← Фикх малики

Фикх малики · id 14310

مسائل أبي الوليد ابن رشد

ابن رشد الجد

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

[١٤]- شروط الإفتاء في حالتي الاجتهاد والتقليد السؤال الرابع عشر. هل يجوز أن يستفتى من قرأ الكتب المستعملة مثل المدونة والعتبية، دون رواية، أو الكتب المتأخرة، التي لا توجد بها روايات، أم لا؟ وإن استفتي وأفتى، وقد قرألها دون رواية، هل تجوز شهادته أم لا؟. الجواب عليه: تصفحت هذا السؤال، ووقفت عليه. ومن قرأ الكتب التي ذكرت، وتفقه فيها عن الشيوخ، وفَهِم معانيها، وعرف الأصول التي بنيت عليها مسائلها من الكتاب والسنة والإجماع، وأحكم وجه النظر والقياس، ولم يخف عليه ناسخ القرآن من منسوخه، ولا سقيم السنة من صحيحها، إذا نظر فيها، وكان معه من اللسان ما يفهم به معنى الخطاب، جاز أن يستفتى فيما ينزل من النوازل، التي لا نص فيها، فيفتي فيها باجتهاد، ومن لم يلحق بهذه الدرجة فلا يصح أن يستفتي في (المجتهدات) التي لا نص فيها، ولا يجوز أن يفتي برأيه في شيء منها، إلا أن يخبر برواية عن عالم، فيقلد فيما يخبر به من حجة نقلها عنه؛ وإن كان فيها اختلاف بينهم أخبر بالذي ترجح عنده من ذلك، وإن كان ممن له فهم، ومعرفة، بوجوه الترجيح بين الروايات، جاز للحكم أن يقضي بقوله، إذا لم يجد سواه، ممن كملت له آلات الاجتهاد، وكان للقاضي أن يقلده، أيضا، حينئذ في فتواه. وإن لم يتفقه فيما قرأ، فلا يجوز أن يستفتي، ولا يحل له هو أن يفتي،

стр. 1017

قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى لا يبقى عالم، فإذا كان ذلك اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا ". وقد أدركنا هذا الزمان. والله الموفق للصواب برحمته. [١٥]- الرواية شرط في الانتصاب لتدريس الموطأ وأمهات الشريعة السؤال الخامس عشر. هل يجوز لأحد أن يناظر في الموطأ، ولم يسمعه على أحد، ولا عنده كتاب صححه، أم لا؟ وكيف إن ناظر في ذلك بكتاب صحيح، هل يجوز له ذلك وهو لم يَرْوِه عن أحَدٍ أم لا؟ الجواب عليه: لا يصح لمن لم يعن بالعلم، ولا سمعه، ولا رواه: أن يجلس لتعليمه في الموطأ ولا في غيره من الأمهات وإن كانت من الأمهات المشهورة. وإذا قرأها، وتفقه فيها على الشيوخ، وإن لم يحملها إلا إجازة، جاز له أن يعلم ما عنده عن الشيوخ من معانيها، وأن يقرئها، إذا صحح كتابه، على رواية شيخه فيها. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1018

[١٦]- تسقط نفقة الابن عن الزورجة - بعد المراجعة - إذا سبق أن التزمت بها في الخلع السؤال السادس عشر. من خالع امرأته على أن تحملت نفقة ابنه منها إلى الحُلُم، ثم راجعها بنكاح جديد، ثم طلقها، هل يسقط عن الزوجة ما تحملته بمراجعته إياها، أم لا؟ وكيف إن طلبها بما تحملته ر، وهي في عصمته بالمراجعة التي راجعها بها هل يقضى له بذلك أم لا؟ الجواب عليه: إذا راجعها سقط عنها ما تحملته من نفقة ابنه، ورجعَت النفقة عليه، ولا تعود عليها، إذا طلقها، ولم تتحمل له بها ثانية. وبالله التوفيق، لا شريك له. [١٧]- امرأة تدعي الحمل، عندما يطالبها الزوج إن تخرج من الدار التي تعتد فيها السؤال السابع عشر. في امرأة يطلقها زوجها، وتعتد في الدار التي طلقها فيها، وتنقضي المدة التي تنقضي عدتها في مثلها، فيريد الزوج إخراجها من داره، ويذكر أن عدتها قد انقضت، وتدعي هي حملا بها، ويكذبها الزوج، ويريد أن يريها النساء هل يقضي له بذلك أم لا؟ وكيف إن لم يجب أن يريها النساء، هل عليها يمين أنها مسترابة، أو لا؟. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.

стр. 1019

وإن ادعت ذلك بعد الأربعة الأشهر ونحوها، صدقت دون يمين، وإن ادعت ذلك بعد الستة أشهر، ونحوها، صدقت مع يمينها. واختلفت إن ادعت ذلك بقرب انقضاء الحول، فقيل: إنها تصدق مع يمينها، وقيل: إنها لا تصدق، إلا أن يكون سمع ذلك من قولها قبل ذلك. وإن ادعت ذلك بعد انقضاء الحول، لم تصدق حتى يراها النساء، فيصدقنها فيما ادعت من ذلك. هذا الذي يأتي، في هذه المسألة، على مذهب ابن القاسم في العتبية، وكتاب ابن المواز. وبالله التوفيق. [١٨]- هل يشمل " الإسكان " مدة العدة في طلاق المتبرَّع لها بالإسكان ؟ السؤال الثامن عشر، فيمن أسكن أحدا منزله، فسكنه مع زوجه، وطلقها فيه، وأراد رب الدار إخراج المرأة من داره، ولا تعتد بها. هل يقضى له بذلك أم لا؟ وكيف إن لم يقض له بذلك، هل يلزم المطلَق الكراء طول العدة، أم لا؟ الجواب عليه: إن كان أسكنه حياته، أو إلى أجل مسمى، فليس له أن يخرجها، إلا أن ينقضي الأجل، أو يموت، إن كان أسكنه حياته، قبل أن تنقضي عدتها، فيكون من حقه أن يخرجها. فإن رضي أن يبقيها بعد انقضاء أجل السكنى حتى تنقضي عدتها،

стр. 1020

بكراء المثل، لزمه ذلك؛ وإن كان السكنى إلى غير أجل نظر إلى قدر ما يرى أنه أراد بسكناه، فيكون ذلك كالأجل المضروب، إلا أن يدعي أنه أراد دون ذلك، فيصدق فيه مع يمينه. وبالله التوفيق. [١٩]- بيع أصول الكروم من النصارى السؤال التاسع عشر، في بيع أصول الكروم من النصارى، هل يجوز ذلك، وهم يعصرون ثمرتها خمرا، أم لا؟ وكيف إن لم يجز ذلك، ووقع البيع، هل يفسخ، أم لا؟. الجواب عليه: ذلك مكروه، ولا يبلغ به التحريم فيفسخ. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٢٠]- الخيار الناتج عن جائحة الفنادق والأرحاء السؤال الموفي العشرين، في المتقبلين للفنادق والأرحاء، إذا قل الواردون لسكنى الفنادق، والطعام للطحن، هل ذلك جائحة يُحَطُّ بها الكراء عنهم، أم لا؟. الجواب عليه: إذا قل الواردون من البلاد لسكنى الفنادق المكتراة المتحدة للنزول فيها، من فتنة أو خوف، حدث في الطريق، وما أشبه ذلك، أو قل الواردون للطحن في الأرحاء المكتراة، لجهد أصاب أهل ذلك المكان، وما أشبه ذلك، كان ذلك عيبا فيما اكتراه المكتري، يكون مخيرا بين أن يتمسك بكرائه، أو يرده، ويفسخه عن نفسه، فإن سكت،

