Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
اللهم إلا إن كان بين المسألتين فرق، فالغرض معرفة ذلك، والحقيقة فيه وفي كل ما تقدم ذكره، بعون الله وتأييده وتوفيقه وتسديده، إن شاء الله.
فجاوب. أدام الله توفيقه، وأمتع به المسلمين، على كل مسألة منها بما يأتي نصه بعد هذا، إن شاء الله تعالى: تصفحت السؤالات الواقعة فوق هذا، ووقفت عليها:
[١]
فأما المسألة الأولى، وهي التي يحلف بالطلاق ثلاثا: ألا يدخل دار سكناه، مع زوجه، أبواها، فيدخلها أحدهما، فالصحيح على أصل مذهب مالك في مراعاة المعاني في الأيمان دون ما يقتضيه مجرد الألفاظ: أن يحنث الحالف بدخول أحدهما، لأن معنى يمينه إنما هو ألا يدخل داره واحد منهما.
ويأتي على مذهب أهل العراق، في الاعتبار في الأيمان بما يقتضيه مجرد الألفاظ دون مراعاة المعاني والمقاصد فيها: ألا يحنث الحالف إلا بدخول أبويها الدار جميعا.
وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في مسألة كتاب العتق الأول من المدونة، فليس قوله فيها بجار على أصل مذهب مالك، وكذلك كل ما يوجد في المذهب من الاعتبار في الأيمان بما يقتضيه مجرد الألفاظ، دون مراعاة المعاني والمقاصد فيها، كمسألة البلاعة الواقعة في سماع سحنون من كتاب الأيمان بالطلاق، وشبهها، ليس على أصل مذهب مالك، الذي نعتقد صحته، وإنما هو على مذهب أهل العراق، فما حكم به الحاكم في
стр. 1052
المسألة الثانية، التي سألت عنها، يخرج على مذهب أهل العراق، وعلى ما يوجد في المذهب من المسائل على أصولهم.
ولا يصح أن يقال: إنه قول ابن القاسم، فيقلد فيه على مذهب من يرى التقليد، إذ لم يقله، ون كان يلزمه أن يقوله، على قياس قوله في مسألة العتق التي ذكرت، إذ قد تفترق المسألتان عنده.
وبالله التوفيق.
[٢]
وأما المسألة الثانية وهي التي التزم المبتاع فيها طائعا، بعد انعقاد البيع في الدار، على غير شرط: أنه متى جاءه البائع بالثمن، إلى أجل سماه، فقد أقاله في الدار، فليس للمبتاع فيما بناه في الدار، قبل انقضاء الأجل، إلا قيمة بنيانه منقوضا؛ لأنه متعد في البنيان، للشرط الذي التزمه للبائع؛ إذ ليس له أن يفوتها بوجه من وجوه التفويت حتى ينقضي الأجل، كَمَنْ باع دارا على أن المشتري بالخيار، فبنى فيها المبتاع بنيابنا قبل انقضاء أمد الخيار.
ولا تشبه مسألة الشفعة التي سألت عنها؛ لأن المعنى فيها: أن الشفيع كان غائبا، فقاسم المشتري شركاءه فيها، وقاسم السلطان على الشفيع الغائب، وهو لا يعلم، فبقي على حقه في الشفعة ولم يتعدّ المشتري في البنيان، لأنه إنما بنى في حقه، الذي صار له بالقيمة، وظن أن قسمة السلطان على الغائب تقطع الشفعة.
стр. 1053
[٣]
وأما المسألة الثالثة، وهي التي باع غرس حائطه، ولا ثمرة فيه، على أن يقبضه المشتري بعد عام، وهو يثمر فيما دونه، فتتخرج إجازة ذلك على الاختلاف في المستثنى هل بمنزلة المشتري، أو مبقى على ملك البائع، فيجوز البيع على القول بأن المستثنى مُبَقّيً على ملك البائع، ولا يجوز على القول بأنه بمنزلة المشتري، " لنهي رسول الله ﷺ : عن بيع الثمار قبل لأن تخلق، وقبل أن تزهى ".
[٤]
وأما المسألة الرابعة، وهي التي ساق لزوجه نصف جميع أملاكه، ثم باع حقلا، وادعى أنه ابتاعه بعد السياقة، أو لم يبعه، فتنازع فيه مع الزوجة، وادعى أنه ابتاعه بعد السياقة، وأنكرت ذلك؛ فعليه أن يقيم البينة على ما ادعاه من ذلك في الوجهين جميعا؛ فإن لم تكن له بينة حلفت، واستحقت نصفه، وأخذته إن كان قد بيع، والنصف الآخر بالشفعة.
ولا يدخل بالخلاف في ذلك من المسألة التي ذكرت؛ لأن الثلث لم يجب للموصى له بنفس الصدقة، وإنما وجب له بعد الموت على حكم الوصية، فاحتمل ألا يكون للموصى له شيء إلا بيقين.
والأظهر أن يكون له ثلث جميع ماله يوم يموت، إلا أن يعلم أنه أفاد منه شيئاً بعد يوم الصدقة، فلا يكون له منه شيء، ولو قيل: إنه يكون له ثلث جميع ماله يوم مات، على حكم الوصية، وإن علم أنه
стр. 1054
أفاده بعد ذلك، لقوله: " عشت أو مت "، لكان قولا؛ لأن من أوصى بثلث ماله لرجل فله ثلث ما أفاد بعد الوصية.
[٥]
وأما المسألة الخامسة، وهي مسألة الأجير يدعي أن بعض الغنم، التي بيده له، فالذي أراه في بذلك: ألا يصدق، إلا أن يأتي بسبب يدل على صدقه، فيحلف معه.
وإن أقر بشيء منها لغير الذي استأجره فهو له شاهد، تقبل له شهادته، إن كان عدلا.
وسواء في هذا كله أكان مأوى الراعي إلى داره، أو إلى دار الذي استأجره.
[٦]
وأما المسألة السادسة، وهي مسألة الذي باع حقل أرض له، وله شِرْب معلوم بمائه، فاستغنى المشتري عن زراعته، أو بناه دورا، أو باعه دون الماء، وأراد أن يأخذ الشِّرب الذي له، فيسقى به أرضا له أخرى، أو يبيعه، أو يهبه، أو يصنع به ما شاء، فالواجب فيها: أن ذلك له، إن كان له في أخذه منفعة، وأما إذا أراد أن يأخذه، ويحفر له بركا يحبسه فيها، ولا يتركه لمن يشاركه فيه، فليس ذلك له.
[٧]
وأما المسألة السابعة، وهي الرجل يبيع من الرجل الطعام، بثمن إلى أجل، فينكر المبتاع الاشتراء، ويقول: إنما أخذته منك سلفا: فالجواب
стр. 1055
فيها: إن القول قول المدعى عليه الابتياع في أنه إنما أخذ الطعام منه سلفا.
ولا يدخل في ذلك الاختلاف في المسألة التي ذكرتها؛ لأن المعنى فيهما مفترق، والوجه في افتراقهما هو المعنى الذي أشرت إليه، وإن كانت العبارة غير جيدة.
[٨]
وأما المسألة الثامنة، وهي مسألة الماء بين الأشراك يقتسمونه على دول معلومة، فليسلف بعضهم من بعض دولته من الماء، على أن يصرفه إليه بعد أيام، في يوم يعينه له، من أيام الشرب، أو على أن يشتريه له، إن لم يكن له حظه في ماء القرية، فالجواب فيها:
إن ذلك جائز، على أن يرده إليه في يوم من الأيام، التي له فيها الشرب، يسميه، قرب أو بعد، إلا أن يستسلفه منه في الفصل الذي تقل فيه الحاجة إلى الماء، على أن يصرفه في الفصل الذي تكثر فيه الحاجة إلى الماء؛ وتتأكد، مثل أن يسلفه إياه في فصل الشتاء على أن يرده إليه في فصل الصيف، فلا يجوز ذلك، لأنه سلف جر منفعة.
