Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
[٦]- هل الاضطراب في الشهادة جرحة في إمام الصلاة ؟
وما تقول في أئمة كثر منهم الاضطراب في الشهادات، هل تجوز إمامتهم، أم لا؟
[٧]- نساء المفقودين في معركة كتندة
وما تقول وفقك الله، ما الصحيح عندك في نساء، من فقد بوقيعة كتندة كم يضرب لهن من الأجل؟ وكيف إن طلقت امرأة منهن بشرطها في المغيب، كم تعتد؟ وإن كان في شرطها: " بعد أن تحلف " فطلقت نفسها، في موضع لا حاكم فيه، وتزوجت دون أن تحلف؟
بين لنا جميع ذلك.
[٨]- هل الجهل في " السياقة " جهل في الصداق ؟
ومما كثر - أعزك الله - في هذه البلاد: أن كل ناكح يسوق في صداقه سياقة، من جملة الصداق، فربما وجدتها غير محدودة، ولا معلومة، فتعود بجهل في الصداق؛ فما الحكم فيها، قبل البناء وبعده؟.
بين لنا جميع ذلك مأجورا، مشكورا، إن شاء الله.
فجاوب وفقه الله، على ذلك كله بما هذا نصه: تصفحت - أكرمك الله بطاعته، وعظمك بتوفيقه - ما سألت عنه، فوق هذا، ووقفت عليه.
стр. 1122
[١]
والقول بأن المطلقة ثلاثا في كلمة واحدة لا تَحِلُّ لمطلقها إلا بعد زوج مما أجمع عليه فقهاء الأمصار، ولم يختلفوا فيه؛ فالكاتب، الذي ذكرت عنه أن يحلها قبل زوج ويكتب في ذلك المراجعة، رجل جاهل، قليل المعرفة، ضعيف الدين، فعل ما لا يسوغ له بإجماع من أهل العلم؛ إذ ليس من أهل الاجتهاد، فتسوغ له مخالفة ما اجتمع عليه فقهاء الأمصار: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وإنَّما فرضه تقليد علماء وقته، فلا يصح له أن يخالفهم برأيه.
فالواجب أن ينهى عن ذلك، فإن لم ينته عنه أدب عليه، وكانت جرحة فيه، تسقط إمامته وشهادته.
[٢]
وأما الذي شهد عليه شاهد عدل، مشهور العدالة، أنه قال: لا تحل لي زوجتي لأني طلقتها ثلاثا، وشهد عليه شاهد عدل: أنه سمعه يقول لزوجته: الأيمان له لازمة، إن كنت لي بزوجة، فهي شهادة مختلفة، ولا تلفق.
والحكم فيها، إن كان منكرا لما شهد أنه عليه: أن يحلف على تكذيب شهادة كل واحد منهما، ويبقى مع امرأته.
[٣]
وأما الذي كتب المراجعة في المطلقة، ثلاثا، وجعل الخال فيها وليا، فالواجب أن يفرق بينهما، ويؤدبون كلهم، والشهود، إن علموا إلا أن
стр. 1123
يعذر واحد منهم في ذلك بجهل فيسقط عنه الأدب.
[٤]
وأما الذي شهد عليه شاهدان أنه قال لزوجه: أنت طالق ثلاثا، لا لتحل لي بأسود ولا بأبيض، فلا يعذر إليه فيهيما، إن كان قد أقر بالطلاق، وزعم أنه لا يدري: هل طلق واحدة، أو ثلاثا، لما كان فيه من الحرج، ويفرق بينهما.
وبالله التوفيق.
[٥]
وأما المرأة التي ثبت عليها ما ذكرت، فالرجم عليها واجب، والحكم في ذلك إنما هو إلى قاضي الجماعة، فارفع ذلك إليه، يحكم فيه بما يوجبه؛ إذ لا يحكم حكام الكور في حد القتل.
[٦]
[٧]
وأما من فقد بوقيعة قُتَنْدَة فالذي أراه في ذلك وأعتقده، مما قيل فيه: أن يتلوم لامرأته، من يوم ترفع أمرها، سنة كاملة؛ يبحث فيها عن أمره، فإن لم يوقع له على خبر اعتدت امرأته، وتزوجت إن شاءت، وقسم ماله يبن ورثته.
وإن كان لها شرط من المغيب، فأخذت بشرطها، وطلقت نفسها، نفذ ذلك من فعلها، وإن لم يكن في البلد حاكم؛ وعدتها ثلاثة أقراء، إن
стр. 1124
كانت من أهل الحيض، أو ثلاثة أشهر، إن كانت يائسة عن المحيض.
[٨]
والنكاح الذي انعقد على سياقة غير محدودة في كتاب الصداق جائز، لا يفسخ، قبل البناء، وبعده من أجل إهمال تحديدها في كتاب الصداق، إن كانوا قد عرفوا ذلك، ولم يدخلوا فيه على جهل.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٣٢٤]- وصايا واعترافات بالدين للزوجة في المرض
وكتب إليه، ﵁، من جزيرة طريف بسؤال ثان في قصة المريض الموصي في مرضه بتحبيس الفندين، والاصطبل والحوانيت على موضع معين من ثغور المسلمين، وقد تقدم جوابه عليه، في الجزءِ قبل هذا، فسئل في هذا السؤال الثاني عن أشياء ضمنها كتاب وصيته.
ونص ذلك من أوله إلى آخره: جوابك، رضي الله عنك، في رجل مرض، واتصل مرضه بموته، فأشهد وهو في حال مرضه هذا، صحيح العقل، ثابت الفهم والذهن، لزوجته التي توفي عنها، ولا ولد له منها، ولا من غيرها: أن الذي ينغلق عليه باب دار سكناه معها، لها، مال من مالها، وحق لها، ولا حق له في شيء منه، وبشركة في بقر، غنم معينة، لم تنفصل بينهما، وإنه لم يكن دفع إلَيْهَا شيئاً من كالئ
стр. 1125
صداقها، الثابت لها قبله، وبرأها في إشهاده هذا من جميع مطالبه، ومن التباعة بسببه، ومن عُلِقَ الأيمان.
وأشهد لها، أيضا، بعدة ذهب سماها، ذكر أنها لها قبله، من ثمن خادم كان قد باعها لها، تسلفه منها، وأدخله في مصالحه.
وأشهد لأخي زوجته هذه بدين له قبله، كان المشهد هذا قد تسلفها وأنفقها في وجه ذكره، وصارت له في ذمته.
وأوصى بتحبيس فندقين له، واصطبل، وحوانيت، على موضع سماه من ثغور المسلمين، تنفق غلته هنالك، في السبيل، ومصالح المسلمين، وقاعة هذين الفندين والاصطبل والحوانيت موظفة بوظيف مسمى من السلطان، أصلحه الله.
وأوصى بعتق عبدين له، معينين، وأن يعطيا ذهبا سماها، ودارا عينها، وأن يعطى لمعتق له، سماه، ذهب، ذكر عددها، وأوصى له بذهب سماها.
وأقر أن عنده ذهبا موقفة لمسجد سماه، وأوصى له بذهب سماها.
وقال في وصاياه المذكورة: إنها خارجة من ثلثه، وما فضل عنها يكون لرجل، سماه وصية له.