стр. 1021

ولم يقم حتى مضت المدة، أو بعضها، لزمه جميع الكراء؛ ولا يسقط عنه الكراء إلا بجلاء أهل ذلك الموضع؛ حتى تبقى الرحى معطلة لا تطحن، والفنادق خالية لا تسكن. ولا يلزم المكري إذا قلت الواردة أن يحط المكتري من كرائه، بقدر ما نقص من الواردة، بغير رضاه، وإنما يوجب ذلك للمكتري التخيير، على ما وصفناه. [٢١]- هل قلة التجر جائحة في كراء الحوانيت ؟ السؤال الحادي والعشرون. المكتري للحوانيت، إذا قلت التجارة لضعف الناس في مثل هذا العام، هل هي جائحة يحط عنهم من الكراء بقدر ما نَقَصُهم من التجر؟ وكيف إن كانت الحوانيت للأحباس، هل حكمها وحكم غير المحبسة سواء، أم لا؟. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وليست قلة التجر في الحوانيت المكتراة، بما أصاب الناس من ضعف الحال، بجائحة يكون للمتكري لها القيام بها، سواء أكانت الحوانيت للأحباس، أو لم تكن، الحكم في ذلك سواء. وإن رأى القاضي في حوانيت الأحباس أن يحط عن المكتري، من الكراء لما تشكوه، على سبيل الاستيلاف، جاز، كما يجوز للوكيل المفوض إليه أن يحط من أثمان ما باع لموكله، على هذا الوجه. وبالله التوفيق.

стр. 1022

[٢٢]- هل يسقط كراء الأرض الزراعية بما يصيب الزرع من صر وقحط ؟ السؤال الثاني والعشرون، وهو آخرها، في الزرع إذا أصابه الصر، وهو ربيع، ثم أصابه القحط بعد ذلك، هل يلزم الكراء للزارع، وهو يحتج بأنه لو لم يكن قحط، لا يجد ما أصابه الصر، بالمطر، لو كان بإِثْر الصِّرِّ، أم لا؟. الجواب عليه: إذا توالى القحط حتى علم أن الزرع لو سلم من الصر لأهلكه القحط، فالكراء عنه ساقط. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٠٥]- أم تسقط حق الحضانة، بعوض، عند الطلاق وسئل، ﵁، عن رجل طلق امرأته، وأسقطت عنه المرأة حضرانة ابنه معها، لعوض أخذته منه. وهذا نص السؤال: رجل طلق امرأته، وله منها ولد تحضنه، فواطأت زوجها أبا الصبي على أن أسقطته الحضانة بعوض أخذته منه؛ هل ينفذ هذا العقد بينهما، أم لا؟ وكيف إن تعلق بالعوض غرر، هل يجوز، ويجري ذلك مجرى الخلع، أم لا؟ فإن المسألة اختلف أهل شورى الجهة، التي نزلت بها، فيها، فمنهم من أجاز بيع الحضانة، وقاسها ببيع الشفعة، ومنهم من منع ذلك، وأجرى المسألة على ما وقع في

стр. 1023

المرأة إذا أرادت الحج، فمنعها زوجها، فبذلت له صداقها، على أن أباح لها ذلك، وعلى مسألة المرأة إذا نذرت صيام أيام، فمنعها زوجها، فبذلت له مالا على أن أباح لها صيام الأيام، على ما في علمك، أي القولين أجدر بالحق، وأولى بالصواب، مأجورا، إن شاء الله؟ فجاوب، ﵁: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه. والذي أراه فيما سألت عنه، على منهاج قول مالك، الذي نعتقد صحته: أن ذلك جائز؛ لأن الحضانة حق للأم، إن شاءت أخذته، وإن شاءت تركته. واختلف هل ذلك حق لها، تنفرد به دون الابن، أم لا، فقيل: إنها تنفرد به دونه؛ وقيل: إنها لا تنفرد به دونه، وأن له فيها حقا معها، لأنه إنما وجبت لها من أجل أنها أرفق به من أبيه، وأرأف عليه منه. وهذا معنى ما يعبر به من الاختلاف في الحضانة، هل هي حق للأم، أو للولد؛ فعلى القول بأنها حق للأم تنفرد به دون الأب، يلزمها تركها له، على عوض، أو على غير عوض، ولا يكون لها أن ترجع فيها؛ وعلى القول بأن في ذلك حقا للولد، لا يلزمها تركها، ويكون لها أن ترجع فيها، تركتها، أيضا، على عوض أو على غير عوض، وترجع في العوض، إن كانت تركتها على عوض. ولا وجه لقول من منع من ذلك، واحتج بما ذكرت؛ لأن ما اتفقا عليه إنما هو صلح صالحها بما أعطاها على أن سلمت إليه ابنه،

стр. 1024

وتركت له حقها في حضانتها إياه، وقد قال رسول الله ﷺ : " الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحلَّ حراما، أو حرم حلالا "، وليس في ترك الحضانة له، بما بذل لها على ذلك، تحليل حرام ولا تحريم حلال، فوجب أن يجوز ذلك. وإذا جاز، عند مالك وأصحابه، ﵏، إذا خافت المرأة نشوز زوجها عليها، وخَشِيت مفارقته إياها، أن تترك له حقها، الذي أوجبه الله تعالى لها عليه في ألا يؤثر عليها من سواها من أزواجه على مال يعطيها إياه، بدليل قول الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، جاز له أن تترك له حقها في حضانة ولدها منه، على مال تعطيها إياه، إذ لا فرق في المعنى بين الموضعين. ومن قاس جواز ذلك على جواز تسليم الشفعة بعد وجوبها، على عوض، فما أبعد القياس! وأما من منع من ذلك، قياسا على ما قالوه في المرأة تريد الحج، فيمنعها زوجها من ذلك، فتضع عند صداقها، على أن يبيح لها ذلك، فقد أخطأ في القياس؛ لأنه إنما لم يسقط عنه المهر بذلك، من أجل أنه يلزمه أن يأذن لها في ذلك، وذلك إذا لم تعلم أن الإذن لها في ذلك يلزمه، وأما إن علمت ذلك فتجوز عليها الوضيعة، والرواية بذلك منصوصة عن ابن القاسم.

стр. 1025

ولو وضعت عنه على أن يأذن لها بالحج، قبل وقت الحج، أو في أوان الحج متطوعا، لسقط عنه بذلك المهر؛ إذ لا يلزمه أن يأذن لها في ذلك، فكذلك إذا أعطاها على أن تركت له حضانة ولدها منه، يجوز لها، إذ لا يلزمها ذلك. وكذلك الذي بذلت لزوجها مالا، على أن يبيح لها صيام الأيام التي نذرت صيامها، إن كانت أيامها يسيرة، ليس له أن يمنعها من صيامها؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئاً على ألا يمنعها. وإن كانت أياما كثيرة للزوج أن يمنعها من صيامها لما عليه في ذلك من الضرر، وجاز له أن يأخذ منها ما أعطته على ألا يمنعها، على القياس مسألة الحج. ويجوز أن تترك له الحضانة على ثمرة لم يبد صلاحها، وما أشبه ذلك من الغرر؛ إذ ليس بمبايعة، وإنما هو صلح في غير مال، فيشبه الخلع. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣٠٦]- مسؤولية الزوج عن شورة الزوجة، وقد التزم بضمانها . وسئل، ﵁، عن الزوج إذا ضمن شورة زوجته عندما تزف إليه، وضاعت الشورة بعد ذلك.