وأن أسفله إياه على الحلول جاز، ويعطيه إِيَّاهُ متى ما طلبه منه، في أول دولة تأتيه في الفصل الذي أسفله إياه فيه. وإن كان المستسلف لا حظ له من ماء القرية، جاز السلف أيضا، على الحلول، أو إلى أجل، على أن يشتري له الماء، إذا حل أجل السلف عليه، إلا أن
стр. 1056
يكون السلف في فصل الشتاء على أن يرده عليه في فصل الصيف، فلا يجوز، ولا يحل.
وإن لم يكن مع المستسلف ماء، ولا وجده للشراء، كان عليه قيمة الماء يوم استلفه منه. وقد قيل: إن السلف على الحلول في ذلك جائز، ويعطيه إياه متى ما طلبه منه، وإن كان في الصيف، وقد أسلفه إياه في الشتاء، وهو قول أصبغ، والأول هو الصحيح الذي يأتي على مذهب ابن القاسم.
[٩]
وأما المسألة التاسعة، وهي مسألة الاختلاف في ثمن الطعام المبيع، فالجواب فيها:
أن الصحيح من مذهب ابن القاسم أن فوت المكيل والموزون كفوت العروض سواء، وهو قول ابن المواز. والغيبة عليه، أيضا، كفوات عينه، إذ لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه.
وإلى هذا ذهب أبو إسحق التونسي في كتابه، وقد كان الشيوخ، ﵏، يقولون: ما في كتاب ابن المواز من قوله محمول على أنه مذهب ابن القاسم فيما لم يوجد خلافه له، وهذا مما لا يوجد له خلافه، بل يقوم ذلك من المدونة، قال فيها، فيمن سَلَّم دراهم في طعام، فاختلفا في مكيلته، بعد أن غاب على النقد، وحل الأجل: أن القول قول المسلم إليه؛ فإذا جعل القول قوله، ولم يقل: يتحالفان ويتفاسخان، ويرد مثل الدراهم، فأحرى أن يجعل القول قول مشترى الطعام إذا
стр. 1057
فات عنده، ولا يقول: إنهما يتحالفان، ويتفاسخان، ولا يرد مثله، لأن الطعام يتعين.
ألا ترى أن البيع ينفسخ فيه باستحقاقه، ويكون أحق به في التفليس عند جميعهم بخلاف الدراهم، التي لا ينفسخ البيع باستحقاقها، ولا يكون أحق بها في التفليس عند بعضهم، وإن لم يغب عليها.
فلا يصح أن يتحالفا بعد فوت الطعام، ويتفاسخا، إذا اختلفا في ثمنه، إلا على مذهب أشهب، الذي يرى التحالف والتفاسخ في السلع كانت قائمة، أو فائتة، ويرى رد القيمة كرد العين؛ لأن المثل في المكيل والموزون كالقيمة في العروض.
والفرق بين هذه المسألة وبين المسائل التي ذكرت مراعاة الاختلاف في التحالف والتفاسخ، فقد قال مالك، في أحد أقواله إن القبض فوت، وهو الأظهر من الأقوال لأن القبض ائتمان وقد قال الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٣٨٣]، فإذا دفع إليه، ولم يتوثق منه بالإشهاد على الثمن، وجب أن يكون القول قوله.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١٠]
وأما المسألة العاشرة، وهي الذي يتزوج المرأة بشرط أنها بكر، فيجدها غير عذراء، والعوام تظن أن البكر ذات العذرة، وتجهل أن البكر إنما هي التي لم يكن لها زوج: فاتها مسألة قد اختلف أهل العلم
стр. 1058
فيها، فلم يعذره أشهب بالجهل في ذلك، إذا قصر في أمره، وترك أن يتثبت فيه، ويسأل، إذا كان يجهل: هل ينفعه هذا الشرط أم لا، فرأى الشرط لا ينفعه إلا أن يشترط عذراء، أو يكون في الشرط بيان، مثل أن يقول: فإن لم أجدها بكرا رددتها، وهو مذهب سحنون، فقد قال: في رجل جاهل من الأعراب وقف بالسوق فقام برأس من الرقيق، فقال للتاجر: هل فيه من عيب؟ فقال له التاجر: هو قائم العينين، فأخذه على ذلك، فذهب به، ونقده الثمن، فسأله " عن القائم الْعَيْنَيْن "، فقالوا: الذي لا يبصر بهما، وهو عيب: أنه لا ينتفع بجهله، والبيع له لازم. قال الراوي، ولقد عاودته فيها غير مرة، فأبى إلا ذلك.
وَقَدْ قِيلَ: إنه يعذر بجهله في ذلك، ويكون له ردها إن لم يجدها عذراء، وهو ظاهر قول أصبغ، والذي يأتي على مذهب ابن القاسم في الذي يشتري الياقوتة، وهو يظنها ياقوتة، فإذا هي غير ياقوتة: إن له أن يرد البيع، خلاف رواية أشهب عن مالك، وهو أظهر القولين، وأولاهما بالصواب، والله أعلم.
[١١]
وأما المسألة الحادية عشرة، وهي الصانع يدعي رد المتاع، أو السمسار يدعى بَيْع المتاع من تاجر بعينه، والتاجر ينكره؛ فأما الصانع يدعي رد المتاع، فقد قيل: إن القول قوله، إلا أن يشهد عليه بالدفع، وإن كانوا لا يصدقون في دعوى الضياع، قاله ابن الماجشون؛ ونفي أن
стр. 1059
يكون مالك قال: أنهم لا يصدقون في دعو الرد، ليس من قبيل ما ذكرت من أن العرف في الصناع أنهم لا يشهدون على الرد، وإنما هو من أجل أن الأصل في الصناع أنهم مؤتمنون، وإنما ضمنوا إذا ادعوا التلف، لمصلحة العامة، فبقوا في دعوى الرد على أصل الائتمان.
والمشهور المعلوم من قول مالك، وجميع أصحابه: ابن القاسم وغيره: أنهم لا يصدقون في دعوى الرد، كما لا يصدق في دعوى الضياع.
وأما السمسار يدعي بيع بالسلع من رجل عينه، وهو ينكره فلا اختلاف في أنه ضامن لتركه الأشهاد؛ لأنه أتلف السلعة على بها؛ إذْ دفعها إلى المبتاع، ولم يتوثق عليه بالأشهاد؛ ولا يراعى، في هذا، العرف بترك الأشهاد، إذ ليست من المسائل التي يراعى فيها ذلك؛ لافترلااق معانيها.
[١٢]
وأما المسألة الثانية عشرة، وهي مسألة من تصدق بثمرة حائطه، سنة، ثم أراد بيعه: أن ذلك لا يجوز، إن كانت الثمرة لم تؤبر، فهي كمسألة المساقاة سواء؛ إذ لا فرق بين أن يكون الحائط، أو بعضه، قد وجب قبل بيع الحائط لغير رب الحائط بهبة أو مساقاة؛
وفي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، في قلس، ولا غيره؛ لأن ذلك بمنزلة ما لو باع حائطه، واستثنى ثمرته، قبل الإبَار، أو قبل الطلوع، وهو نص قول غير ابن القاسم في مسألة المساقاة من المدونة، لأنه إذا لم يجز
стр. 1060
ذلك في الفلس فأحرى ألا يجيزه في غير التفليس.
والثاني: أن ذلك جائز في الفلس وغيره؛ لأن البائع لم يستثن الثمرة لنفسه، فيكون إذا استثناها، كأنه قد اشتراها، وإنما أعلم بوجوبها، لغيره، فهو عيب تبرأ منه في بيعه.
