باطنِ ذراعِه من طيِّ مِرْفَقِه قابضًا عليه حتى يبلغَ الكوعَ من يدِه اليمنى، ثُمَّ يَجْرِي بباطنِ (١) بَهْمِه (٢) على ظاهرِ بَهْمِ يدِه اليمنى، ثم يمسحُ اليسرى باليمنى هكذا، فإذا بَلَغَ الكوعَ مَسَحَ كفَّه اليمنى بكفِّه اليسرى إلى آخرِ أطرافِهِ، ولو مسح اليمنى باليسرى أو اليسرى (٣) باليمنى كيف شاء وتيسَّر عليه، وأوعب المسحَ = لأجزأه. وإذا لم يجدِ الجنبُ أوِ الحائضُ الماءَ للطُّهْرِ تيمَّما وصلَّيا، فإذا وجدا الماءَ تطهَّرا ولم يُعيدا ما صَلَّيَا، ولا يطأُ الرجلُ امرأتَه التي انقطع عنها دمُ حيضٍ أو نفاسٍ بالتطهُّرِ بالتيمُّمِ حتى يجدَا (٤) منَ الماءِ ما تتطهَّرُ به المرأةُ ثم ما يتطهَّرانِ به جميعًا، وفي بابِ جامعِ الصلاةِ شيءٌ من مسائلِ التيمُّمِ.

стр. 105

باب في (١) المسح على الخفين / خ ١٠٤ ب/ وَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلى الخفِّ فِي الحَضَرِ والسَّفَرِ ما لم ينزِعْهما، وذلكَ إذا أدخل فيهما رجلَيْه بعدَ أنْ غَسَلَهما في وضوءٍ تحِلُّ بهِ الصلاةُ، فهذا الذي إذا أَحْدَثَ وتوضَّأ مَسَحَ عليهما، وإلا فلا. / أ ٨٤/ وصفةُ المسحِ أَنْ يَجْعَلَ يَدَه اليُمْنَى مِنْ فَوْقِ الخُفِّ من طَرَفِ الأصابعِ، ويَدَهُ اليُسرَى من تحتِ ذلكَ، ثم يذهبُ بيدَيْهِ إلى حدِّ الكعبينِ (٢) وكذلكَ يفعلُ باليسرى، ويَجْعلُ يدَهُ اليُسرَى مِنْ فوقِها واليُمنَى منْ أسفلِها، ولا يمسحُ على طينٍ في أسفلِ خفِّه أو رَوْثِ دابةٍ حتى يُزِيلَهُ بمسحٍ أو غسلٍ، وَقِيلَ: يبدأُ في مسحِ أسفلِه منَ الكعبينِ إلى طَرَفِ (٣) الأصابعِ؛ لئلا يصلَ إلى عقبِ خُفِّه شيءٌ من رطوبةِ ما مَسَحَ من خفَّيْهِ (٤) منَ القَشْبِ (٥)، وإنْ كان في أسفلِه طينٌ فلا يمسحُ عليه حتى يزيلَه.

стр. 106

باب في أوقات الصلاة (١) وأسمائها [الصبح:] / خ ١٠٧ ب/ أمَّا صلاةُ الصبحِ -فهي الصلاةُ الوسطى عندَ أهلِ المدينةِ، وهي صلاةُ الفجر- فأوَّلُ (٢) وقتِها انْصِداعُ (٣) الفجرِ المعتَرِضِ بالضياءِ في أقصى المشرقِ ذاهبًا منَ القبلةِ إلى دُبُرِ (٤) القبلةِ حتى يرتفعَ فيعمَّ الأُفُقَ (٥)، وآخرُ الوقتِ الإسفارُ (٦) البيِّنُ الذي إذا سلَّم منها بَدَا حاجبُ الشمسِ (٧)، وما بينَ هذينِ وقتٌ واسعٌ، وأفضلُ ذلكَ أولُه. [الظهر:] ووقتُ الظهرِ إذا زالتِ الشمسُ عن كَبِدِ (٨) السماءِ وأَخَذَ