стр. 1026

ونص السؤال: الجواب، رضي الله عنك، في الزوجة إذا زُفَّت إلى زوجها، وضمن الزوج الشورة، التي جهزت بها إليه، وضاعت، هل يلزمه ما ألزم نفسه، أو يكون ذلك من باب من التزم ضمان ما لا يغاب عليه في العارية، وعلى من أسقط الشفعة قبل وجوبها؟ أو هل تجري المسألة على مسألة من قال: أنا ضامن لرهنك، وما نقص نقص من حقك؟. فجاوب على ذلك، ﵁، بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. والواجب في هذا: أن ينظر إلى الوجه، الذي خرج عليه ضمان الشورة؛ فإن كان من أجل أنه خشيت عليها الزوجة، فلا يلزمه ضمانها، إن قامت البينة على تلفها من غير فعله، وإن كان من أجل أنه خشي هو، عليها، فلا شيء عليه، إن قامت البينة على تلفها من غير فعله ويلزمه ضمانها على كل حالٍ، إن لم توجد، وادعى تلفها، فلم يعلم ذلك إلا بقوله. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣٠٧]- عشرة أسئلة من القاضي أبي الفضل ابن عياض وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض حرسه الله، بعشرة أسئلة، نزلت في الأحكام بين يديه، وهي كلها في شأن ارحاء، وسقي جنات وخضر، وهذا نص كل سؤال منها، وجوابه عليها.

стр. 1027

[١]- كيف يقسم الماء بين أصحاب الأرحاء وأصحاب الجنات ؟ فأما السؤال الأول فهو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أدام الله توفيق الفقيه الأجل، معظمي، وأبقاه، وختم له بحسناه، وجمع له خير دنياه وأخراه، ضمنت مدرجتي هذه أسئلة، رغبتي جوابه عنها مأجورا مشكورا إن شاء الله، وهو، أعزه الله: أن جماعة أصحاب جنات خاصموا رجلا من أهل الأرحاء، في قطعة الماء عن جناتهم، وهم محتاجون إلى السقي، والانتفاع بالماء المذكور، فزعم صاحب الأرحاء أن لا حق لهم فيه، وأن أرحاءه سبقت إلى حوز الماء المذكور، وعليه بناها، وطحنت به عدة سنين كثيرة. فأثبت القوم شهادات من قبلته: أنهم كانوا يسقون من الماء المذكور جناتهم، قيل إنشاء الأرحاء، وبعدها. وطلب صاحب الأرحاء النظر في هذه الشهادات، والمدافع، فأوقفت الماء عن الأرحاء، والجنات المذكورات على مجرى آخر، وأجلت صاحب الأرحاء في البينات. فيما رأيك إن انقضى أمد السقي، والمنفعة التي طلبها أصحاب الجنات، قبل انقضاء أجل المدفع، فقام صاحب الأرحاء يسأل حل العقلة، ويحتج بأن خصامهم معه إنما هو زمن السقي والعصير، وما

стр. 1028

عدا ذلك يجري الماء على مناصب أرحائه، ولا مطلب لهم فيه، ولا حاجة، تلك المدة، وإنما ينازعهم في زمن آخر؛ هل يسمع قوله، وتوجب له هذه الحجة حل العقلة، ويبقون في مطلب حججهم، فإن انقضى خصامهم قبل سنة أخرى، وإلا فيعتقل الماء، إذا حان زمن السقي من السنة الأخرى، أم ترى العقلة باقية، حتى يتم خصامهم، إذ من حجة الأخر أن يقولوا: هذا شيء متنازع فيه، يدعي فيه حقا، فلا نبقيه بيد خصمنا، حتى ينقضي فيه الخصام؟. الجواب عليه: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه. وأصحاب الجنات أحق بالماء لسقي جناتهم من أصحاب الأرحاء، وإن كانوا أنشأوا جناتهم بعد إنشاء أهل الأرحاء لأرحائهم، فإذا استغنوا عن السقي به صرفه أهل الأرحاء إلى أرحائهم. هذا الذي أراه، وأقول به في هذه المسألة عن معنى ما جاء عن النبي ﷺ في سَيْل مهزور ومذينيب؛ لأنه قضى أن يمسك الأعلى الماء إلى الكعبين، ثم يرسله على الأسفل. فلما لم يخص، ﷺ ، الأَعْلى بجميع الماء دون الأسفل أبدا، لم يكن لأصحاب الأرحاء أن يختصوا بجميع الماء لأرحائهم أبدا، دون أصحاب الجنات، وإن كانوا فوقهم، أو سبقوهم بالإنشاء، فلا يحتاج، على هذا، إلى ما سألت عنه من التوقيف والإعذار. وبالله التوفيق لا شريك له.

стр. 1029

[٢]- نصيب الشهادة الموجب للعقلة السؤال الثاني: وتأمل - أعزك الله بطاعته - إن دفع صاحب الأرحاء في جملة الشهود سوى واحد، فادعى على الآخر أن لهم شهودا أخر، يقومون بها، أو ادعى صاحب الأرحاء ألا مدفع في ذلك الشاهد الباقي، وسأل العقلة، على مذهب من يرى العقلة بالشاهد الواحد. هل يقضي له بذلك، أم لا تنحل العقلة، على مقتضى القولين، إلا بالدفع في الجميع أو هو حكم نفذ، فلا يحكم بغيره إلا بسقوط جملة شهوده، بخلاف ابتداء الحكم بالعقلة؟. الجواب عليه: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه. وما تقدم من جوابي على المسألة الأولى يأتي على الجواب في هذه. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣]- هل يمنع أصحاب الجنات من السقي، إذا ثبت أن مرور الماء إلى جناتهم يضر بالطريق العامة ؟ السؤال الثالث وجوابه: وفقه الله، في هذه القضية، إن ثبت أن بعض قضاة العدل كان قد حكم بقطع جري هذا الماء في الطريق التي منها يستقي أهل هذه الجنات، لضررها بالطريق، وبأن فلانا أحدث

стр. 1030

جريها فيها، وتمضي الحكم في ذلك على فلان المحدث، ولم يجر لأحد من المذكورين القائمين ذكرا. ولا ممن باع منهم، إذ أكثرهم اشترى بعد تاريخ الحكم، والإعذار. فاحتج القائمون الآن بأن الحكم لا يلزمهم إذ لم يعذر إليهم، أو إلى من باع منهم، وقد اشتروا الجنات بحقوقها. واحتج صاحب الأرحاء، بأنه لو كان للبائعين، أو من كان حينئذ من هؤلاء، في هذا الماء حق سوى من حكم عليه، لذكره القاضي وأعذر إليه في حكمه، فكيف وقد بين في الحكم أن فلانا، المحكوم عليه، أحدث جري هذا الماء، وأن البائعين منكم لم يعترضوا الحكم؟ وكيف إن زعموا أن الطريق الآن، قد أصلحت حتى لا ضرر فيها، وأنها بخلاف ما كانت حين الحكم، والله ولي التوفيق. وكيف إن تفجر عنصر آخر في هذه الطريق بعد الحكم، هل يجري الحكم عليه أم يستأنف؟. الجواب عليه: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه. وإذا ثبت الحكم بقطع جري الماء على الطريق إلى الجنات لضرر ذلك بالطريق، بإشهاد القاضي الحاكم بذلك على نفسه، ببينة عَدْلِة، لا مدفع فيها لأصحاب الجنات، ولم يكن له طريق سواه، بطل حقهم في

стр. 1031

السقي به: إلا أن يقدروا على رفع الضرر عن الطريق، بتحصين مجراه، تحصينا يعلم انقطاع الضرر عنه، أو يثبتوا أن ذلك ليس بضرر على الطريق، ببينة هي أعدل من البينة التي قضى بها الحَكَم، أو يجرحوا شهود العقد الذي ثبت بهم الضرر عند الحاكم، فيكونوا حينئذ أحق بالماء، لسقي جناتهم، زمن حاجتهم إلى السقي به. وما تفجر بعد الحكم من الماء في الطريق، فيستأنف النظر فيه، إن شاء الله. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٤]- هل يحتج على المدعي بِوَثَائِقِه، التي بين يديه ؟ السؤال الرابع: وجوابك، أعزك الله، في فصل منها، وقد دعاهم صاحب الأرحاء إلى إِخْرَاجَ وثائق أملاكهم، فوجدوا في بعضها الشراء بالسقي من موضع آخر غير هذا الماء. هل يقطع هذا طلب صاحب هذه الوثيقة، أم يبقى له طلب لقوله في الوثيقة بعد ذلك: " بحقوقها "؛ فهو يقول: ومن حقوقها السقي من هذا الموضع المتنازع فيه؟ وخصمه يقول له: لما نص أن سقيك من ماء آخر، دلَّ أن لا حق لك في هذا الماء. ووجد في بعض الأشرية لبعضهم: " بحقوقها ومرافقها " ولم يجر فيها للسقي ذكر، فاحتج عليه خصمه: أن لا سقي له، إذ لو كان لنص عليه. فهل يدفع عن خصامه، حتى يثبت سقيه معينا (إن شاء الله)؟. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.