والثالث: الفرق بين الفلس وغيره، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى في الهبة وقوله في المدونة، في مسألة المساقاة، وإلى هذا القول رجع سحنون، ورآه من جنس الضرورة، قال: " لأن أصحابنا يُجيزون عند الضرورة من البيع ما لا يجيزونه عند غير الضرورة ".
وعلى القول بأن البيع لا يجوز في الفلس ولا غيره، يوقف الحائط في الفلس في المساقاة حتى تؤبر الثمرة، فيجوز بيعه، واستثناء ثمرته.
ويتخرج فيه في الصدقة ثلاثة أقوال:
أحدها، أنه يوقف، أيضا.
والثاني: أنه يباع بثمرته، وتبطل الصدقة، قياسا على عتق الجنين.
والثالث: الفرق بين أن يكون المتصدق بالثمرة هو صاحب الحائط أو غيره؛ فإن كان هو، بيع بثمرته، وبطلت الصدقة بها. وإن كان غيره وقف حتى تؤبر الثمرة.
والذي أقول به لصحته فيه النظر، أن ذلك جائز في الفلس، وغيره؛ لأن بيع الحائط واستثناء ثمرته، قبل أن يؤبر، إنما لم يجز على قياس القول بأن المستثنى بمنزلة المشتري؛ لأنه يصير كأن رب
стр. 1061
الحائط قد باع حائطه بما سمى من الثمن، وبالثمرة التي استثناها، وهذا لا يتصور إذا كانت الثمرة قد وجبت قبل بيع الحائط، لغير رب الحائط، وعدم علة المنع يوجب الجواز، فلا يدخل اختلاف، من هذه المسألة، مسألة الذي يبيع حائطه قبل أن تؤبر ثمرته، ويستثنيها للعلة التي ذكرناها: إلا أن ذلك يجوز، على قياس القول بأن المستثني مبقى على ملك البائع، وإن كان ذلك غير موجود في المذهب نصا.
[١٣]
وأما الثالثة عشرة، وهي مسألة الشفعة لبيت المال، فليس ما قاله ابن زرب بخلاف لقول سحنون، لأن سحنونا قال: إن للسلطان أن يأخذ بالشفعة لبيت المال إن شاء، وقال ابن زرب: ليس لصاحب المواريث أن يأخذ بها، إذ لم يجعل ذلك إليه، ونما جعل إليه جمع المال وتحصينه، فلو جعل إليه السلطان الأخذ بالشفعة، إن رأى ذلك نظرا لبيت المال، لكان له الأخذ بها عنده، على ما قاله سحنون.
وبالله تعالى، التوفيق، لا شريك له.
[٣١٠]- خمس مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، وفقه الله، في جمادى الآخرة، سنة ثمان عشرة وخمس مائة، يسأله عن خمس مسائل:
стр. 1062
[١]- الإعذار إلى الغائب
فأما الأولى فنصها. رغبتي إلى الفقيه الأجل، القاضي، أدام الله توفيقه: أن يفسر لي رأيه، وما يفتي به في الإعذار للغائب، وما ينقطع فيه، ويجب معه، ومقدار ذلك من المسافة مع أمن الطريق، وارتفاع الفتن.
وهل يلزم لمن خَلف البحر، ولا سيما في زمن منع ركوبه، وغير ذلك من فصول، المسألة.
وأن يذكر لي في ذلك ما عنده رواية، ورأيا، مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أبقى الله القاضي الأجل، وأعزه بطاعته، وتولاه بكرامته، وأمده بتوفيقه وتسديده - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وحد الغيبة القريبة، التي لا يُحْكم فيها على الغائب إلا بعد الإعذار، بأن يكتب إليه فأما أن يوكل، وأما أن يقدم، فإن لم يفعل حكم عليه، ولم ترجأ له حجة: الثلاثة أيام ونحوها.
وحد الغيبة البعيدة، التي يحكم فيها على الغائب فيما عدا الأصول، على مذهب مالك، ولا يعذر إليه، وترجأ له الحجة: العشرة أيام ونحوها.
وابن الماجشون، وسحنون يقولان: أنه يحكم في هذه الغيبة على
стр. 1063
الغائب في جميع الأشياء من الأصول وغيرها، ولا ترجأ له حجة، فينفذ عليه الحكم، إلا أن ينكشف أن الشهود عبيد، أو على غير الإسلام، أو مولى عليهم.
فعلى قولهما: أنه لا ترجأ له الحجة، يوكل له وكيل، يعذر إليه، ويحتج عنه وعلى مذهب ابن القاسم، ومن يرى أنه ترجأ له الحجة، لا يوكل القاضي له وكيلا، وهو الصواب؛ إذ قد لا يعرف الموكل له حجته، فالقضاء عليه وإرجاء الحجة له أحوط له.
وهذا الذي ذكرناه من حد الغيبة القريبة والبعيدة، معناه: مع الأمن، والطريق المسلوكة، وإذا لم تكن الطريق مسلوكة، ولا مأمونة، فيحكم على الغائب فيها، وإن قربت غيبته، وترجأ له الحجة.
ومن خَلْفَ البحر في الجوار القريب المأمون كالبر الواحد المتصل، إلا في الأمد، الذي يمتنع فيه ركوب، فيكون للقرب فيه حكم البعد. هذا الذي أقول به، وأراه على منهاج مذهب مالك، ﵀، الذي نعتقد صحته.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- من أوصى بوصايا منها عتق جارية حاملة منه
وأما الثانية فهي رجل توفي، وقد أوصى بوصايا، منها عتق جارية له، وذكر في وصيته أنها حامل منه، واعترف بوطئها؛ فما ترى إن ظهر حملها، (وخرجت من رأس المال، هل تنفد الوصايا في ثلث بقية المال، لا سيما وقد ذكر عن الوصية بما أوصى به ما
стр. 1064
بلغه من حملها، أم في المسألة نظر، لكونها لو لم تحمل، مبدأة، فلما خرجت بالحمل من رأس المال، كانت الوصايا فيما زاد على قيمتها أمة من الثلث، والباقي للورثة؟
بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا ثبت حمل الجارية الموصى بعتقها من سيدها، وخرجت حرة من رأس المال، كانت الوصايا في ثلث بقية ماله، كان عنده أنها غير حامل منه أو كان على شك من ذلك، بما ذكرت له، الحكم في ذلك سواء لأن الحمل لما ثبت منه بطلت الوصية بعتقها، وكانت الوصايا في ثلث بقية المال، بمنزلة أن لو ماتت، أو استحقت، بحرية أو ملك.
ولا اختلاف في ذلك، وإنما يختلف، على علمك، إذا استحقت بحرية أو ملك، فرجع فيها بالثمن، هل تدخل في الثمن الوصايا أم لا؟
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣]- الغلط في توزيع الوصية على معين وغير معين
وأما الثالثة فهي رجل أسندت إليه وصية ثلث، فنظر مع الورثة في بيع التركة حتى خلصت، وفرق الثلث على معين وغير معين،
стр. 1065
حسبما في الوصية، وكان في التركة شقص في ربع تشارك فيه بعض الورثة وغيره، فبيع فيما بيع، واشتراه الشريك الوارث، وتوزع ثمنه على قدر المواريث والوصية.
فلما كان بعد مدة تأملت القصة، فإذا وقع فيها غلط، ووهم، وقد بيع من الربع من الوارث أكثر من نصيب الميت، وتبين ذلك، وثبت، ووجب له الرجوع بالثمن في التركة، إذ لم يجز سائر الإشراك بيع الزائد، فأخذ من كل وارث نصابه، وبقي ما وجب من النصيب للثلث، وقد فرق كما ذكرت.
ما رأيك وفتيناك في ذلك، هل يرجع به على الوصي أم لا؟.
الجواب عليها: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه.