وأرخ ذلك كله بالتاسع والعشرين من جمادى الأولى.
وكان قد أوصى، لهذا الموصى له بفضل الوصايا، بثلث جميع ما
стр. 1126
يَتَخَلَّفُهُ من دقيق الأشياء وجليلها، وأرخ وصيته له بالثلث بالعشر الأواخر من الشهر المذكور، تحقق بينة الوصية بالثلث: أنها كانت قبل الوصية له بفضل الوصايا.
فكيف ترى ذلك، وفقك الله؟ وما الذي يجوز لزوجته مما أقر، لها به، وأشهد عليه، مما ينغلق عليه باب داره، وغير ذلك؟ وهل يلزمها، فيما يجوز لها من ذلك.
يمين، أو فيما يدعيه سائر الورثة قبلها، فيما برأها منه، أم لا؟ وهل ينفذ لأخيها ما أشهد له به من الدين الذي أقر له به؟ وكيف تكون المحاصة في الثلث بين أهل الوصايا؟ وما يسبق بعضه على بعض من ذلك؟ وهل يحاص الموصى له بالثلث، في الثلث، باسم الثلث، أم لا يكون له إلا ما فضل عن الوصايا، كما ذكر الموصي؟ وما يسقط في الحكم، مما أقر به الموصي لزوجته أو غيرها، هل تدخل فيه الوصايا، أم يكون ميراثا، وتكون الوصايا فيما سواه من تركة المتوفى؟
بين لنا ذلك كله، وفقك الله، وراجعنا بالجواب فيه، مأجورا.
ومما نبينه أن أخا زوجة التوفي، الذي أقر له بالدين، إنما هو أخ لأم، وهو من أهل الثروة، والغنى والسعة، ساكن في البادية، منتزح بالسكنى، ولا يداخل أخته وزوجها إلا غبا.
والله يعينك، ويخلصك بقدرته.
стр. 1127
فجاوب، ﵁، على ذلك كله بما هذا نصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا مات الرجل من مرضه، ولا ولد له، كما وصفت، فلا يجوز إقراره لزوجته بما أقر لها من الدين، ولا ينفذ.
وكذلك لا يجوز ما أقر لها به، مما ينغلق عليه باب داره سكناه، ولا يكون لها من ذلك إلا ما كان من متاع النساء، ولا بالشركة في الغنم، والبقر، ولا تسقط عنها اليمين في الكالئ، ولا فيما ادعى الورثة عليها بتبرئته إياها.
وأما إشهاده لأخي امرأته بما أشهد له به من الدين فيجوز له إذا كانت حاله معه على ما وصفت.
وأما الذهب التي أقر أنها عنده موقفة للمسجد فينفذ إقراره بها. وتؤخذ له من رأس المال.
ويبدأ من وصاياه، التي أوصى بها في ثلثه عتق العبدين المعينين، وما بقي من الثلث بعد عتقهما وقعت فيه المحاصة بين جميع أهل الوصايا، ويضرب في ذلك الموصى له بالوصيتين بأكثرهما، وهو الثلث، وما أقر به لزوجه، فلم ينفذ، يكون للورثة، ولا تدخل فيه الوصايا.
وبالله تعالى التوفيق.
كيفية العمل في ضرب الموصى له بالوصيتين بأكثرهما.
فلما وصل جوابه هذا إلى حكم الجزيرة، وقف عليه، مع من هناك من الفقهاء، والمفتين كتبوا إليه:
стр. 1128
وصل إلينا، أدام الله توفيقه، الجواب فوق هذا، على السؤال المكتتب بطنه، ووقفنا عليه، والتبس علينا كيفية العمل في ضرب الموصى بالوصيتين بأكثرهما، وهو الثلث، فرغبتنا إلى معلوم جلالك، ومفهوم اهتمامك، بطلبة العلم، واهتبالك: أن تبين لنا وجه العمل، في ضرب الموصى له بالثلث في الثلث، مأجورا، مثابا إن شاء الله تعالى، والسلام على الفقيه الإمام، ورحمة الله وبركاته.
فجاوب، أدام الله توفيقه، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ووجه العمل الذي سألت عنه، فيما تقدم جوابي به: هو أن يحصل جميع ما تخلفه المتوفى من العين، والأصول، والعروض وغير ذلك، حاشا ما أقر به لزوجه مما ينغلق عليه باب سكناها معه، وحاشا نصف الغنم والبقر الذي أقر لها به، إذ لا تدخل الوصايا في شيء من ذلك، وإن رجع ميراثا، للتهمة فيه، ويسقط مما اجتمع من ذلك ما أقر لها به من الدين والكالئ. بعد يمينها فيه بالواجب، وما أقر به أيضا لأخي امرأته من الدين والذهب التي أوصى أنها عنده موقفة للمسجد، وإن لم توجد بعينها، فوجب إخراجها من رأس ماله.
فما بقي من تركته بعد إسقاط ذلك كله منها، عرف ثلثه، فَبُدِّيءَ فيه عتق العبدين الموصى بعتقهما، وكان الباقي بين جميع أهل الوصايا يتحاصون فيه، على قدر وصاياهم يضرب فيه الموصى له بالوصيتين بأكثرهما، وهو جميع ذلك، وسائر أهل الوصايا بمبلغ وصاياهم: فما نبا الموصى لهم بالعين أخذوه، وما ناب من ذلك الفندقين الموصى
стр. 1129
بتحبيسهما جعل فيهما، ونفذ تحبيسه، وكذلك ما ناب الدار الموصى بها، فجعل فيها، فينفذ منها للموصى لهما بها ذلك القدر.
وتفسير ذلك: أن ينظركم هو الجميع، الذي يجب فيه التحاص، على ما ذكرناه؛ فإن كان تسعين في التمثيل، وكانت قيمة الدار الموصى بها ثلاثين، وقيمة الفندقين الموصى بتحبيسهما ستين، ومبلغ الوصايا من العين ستة وثلاثين جمعت التسعون، والثلاثون والستون، والستة والثلاثون، فكان ذلك مائتين اثنتين، وستة عشر، فيكون للموصى له بالوصيتين من التسعين ما تقع التسعون من المائتين والستة عشر، وذلك ثلاثة أثمانها، وثلث ثمنها، وللوصي لها بالدار من الدار ما تقع الثلاثون، التي هي قيمتها من المائتين والستة عشر، وذلك ثمنها، وتسع ثمنها، وللفندقين الموصى بتحبيسهما، ما تقع الستون، التي هي قيمتها من المائتين والستة عشر، وذلك ثمناها، وتسعا ثمنها، وللموصى لهم بالعين ما تقع الستة والثلاثون، التي هي مبلغ وصاياهم، من المائتين والستة عشر، وذلك ثمنها وثلث ثمنها، فيقتسمون ذلك بينهم، على عدد وصاياهم، وعلى هذه النسبة يكون الحساب في ذلك، قَلَّ المال، أو كثر.
وبالله تعالى التوفيق، لا رب غيره.
[٣٢٥]- هل ينبش قبر جديد من أجل حرمة قبر سابق ؟
وسئل، ﵁، عن رجل دفن أربعة من الولد في مقبرة من مقابر المسلمين، فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب
стр. 1130
الرجل من البلد، فجاء الحفار، فحفر، على قبور أولئك الأطفال، قبرا لامرأة، ودفنها فيه.