стр. 107

الظلُّ (١) في الزيادةِ، ويُستحَبُّ أنْ تؤخَّرَ في الصيفِ إلى أنْ يزيدَ ظلُّ كلِّ شيءٍ رُبُعَه بعدَ الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، وقيل: إنَّما يُستحَبُّ ذلكَ في المساجدِ ليدركَ الناسُ الصلاةَ، وأمَّا الرجلُ في خاصةِ نفسِه فأولُ الوقتِ أفضلُ له، وقيل: أمَّا في شدّةِ الحرِّ فأفضلُ له أنْ يُبرِدَ بها (٢) وإنْ كان وحدَه لقولِ النبيِّ ﷺ : (أبردوا بالصلاةِ؛ فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْحِ (٣) جهنَّمَ)، وآخرُ الوقتِ أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه بعدَ ظلِّ نصفِ النهارِ. [العصر:] وأولُ وقتِ العصرِ آخرُ وقتِ الظهرِ، وآخرُه أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيْه بعدَ ظلِّ نصفِ النهارِ، وقيل: إذا استقبلتَ الشمسَ بوجهِكَ وأنتَ قائمٌ غيرَ (٤) منكِّسٍ رأسَكَ

стр. 108

ولا مُطَأْطِئٍ له (١) -فإنْ نظرتَ إلى الشمسِ ببصرِكَ (٢) - فقد دخل الوقتُ، وإنْ لم ترَهَا ببصرِكَ فلم يدخلِ الوقتُ، وإنْ نزلتْ عن بصرِكَ فقدْ تمكَّن دخولُ الوقتِ (٣)، والذي وَصَفَ مالكٌ ﵀ أنَّ الوقتَ فيها ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ. [المغرب:] ووقتُ المغربِ -وهي صلاةُ الشاهدِ يعني الحاضرَ، يعني أنَّ المسافرَ لا يقصرُها ويصلِّيها كصلاةِ الحاضرِ- (٤) فوقتُها غروبُ الشمسِ. فإذا توارتْ (٥) بالحجابِ (٦)

стр. 109

وجبتِ الصلاةُ لا تؤخَّرُ (١)، وليس لها إلا وقتٌ واحدٌ لا تُؤخَّرُ عنه. [العشاء:] ووقتُ صلاةِ العَتَمةِ (٢) -وهي صلاةُ العشاءِ، وهذا الاسمُ أولى بها- غيبوبةُ الشَّفَقِ، والشفقُ الحمرةُ الباقيةُ في المغربِ من بقايا شعاعِ الشمسِ، فإذا لم يبقَ في المغربِ صفرةٌ ولا حمرةٌ فقد وجب الوقتُ، لا يُنظَرُ إلى البياضِ في المغربِ، فذلكَ لها وقتٌ إلى ثلثِ الليلِ ممَّن (٣) يريدُ تأخيرَها لشغلٍ أو عذرٍ، والمبادرةُ بها أولى، ولا بأسَ أنْ يؤخرَها أهلُ المساجدِ قليلًا لاجتماعِ الناسِ، ويُكرَهُ النومُ قبلَها والحديثُ لغيرِ شغلٍ بعدَها. باب في الأذان والإقامة / خ ١١٢ ب/ الأذانُ واجبٌ في المساجدِ وَالجماعاتِ الراتبةِ، فأمَّا الرجلُ في خاصَّةِ نفسِه فإنْ أذَّن فحسنٌ، ولا بدَّ لَهُ مِنَ الإقامةِ، وأمَّا المرأةُ فإنْ أقامتْ فَحَسَنٌ، وإلا فلا حَرَجَ، ولا يُؤذَّنُ لصلاةٍ/ أ ٨٥/ قبلَ وقتِها إلا الصبحَ؛ فَلَا بَأْسَ أنْ يُؤذَّنَ لها فِي السُّدسِ الأخيرِ (٤) منَ الليلِ. والأذانُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أَشْهدُ أنْ لا إلهَ

стр. 110

إلا اللهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ثم تُرجِّعُ (١)، فتقولُ (٢): "أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهد أنْ لا إله إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ" بأرفعَ من صوتِكَ أوّلَ مرةٍ (٣)، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ (٤)، حيَّ على الفلاحِ، فإنْ كنتَ في نداءِ (٥) الصبحِ زدْتَ ههنا: الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ (٦)، لا تقلْ ذلكَ في غيرِ نداءِ الصبحِ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ مرّةً واحدةً (٧). والإقامةُ وِتْرٌ (٨): اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا
следующие страницы →