ولا ضمان على الوصي فيما نقده مما يجب من الثمن للحصة الزائدة على حق الميت، ويرجع المبتاع بما ناب الوصية من ذلك، على من وجد من الموصى لهم المعينين، وتكون المصيبة منه فيمن لم يجد منهم، وفيما فرق على المساكين، على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، الذي نعتقد صحته.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٤]- من وضع كرسيا للحدث على ماء يجرى بجناته
وأما الرابعة فهي في ماء جار في جنات، وعليه أرحى، وأهل الجنات يسقون به ثمارهم، ويصرفون ما يحتاجون منه لمنافعهم، وشربهم،
стр. 1066
فبنى بعضهم عليه كرسيا للحدث، واحتج بأن ذلك لا يغيره لكثرته.
وحجة الآخرين: أنه، وإن لم يغيره، فإنه يقذِّره، ويعيفه، وربما رسبت الأقذار في قراره وبِغُدُرِه، وأن ذلك مما ينغّصه علينا.
فهل يباح له ما فعل، أو يغير عليه؟ وما القدر الذي يجوز من ذلك، في الماء الجاري، إذ ما دعاه إلى تقذره فيه مضرة على من ينتفع به؟
الجواب عليها: الحكم بقطع هذا الضرر واجب، والقضاء به لازم، قام بذلك بعض أهل الجنات، أو من سواهم بالحسبة، وعلى الحاكم أن ينظر في ذلك، إذا اتصل به الأمر. وإن لم يقم عنده به قائم، بأن يبعث إليه العدول: فإذا شهدوا عنده به قضى بتغييره لما في ذلك من الحق لجماعة المسلمين، خارج الجنات، على ما ذكرته في السؤال الواقع أسفل ظهر هذا الكتاب، ولا يسعه السكوت عن ذلك.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
السؤال الذي أشار إليه، ﵁، في هذا الجواب هو: جوابك أعزك الله، إن سكت أصحاب هذا الماء عنه، هل للحاكم النظر فيه، إذ قد ينتفع به جماعة المسلمين خارج الجنات، أم يسعه السكوت عنه، ويسقط الحرج لذلك؟
فجمع له القاضي أبو الوليد ابن رشد، ﵁، الجواب في موضع واحد على السؤالين جميعا، إذ كانا من قبيل واحد.
والله الموفق لما يشاء.
стр. 1067
[٥]- التحجير على الراشد بالمنع من بيع العقار
وأما المسألة الخامسة فهي رجل حَجَر عليه حاكمٌ بَيْعَ عقاره، دون ما سوى ذلك من تصرفات؛ هل هذا حجر يلزم، ويبطل فعله وبيعه وحده، أم يبطل سائر أفعاله، أم لا يبطل شيء من ذلك؟ وكيف الحكم إن لزم فيما استبان أنه باعه من رباعه لضرورة من دين رهقه، أو غيره من لازم لزمه؟
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وتحجير الحاكم على الرجل بيع عقاره دون ما سوى ذلك من تصرفاته خطأ من الحكم، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] فعم ولم يخص عقارًا من غيره.
ومن الدليل على خطأ هذا الحكم أنه إذا أطلقه على التصرف فيما عدا بيع عقاره، لزمه ما تداين به، فوجب أن يباع عليه في ذلك عقاره. فمن ثبت سفهه ممن ليس في ولاية، أو من لم يثبت رشده ممن هو في ولايته، لم يصح أن يطلق على التصرف في ماله، دون بيع عقاره، إلا أن يكون مَالَهُ من المال سوى العقار قدرَ ما يختبر به السَّفِيهُ، فيكون لذلك وجه، ويكون حكمه في ذلك حكمه قبل أن يلزمه ما تداين به في ذلك المال الذي أطلق عليه، ليختبر به، وقيل: لا يلزمه.
فإن حكم القاضي على رجل، ليس في ولاية، بأن حجر عليه بيع عقاره، دون ما سوى ذلك من تصرفاته، إذ يلم يتحقق سفهه، فباع شيئاً من عقاره، رد بيعه، إلا أن يبيعه في دين رهقه، لا وفاء له به إلا
стр. 1068
ببيع ما باع من عقاره، وإن كان تداين ذلك الدين بعد أن حجر عليه القاضي بيع عقاره.
وإن حكم بذلك على رجل قد لزمته الولاية، إذ لم يتحقق رشده، فباع شيئاً من عقاره، رد بيعه، إلا أن يكون باعه فيما كان يبيعه عليه القاضي لو لم يطلق يده على شيء من ماله؛ لأن هذا سفيه لم يتحقق رشده، والآخر: رشيد لم يتحقق سفهه، فبان الفرق بينهما.
هذا الذي أراه، في هذه المسألة، على منهاج مذهب مالك، الذي نعتقد صحته.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣١١]- ثلاث مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض .
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، حفظه الله. آخر شهور سنة ثمان عشرة وخمس مائة، يسأل عن ثلاث مسائل، نزلت به في الأحكام:
[١]- ارتفاق المسيل بين دارين
فأما الأولى فهي يفي رجل له دار ذات مطمر، غير مسربة، بناها وأصلحها، وأخرج ماءها المستقر فيها من الأمطار على بابها، فيجتمع مع ما يجتمع من ماء المطر في الزقاق، ويشق دار أحد جيرانه إذ عليها يجري ما يجتمع من ماء المطر في الزقاق المذكور، فمنعه جاره
стр. 1069
من ذلك، وقال: لا يجري ماؤك عليَّ؛ إذ لم يكن يجري قبل، فزعم هذا أنه كان يجري، ووقف على داره ببينة عدلة من أهل المعرفة، فشهدوا: أن لا مجرى لماء المطر منها إلا على الزقاق المذكور. وأن ماء المطر المذكور لابد من خروجه من الدار المذكورة.
فزعم خصمه أن الدار قبل أن يبنيها قليلة السقف، قل ما يجتمع فيها من الأمطار، وذلك القليل يجري في المطمر المذكور، ويحمله، وتسفه أرض الدار المذكورة، وأما على باب الدار فلم يجر قط، وأنه لما بناها الآن، أحدث فيها سقفا كثيرة، ومساكن يجتمع فيها مياه المطر، وسطح باقيها، فكثر الماء، ولا يحمله المطمر المذكور، فلذلك احتاج إلى خروجه من باب الدار من حيث يمكنه، ومانَعَهُ من إجرائه على باب الدار، إلى الزقاق، لكون ما يجتمع هناك يشق داره، ولا طريق له سواه.
فهل ترى له متكلما، أعزك الله؛ لهذا الذي ذكره من جمع الماء بسبب البنيان، إن ثبتت شهادة أهل البصر المذكورة في هذا، أو قامت لصاحب الدار الجديدة بينة، أن ماء داره قبل بنيانه كان يخرج على بابها إلى الزقاق، أم لا حجة له، إذ الماء النازل في الدار على حد واحد قبل البناء وبعده، ولابد لكل بقعة من حق ومرتفق لِخُروج مياهها الضرورية، ولا يمنع صاحب البقعة من التصرف فيها بما لا مضرة فيه على غيره.