стр. 1032

ولا حجة على أصحاب الجنات بما في وثائق أشريتهم، على ما تقدم من جوابي في المسألة الأولى، فلا يلزمهم إخراجها، إذ لا يوجب مضمنها عليهم حكما. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٥]- أخذ نسخ من حجج الخصوم ومن التسجيل السؤال الخامس: وجوابك، أعزك الله بطاعته، في طالب صاحب الأرحاء، لنسخ هذه الوثائق، فقال له خصاؤه: أما نسخها كلها فلا فائدة لك فيها، ولكن الفصل الذي تحتاج منها في ذكر السقي تنقله، وتأخذ الشهادات عليه، إذ لا حاجة بنا لكشف جميع ما في وثائقنا لك، وكونها بيدك لا منفعة لك فيها، في غير فصل ذكر السقي. هل يكتفي بهذا، أو لا بد من أخذ الوثيقة كلها؟ وكيف إن طلبوبهم نسخة تسجيل الحاكم بقطع الماء عن تلك الطريق، هل يباح لهم أخذه، والنظر فيه، أم لا؟ بين لنا ما تختاره من هذا لنعتمد عليه، لا سيما في هذه النازلة، وقد ثبت ألا ذكر لهم هم في هذا السجل على ما تقدم إن شاء الله؟

стр. 1033

الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. ولا يلزم أصحاب الجنات دفع نسخ أشريتهم إلى أصحاب الأرحاء، ولا ودفع نسخة فصل من فصولها؛ إذ لا حجة عليهم في شيء منها، وإنما الحجة فيها لبعضهم على بعض، ولهم أخذ نسخة التسجيل لقيامهم بها عليهم. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك ولا حول ولا قوة إلا بالله. [٦]- هل تعطى الأولوية في السقي للأسبق من الجنات أو الأرحاء ؟ السؤال السادس. جوابك - أعزك الله - إن لم يثبت لهؤلاء القائمين حق في السقي من هذا الماء، سوى أنهم كانوا يصرفونه في بعض الأحايين إلىجناتهم منذ مدة، إنشاء هذه الأرحاء أو نحوها، وأثبتوا أن المياه الأخر التي كانت بها تقوم بجناتهم وتحيا، قد انقطعت، وقلت وغارت، حتى لا تصل إليهم، وإن جناتهم إن لم تحي بهذا الماء المذكور، هلكت، إذ هو أقرب المياه إليهم، وفيه فضل مما يليه من الجنات. فاحتج عليهم صاحب الأرحاء بحيازته، وإيقافه المال الكثير في بناء هذه الأرحاء عليه. هل هي حجة له؟ وكيف إن ثبتوا، هم، أنهم كانوا، أيضا، يسقون أحيانا، إذا احتاجوا معه، وقبله، فاحتج عليهم بأنكم سقيتم على

стр. 1034

طريق مَنَع منها الحق، وحكم الحاكم بقطع الماء منها، مع منعي لكم من ذلك، فلو ثبتت حيازتكم لكانت حوزا بغير حق، وأنا حزت بوجه جائز، وحق؟. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت علي. وأصحاب الجنات أحق بسقي جناتهم من أصحاب الأرحاء، وإن كانت الأرحاء أقدم من الجنات؛ لما ذكرناه في جواب المسألة الأولى، ولأن الثمرات، إن لم تسق في وقت سقيها هلكت، والأرحاء لا تهلك بقطع الماء عنها، وإنما تنقطع المنفعة في ذلك الوقت بها. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٧]- هل تطبق العقلة على ماء السقي ؟ السؤال الرابع: وجوابك، وفَّقَكَ الله، في حكم حاكم بقطع جري ماء نهر عن بعض الطرق، التي بين الجنات، بعد ثبات ضرره بالمارة، وأن فلانا أحدث جريه في تلك الطريق، ولم يك يجري فيها قط، وتم الحكم فيه على فلان وحده، بما يجب، وبأنه لا يجري في الطريق بوجه. ثم بعد أربعين سنة من الحكم، قام جماعة بأن سقي جناتهم من هذا الماء، وأن لهم فيه حقا، وأن الحكم إنما توجه على فلان وحده، والماء

стр. 1035

المذكور، لا يصل إليهم إلا على الطريق المذكورة، التي حكم بقطع الماء عنها، وثبت أن فلانا أحدث جريه فيها، وأثبتوا أنهم لم تزل جناتهم تسقى من ذلك الماء، بأمد يقتضي قبل الحكم وبعده إلى الآن، ودعوا إلى طلب المدافع في شهود العقد بالضرر والإحداث، الذي حكم به الحاكم؛ إذ لم يجر ذكر إعذار لواحد منهم فيه، سوى من حكم عليه. وقد بنيت على هذا الماء، من طريق أخرى، أَرْحاء منذ سنين، فنازعهم صاحبها فيما أثبتوه، وقام بحيازته الماءَ لأرحائه، وشهد له بذلك، وبحكم الحاكم، من قطع الماء عن طريقهم، وطلب المدفع فيمن شهد لهم. هل يجب وقف الماء عن الأرحاء والجنات، حتى ينفصل فيه الحكم، وتنقضي الآجال، وتعديله إلى طريق أخرى، أم حكم الحاكم المتقدم على بعضهم يمنع من ذلك، حتى يثبت لهم أمر لا مدفع فيه، إن شاء الله وبه التوفيق لا شريك له. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. ولا يرد حكم الحاكم بما شهد به لأصحاب الجنات من أنهم لم يزالوا يسقون في ذلك الماء منذ كذا، لأمد يقتضي قبل الحكم وبعده إلى الآن، فلا سبيل لهم إلى السقي به، إلا أن يثبتوا أن ذلك ليس بضرر على الطريق، بينة هي أعدل من البينة التي قضى بها الحَكَم، أو يجرحوا

стр. 1036

شهود العقد، الذي ثبت به الضرر عند الحاكم، أو يقدروا على دفع ذلك الضرر على الطريق، بتحصين مجرى الماء فيه، تحصينا يعلم انقطاع الضرر به عنه، فيكونوا حينئذ أحق بالماء لسقي جناتهم إلى سقيها، وإن كانت محدثة بعد الأرحاء. ولا يجب توقيف الماء في مدة الخصام إلى انقضاء الآجال، كما يجب توقيف الشيء المدعى فيه؛ إذ ليس بملك، وإنما هو غيث ساقه الله إلى الناس، وصرفه بينهم. ووجه الحكم في ذلك: أن يكون كل واحد من أصحاب الأرحاء، وأصحاب الجنات أحق بالماء في مدة الإعذار إلى صاحبهم، ولا يتوقف الماء عنهم جميعًا، وإنما ينتقل من بعضهم إلى بعض، بحساب انتقال الإعذار من بعضهم إلى بعض، فيما يثبت بعضهم على بعض. وبالله تعالى، التوفيق، لا شريك له. [٨]- تعطى الأولوية لشهادة التسجيل بالحكم على غيرها من الشهادات السؤال الثامن. وكيف ترى - أعزك الله - إن تعارضت شهادة الشهود لأصحاب الجنات بما ذكر مع شهادة من شهد في تسجيل الحاكم بأن جريه محدث كما تقدم، أيتها تغلب؟ وهل ترى، هنا، تغليب أخَفِّ الضررين، إذ ضرر الجنات، بيبس ثمارها، لا سيما والمياه الأخر، التي كانوا يسقون بها، قد انقطعت في هذه المدة، أشد وأضر من ضرر المارة