ثم إن والد الأطفال جاء من سفره، بعد دفن المرأة بثلاثين يوما، ولم يجد لقبور بنيه أثرا غير قبر المرأة، فأراد نبشها، وتحويلها إلى موضع آخر، ليقيم قبور بنيه على ما كان عليه، هل له ذلك، أم لا؟
فجاوب، وفقه الله، على ذلك، بأن قال:
لا يجوز أن ينبشها، وينقلها عن موضعها، ولا يحل ذلك له، لأن حرمتها ميتة كحرمتها حية، فلا يحل له أن يكشفها، ويطلع عليها، وينظر إليها، ولو كان ذا محرم منها لما ساغ له ذلك فيها، بعد هذه المدة؛ إذ لا شك في تغيرها فيها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٢٦]- مسألتان من كَورَةِ بَاغُه
وكتب إليه، ﵁، بعض الفقهاء المفتين بكورة باغه، يسأله عن مسألتين:
[١]- استئثار الأخ الأكبر بالتركة
فأما الأولى فهي في رجل توفي عن زوجة، وابن كبير، وابنة صغيرة، وتخلف عروضا وعقارا، فبسط الابن يده على جميع التركة، واستأثر بها دون أخته، الوارثة معه، واغتل العقار خمسا وعشرين سنة، إلى أن توفي، فقامت الأخت تطلب تركة أخيها بميراثها من أبيها، وما اغتل
стр. 1131
من العقار الموروث دونها، هل لها ذلك أم لا؟ وهل يقطع حقها في ذلك نظرها إلى أخيها طول هذه المدة، يغتل العقار في وجهها، ولا تطلبة بغلة، وهي الآن تزعم أنها لم تكن تاركة لشيء من ميراثها في أبيها، ولا لما اغتل من عقارها، وأنه كان يعدها بأن ما اشترى من عقار طول هذه المدة، وأضافه إلى العقار الموروث، فهو من غلة العقار الموروث مشتركا بينهما؟
بين لنا الواجب في ذلك.
الجواب عليه: لا يبطل حقها بسكوتها عن طلبه، وإن طالت المدة إلى أن توفي أخوها، فلها في ماله ما ثبت أنه اغتله من حصتها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- حول الحديث " داووا مرضاكم بالصدقة "
وأما المسألة الثانية فهي قول النبي ﷺ : " داووا مرضاكم بالصدقة "، هل هو حديث صحيح؟ وهل هو على ظاهره، أم لا؟ فإن رجلا أصابه مرض، فداواه بكل دواء فما نجع، فإن صح هذا الحديث، وكان على ظاهره، فكيف وجه الصدقة المرجو بها الدواء؟
بين لنا وجه ذلك، مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب على ذلك، تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وقد روي الحديث، ولست أذكره في شيء من المصنفات المشترطة
стр. 1132
صحتها، وإن صح الحديث، فمعناه - والله أعلم - الحض على عيادة المرضى، والترغيب في ذلك؛ لأن من الحقوق التي أوجبها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ للأخ على أخيه المسلم أن يعوده إذا مرض، قال رسول الله ﷺ " المسلم أخو المسلم، يشهده إذا مات ويعوده إذا مرض، وينصح له إن غاب أو شهد ".
وعيادته إياه في مرضه معروف يصنعه إليه، وكل معروف صدقه، وهو إذا عاده وصله بذلك، وأدخله عليه السرور بعيادته إياه، ودعائه له. ولا شك في أن الرجاء في إجابة الدعاء له بالراحة والشفاء أكثر من الرجاء في الانتفاع بمعاناة الحكيم، إذ قد يصيب في معاناته فينفعه، وقد يخطئ فيها عليه، فيضره، والدعاء منفعة له على كل حال.
وقد يحتمل أن يكون الحديث على ظاهره في المرضى المحتاجين، لأن المريض المحتاج يستعين بما يتصدق عليه على التداوي الذي قد أباحته الشريعة، بدليل قول النبي ﷺ ، " أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 1133
[٣٢٧]- التفاضل بين المعطي والسائل
وسئل، ﵁، عن معنى قول علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه: " إن الذي يأخذ من الناس شيئاً كالذي يغرس شجرة في أرض غيره، فإذا جاء صاحبها أخذ الأرض والشجرة ".
فقال، وفقه الله، في ذلك: المعنى في هذا أن الثواب والأجر في العطية إنما هو لصاحب المال، الذي يعطيه، لا للذي يأخذه منه؛ فإن أخذ الرجل من الرجل شيئاً، فقد نفعه بما يأخذه منه، بالأجر الذي يدخل عليه في ذلك، ولم يكن له هو في ذلك أجر، فكان كالذي يغرس شجرة في أرض الرجل؛ لأن منفعتها إنما تكون لصاحب الأرض لا للذي غرسها فيها، فشبه الأخذ من ماله بالغرس في أرضه، وهو تشبيه بين على ما ذكرناه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٢٨]- هل تدفع الزكاة كلها للمستحقين من الأقارب ؟
وسئل، ﵁، عن رجل له مال، تجب فيه زكاة لها بال، وله أقارب ضعفاء فقراء، ومذهبه: أن يؤدي جميع زكاة ماله بأسرها إليهم، ولا يخرج شيئاً منها عنهم إلى من سواهم، هلل له ذلك، أم لا؟
فقال: وفقه الله، ما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإن وضع زكاته كلها في قرابته، أجزأه ذلك، وإن علم غيرهم
стр. 1134
أحوج منهم، فالاختيار له لا يخص قرابته بجميعها دونهم.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٢٩]- مكتر زرع الأرض، ولم يف بشرط القليب
وسئل، ﵁، عن مسألة من كراء الأرضين. وهذا نصها.
الجواب: رضي الله عنك. في رجل أكرى أرضه في زمن القليب. لعام واحد، على أن يقلبها المكتري في وقت القليب، ويزرعها في زمن الزراعة، فترك المكترى قليبها وَزَرَعَها في زمن الزراعة، هل لرب الأرض عليه حجة، فيما ترك من قلبيها الذي اشترطه عليه؟ وهل يجب له بذلك عليه حق، أم لا؟.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
ومن اكترى أرضا في وقت القليب على أن يزرعها في وقت الزراعة، فمن حقه أن يقلبها، ليجود بذلك زرعه، وإن لم يشترط ذلك على رب الأرض. وقد تكون لرب الأرض في ذلك منفعة، لأن الأرض تجود بذلك له إن أراد أن يزرعها في العام الذي بعده، ولم يرد أن يُجِمَّها بترك زراعتها.
فإذا اشترط على المكتري أن يقلبها، ويثني عليها بالحرث عند
стр. 1135
زراعتها، لما له في ذلك من المنفعة، كان الكراء جائزا، والشرط لازما.