стр. 1070
جاوبني بفضلك على هذا كله من الوجهين، من قيام البينة، أو عدمها إلا بحكم البصر والنظر، مأجورا مشكورا إن شاء الله.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله القاضي بطاعته، وتولاه بكرامته - السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإذا شهد لصاحب الدار الجديدة بدليل العيان بينة عدلة بما ذكرت من أنه لا مجرى لماء المطر منها إلا على الزقاق المَذْكُور، وأنه لا بد له من خروجه عنها، أو شهدت له بينة عدلة على معرفة خروج ماء المطر عنها، على باب دارها إلى الزقاق المذكور، فمن حقه أن يخرج ماء المطر عنها إلى الزقاق، ولا حجة لجاره الذي يمر ماء الزقاق على داره، فيما احتج به من كثرة الماء بسبب تسطيح الدار، وتكثير سقفها، إذ من حق صاحب الدار، إذا ثبت له خروج ماء المطر عنها إلى الزقاق، أن يخرج جميعه إليه، ولا يغور فيها شيئاً منه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢]- اختلاف الجارين في الارتفاق بمرور الرحاضة
وأما المسألة الثانية فعن فصل من المسألة الأولى، وهو: أن صاحب الدار الجديدة تصيرت إليه دار أخرى صغيرة، تحت داره هذه، مسربة على دار جاره المذكور، بِسَرْبٍ تشقه الرحاضات، والأثقال، من هذه الدار الصغيرة، فعمد إلى هذه الدار الصغير، فصير
стр. 1071
فيها مطمرا، وقطع سربها، وأجرى عليها سربا من الدار الجديدة إلى مجرى سربها الأول على الدار المذكورة، مكان سرب الصغيرة، إذ لم يكن للجديدة سرب للرحاضة كما ذكرت لك.
فنازعه الجار وقال له: إنما لك عليَّ سرب هذه الدار الصغير، يجري على داري، حق من حقك، وإما أن تنقله، وترد عوضه غيره من دارك الأخرى، فلا.
وقال له صاحبه: لي عليك جري سرب رحاضة من أسفل هذه الدار الصغيرة فيها عليك، جرت رحاضته منها، أو من دار غيرها، إنما أجرى عليك سرب رحاضة واحدة، حق من حقي، لازم لك، وتعيينه لا يلزمك، وتغييره لا يقطع حقي من إجرائه عليك.
بين لي - أكرمك الله - ما تفتي به في ذلك، وهل لهذا الجار منع هذا من تنقيل سربه من دار إلى دار، وإن كان مدخل السرب بها إلى دار جاره واحدا؟ وهل له حجة في تكثير الثفل في السرب بكثرة من يسكن الدار الكبرى، أم لا حجة له في ذلك كله. إذ حق هذا في إجراء سرب عليك، ولا عليه هو من أين هو، وأن مراعاة العدد في الدارين غير لازم، كما لا يلزم في واحدة، إذ له أن يكري داره من العدد الكبير، وإن كانت صغيرة، ولا حجة لجاره في تكثير الثفل في السرب. والماء لكثرة الساكن، ما لم يكن شيء يرى أن السرب لا يحمله.
стр. 1072
بين لي هذه الوجوه، مأجورا مشكورا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق، لا شريك له.
الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وليس للرجل المذكور أن يجرى على دَارِ جاره غير سرب الدار الصغيرة، الذي كان من حقه أن يجريه عليه، إلا بإذنه ورضاه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣]- من أدخل طريقا عامة في حقله، واغتله
وأما المسألة الثالثة فهي في رجل، أدخل طريقا من طرق المسلمين في جنته وحازها، وغرسها، وقطع المرور فيها، واغتلها مده.
ثم بعد ذلك قامت فيها البينة، وحيزت، ولزم إخراجها للمسلمين.
ماذا يلزمه في ذلك؟ وما ترى فيما اغتل مما غرسه فيها، وفي شهادته، وأين من قطع الطريق بالكلية مِمَّن أخذ بعضها، وفي علمك ما ورد في هذا.
أَفْتِنَا بما عندك في ذلك، واختيارك من الأقوال، لا سيما إن كان فعل ذلك ممن يخاف، أو الشهود ممن لا يعلم أن القيام يلزمهم.
جاوبني عليه مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
стр. 1073
ويلزم الذي اقتطع المحجة، وأدخلها في جنته، وقطع منافع المسلمين من المرور عليها. وهو عالم بذلك، غير جاهل به، مستخف بارتكابه المحظور فيه، الأدب على ذلك، مع طرح الشهادة.
ولا يجب عليه فيما اغتله. مما اغترسه فيها، شيء، يحكم عليه به، إذ ليس الطريق لمعين، فيحكم له بحقه، فيما اغتل منه، على ما في علمك من الاختلاف في ذلك، وإنما حق لجماعة المسلمين في المرور عليها، وهو أحدهم.
وقد قيل - على علمك - في الحبس الموضوع للغلة، إذا انفرد باستغلاله بعض المحبس عليهم دون سائرهم: أنه إنما يقضي لهم بحقوقهم فيما يستقبل، لا فيما مضى، فكيف بالطريق التي ليست بموضوعة للغلة؟
وقد باء في ذلك بالإثم، فإن ندم على فعله، واستغفر الله منه، وتاب إليه من ذلك، بقيت عليه التباعة لمن منعه المرور على الطريق المدة التي اقتطعها، وأدخلها في جنته يقتص له بها، يوم القيامة من حسناته، فيستحب له أن يتصدق، ويفعل الخير، رجاء أن يكون ذلك كفارة له.
ولا تبطل شهادة الشاهد في الطريق بتركه القيام به بشهادته في مدة.
هذا الذي أختاره مما قيل في ذلك، إذ قد يكون له في ترك القيام بشهادته. إذ لم يدع إليها، عذر أو تأويل يعذر به.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
стр. 1074
[٣١٢]- تحبيس ما أصله أملاك عامة باعها ابن عباد، واسترجعها يوسف بن تاشفين
وكتب إليه، ﵁، من جزيرة طريف بسؤال في تحبيس، وهذا نصه:
الجواب رضي الله عنك، في رجل مرض، واتصل مرضه بموته، ولا لولد له ولا والد، فأوصى في مرضه، الذي توفي منه، بوصية جمعت أشياء، منها: أن يحبس على ثغر من ثغور المسلمين سماه، وذكره، الفندقين اللذين له، تنفق غلتهما هنالك ما دامت الدنيا.
فلما توفي قامت أخته: شقيقته تذكر: أن قاعة الفندقين المذكورين كانت من مبيع العبادي في الدولة العبادية، وأن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ﵀ فسخ ذلك البيع، ووظف القاعة المذكورة، مع سائر ما وظفه، برسم رسمه في كل عام، وأن أباها توفي عن القاعة المذكورة، فورثها عنه بنوه، وزوجته هي غير مبنية فقام أحد بنية وهو المحبس المذكور، وابتاع حصة أخيه وأمه من القاعة المذكورة، وبَقَّى حصة أخته القائمة عليه الآن على الإشاعة معه، فابتنى المتوفى المذكور وهو المحبس المذكور في القاعة المذكورة وفي قاعة أخرى متصلة بها من قاعات السلطان، أيده الله، اكتراها لمدة من السنين، وأضافها إلى القاعة المذكورة، وبنى في كلتا القاعتين، الفندقين اللذين حبس في وصيته على ما ذكر، وهي تطلب حصتها من القاعة
стр. 1075
بالميراث من أبيها، وتطلب الأخذ، بالشفعة في سائرها، وأن السلطان، أيده الله، لما علم بموت المحبس المذكور، وأعلم بالحبس المذكور، قام يطلب، القاعة التي انقضى أمد اكترائها ويذكر في القاعة المبيعة الموظفة أذرعا زائدة على ما وقع في البيع والتوظيف، وأمر بكيل القاعة المذكورة، فألفى فيها ثمانين ذراعا، ووجد في عقد التوظيف سبعون ذراعا.
فالسلطان يطلب ما زاد من الأذرع على ما في عقد التوظيف، ويطلب استخلاص القاعة التي انقضى أمد اكترائها، والمرأة تطلب حصتها، والشفعة في سائر ما ابتاعه أخوها وأمها من أخيها المحبس المذكور.