стр. 1037

بالماء في الطريق، ببلل أرجلهم، ونعالهم، وتلويث ثيابهم، من رش الماء.؟ جاوب على ذلك مأجورا إن شاء الله. وهل يراعى هذا، وإن لم يثبت لهم في الماء المتنازع فيه حق، إذ قد ثبتت حاجتهم، ونضوب المياه الأخرى التي كانوا يسقون منها قبل؟ الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وشهادة من شهد في التسجيل بالحكم هي العاملة، فلا يلتفت معها إلى شهادة من شهد لأصحاب الجنات بما ذكرت من أنهم لم يزالوا يسقون بالماءِ قبل الحكم وبعده؛ لأن سقيهم به قبل الحكم يبطله الحكم، وسقيهم به بعد الحكم لا يبطل الحكم. وليس هذا عندي موضع تغليب أحد الضررين، لما يتعلق بذلك من حق أصحاب الأرحاء. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٩]- توزيع الماء بين أصحاب الجنات وأصحاب الأرحاء باعتبار الأعلين والأسفلين . السؤال التاسع. وجوابك - أعزك الله - في ماء غير متملك الأصل، يسقي به أعلون وأسفلون، على قديم الأيام، فأحدث أصحاب العلو خضرا ومباقل: أن سقوها مع ثمارها أضر ذلك بالأسفلين وحبسوا عنهم الماء، فمنعوا من ذلك، وقصروا على السقي للثمار

стр. 1038

والأصول حتى يتموا ثم يرسلوا لمن تحتهم. فقال بعض الأعلين: أنا آخذ قدر ما اسقي به ثماري من الماء، اسقي به خضري ومباقلي، وأعطل ثماري، هل يباح له هذا؟ أو يقال له: إما أن تسقي ثمارك الواجب لك سقيها، أو تسرح الماء لمن تحتك؟. وكيف إن أحدث الأعلى غرسا وثمارا لم تكن، أو مكان ما تحطم من ثماره، فمنعه صاحب السفل، وقال له: لا تحدث عليَّ ما يزيد إمساك الماء عني، ويضر بثماري، التي هي أقدم من تزيدك، هل تكون له حجة في ذلك؟ الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقف عليه. ولا يجب أن يبدأ الأعلون على الأسفلين إلا بسقي ثمارهم، وأما ما أحدثوه من الخضر والمباقل فلا يبدأون به على الأسفلين؛ إلا أن يكون فيما يفضل عنهم ما يقوم بهم، فلا يضرهم تبدئة الأعلين عليهم بسقي خضرهم ومباقلهم. وإذا أخذ الأعلون من الماء قدر ما يكفيهم لثمارهم، فلا حجة للأسفلين عليهم في أن يسقوا بذلك خضرهم ويتركوا ثمارهم. وأما إحداث الأعلى غرسا بعد إحداث الأسفل، فقيل: إنه يبدأ على الأسفل، وإن لم يفضل عنه ما يقوم به، على ظاهر الحديث، وهو قول أصبغ، وقيل: يبدأ الأسفل عليه، إلا أن يكون فيما يفضل عن

стр. 1039

الأعلى ما يقوم بالأسفل، وهو قول ابن القاسم، في رواية أصبغ عنه، والأظهر في القياس. ولا يدخل هذا الاختلاف في إنشاء الأرحاء فوق الجنات، ولا في إنشاء الجنات فوق الأرحاء , وإذا أنشئت الجنات فوق الأرحاء، كانت أحق من الأرحاء بالسقي، زمن السقي، قولا واحدا، وإذا أنشئت الأرحاء فوق الجنات فأهل الجنات، أيضا، أحق بالسقي زمن حاجتهم إلى سقي جناتهم قولا واحدا. وأما جبر الأعلى في حائطه ثمارا مكان ما تحطم من ثماره، فلا حجة لصاحب الأسفل عليه في ذلك باتفاق. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [١٠]- هل للأسفلين حق في الماء إذا كان يصل إليهم رشحا بباطن الأرض ؟ السؤال العاشر، وهو آخرها: وهل ترى - أعزك ؤالله - إن كان الأعلون، إذا سقوا، وأرسلوا الماء إلى من تحتهم، لم يظهر الماء في بطن الوادي، وتغوَّر. فبعد أيام يظهر في سواني، وزبُى للأسفلين، يرفعون منها الماء في السواقي للسقي، فقال الأعلون: إذا كان الماء لا يصل إليكم على وجهه، وإنما يصل إليكم رشحه تحت الأرض، فذلك مضرة بنا، بلا كبير منفعة لكم، فاتركوا فُضْلة الماء لنا ننتفع به، فقال الأسفلون: إذا انتفعنا به فسواء كان من فوق الأرض أو من تحتها، المقصود وصوله، أو ما وصل منه إلينا. ما ترى في ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى؟

стр. 1040

الجواب عليه: تصفحت السؤال: ووقفت عليه. ومن حق الأسفلين على الأعلين، إذا سقوا، أن يسرحوا الماء إليهم، إذا وصل نفعه إليهم من تحت الأرض، أو من فوقها. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٠٨]- الهبة للوارث مع شرط المرجع . وسأله، ﵁، الفقيه المشاور أبو محمد بن عبد القوي من أهل إشبيلية، عن مسألة هبة، نزلت عندهم، فاختلف فيها الفقهاء المشاورون بها، لشرط شرطه الواهب فيها. وهذا نصه. وشرط الواهب أيوب: أنه إن توفيت ابنته عائشة الموهوب لها، عن غير ولد، فإن الهبة المذكورة راجعة إلى حفيدته أمة الرحمن، المدعوة بفتنة، ابنة ابنه أحمد، مالا لها وملكا. وإن لم تكن فتنة حية، يوم موت عائشة، ولا كان لها ولد، وانقرضت، وانقرض عقبها، وأيوب يومئذ حي، فإن الهبة راجعة إلى أيوب. وإن لم يكن أيُّوبُ حيا، يوم موت عائشة، فإن الهبة موروثة عن عائشة كسائر مالها. وبالله التوفيق، لا شريك له. فأجاب: أدام الله توفيقه، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. والهبة التي سألت عنها، بما شرطه الواهب فيها من رجوع الهبة إليه

стр. 1041

مالا وملكا، إن ماتت ابنته الموهوب لها، ولا ولد لها، وقد ماتت حفيدته فتنة: ابنة ابنه أحمد قبلها، لم تبتل بعد للموهوب لها، ولا لحفيده الواهب بعدها، ولا تبتل لها ولا للحفيدة بعدها من رأس ماله، إلا إن ماتت ابنته الموهوب لها، في حياته، ولها ولد، أو لا ولد لها، وحفيدته، المسماة، حية. وأما إن مات هو قبلها، فلا تصح الهبة لها إلا من ثلثه، بإجازة الورثة. فالحكم في الهبة، على الشرط المذكور، معتبر بما ينكشف من موت الواهب قبل الموهوب لها، أو موتها قبله؛ فإن كان حوزها الهبة في حياته، وصحته، كانت في يديها واسْتَوْجَبَت الانتفاع بها، ولم يلزمها أن تفوتها بوجه من وجوه التوفيت، فإن ماتت هي قبله، وهو صحيح، لا دين عليه، يغترق الهبة، ورثت عنها إن كان لها ولد، فإن لم يكن لها ولد، كانت مالا وملكا لحفيدة الواهب فتنة، المذكورة، إن كانت حية حينئذ، وإن كانت قد ماتت قبلها، رجعت الهبة إلى الواهب مالا وملكا، على ما شرطه في هبته. وإن كان عليه دين ترد الهبة يوم ماتت ابنته الموهوب لها، بيعت في دينه، وبطلت الهبة، لأنها حينئذ بُتِّلت، وإنما كانت تستغل، قبل، على ملكه، ولا تجوز هبة من عليه دين.