فإن ترك المكتري القليب باختياره، أو حال بينه وبينه مانع؛ وقد اشترط ذلك عليه، وجب أن ينظر إلى قيمة كراء الأرض في العام، على أن تقلب قبل الزراعة، وعلى ألا تقلب؛ فإن كانت قيمة كراء الأرض على المكتري، زائدا على كرائه، ما بين الكراءين، وإن كانت قيمة كراء الأرض على أن تقلب أكثر من قيمة كرائها على ألا تقلب؛ وقد اشترط المكتري على رب الأرض أن يقلبها لزراعته فيها، فحال بينه وبين قلبيها مانع من عذر أو نحوه، حط عنه من الكراء الذي أكراها به ما زاد فيه، بشرط القليب، وذلك بأن ينظر إلى ما بين الكراءين في القيمة، فإن كان الخمس، أو السدس، أو العشر، حط عنه من الكراء، الذي أكراها به، ذلك الجزء ما كان قل أو كثر.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣٠]- القضاء بالشاهد واليمين .
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، ﵁، يسأله عن نازلة نزلت به في القضاء باليمين مع الشاهد المختفي، ذهب السؤال ولم أجده، وهو بين في الجواب.
وهذا نصه: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وعصمك بتوفيقه - سؤالك هذا ووقفت عليه.
стр. 1136
وإذا كان أمير المسلمين أدام الله تأييده وتوفيقه، قد صرف الحكم بين هَذَيْن الرجلين إليك، وأوقفه آخرا عليك، وكان من مذهبك القضاء باليمين مع الشاهد، على مذهب مالك لما جاء في ذلك على النبي ﷺ .
فحكمك للطالب بشهادة الشاهد المختفي، الذي خاطبك القاضي أبو سعيد بقبوله له، لعدالته عنده، مع يمينه، هو الصواب إن شاء الله ، لأن الصحيح من الأقوال المشهورة في المذهب إجازة شهادة الشاهد المختفي.
فأنفذ ذلك من حكمك، وأمضه من قضائك ونظرك، ولا تتوقفعنه من أجل ما حكم به القاضي أبو سعيد من إبطال شهادته، بفتوى من أفتاه بذلك، إذ ليس حكمه بإبطال شهادته حكما منه بإبطال الحق عن المطلوب، فيكون حكمه للطالب بيمينه مع شهادته ردا لحكم تقدم باجتهاد.
وإذا لم تبطل شهادته بجرحة ثبتت عليه عنده، بعدما خاطبك به من عدالته، وإنما أبطلها بمذهبه أنها لا تجوز، فلا يمنعك ذلك من إجازتها، والحكم بها، وإذ لا يلزم اتباعه على مذهبه في ذلك، ومذهب من أفتاه به مع مخالفة من خالفهم من جملة العلماء المتقدمين والمتأخرين، وإنما يلزمه هو ذلك في خاصة نفسه، لو كان هو الحكم في القضية.
стр. 1137
وإن لم يكن من مذهبك القضاء باليمين مع الشاهد، على ما جرى به العمل عندنا، فقد خاطبك ذلك القاضي بشهادة شاهدين مقبولين شهدا عنده بأنهما سألا سعيدا عما يطلبه به الآخر، فقال لهما: قد دفعت إليه أكثر مما كان له عندي، وهذه الشهادة توجب أن يسأل المدعى عليه عما كان له عنده، فإن أقر به، وكان أقل مما يدعي الطالب، حلف أنه لم يكن له عليه إلا ذلك، وحلف المدعي أنه ما دفع إليه شيئاً من ذلك، على اختلاف في يمينه، لإنكار المدعى عليه، أولا، جميع دعواه، وإن أبى أن يقر بشيء وصمم على الإنكار، وتمادى عليه حلف المدعي على ما يدعي، واستحلفه قبله. ر
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣١]- الزوج يطالب الأب أن يجهز ابنته بمستوى ما قدم الأول في " السياقة ".
وكتب إليه، ﵁، من مدينة شلب (جبرها الله يسأل عن رجل ساق إلى زوجه سياقة عند عقدة النكاح عليها، وطلب من أبيها أن يشِّورها بشورة تقاوم سياقه؛ إذ العرف جار عندهم بذلك، فأبى الأب ذلك.
ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في أهل بلد لهم مناكح قد عرفت لهم وعرفوا بها، لا يتعدونها. وعادتهم في مناكحهم هذه: أن يسوق الرجل منهم لامرأته جزءا من أملاكه، والعرف عندهم والعادة:
стр. 1138
أن من ساق منهم لامرأته ذلك الجزء من أملاكه، فإنه لابد لوالد الزوجة أن يبرزلها إلى زوجها من مال نفسه عطية لها بما يفي بالمقدار الذي ساقه لها زوجها، وبما يربي يعليه. هذه العادة عندهم ثابتة قديمة، متوارثة مستمرة لا تتخلف.
فتزوج رجل منهم امرأة مما تكون كفؤا له، وما تشبه مناكحه، وساق لها من ماله ما جرت العادة عندهم بأن يسوقه مثله لمثلها، ووالد الزوجة من أهل الثروة، والحال، التي إنما يساق لابنته ما ساقه لها زوجها على أن يبرزها مما يعطيه لها من المال والحال بنا يبرز به مثلها، فذهب والد الزوجة، بعد تلك السياقة التي ساقها لابنته زوجها أن يبرزها إليه فقيرة، دون أن يعطيها ما جرى العرف والعادة أن يخرج به مثلها.
فما الذي تراه، وفقك الله، في ذلك هل ترى أن العرف كالشرط، وترى على الأب أن يجهزها بما جرت به العادة أن يجهز به مثلها، إذ المال من جملة ما تنكح المرأة إليه، وإذ السياقة التي دفع إليها فيها إنما كانت من أجله، أم ما الذي تراه في ذلك؟
بين لنا الواجب فيه يعظم الله أجرك.
فجاوب، وفقه الله على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال ووقفت عليه.
стр. 1139
وإذا أبى الأب أن يجهزها إليه بما جرى به العرف والعادة أن يجهز به مثلها إلى مثله، على ما نقدها وساق لها، كان بالخيار بين أن يلتزم النكاح أو يرده عن نفسه، فيسترد ما نقد، ويسقط عنه ما أكلأ وساق.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
سؤالان متفرعان عن السابقة.
فلما وقف السائل على هذا الجواب، ركب على سؤاله الأول سؤالين اثنين، بعد قوله في الأول: " على أن يبرزها مما يعطيه لها من المال، والحال، بما يبرز به مثلها ".
[١]- لو كانت تلك البنت، التي امتنع أبوها من تجهيزها بالمثل، توفيت قبل البناء فطالب الأب بالإرث؟
فأما أحدهما فهو: وأقام الزوج ووالد الزوجة مدة من الزمان، إلى أن توفيت الزوجة قبل البناء، فذهب والدها إلى أن يأخذ ميراثه في ابنته في صداقها: نقده وكالئه وفي السياقة التي ساقها إليها زوجها، وأبى الأب أن يبرز من ماله ذلك القدر الذي كان يبرزها به لو كانت حية،
فما الذي تراه - وصل الله توفيقك - في ذلك، هل يكون له ما زعم من ذلك، ولا يكون عليه هو أن يخرج من ماله، ذلك القدر الذي جرى به العرف والعادة، أم ترى أنه لا ميراث له في شيء من ذلك إلا بأن يخرج هو من ماله ذلك القدر الذي كان يجهزها به،
стр. 1140
فينضاف ذلك إلى الصداق والسياقة، ويقتسم الجميع على فرائض الله؟.