فكيف يكون الحكم - وفقك الله - في ذلك كله، والفندقان المذكوران مبنيان على صوارٍ قائمة، وأكلب خارجة، فكيف ينظر السلطان فيهما، وهما لا ينقسمان؟ والمرأة هل لها شفعة، فيما ذكرت، أم لا؟ وهل يجوز الحبس فيهما، وهما على ما وصف، وقد اعترضه ما ذكرناه، والمحبس قد قال: غلته، ما بقيت الدنيا، للموضع المحبس عليه؟
أفتنا بالجواب في ذلك إن شاء الله تعالى.
فأجاب، أدام الله توفيقه، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
стр. 1076
وإذا كان الأمر في ذلك على ما ذكرته، وثبت على حسب ما وصفته، فالواجب أن يفسخ البيع فيما ابتاعه من أخيه وأمه من القاعة التي من المبيع المذكور، لأنه بيع فاسد، من أجل الوظيف الموظف عليها، ويبقى جميع الورثة على ملكهم فيها.
وينفذ الحبس فيما للمحبس المذكور من الفندقين المذكورين، وهو البناء كله، وحصته في القاعة التي من المبيع المذكور، إن حمل ذلك ثلثه، فيكرى الفندقان جملة، ويفض الكراء، في كل عام، على قيمة البنيان قائما على حاله التي هو عليه يوم التقويم، وعلى السبعين ذراعا من القاعة التي من المبيع المذكور، حسبما تضمنه عقد التوظيف وعلى سائرها، التي لبيت مال المسلمين. فما ناب البنيان من ذلك وحصة المحبس من القاعة التي من المبيع، كان للثغر بالتحبيس، وما ناب منه حصص سائر الورثة منها كان لهم على قدر مواريثهم، وما ناب سائر القاعة، كان ليبت مال المسلمين.
وليس للناظر في ذلك للمسلمين أخذ ما يقابل بقية القاعة من البنيان، لفواته بالحبس، وتشبث بعضه ببعض.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣١٣]- الجمع بين أحاديث في الفقر والغنى تبدو متناقضة
وسئل، ﵁، عن معنى أحاديث، وردت عن النبي ﷺ في الغنى والفقر
стр. 1077
ونص السؤال من أوله إلى آخره:
يتفضل الفقيه الأجل، القاضي الأفضل - أدام الله بركته، وأبقى للمسلمين نفعه - بالجواب فيما ورد من دعوة النبي ﷺ ، لأنس ﵁، بأن يكثر الله ماله، وولده، وما روي عنه، ﵇، من قوله لأحد الأنصار: " تحبني؟ " قال: نع. قال: " اتخذ الفقر جلبابا "، ثم قال: " اللهم من أحبني فامنعه المال والولد، ومن أبغضني فارزقه المال والولد ". ثم قال: " للفقر إلي من يحبني أسرع من الماء من أعلى الجبل إلى الحضيض ".
هل هما متعارضان، أم يمكن الجمع بينهما؟
بين لنا بيانا شافيا، مأجورا مشكورا، إن شاء الله.
فأجاب، أدام الله توفيقه وتسديده، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ولا يصح أن تتعارض الآثار في هذا المعنى عن النبي ﷺ ؛ إذ ليس من الشرائع والأحكام، التي إذا تعارضت فيها الآثار كان الآخر منها ناسخا للأول إن علم الآخر من الأول، وإن لم يعلم الآخر من الأول، وجب العمل بالذي يترجح منهما بوجه من وجوه الترجيح.
فإن صحت هذه الآثار كلها، التي ذكرت، فلها وجوه تحمل عليها،
стр. 1078
ينتقي بها التضاد والتعارض، عنها، وذلك أنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم، في أن الغنى أفضل من الفقر لمن يصلح بالغنى ولا يصلح بالفقر، وأن الفقر أفضل من الغنى لمن يصلح بالفقر، ولا يصلح بالغنى؛ لأن الله على عباده حقوقا في حال الفقر، وفي حال الغنى، فمن قام بحقوق الله في حال الغنى، ولم يقم بها في حال الفقر، فالغنى له أفضل من الفقر، ومن قام بحقوق الله في حال الفقر، ولم يقم بها في حال الغنى، فالفقر أفضل له من الغنى.
هذا ما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم، وإنما اختلفوا فيمن كان يصلح بالفقر والغنى، لقيامه بحقوق الله، ، في كل واحد منهما، والأصح من القولين قول من قال: إن الغنى أفضل له من الفقر؛ لدلائل واضحة من القرآن، والسنن والآثار، ومن طريق النظر، أيضا، والاعتبار.
فنقول، فيما سألت عنه من الأحاديث، أن النبي ﷺ ، علم أن أنس بن مالك ممن يصلح بالفقر والغنى، لقيامه بحقوق الله ، في كلتا الحالتين، فدعا له بالذي هو أفضل له، من أن يكثر الله ماله وولده، وعلم من الأنصاري الذي اختار له الفقر على الغنى، وحضه عليه بقوله: " إن كنت تحبني فاتخذ الفقر جلبابا "، أو كما قال: إن الفقر أفضل له من الغنى، لما خشي عليه من ألا يقوم بحقوق الله تعالى عليه حال الغنى.
وقوله، ﷺ : " اللهم من أحبني فامنعه المال والولد " ليس على
стр. 1079
عمومه، والمراد به: اللهم من أحبني - ممن يكون الفقر أفضل له من الغنى - فامنعه المال والولد.
وقوله ﷺ : " ومن أبغضني فارزقه المال والولد "، دعاء منه ﷺ ، بأن يملي الله ، له ليزداد إثما، لأنه لا يبغضه إلا منافق لا يؤدي لله حقا في حال من الأحوال.
وقوله ﷺ : " للفقر إلى من يحبني أسرع من الماء من أعلى الجبال إلى الحضيض "، إعلام منه ﷺ ، بأن من أحبه ورغب فيما له عند ربه، سيجود بماله لله . حتى يبقى فقيرا منه في الدنيا، رغبة فيما له في ذلك عند الله في الدار الأخرى، وكم من الناس من قد فعل ذلك، لقول الله : ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ومثل هذا المعنى في القرآن كثير.
وليس هذا بعام في كل من أحب النبي ﷺ ، فالحديث عموم، والمراد به الخصوص، وهو جائز كثير، موجود، ومنه قول رسول الله ﷺ : " اللهم اشدد وطأتك على مضر "، وإنما أراد الكافر منهم، دون المؤمن، فكذلك أراد بقوله هذا الإخبار عمن أحبه، وتناهى في
стр. 1080
الجود لله، والرغبة فيما له عنده، حتى بذل ماله كله في سبيل مرضاته.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[٣١٤]- خمس مسائل من القاضي بسبتة أبي الفضل ابن عياض .
وكتب إليه، ﵁، القاضني بسبتة أبو الفضل ابن عياض، حرسه الله بخمس مسائل يسأله عنها، وهي كلها من قبيل واحد، وذلك في آخر شهور سنة ثمان عشرة وخمس مائة:
[١]- النيابة عن القاضي داخل دائرة محكمته أو خارجها
فأما الأولى فهي في قاضي مصر، صرف إليه السلطان قضية مخصوصة، وقعت بمصر، من عمل قاض آخر وهو بعيد من القاضي المصروف إليه.