стр. 1042

وأما إن مات هو قبل ابنته، الموهوب لها، كانت الهبة لها من ثلث ماله، إن أجازها لها الورثة، لأنها وصية لوارث، والوصية للوارث لا تجوز إلا أن يجيزها الورثة، فإن لم يجيزوها كانت ميراثا بين جميعهم. هذا حكم هذه الهبة، التي سألت عنها، على الشرط المذكور، على منهاج قول مالك وأصحابه، الذي نعتقد صحته. [٣٠٩]- ثلاثة عشر سؤالا من بعض فقهاء الأندلس وخاطبه، ﵁، بعض فقهاء الأندلس، حماها الله، يسأله عن ثلاث عشرة مسألة: [١]- من حلف بالطلاق ثلاثا: ألا يدخل - دار سكناه مع زوجته - أبواها فأما المسألة الأولى منها فهي رجل حلف بالطلاق ثلاثا لزوجه: ألا يدخل عليها دار سكناه معها أبواها، فدخل عليها أحدهما، هل تطلق عليها أم لا؟ وهل تشبه هذه المسألة مسألة كتاب العتق الأول من المدونة، في الذي حلف لزوجتيه بالطلاق ألا تدخلا دارا، فدخلت إحداهما، ويتصور فيها من الخلاف ما يتصور في تلك؟ فإنها نزلت عند

стр. 1043

بعض الحكام، وشبهها بها، وقضى فيها بما نص ابن القاسم عليه في تلك، فما حقيقة الصواب في ذلك، مأجورا إن شاء الله؟. [٢]- مشتري الدار يبني فيها، بعدما تطوع للبائع بالإقالة متى ما أحضر الأخير الثمن وأما المسألة الثانية فرجل باع من رجل دارًا بيعا صحيحا، ثم تطوع بعد تمام العقد: إن متى جاء البائع بالثمن إلى أجل كذا، فهو مقال في الدار، وراجع فيها. فبنى المبتاع في خلال الأجل: ماذا يكون له في البنيان، عند رجوع البائع، هل قيمته قائما، أو منقوضا؟ وهل تشبه هذه المسألة مسألة من اشترى شقصا في دار، فبنى المشتري فيه، ثم قام الشفيع بالشفعة، هل حكمهما في أمر البنيان سواء أم لا؟. وما حقيقة الواجب في ذلك؟ [٣]- بيع الغرس واشتراط أن يكون القبض بعد عام وأما المسألة الثالثة، فرجل باع غرس شجر، وشرط على المشتري ألا يقبضه ألا بعد عام، ولا ثمر فيه يوم البيع. هل حكم ذلك حكم الأرض والدار، في تراخي القبض، أم خلافه؟

стр. 1044

ما حقيقة الواجب في ذلك، إن شاء الله؟. [٤]- من باع حقلا له، وقد كان قدم للزوجة، " سياقة "، نصف أملاكه على الإشاعة . وأما المسألة الرابعة فرجل تزوج امرأة، وساق لها، في عقدة النكاح، نصف أملاك له، بقرية عَيَّنها، فلما كان بعد مدة باع الزوج حقلا معينا في تلك القرية، وادعى أنه أفاده بعد عقدة النكاح، ووقوع السياقة، وأنكرت المرأة ذلك وادعت أنه من جملة الأملاك المسوق منها النصف، وذهبت إلى استحقاق النصف من الثاني بالشفعة. القول قول مَنْ من الزوجين؟ وكيف إن لم يبع الزوج من أحد، ووقع مثل هذا التنازع بينهما، عندما ذهب إلى مقاسمة الأملاك، وادعى الزوج في بعض بما في يده، بتلك القرية المذكورة: أنه أفاده بعد عقد النكاح؟. هل الحكم في المسألتين سواء، أم بخلافه، لتعلق حق الأجنبيين في الأولى، وحيازته للحقل بالشراء، وعدم ذلك في الثانية؟ وهل يتصور في هذه المسألة من الخلاف ما يتصور في المسألة التي ذكرها ابن حبيب في واضحته، وهي: من قال: مالي صدقة على فلان، عشت، أو مت، ثم مات، فادعى ورثة الموصي: أنه أفاد الميت أموالا بعد الصدقة، وقال الموصى له: لم يفد شيئاً، ما حقيقة الواجب في ذلك؟

стр. 1045

[٥]- الاختلاف في عدد الغنم بين الراعي والمالك وأما المسألة الخامسة فرجل استأجر راعيا، يرعى غنما له، إلى أمد معلوم؛ فلما كان في بعض الأجل، أو عند انصرامه، اختلفا في عدد الغنم، فقال ربها: استأجرتك على مائتي شاة، وهي جملة ما بيد الراعي وقت التنازع، التي بيدي، هي مالي، وملكي، كانت عندي وقت الاستئجار، أو أفدتها بعد ذلك، بوجه سائغ يدعيه. القول قول من منهما؟ وكيف إن لم يدعها الراعي لنفسه، وادعى أنها لرجل أجنبي حاضر عند وقت الدعوى، أو غائب، والغنم المذكورة في وقت اختلافهما قد يمكن أن يأوى بها الراعي بالليل إلى داره، أو إلى دار رب الغنم، أو إلى دار أجنبي، أو لا تأوي إلى مكان، وتكون في الفحص، فهل الحكم في ذلك كله سواء، أو يفترق باختلاف المواضع التي يكون فيها في وقت التداعي؟ ما وجه الحكم في ذلك كله، إن شاء الله؟ [٦]- من يطالب بِشِرْب أرضه، ولم يزرعها وأما المسألة السادسة فرجل باع من رجل حقل أرض بشربه من ماء معين، معلوم للبائع، يسقيه منه كل ثلاثين يوما، على اختلاف ما

стр. 1046

يزرع في الحقل المذكور من أنواع الحبوب. فلما كان في بعض الأعوام عجز المشتري عن زراعة الحقل، أو ترك ذلك اختيارا منه، وأراد، متى جاء ماء البائع الذي له فيه شرب الحقل المذكور، ألا يترك حقه فيه، هل له ذلك؟ فإن كان فماذا له: هل يأخذ، من الماء نفسه، القدر الذي كان يمكن أن يسقي به حقله لو كان مزروعا، ويفعل في ذلك ما شاء من سقي أرض له أخرى، أو هبته لغيره، أو ما عسى أن يريد، أم قيمة ذلك دراهم؟ وكيف إن باع المشتري الحقل، أو بناه دورا، ماذا يكون الحكم في حظه من الشِّرْب في ذلك كله؟ [٧]- المشتري يدعي السلف عند حلول أجل الأداء وأما المسألة السابعة فرجل ادعى على رجل أنه باع منه طعاما، بثمن معلوم، إلى أجل معلوم، فلما حل الأجل، وطلب منه الثمن، قال المدعى عليه: لم أشتره منك، وإنما أعطيته لي سلفا. القول قول من منهما؟ وهل يتصور في هذه المسألة من الخلاف ما يتصور في مسألة من قال: أقرضتك، وقال الثاني: أودعتني وتلف؟ فإنها نزلت عِنْدَ بعض الحكام، وشبهها بها بعض من سأله عنها. وقال غيره: لا تشبهها، والقول في هذه المسألة، قول مدعي السلف قولا واحدا. والفرق بينهما وبين تلك المسألة: أن هناك من ادعى الوديعة لم يوجب في ذمته شيئاً لمن ادعى عليه، وفي هذه المسألة قد أوجب في ذمته، سلفا، فمن ادعى على الذمة خلاف ما اعترف به، أو زائدا، فعليه البيان، فهل لهذا الفرق وجه أم لا؟ فما وجه الحكم في ذلك؟