بين لنا الواجب في ذلك، يعظم الله أجرك.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإذا أبى الأب أن يبرز لها من ماله ما يكون ميراثا عنها، القدر الذي يجهز به مثلها إلى مثله، على ما نقدها، وساق إليها، فلا يلزم الزوج إلا صداق مثلها، على ألا يكون جهازها إلا بقيمة نقدها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- الأب يدعي، بعد الزواج، أن ما جهز به ابنته لم يكن إلا عارية.
وأما السؤال الثاني، فهو، أيضا، بعدما تقدم ذكره في السؤال الأول، ونصه: وأقام الزوج ووالد الزوجة مدة من الزمان، إلى أن قضى الله تعالى بأن أبرزت إلى زوجها، وأخرجت إليه من المال والحال بما يخرج به مثلها إلى مثله، أبرزها بذلك كله والدها، ودخل بها زوجها على تلك الحال.
فلما كان بعد ذلك، ذهب والد الزوجة إلى أن يسترجع إلى نفسه ما كان أبرزها به من ذلك كله، وزعم أنه إنما كان أخرجه لها عارية منه، والزوج يأبى من أن يكون عليه الصداق والسياقة إلا بأن يكون ما خرجت به لها ومالا من مالها.
стр. 1141
فما الذي ترى - وصل الله توفيقك - في ذلك؟ وهل القول قول الأب، أم قول الزوج؟
بين لنا الواجب في ذلك بفضلك.
الجواب عليه: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه.
وإذا كان الأمر على ما وصفته فيه، فليس للأب أن يستردَّ ما أبرزها به إلى زوجها من الحلي والثياب، ولا يصدق فيما ادعاه من أنه إنما أبرز ذلك إليها على سبيل العارية منه لها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
قال الفقيه أبو الحسن: هذه النازلة نزلت في بنتي ابن حيي الذي كان قاضيا بشلب، إحداهما خرجت إلى الزوج، والأخرى توفيت قبل الخروج، أخبرني بذلك زوج المتوفاة منهما.
والحمد لله وحده.
[٣٣٢]- من كان أكثر احتراما للهدنة بين طليطلة والمسلمين .
وسأله، ﵁، الأمير أبو الطاهر تميم بن يوسف بن تاشفين، أصلحه الله، عما اعترفه المسلمون من أموالهم بأيدي النصارى
стр. 1142
الداخلين إلى قرطبة من طليطلة، أعادها الله للمسلمين باسم التجارة أيام الصلح.
ونص السؤال من أوله إلى آخر حرف فيه: جوابك رضي الله عنك، فيما اعترفه أهل بلدنا هذا من أموالهم بأيدي تجار أهل طليطلة، الداخلين إلى بلدنا بتجارة، بعد أن أقاموا البينة بأنه مالهم، ما باعوه، ولا وهبوه، إلى أن ضربت سرية، صح عندهم أنها من أهل طليطلة، فأخذت هذه الأموال، المعترفة مع أسارى المسلمين، وأن ذلك إنما كان في أيام الهدنة الكائنة بيننا وبينهم، وثبت هذا من قول البينة.
هل يحكم في ذلك بصرفه على معترفيه، كما يحكم فيما استحقه المسلمون بعضهم من بعض، أم لا؟ وكيف إن ادعى أرباب هذه الأموال المعترفة أن لهم أسارى بطليطلة في دور هؤلاء التجار، وأنهم إنما أخذوا في الهدنة على ما تقدم، هل لهم ارتهان من زعموا أن أولياءهم عندهم من التجار الذين عندنا، حتى يردوا من عندهم من الأسرى، أم لا؟. بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت السؤال، ووفقت عليه.
وإن كان التجار من أهل طليطلة، أعادها الله، خرجوا منها، بعد أنه أن أغارت سريتهم على بلاد المسلمين، فأسرت الرجال، وأخذت الأموال، فلا عهد لهم، لأن العهد في الدخول إلى بلاد المسلمين في
стр. 1143
التجارة إنما أعطوه على أن يكفوا عن المسلمين، ولا يغيروا عليهم، فيأسروهم ويأخذوا أموالهم، فالواجب أن يرتهنوا هم وما معهم من الأموال، فيما أخذت السرية، الخارجة من عندهم من أسرى المسلمين وأموالهم، حتى يصرفوا ذلك إليهم، فإن أجابوا إلى ذلك وفعلوه، بقيت الهدنة على ما كانت عليه، وإن أبوا ذلك، انتقضت، وعادت حربا، وكان التجار المرتهنون أسرى للمسلمين، وأموالهم فيئا لهم، ومن أثبت من الناس في شيء مما وجد بأيديهم أنه ماله وملكه، أخذته السرية المذكورة الخارجة من طليطلة بعد المهادنة قضي له به.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣٣]- من قال: كل امرأة أتزوجها بقرطبة فهي طالق
وسئل، ﵁، في رجل قال: كل امرأة أتزوجها بقرطبة فهي طالق، ثم تزوج، ماذا يلزمه؟
ونص السؤال: الجواب، رضي الله عنك، في رجل حلف فقال: كل امرأة أتزوجها بقرطبة فهي طالق، ولليمين نحو من ثلاثين عاما، ولا يدري كيف كان طلاقه أطلقة بائنة واحدة، أو طلقتين، فتزوج منذ الثلاثين عاما بقرطبة، وكان جاهلا بما يلزمه، وقد طلق هذه الزوجة طلقة واحدة ثم إن راجعها، وله منها أولاد.
فوقع في نفسه من تلك اليمين شيء، فاعتزلها منذ أربعة أعوام والحال منجرة معها إلى الآن على هذه الصفة.
стр. 1144
بين لنا، وجه التخلص في ذلك، وإن كان يقر النكاح على ما هو عليه، أو يفسخ؟ وكيف يكون حال الأولاد الذين حدثوا بعد اليمين؟ مأجورا مشكورا إن شاء الله.
فجاوب، ﵁، على ذلك بما هذا نصه:
إذا كان يمينه على ما وصفت، فالطلاق يتكرر عليه في المرأة التي تزوج بقرطبة، كلما تزوج فيها، فيلزمه الطلاق، الذي حلف به في نكاحه إياها، أولا، بقرطبة، وفي مراجعته إياها بعد ذلك، ولا يلزمه الطلاق الذي طلقها هو بعد أن تزوجها، لأنها قد كانت بانت منه بالطلاق الأول.
فلو أيقن أنه إنما كان حلفه بأن قال: كل امرأة أتزوجها بقرطبة فهي طالق، ولم يزد على ذلك، لكان له أن يتزوجها بغير قرطبة، بأن تخرج هي، ووليها معها، إلى غير قرطبة من البلاد، فيعقد نكاحها فيه، ثم يرجع بها إلى قرطبة، فيسكن معها فيها.