هل له أن يوجه رجلا، من بلده، إلى ذلك المصر، لينظر له في القضية، ويشهد عنده شهود ذلك المصر، المخرج عن قاضيه الحكم فيه، لتعذر من يقدمه هذا المصروف إليه الحكم بذلك المصر؛ إذ كل من يشير إليه بذلك يستنكف أن يتقدم له، رعاية لقاضيه المصروف عنه الحكم في هذه النازلة، أو خوفا منه؟ فهل له أن يوجه رجلا يستنيبه في ذلك؛ ليثبت عنده ما يجب إثباته، ثم يعلمه بذلك، فينفذها أو يأمر بإنفاذها، أم ليس له ذلك؟ وهل بينه فرق وبين ما
стр. 1081
بعد من حضرة القاضي من عَمِلَه، مما يحتاج فيه إلى استنابة أمينه وثقته؟
بين لنا ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله الفقيه القاضي بطاعته، وأمده بمعونته - السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وللقاضي المصروف إليه الحكم في قضية مخصوصة بعمل غيره من القضاة أن يستنيب من يثق به، ويبعثه إلى ذلك البلد ليسمع قول الطالب والمطلوب، ويقف على حجة كل واحد منهما، ويسمع من بيناتهما ما يشهدون به لكل واحد منهما، ويكشف عن عدالتهم، ويعذر إلى المشهود عليه منهما فيما شهد به عليه، ويضرب الأجل في ذلك، ويتقصى فيه الحجج حتى إذا لم يبق لواحد منهما حجة إلا ما يوجبه الحق، أنهى ذلك كله على وجهه إلى القاضي الذي بعثه، المصروف إليه الحكم في تلك القضية، فيقبل قوله، وينفذ الحكم في ذلك بينهما بما يؤديه إليه الاجتهاد بعد مشورة أهل العلم.
ولا يشخص الخصوم إليه ليختصما بين يديه، إلا أن يرضيا بذلك، فإن رضيا به، استناب حينئذ من يبعثه ليسمع من بيناتهما، ويكشف عن عدالتهم لا أكثر فينهى ذلك إليه، ويقبل قوله فيه.
وإن بعث في ذلك اثنين فهو أحسن، والواحد يجزئ، وسواء بعد البلد في ذلك أو قرب، إلا أن يكون نم القرب بحيث يلزم الشاهد أن يأتي لأداء شهادته، إذا دُعِيَ إليها، فيكون الخصام بين يديه، والشهادة عنده، ولا يستنيب في ذلك أحدا.
هذا وجه العمل في هذا؛ إذ ليس للقاضي المصروف إليه الحكم في
стр. 1082
تلك القضية أن يستخلف هو على ذلك غَيْرَه، إلا أن يكون قد جعل ذلك إليه، فيكون له أن يستخلف من يذهب به إلى ذلك البلد، فينظر في أمرهما، وينفذ الحكم بينهما.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- هل يلزم القاضي المحال عليه أن يحضر إلى بلد القضية المحالة ؟
وأما الثانية فهي في قاضي مصر صرف السلطان عنه قضية من عمله إلى قاضي مصر آخر، بعيد منه، فاستناب القاضي المصروف إليه من يثبت عنده أهل القضية بيناتهم، ويضعون عنده، حججهم، ويضرب بينهم الآجال، ويعطي المدافع؛ إذ البينات بعيدة من القاضي المصروف إليه النظر، ولا يلزمون الإتيان، ولا يلزم الحاكم النهوض إلى ذلك المصر. إلا أن يكون قد شرط في تقديمه على القضية عليه ذلك، فيلزمه، ولا يجوز له الحكم فيها، بغير البلد المشروط، لأن في ترداد الخصوم من المصر البعيد مشقة على الخصوم، وتطويلا في الآجال، لأجل المسافة، وأعذار السفر، فرأى إسناد ذلك كله إلى مستناب يكون ذلك عنده، ثم يعلمه بذلك، فيبني نظره عليه، وينفذ القضاء بحبسه.
هل فعله صواب جائز، أو لا يسوغ ذلك بوجه؟.
стр. 1083
بين لنا ذلك (يعظم الله أجرك).
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوقه هذا، ووقفت عليه، وعلى جميع فصوله، وقد اقتضى الجواب على المسألة الأولى الجواب عليها كلها، فلا وجه لإعادته.
وبالله تعالى التوفيق.
[٣]- وسائل إثبات الإنابة القضائية
وأما المسألة الثالثة فهي في استنابة من يستنيبه في ذلك بكتابه إلى أمير ذلك المصر، أو جماعة، وخطه هناك مشهور، هل يكتفي بذلك فيه، كما يكتفي بخط السلطان في التقليدات كلها، حسبما نصه أهل العلم؛ إذ هي استنابة كلها، أم لابد من إثبات ذلك بشهيدين، كالأحكام؟
بين لنا ذلك مشكورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
ويكتفي في هذا بأيسر الأشياء من معرفة الخط وشبهه؛ إذ ليس يقتضي ذلك حكما، يلزم ثبوته، وإن نَهَض المستناب بذلك دون كتاب لما أمر به، فَامتثله، لكان الأمر ماضيا كما لو نهض بكتاب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٤]- هل يَعْزِلُ القاضي المحالُ عليه وصيا ثبت عنده أنه غير مؤتمن على مال المحجور ؟
وأما الرابعة فهي إذا كان هذا النظر المخصوص المذكور، والولاية المقيدة في قضية محجور عليه، فتثبت عند المقلد ما يوجب صرفه،
стр. 1084
وتقديم غيره ممن ينظر في ماله، ويتكلم عنه بسببه، ففعل ذلك.
هل على هذا القاضي، المقلد أمر هذه القضية، دركٌ في فعله؟ وهل هذا متعين عليه، أم ليس يلزمه إلا إقامة وكيل يخصم عنه فيه فقط؛ بخلاف قضاء العموم؟
بين لنا جوابك في ذلك مأجورا، إن شاء الله.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإذا ثبت عند القاضي المصروف إليه الحكم في قضية محجور عليه: أن وصيه غير موثوق فيما تخاصم به له وعليه، فيما يطلب أو يطلب به، أو يستقر له بيده مما يحكم له به، فيجب أن يوكل له وكيلا يقيمه له مقام الوصي في ذلك كله، ولا يعزل الوصي عن النظر له جملة، وإن كانت عنده لليتيم حجة سمعها منه، ونظر فيها، وإن ذكر حجة عليه لم يسمعها منه.
هذا الذي أراه في هذه، والله الموفق للصواب برحمته لا رب غيره.
[٥]- عزل القاضي للوصي، وعزل الوصي لنفسه
وأما الخامسة فهي في قاض عزل وصيا عن يتيم، من تقديم قاض غيره، وولى وصيا آخر، فطلب الوصي المعزول أن يبين له القاضي: لم عزله؟ ويعذر إليه فيما شهد به عليه.
هل يلزمه ذلك، إذ لا خلاف أن الأولى لمن قلده سلطان أو قاض،
стр. 1085
ولاية، أو إمامة ألا يصرف عنها إلا بعذر ووجه بين، ولا يتركها هو إلا لذلك؟
ورأيت بعض أهل العلم ذكر هذا، ثم قال: ولكنه إن صرفه موليه، أو عزله، هو نفسه، عنها مضى، وشبهه بالوكيل والموكل في هذا الفصل.
بين لنا ما عندك، أكرمك الله ووفقك، فإن المولى المستناب في أمر إنما هو وكيل لمقدمه عليه، نائب منابه، وهل يستوي في هذا ما كان من تقديم هذا نفسه أو من تقديم من قبله؟ وهل يستوي في ذلك ولاية الخصوم والعموم؟ متفضلا، مأجورا، مشكورا، إن شاء الله.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
ومن حق الوصي، إذا عزله غير الذي قدمه: أن يُبَيِّنَ له القاضي، الذي عزله: الوجه الذي من أجله عزله، وأن يعذر إليه فيمن شهد عليه بالمعنى الذي أوجب عزله، إذ ليس له أن يعزله إلا بأمر يثبت عليه عنده.
وأما إذا عزله الذي ولاه فإن كان عزله بأمر رآه باجتهاده فليس عليه أن يعلمه به، وإن كان عزله لجرحة ثبتت عليه عنده، فمن حقه أن يعذر في ذلك إليه.