стр. 1047

[٨]- استلاف ماء السقي بين أهل القرى، أو شراؤه وأما المسألة الثامنة فأهل قرية لهم عين ماء مأمونة، ويقتسمون الماء على دول معلومة بينهم، فجرت عادتهم بالسلف فيه، بعضهم من بعض، يأخذ أحدهم ماء صاحبه يوما كاملا، أو طول الليل، على أن يعطيه مثل ما يأخذ، بعد أربعة أيام، أو خمسة، أو ما عسى أن يقع الاتفاق عليه، ويعين له يوما معلوما، يصرف عليه فيه الماء؛ إذ في ذلك اليوم المصروف هو شرب الآخذ للماء من العين؛ وقد يمكن ألا يكون، أيضا، لآخذ السلف حظ في ماء القرية، ويأخذه على يوم معلوم يصرفه فيه، أو غير معلوم متى اتفق له كراؤه ممن يكري ماءه، إذ جرت عادتهم بكرائه بينهم. فهل ذلك كله جائز، ويكون حكمه حكم السلف، الذي يجوز على الحلول، أو إلى أجل، وغير أجل، أم لا يجوز إلا إذا وقع إلى أجل معلوم؟ فإذا كان ذلك فماذا يجب إذا أخذه على يوم معين، ولم يمكنه الصرف فيه، والأداء، هل قيمة الماء المدفوع، أو قيمة الماء المشترط أخذه؟ ما وجه الحكم في ذلك كله، إن شاء الله؟ [٩]- هل الفوت في العروض، وفي المكيل، والموزون سواء ؟ وأما المسألة التاسعة فمتبايعان اختلفا في ثمن طعام، فقال البائع: بعدد عينه، وادعى المبتاع أقل منه، والطعام المشترى وقت اختلافهما قد ذهبت عينه، أو هو باق، وقد حالت سوقه.

стр. 1048

هل حكم الطعام وجميع المكيلات والموزونات حكم سائر العروض التي لا تكال، ولا توزن، أم المكيل والموزون بخلاف ذلك، ويقع التحالف والتفاسخ على مذهب ابن القاسم في رد المثل؛ إذ المكيل والموزون، عنده، لا يفوت بحوالة سوق، ولا بذهاب عينه في غير ما مسألة، قال في مسألة من باع طعاما بيعا فاسدا؛ إنه يرد مثله، وإن فات، خلافا لابن وهب. وفي كتاب العيوب، فيمن باع عبدا بمكيل أو موزون، فاستهلك ذلك البائع، ثم وجد المبتاع بالعبد عيبا؛ إنه يرده، ويرجع بمثل ما دفع؛ لأن المكيل والموزون بمنزلة العين، فإذا أخذ مثله، فكأنه أخذ عين شيئه، وفي كثير من نظير هذا من الأحكام. فهل حكم التداعي في ثمن المكيل والموزون مثل هذا أم لا؟ فإذا كان بخلافه فما الفرق، إن لم يجعلوا المثل في هذه المسألة كما جعلوه في سائر المسائل؟. وهذا كله إنما الغرض منه معرفة مذهب المدونة، لا ما في العتبية، في سماع يحيى فيها، وما في الواضحة، وغيرها، على ما في علمك. فقد نزلت ببلنسية، فطائفة جعلت ما وقع في العتبية مطابقا للمدونة، وطائفة جعلت ذلك خلافا، وقالت: إن مذهب المدونة أن المكيل والموزون لا يفوت بشيء على حال من الأحوال، ورد الأمثال عوض الأعيان. فما وجه الصواب من ذلك إن شاء الله تعالى؟

стр. 1049

[١٠]- من اشترط بكرا، والبكر تعني، في العرف المحلي، العذراء ؟ وأما المسألة العاشرة فمن تزوج في وقتنا هذا، وشرط أنها بكر، ولم تشترط عذراء، والبكر عند عامتنا إنما هي عندهم بقاء العذرة، لا ما يعتقد الفقهاء في ذلك. فهل إذا كان هذا اعتقادهم، وعليه يدخل من شرط في امرأة أنها بكر منهم، إذا وجدها موطوءة، وثبت ذلك بما يجب، هل للزوج مقال؟ فإن كان، فما الحكم فيه، إذا نزل، إن شاء الله تعالى؟ [١١]- هل يصدق الصانع في دعوى الرد، والسمسار في دعوى البيع ؟ وأما المسألة الحادية عشرة فالصناع والسماسرة، في وقتنا هذا، إذا ادعى الصانع صرف المتاع مصنوعا إلى ربه، والسمسار أنه بَاعَ ما دفع إليه للبيع من تاجر عينه، فأنكر التاجر الشراء، ورب المتاع رد الصانع له، هل يرتفع الضمان عنهم بجري العادة في زماننا هذا: إن صائحا لا يشهد حين عقد البيع ولا صانعا عند الرد، ويقبل منهم ما أدوه، كما قبل بدعوى مشترى الطعام في دفع ثمنه، إذا عضده العرف، وأرباب المتاع في الدفع إلى الأكرياء بعد أيام من دفع الأحمال، وفي كل ما يشبه ذلك، مما يوجب العرف لمدعيه براءة الذمة فيه، أم لا يكون حكمهم كذلك، ويكون الضمان لازما لهم، على كل حال من الأحوال؟ فما الواجب في ذلك، ووجه الصواب فيه؟

стр. 1050

[١٢]- هل يجوز بيع حقل شجر، مع استثناء الثمار، وهي لم تؤبر ؟ وأما المسألة الثانية عشرة فما وقع في العتبية في سماع أشهب، فيمن تصدق بثمرة حائطه سنة، قال: " ليس له بيع الرقاب حتى تؤبر الثمرة، قال يحيى، عن ابن القاسم: إلا في دين رهنه، وقد فلس ". فهل، على هذا القول، إذا جوز له البيع، هل يباع الحائط بشرط استثناء الثمرة قبل الأبار، ويكون الثمن للمتصدق عليه، كما قالوا في المساقاة، إذا أفلس رب الحائط بحكم الضرورة؛ لأن ذلك مما أوجبته الأحكام، ولم يقع قصد فيه، أم يباع، ويكون الثمن لمبتاع الأصل، وتبطل الصدقة، إذ هو مما لا يجوز استثناؤه، كما قالوا، فيمن تصدق بما في بطن أمته على رجل، ففلس المتصدق، قبل الوضع: إنها تباع بما في بطنها، ولا شيء للمتصدق عليه؛ وكذلك لو أعتقها السيد، أيضا، فما وجه الصواب في ذلك؟ [١٣]- الشفعة لبيت المال وأما المسألة الثالثة عشرة فما ذكره ابن زرب، على ما حكاه عنه ابن سهل في أحكامه، في مسألة الشفعة لبيت المال: أنها لا تجب، ولا حكم للناظر في المواريث، في شيء من ذلك. وسحنون، ﵀، قد قال، في المرتد، يقتل، وقد وجبت له شفعة: أن السلطان يأخذها إن شاء لبيت المال، أو يترك؛ أفليس هذا نصا جليا على الشفعة لبيت المال،