وأما إذا كان شاكا، لا يدري يإن كان حلفه بطلقة أو بطلقتين فالاختيار له ألا يفعل ذلك، وأن يتورَّع عنه، من غير أن يكون ذلك واجبا عليه، إذ ليس على يقين من الطلقة البائنة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1145
[٣٣٤]- عقوبة من سبَّ الرسول ﵇، واستهان بالقرآن ولغته
وكتب إليه، ﵁، يسأل في رجل شهد عليه أنه تكلم بكلام سوء في جنبة النبي، ﷺ ، إلى غير ذلك من الكلام.
ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل شهدت عليه البينة أنه قال: أن النبي ﷺ ، خرج من المخرج الذي خرج منه البول، وثبت ذلك عليه من قوله عند الحاكم، وهو ينكر ذلك، ويكذب الشهود، ويقول: حاشا لله أن أقول مثل هذا، وشهد عليه شاهد واحد: أنه قال: أنا أقرأ سورة يوسف بالعجمية، وشهد عليه شاهد واحد، أيضا، أنه قال: لعن الله العربية، والذي أخرجها، مع ما يسمع من التخليط منه في مثل هذا، وفشا عنه في موضعه، وقريته، وقال كل من شهد عليه: إن الرجل القائل لهذا كله لا يترك الصلوات، وكثيرا ما يفعل الخير، إلا ما سمعوا منه، مما شهدوا به حسبما تقدم.
فلك الفضل في الجواب، مأجورا مشكورا إن شاء الله تعالى.
فأجاب، ﵁، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والواجب فيما شهد به على هذا الرجل، الضعيف الدين، أو الخارج عن ملة الإسلام، أنه قال في النبي: أن يسأل الشهود الذين شهدوا عليه بذلك عن الكلام الذي جر قوله ذلك، وكان سببا له،
стр. 1146
خرج عليه جوابا له: فإن تبين بذلك، تبينا لا يشك فيه: أنه قصد بذلك إلى الغض منه، ﷺ ، والانتقاص له، والاحتقار لشأنه، والوضع له عن مكانه، ولم يكن عنده مدفع في البينة، التي شهدت عليه بذلك، وجب عليه القتل، وإن لم يتبين أنه أراد بذلك سوى إثبات كونه من البشر، ليس بملك من الملائكة، وجب عليه الأدب الموجع، إذ لم ينزه النبي ﷺ ، عن أن يذكره بمثل هذا، وقد كان غنيا عنه، وفي مندوحة منه.
وما ذكرت من أنه شهد عليه شاهد واحد، وفشا عنه، في موضعه وقريته، يويجب عليه الأدب، إن ثبت ذلك عليه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له، وصلى الله على محمد خاتم رسله، وسلم تسليما.
[٣٣٥]- يوقف حظ المفقود بكتندة من الإرث لمدة سنة
وكتب إليه، ﵁، من حضرة المرية بسؤال يسأل فيه عن رجل فقد بوقعية قتندة، له أخ، وابن أخ، توفي ابن الأخ، كيف يقسم ميراثه.
ونصه: رجل حضر غزوة قتندة، وشاهدها، ولم يسمع له خبر بعدها وتوفي، منذ أيام، ابن أخيه، بحضرة المرية عن تركة تخلفها، وله عم بالمرية من ساكنيها؛ فهل يخص بِالوِرَاثَةِ كلها، أم يعطي حظه الواجب له منها، ويعمر المفقود تعميرا يرفع إليه حظه منها؛ إذ لا وارث للمتوفى غيرهما؟
стр. 1147
أوضح لنا الجواب في هذا موفقا إن شاء الله.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإذا كان الأمر على ما وصفته فيه فيعطى عمه الحاضر حظه من تركة ابن أخيه المتوفى، ويوقف عمه الغائب، سنة كاملة، يبحث فيها عن أمره، ويستنجش فيها عن خبره: فإن انقضى العام، ولم تعلم له حياة ولا موت، رد ما وقف له إلى عمه الحاضر.
هذا الذي أقول به في هذا، وأتقلده مما قيل فيه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣٦]- تؤخر قسمة التركة بظهور حمل وارث .
وسئل، ﵁، عن صبي توفي، وترك وورثة يحيطون بميراثه، فذكرت الأم أنَّها حامل، هل تصح قسمة المال، أم لا؟.
ونص السؤال: في صبي توفي، وترك أمه وأخته شقيقته، وأخته لأمه، وعصبته، فلما كان بعد موت الصبي المذكور، ذكرت أمه أن بها حملا.
هل تصح قسمة المال، أم لا؟ وهل يقال لزوج الأم المذكورة أن يعتزلها، حتى يتحقق الحمل، الذي ذكرت، أم لا؟ وكيف وجه
стр. 1148
الاعتزال؛ أَبِأنْ يتحول الزوج عن الدار، التي يسكن مع الزوجة فيها إلى دار غيرها، أم ذلك موكول إلى ديانته، ويقال: اعتزلها فقط؟ وكيف إن أغفل الورثة قسمة ذلك الميراث إلى أن ظهر بها الحمل، وتبينه القوابل، فادعى العصبة المذكورون أن سبب الحمل لم يكن إلا بعد موت الصبي المتوفى، فهل تدين المرأة في بذلك، ويصدق قولها؟
بين لنا الواجب في ذلك، موفقا مأجورا إن شاء الله تعالى.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا قالت أم المتوفى: إنها حامل، لم يقسم ميراثه، حتى تضع حملها؛ فإن ثبت ما قالت من أنها حامل بشهادة النساء، كان له الميراث، وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر، وإن لم يثبت أنها حامل، ولا عرف ذلك إلا بقولها، كان له الميراث، إن وضعته لأقل من ستة أشهر، ولم يكن له ميراث إن وضعته لأكثر من ستة أشهر، إلا أن يكون زوجها ميتا، أو غائبا، يعلم أنه لم يصل إليها بعد وفاة ابنها.
ولا تصدق المرأة ولا زوجها إن كان حاضرا، وولدته لأكثر من ستة أشهر، في أنه لم يطأها، بعد موت ابنها، فإنما يؤمر الزوج باعتزال
стр. 1149
زوجته إذا مات ابنها من غيره، ليكون على يقين من طلب ميراث ولده منها، إن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر، لا لأنه يصدق في وجوب الميراث له بما يدعيه من أنه لم يطأ زوجته بعد وفاة ابنها، إذا لم يعلم صدقه في ذلك بمغيبه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣٧]- لا يجوز ائتمام من يصلي فريضة بمن يصلي نافلة لدى المالكية
مسألة، في وجه ما روي من أن معاذ بن جبل، ﵁، كان يصلي الفريضة مع النبي، ﷺ ، ثم يأتي قومه، فيصليها معهم، وكيف يصح ذلك؟
قال الفقيه الأجل الإمام الحافظ، القاضي العدل، أبو الوليد بن رشد شيخنا، ﵁:
إن سأل سائل عن وجه ما روي أنَّ معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه، فيؤم بهم، فتصح صلاتهم، وهي له نافلة؛ إذ قد صلى فريضته مع النبي ﷺ ، وهذا ما لا يجوز عند مالك، ﵀، وجميع أصحابه؟
فالجواب على ذلك: أنه لا حجة في فعل معاذ لجواز ذلك؛ إذ ليس في الحديث أن رسول الله ﷺ ، علم ذلك من فعله، فأقره عليه، وجوزه له؛ فلعله فعل ذلك قبل أن يعلم الصواب
стр. 1150
فيه ثم رجع عنه، ويحتمل أن يكون ذلك من فعله في أول الإسلام حين كان للرجل أن يصلي فريضته مرتين، فكان فعله منسوخا بما روى من النهي عن ذلك، ويحتمل أن يكون كان يجعل صلاته مع النبي، ﷺ ، نافلة، ثم يأتي قومه، فيؤم بهم في فريضته.