وأما عزل الوصي نفسه عن النظر لليتيم، الذي التزم النظر له، فليس ذلك له إلا من عذر، لأنه حق لليتيم، قد أوجبه له على نفسه،
стр. 1086
وذلك بخلاف الموكل والوكيل، لا اختلاف في أن للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء، وأن للوكيل أن يتخلى عن الوكالة متى شاء، وأن للوكيل أن يتخلى عن الوكالة متى شاء، أيضا، إلا في الوكالة على الخصام، فليس للوكيل أن يتخلى عن الوكالة بعد أن أنشب الخصام، ولا لموكله أن يعزله عنها قبل تمام الخصام؛ ولا فرق في هذا بين الوكيل المفوض إليه، والوكيل على شيء بعينه، من خصام أو غيره.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣١٥]- ستة عشر سؤالا من أحد المفتين بإقليم باغُه
وكتب إليه ﵁ بعض الفقهاء المفتين بكورة باغه، بستة عشر سؤالا، يسأل عنها، في آخر شهور سنة ثمان عشرة وخمس مائة:
[١]- حول وثيقة إثبات ملك المتوفى
فأما الأول منها فهو ما تراه، وفقك الله، في قول ابن العطار في وثائقه، في إثبات ملك المتوفى: " أنهم لا يعلمون له جميع الكذا ملكا ومالا، لم يخرج عن يده، ولا فوَّته في علمهم، إلى أن توفي فأورثه المحيطين بوراثته، وهم فلان وفلان ".
أرأيت إن لم يكتب ذلك في الوثيقة، وكتب: " إلى أن توفي، وأحاط بوراثة ما تخلفه فلان وفلان " فقط، أو كتب: " فأحاط بوراثته فلان وفلان "، أترى ذلك عاملا أم لا؟ وإن كان غير عامل،
стр. 1087
فبين - وفقك الله - الفرق في ذلك، مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليه: المعنى في قول العاقد: " إلى أن توفي، وأورثه ورثته المحيطين بوراثته، وهم فلان وفلان " أو " إلى أن توفي، وأحاط بوراثة ما تخلف فلان وفلانلا "، أو: " إلى أن توفي وأحاط بوراثته فلان وفلان "، سواء، ما كتب من ذلك الكاتب صح العقد، إلا أن من تمام العقد توصيل ملك الورثة إلى حين تاريخ شهادتهم، بأن يقول فيه: " ولا يعلمون ملك أحد من الورثة المذكورين، أو ملك من يريد إثبات الملك له منهم، زال عن ذلك إلى حين أداء شهادتهم ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- تعارض الشهادات عند بيع عقار اليتيم أو الغائب
وأما السؤال الثاني فهو إذا شهد شَاهِدَانِ فيما يبيعه القاضي من دار أو عقار على يتيم، أو غائب، أو ما أشبه ذلك: أن الثمن سداد، وشهد شاهدان: أنه ليس بسداد وأن القيمة أكثر.
بأي الشهادتين يأخذ القاضي، وهو إن أخذ بشهادة السداد، أنفذ البيع، وانتعش اليتيم، وأدى ما على الغائب من الدين وغير ذلك، وإن أخذ بشهادة من لم يره سدادا، لم يجد مبتاعا بأكثر من ذلك الثمن، وقد اجتهد في التسويق، وربما ضاع اليتيم، وتعطل الدين؟.
بين لنا ذلك موفقا، مأجورا، مشكورا.
الجواب عليه: إذا بلغ الحد الذي يلزم من الاجتهاد في تسويقه،
стр. 1088
فلم يلف زيادة على ما شهد أن بيعه به سداد، فلا يلتفت إلى شهادة من شهد أن بيعه بذلك غير سداد، إذا لم يوجد من يزيد فيه على ذلك.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣]- من التزم، في عقد زواجه الثاني: أنه متى رد الأولى فهو طالق
وأما السؤال الثالث فهو فيمن كانت له امرأة مطلقة فتزوج امرأة، وكتب في صداقها: " أنه متى راجع فلانة - يعني المطلقة - فهي طالق " ولم يقل: " متى راجعها على فلانة ".
ثم طلق التي تزوج، أو ماتت وأراد مراجعة الأولى، وقال: إنه لم تكن له نية في ذلك، أو قال: إنما أردت ما دامت لي هذه الثانية زوجة، فهل ينوَّى في ذلك أم لا؟ وكيف إن لم تكن له نية كالذي تقدم؟.
بينه بفضلك مأجورا، إن شاء الله.
الجواب عليه: يلزمه طلاقها متى ما راجعها كانت الزوجة التي شرط لها ذلك في عصمته، أو لم تكن.
ولا يصدق فيما ادعى من أنه نواه، وأراده، إذا طلب بما أشهد به على نفسه، وله نيته فيما بينه وبين خالقه. وإن لم تكن له بينة فيلزمه فيها الطلاق، متى ما تزوجها، ولا يتكرر عليه إن تزوجها ثانية.
والله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 1089
[٤]- الدخول بالأمهات يحرم البنات
وأما السؤال الرابع فهو في حفيدة الزوجة من ابنها، أو من ابنتها، هل تَحِلُّ لمن كان زوجا للزوجة المذكورة أم لا إن مات عنها، أو طلقها؟
تفضل بالجواب على ذلك.
الجواب عليه: إذا دخل بها فلا تحل له بناتها، ولا بنات بناتها، ولا بنات بنيها، وإن سفلن؛ لأنهن بمنزلة الربائب، كل من لزوجته، التي قد دخل بها، عليها ولادة، وإن بعدت فهي عليه حرام. هذا ما لا اختلاف فيه.
وبالله تعالى التوفيق. لا شريك له.
[٥]- شهود التسجيل بثبوت وثيقة
وأما السؤال الخامس فهو في القاضي يسجل بثبوت وثيقة ويقول في تسجيله: " أنه ثبت عنده ما في أعلى هذا الكتاب أو ما في بطنه، بشهادة الشهود المسمين فيه "، ولا يسمى من ثبت به عنده منهم، وإنما أحال على جملتهم غير أنه قد أعلم على شهادتهم، أو على أكثرهم.
ثم يقوم المسجل عليه من صغير، أو غائب، فيطلب الإعذار في الشهود، والقاضي قد عزل أو مات.
فهل يحملون كلهم على العدالة والقبول، أم لا؟
стр. 1090
الجواب عليه: يحمل جميعهم على العدالة، ولا يبطل العقد على المقوم عليه به، إلا بأن يجرح جميعهم.
[٦]- حبس معقب، مع اشتراط المرجع على مسجد معين
وأما السؤال السادس فهو في الرجل يحبس على بنيه، وعلى عقبهم، فإن انقرضوا من آخرهم، رجع إلى مسجد كذا، إلا أن يكون انقراضهم في حياة المحبس، فإنه يرجع إليه، ثم يكون بعد وفاته للمسجد المذكور.
هل ذلك جائز أم لا؟.
بين لنا ذلك إن شاء الله.
الجواب عليه: ينفذ للمحبس ما شرطه من رجوع الحبس إليه، إن انقرض العقب في حياته؛ وإن مات هو قبل انقراض العقب، كان الحكم فيه أن ينفنذ في ثلثه، فإن لم يحمله فما حمل منه إلا أن يجيزه الورثة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٧]- لا يتصرف الناظر في الأحباس إلا بإذن القضاء
وأما السابع فهو ناظر في أحباس مسجد، استرف له من غلة أحباس المسجد دنانير، فابتاع منها دويرة للمسجد، ثم أنه بعد مدة من ابتياعها، رأى بيعها، والاستبدال بها، أو رأى ذلك غيره ممن ينظر في المسجد بعده، هل ترى ذلك جائزا أم لا؟
الجواب عليه: ليس للناظر في أحباس المسجد أن يفعل ذلك إلا
следующие страницы →