стр. 1051

اللهم إلا إن كان بين المسألتين فرق، فالغرض معرفة ذلك، والحقيقة فيه وفي كل ما تقدم ذكره، بعون الله وتأييده وتوفيقه وتسديده، إن شاء الله. فجاوب. أدام الله توفيقه، وأمتع به المسلمين، على كل مسألة منها بما يأتي نصه بعد هذا، إن شاء الله تعالى: تصفحت السؤالات الواقعة فوق هذا، ووقفت عليها: [١] فأما المسألة الأولى، وهي التي يحلف بالطلاق ثلاثا: ألا يدخل دار سكناه، مع زوجه، أبواها، فيدخلها أحدهما، فالصحيح على أصل مذهب مالك في مراعاة المعاني في الأيمان دون ما يقتضيه مجرد الألفاظ: أن يحنث الحالف بدخول أحدهما، لأن معنى يمينه إنما هو ألا يدخل داره واحد منهما. ويأتي على مذهب أهل العراق، في الاعتبار في الأيمان بما يقتضيه مجرد الألفاظ دون مراعاة المعاني والمقاصد فيها: ألا يحنث الحالف إلا بدخول أبويها الدار جميعا. وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في مسألة كتاب العتق الأول من المدونة، فليس قوله فيها بجار على أصل مذهب مالك، وكذلك كل ما يوجد في المذهب من الاعتبار في الأيمان بما يقتضيه مجرد الألفاظ، دون مراعاة المعاني والمقاصد فيها، كمسألة البلاعة الواقعة في سماع سحنون من كتاب الأيمان بالطلاق، وشبهها، ليس على أصل مذهب مالك، الذي نعتقد صحته، وإنما هو على مذهب أهل العراق، فما حكم به الحاكم في

стр. 1052

المسألة الثانية، التي سألت عنها، يخرج على مذهب أهل العراق، وعلى ما يوجد في المذهب من المسائل على أصولهم. ولا يصح أن يقال: إنه قول ابن القاسم، فيقلد فيه على مذهب من يرى التقليد، إذ لم يقله، ون كان يلزمه أن يقوله، على قياس قوله في مسألة العتق التي ذكرت، إذ قد تفترق المسألتان عنده. وبالله التوفيق. [٢] وأما المسألة الثانية وهي التي التزم المبتاع فيها طائعا، بعد انعقاد البيع في الدار، على غير شرط: أنه متى جاءه البائع بالثمن، إلى أجل سماه، فقد أقاله في الدار، فليس للمبتاع فيما بناه في الدار، قبل انقضاء الأجل، إلا قيمة بنيانه منقوضا؛ لأنه متعد في البنيان، للشرط الذي التزمه للبائع؛ إذ ليس له أن يفوتها بوجه من وجوه التفويت حتى ينقضي الأجل، كَمَنْ باع دارا على أن المشتري بالخيار، فبنى فيها المبتاع بنيابنا قبل انقضاء أمد الخيار. ولا تشبه مسألة الشفعة التي سألت عنها؛ لأن المعنى فيها: أن الشفيع كان غائبا، فقاسم المشتري شركاءه فيها، وقاسم السلطان على الشفيع الغائب، وهو لا يعلم، فبقي على حقه في الشفعة ولم يتعدّ المشتري في البنيان، لأنه إنما بنى في حقه، الذي صار له بالقيمة، وظن أن قسمة السلطان على الغائب تقطع الشفعة.

стр. 1053

[٣] وأما المسألة الثالثة، وهي التي باع غرس حائطه، ولا ثمرة فيه، على أن يقبضه المشتري بعد عام، وهو يثمر فيما دونه، فتتخرج إجازة ذلك على الاختلاف في المستثنى هل بمنزلة المشتري، أو مبقى على ملك البائع، فيجوز البيع على القول بأن المستثنى مُبَقّيً على ملك البائع، ولا يجوز على القول بأنه بمنزلة المشتري، " لنهي رسول الله ﷺ : عن بيع الثمار قبل لأن تخلق، وقبل أن تزهى ". [٤] وأما المسألة الرابعة، وهي التي ساق لزوجه نصف جميع أملاكه، ثم باع حقلا، وادعى أنه ابتاعه بعد السياقة، أو لم يبعه، فتنازع فيه مع الزوجة، وادعى أنه ابتاعه بعد السياقة، وأنكرت ذلك؛ فعليه أن يقيم البينة على ما ادعاه من ذلك في الوجهين جميعا؛ فإن لم تكن له بينة حلفت، واستحقت نصفه، وأخذته إن كان قد بيع، والنصف الآخر بالشفعة. ولا يدخل بالخلاف في ذلك من المسألة التي ذكرت؛ لأن الثلث لم يجب للموصى له بنفس الصدقة، وإنما وجب له بعد الموت على حكم الوصية، فاحتمل ألا يكون للموصى له شيء إلا بيقين. والأظهر أن يكون له ثلث جميع ماله يوم يموت، إلا أن يعلم أنه أفاد منه شيئاً بعد يوم الصدقة، فلا يكون له منه شيء، ولو قيل: إنه يكون له ثلث جميع ماله يوم مات، على حكم الوصية، وإن علم أنه

стр. 1054

أفاده بعد ذلك، لقوله: " عشت أو مت "، لكان قولا؛ لأن من أوصى بثلث ماله لرجل فله ثلث ما أفاد بعد الوصية. [٥] وأما المسألة الخامسة، وهي مسألة الأجير يدعي أن بعض الغنم، التي بيده له، فالذي أراه في بذلك: ألا يصدق، إلا أن يأتي بسبب يدل على صدقه، فيحلف معه. وإن أقر بشيء منها لغير الذي استأجره فهو له شاهد، تقبل له شهادته، إن كان عدلا. وسواء في هذا كله أكان مأوى الراعي إلى داره، أو إلى دار الذي استأجره. [٦] وأما المسألة السادسة، وهي مسألة الذي باع حقل أرض له، وله شِرْب معلوم بمائه، فاستغنى المشتري عن زراعته، أو بناه دورا، أو باعه دون الماء، وأراد أن يأخذ الشِّرب الذي له، فيسقى به أرضا له أخرى، أو يبيعه، أو يهبه، أو يصنع به ما شاء، فالواجب فيها: أن ذلك له، إن كان له في أخذه منفعة، وأما إذا أراد أن يأخذه، ويحفر له بركا يحبسه فيها، ولا يتركه لمن يشاركه فيه، فليس ذلك له. [٧] وأما المسألة السابعة، وهي الرجل يبيع من الرجل الطعام، بثمن إلى أجل، فينكر المبتاع الاشتراء، ويقول: إنما أخذته منك سلفا: فالجواب

стр. 1055

فيها: إن القول قول المدعى عليه الابتياع في أنه إنما أخذ الطعام منه سلفا. ولا يدخل في ذلك الاختلاف في المسألة التي ذكرتها؛ لأن المعنى فيهما مفترق، والوجه في افتراقهما هو المعنى الذي أشرت إليه، وإن كانت العبارة غير جيدة. [٨] وأما المسألة الثامنة، وهي مسألة الماء بين الأشراك يقتسمونه على دول معلومة، فليسلف بعضهم من بعض دولته من الماء، على أن يصرفه إليه بعد أيام، في يوم يعينه له، من أيام الشرب، أو على أن يشتريه له، إن لم يكن له حظه في ماء القرية، فالجواب فيها: إن ذلك جائز، على أن يرده إليه في يوم من الأيام، التي له فيها الشرب، يسميه، قرب أو بعد، إلا أن يستسلفه منه في الفصل الذي تقل فيه الحاجة إلى الماء، على أن يصرفه في الفصل الذي تكثر فيه الحاجة إلى الماء؛ وتتأكد، مثل أن يسلفه إياه في فصل الشتاء على أن يرده إليه في فصل الصيف، فلا يجوز ذلك، لأنه سلف جر منفعة. وأن أسفله إياه على الحلول جاز، ويعطيه إِيَّاهُ متى ما طلبه منه، في أول دولة تأتيه في الفصل الذي أسفله إياه فيه. وإن كان المستسلف لا حظ له من ماء القرية، جاز السلف أيضا، على الحلول، أو إلى أجل، على أن يشتري له الماء، إذا حل أجل السلف عليه، إلا أن
следующие страницы →