وإنما جاز أن يأتم من يصلي نافلة بمن يصلي فريضة، ولم يجز أن يأتم من يصلي فريضة بمن يصلَى نافلة؛ لأن نية النفل داخلة في نية الفرض، وليست نية الفرض داخلة تحت نية النفل، وبيان ذلك: أن مصلي الفريضة ينوي القربة إلى الله بصلاته، وأداء فريضته، ومصلي النافلة ينوي القربة إلى الله بصلاته خاصة، فإذا ائيتم من يصلي نافلة بمن يصلي فريضة، فقد ائيتم بمن وافقه على نيته، وإذا ائيتم من يصلي فريضة بمن يصلي نافلة فقد ائيم بمن لم يوافقه على نية الفريضة.
وبالله تعالى التوفيق، ولا شريك له.
[٣٣٨]- هل اعتقاد مذهب أهل الظاهر جرحة تسقط بها الشهادة ؟
وكتب إليه، ﵁، من حضرة المرية يسأل في شاهد مشهور الخير، يعتقد مذهب أهل الظاهر، هل ذلك جرحة في شهادته، أم لا؟
стр. 1151
ونص السؤال الجواب، رضي الله عنك، في رجل من أهل الخير والفضل، مشهور بذلك، معروف به، شهد بشهادة على رجل من الناس، في حق من الحقوق، والشاهد المذكور، مع كونه على الصفة المذكورة، يأخذ مذهب أهل الظاهر، نفاة القياس، ويعتقد ذلك، ويلتزمه، ويتمذهب بمقتضاه.
فبين لنا، وفقك الله، هل تقبل شهادة من هو على هذه الصفة؟ وهل اعتقاد المذهب المذكور يسقط شهادته، ويكون مجرحا به أم لا؟ واشرح لنا ذلك شرحا بينا، إن شاء الله تعالى.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك، بما هذا نصه، تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
أ- إنكار القيَاس في ذلك جملة جرحة في الشاهد
وإبطال القياس في أحكام شرائع الدين، جملة، عند جميع العلماء بدعة، وذلك فيمن اعتقده، ودان به، جرحة؛ لأن ذلك خلاف ما دل عليه القرآن، وتظاهرت به الآثار، واجتمع عليه الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، وانعقد عليه الإجماع:
قال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. والاعتبار: تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقال : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقال : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
стр. 1152
النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، فوبخهم على إنكار النشأة الثانية، مع أن لهم طريقا إلى معرفتها، وهو القياس على النشأة الأولى، التي يقرون بها، وهي في معناها، ومثل هذا في القرآن كثير.
وروت أم سلمة أن النبي، ﷺ ، قال: " إني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي " " ومصداق هذا الخبر في كتاب الله ، قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] والسنن المتواترة في ذلك عن النبي ﷺ ، أكثر من أن تحصى، فهي ترفع العذر، وتوجب القطع بالحكم بالرأي والاجتهاد، وإقرار أصحابه على ذلك في زمنه مع وجوده ﷺ ، ونزول الوحي، فكيف به اليوم بعد موت النبي ﷺ وانقطاع الوحي.
من ذلك الخبر المشهور لمعاذ بن جبل حين أنفذه إلى اليمين واليا ومعلما، فقال له: " بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ " قال: " فبسنة رسول الله ﷺ . قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله ".
ومن ذلك قوله للخثعمية: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم قال: " فدين الله أحق أن يقضى "، فقاس، ﷺ ، وجوب قضاء دين الخالق على وجوب قضاء دين المخلوق.
وقال، ﷺ ، في لحوم الأضاحي: " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي
стр. 1153
دفت عليكم "، فأعلم بالعلة، ليعتبروها، وهذا نص منه، ﷺ ، على وجوب الحكم بالقياس.
وسئل، رضي الله عليه، وسلم، عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقالوا: نعم، فقال: " فلان إذن "، ففي سؤاله إياهم: هل ينقص الرطب إذا يبس بيان واضح على أنه إنما أراد بذلك تنبيههم على العلة في بيع الرطب بالتَّمر، وتوقيفهم عليها ليعتبرها حيثما وجدوها، إذ لا جائز أن يكون النبي ﷺ ، يجهل أن الرطب إذا يبس ينقص، وإنما أراد أن يعلمهم أن معنى نهيه عن بيع التمر بالتمر متفاضلا موجود في بيع بالرطب بالتمر مثلا بمثل، وهذا بين.
وقال ﷺ للذي أتاه، فقال له: أنه قد ولد لي ولد أسود، وإني أنكرته: " هل لك من إبل "؟ قال، نعم. قال: " فما ألوانها؟ " قال: حمر. قال: " فهل فيها من الأورق "؟ قال: إن فيها لورقا. قال: " فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: عرق نزعة. قال: " فلعل هذا عرق نزعه "، ولم يرخص له، ﷺ ، في الانتفاء منه، ومثل هذا في السنن كثير.
وأما الإجماع فحصوله وتقرره معلوم، والدليل على ذلك: أن
стр. 1154
الصحابة ﵃، اختلفوا في أشياء كثيرة، كتوريث الجد، والعول في الفرائض، وديات الأسنان، واحتج كل واحد على صاحبه لمذهبه بالقياس، وشاع ذلك بينهم، وذاع من غير نكير، ولو كان منكرزا لتسارعوا إلى إنكاره، على ما وصفهم الله به في كتابه، حيث يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ولو لم يوجد في ذلك إلا حديث عمر، ﵁، في أمر الوباء، لصَحَّ به الإجماع، ووجب له الانقياد والاتباع، حيث خرج إلى الشام بأصحاب النبي ﷺ فلما كان بِسَرْغٍ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا تفرَّ من قدر الله، ومنهم من قال له، لا تقدم ببقية أصحاب رسول الله ﷺ ، على هذا الوباء ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخه قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر في ذلك آية من كتاب الله، ولا حديثا عن رسول الله ﷺ ، بل أشار كل واحد منهم عليه برأيه، وما أداه إليه اجتهاده، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مُصْبِحٌ على ظهر، فأَصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!. نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله: أرأيت لو كان لك إبل في واد عَدْوَتَانِ، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت
стр. 1155
الجدبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله.
فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي والقياس، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب الله، ولا بسنَّة، ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة، وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر القول فيها بالرأي، فما مسألة يدعى الإجماع فيها أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.
ب- إنكار بعض وجوه القياس مِنْ غَيْرِ المجتهد جرحة
وأما إن كان هذا المسؤول عنه لا ينكر القياس جملة، وإنما ينكر بعض وجوهه؛ إذ منه جلي، وخفي، ويخالف فيما ينكر من وجوهه ما عليه جمهور الفقهاء، وعامة العلماء، فلا يكون ذلك جرحة فيه، إن كان من العلماء الراسخين في العلم، الذين قد كملت لهم آلات الاجتهاد، فكان فرضه ما أداه إليه اجتهاده.
وأما إن كان لم يلحق بهذه الدرجة، وكان فرضه التقليد، فترك ما عليه الجمهور، ومال إلى الشذوذ، بغير علم، ولا معرفة، إلا باتباع هواه في اتباع غير المستحسن من هذه الأقوال، فما هُدِيَ لرشده، ولا حصلت له البشرى من الله، ، على فعله؛ لأن الله يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. وذلك جرحة فيه، لأن
стр. 1156
الله ، يقول: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٣٩]- حول الآية: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .
وكتب إليه، ﵁، يسأل عن معنى قول الله، : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وما ذكر مكي في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له: إن هذه الآية محكمة، إلا ما خصصته السنة من الحج عن الميت، فهل يجوز لأحد أن يعتمر عن أحد، أو يقرأ قراءة، ويتصدق بفضلها على حي أو ميت، أو لا يجوز شيء من ذلك، إلا الحج عن الميت خاصة؟
فجاوب، وفقه الله على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وقد قيل في قوله الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، إنها آية محكمة غير منسوخة، إلا ما خصص منها بالسنة، كما قال مكي، ﵀، وقيل: إنها منسوخة بقول الله : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانهم ألحقنا بهم ذرياتهم) وليس ذلك يبين؛ لأن
стр. 1157
النسخ إنما يكون فيما تعارض من القول، ولا يمكن الجمع بينه بتأويل، وليس في قول الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] نص على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له عمل غيره، ولم يعمله لنفسه؛ ألا ترى أنه لو قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] أو سعاه له غيره لا لنفسه، أو نوى عمله ولم يعمله، لم يكن كلاما متنافيا.
والآية إنما هي إعلام بما في صحف موسى وإبراهيم ﵉؛ فإن كانت على عمومها في جميع الأحوال فليس هذا حكم أمة النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد تفضل عليها بأن كتب لها كثيرا مما لم تعمل، على ما نطق به القرآن، وتظاهرت به الآثار.
من ذلك قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥]. فدل على أنه يستوي القاعدون من أولي الضرر مع المجاهدين.
وقال ﷺ في بعض غزواته: " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا وهم معكم، حبسهم العذر ".
وقال ﷺ : " ما من امريء تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته ر، وكان نومه عليه صدقة ".
وقال ﷺ : " ما من داع يدعو إلى هُدى إلا كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ".
стр. 1158
وقال ﷺ للرجل الذي قال له: إن أمي قد افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ ، نعم.
وخرج سعد بن عبادة مع رسول الله ﷺ ، في بعض مغازيه، فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيما أوصي؟ إنما المال مال سعد؛ فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة قيل ذلك له، فقال سعد، يا رسول الله، هل ينفعها أن أنصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها. لحائط سماه.
فاتفق أهل العلم على أنه يجوز أن يتصدق الرجل عن الرجال، ويعتق عنه، وعلى أنه لا يجوز أن يصلي أحد عن أحد؛ واختلفوا في الصيام والحج، والمشي، فمالك لا يرى أن يحج أحد عن أحد، إلا أن يوصي بذلك، فتنفذ وصيته، لما جاء في ذلك عن النبي ﷺ ومراعاة للاختلاف فيه.
وأما من مات وعليه صيام، أو نذر مشي، فلا يصام عنه، ولا يمشي عنه، ولا تنفذ وصيته في ذلك، وإن أوصى به. ويهدي عنه في المشي، قيل: هديان، وقيل: يهدي عنه من الهدايا بقدر الكراء، والنفقة، ويطعم عنه في الصيام: مد عن كل يوم لكل مسكين.
وسحنون يرى أن تنفذ وصيته بالمشي، كما تنفذ وصيته بالحج، وابن كنانة لا يرى أن تنفذ وصيته لا في الحج، ولا في المشي، واستحبَّ مالك لمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي له بما وعده به من ذلك.
стр. 1159
وإن قرأ الرجل القرآن، ووهب ثواب قراءته لميت، جاز ذلك، وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه، إن شاء الله.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٣٤٠]- شرح القاعدة: " كل فذ بان، وكل مأمومٍ قاض ".
وسئل، ﵁، فيما ذكره أبو محمد ابن أبي زيد، في مختصره في كتاب الصلاة، من قوله: " كل فذ بان، وكل مأموم قاض "، كيف وجه ذلك؟. ولأي وجه كان ذلك؟.
فقال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وما ذكر ابن أبي زيد في مختصره صحيح على مذهب مالك، وعامة أصحابه، وذلك أن المأموم يقضي ما فاته من صلاة الإمام، إذا سلم الإمام على حسب ما فاته: إن فاتته الركعة الأولى من صلاة الصبح، أو المغرب، أو العشاء الآخرة، قضاها بالحمد وسورة، وجهر فيها بالقراءة، وإن فاتته الركعة الأولى من صلاة الظهر، أو العصر، قضاها إذا سلم الإمام، بالحمد وسورة سرا، كما فاتته.
والفذ إذا ذكر في آخر الصلاة أنه قد بطلت عليه الركعة الأولى، بنسيان سجدة منها، أو ما أشبه ذلك، بنى على الثلاث ركعات، التي معه، ركعة رابعة، عوض الركعة الأولى التي بطلت عليه، فقرأ فيها بالحمد وحدها، سرا، من أي الصلوات كانت، ما عدا الصبح، وسجد قبل السلام؛ لأنه تجتمع عليه في صلاته زيادة ونقصان.
стр. 1160
فهذا هو الفرق بين البناء للفذ، والقضاء لمأموم؛ وإنما افترق حكم المأموم في هذا من حكم الفذ من أجل أن الصلاة للمأموم مرتبطة بصلاة إمامه. فإذا فاتته الركعة الأولى، فقد صلى معه الثانية والثالثة، والرابعة، فلا يصح أن يجعل الثانية، التي صلى معه، أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، ثم يتم رابعة بعد سلام الإمام، فيكون قد خالفه في أن صلى الصلاة معه على خلاف ما صلاها هو عليه من تغيير الركعات.
هذا من جهة المعنى، وهو، أيضا، بَيِّنٌ من جهة اتباع ظاهر السنة الواردة في ذلك عن النبي ﷺ ، من قوله: " إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا "؛ لأنه أَمَرَ ﷺ ، من فاته شيء من صلاة الإمام أن يتم، على ما صلى معه، ما فاته، والذي فاته: الركعة الأولى، فوجب أن يصليها على الصفة التي فاتته، والمنفرد لا يصح له أن يجعل الركعة الأولى، التي بطلت عليه، آخر صلاته، فيكون إذا فعل، قد غير رتبة الصلاة، بأن جعل الركعة الأولى آخر صلاته، وخالف أيضا، ظاهر قول النبي ﷺ : " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يرد أن كان صلى ثلاثا، أو أربعا، فليصل ركعة، ثم سيجد سجدتين، وهو جالس، قبل التسليم "؛ لأن الظاهر من قوله أنه أمره أن يبني
следующие страницы →