Полный текст (1 216 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
[١٠٧]- زق خمر وزق خل، اختلط ما فيهما بعد الانفتاق .
وسئل، ﵁، عن مسلم كان له زق خل، ولنصراني زق خمر، انفتق الزقان جميعا، وسال ما فيهما إلى مطمئن من الارض، واختلطا، وقد استحالا خلا، أو استحالا خمرا، فقال وفقه الله:
الاستحالة إلى خل.
إذا استحال جميع ذلك خلا، ملأ المسلم زقه، وأخذه وانتفع به، لأنه تخلل بطبعه، من غير صنعة لأحد في ذلك، فأشبه الخمر إذا تحلل من غير تخليل أحد له.
الاستحالة إلى خمر
وان استحال خمرا، ملأ النصراني زقه، فذهب به، ويهراق جميع الباقي على المسلم.
ولا يصح أن يقال: يعطى جميع الخمر للنصرانى، ويضمن النصرانى للمسلم مثل خله، من وجهين:
أحدهما: أن ذلك بيع للخمر، ولا يحل ذلك للمسلمين.
والثاني: أن النصراني لم يقع منه قط تعد، فلم يلزمه شىء؟ أرأيت لو أن النصراني إذا طولب بضمان خل المسلم، قال: اني أترك له هذا الخمر كله: نصيبي ونصيبه أكان يلزمه شىء؟ فاذا بطل الضمان هنا،
стр. 352
بطل هنالك. والله المستعان
[١٠٨]- ضمان ما يهترق من المائعات عند الكيل .
وسئل، أدام الله توفيقه، عن اختلاف بعض الناس في المكيال، إذا امتلأ ممن ضمانه، من البائع أو من المشترى؟ أرأيت إذا صب جميع ما في المكيال في القمع، فسقط القمع واهترق / ما فيه، وقد جرى بعض ماكان فيه في آنية المشترى، أو لم يجر منه شىء أصلا، هل يدخل في ذلك القولان؟.
الضمان على البائع.
فقال، أدام الله توفيقه: ما لم يصر في اناء المشترى فان ضمانه باق، على القول بأنه لابد من حق التوفية، سواء اهترق من المكيال عه أو من القمع.
فقال السائل: أليس القمع من منافع المشترى، والبائع قد تفضل ببذله له، والمشترى لو ساق اناء واسعا، لم يحتج البائع إلى صبه في قمع؟
فقال هو، أيده الله: وإن كان فإن البائع، إذا الزم نفسه صب ذلك في القمع لزمه كل ما حدث بعده.
هل يستطيع البائع رفض البيع لمن ليست لهم أوان واسعة؟
فقال له السائل: فما تقول، لو أن البائع قال إذا جاءه المبتاع
стр. 353
بالاناء، الذي لا يتأتي أن يصب فيه الا بقمع لا ألتزم ذلك، ولا أكيل لك شيئاً، حتى تأتيني باناء لا أحتاج فيه إلى قمع؟
فقال هو، أيده الله: ذلك له، والقول فيه قوله والله أعلم. وقال غيره، في المسألة بعينها، وفيما قاله الفقيه أبو الوليد ﵁: هذا كله صحيح، الا قوله: ان له أن يأبى من الصب في اناء لا بد فيه من القمع، فلا أقول به، ولا أراه، وأرى ذلك يلزمه، إذا كان من عادة الناس وعرفهم، كما يلزمه احضار كيل يكيل به اذ كان من عادة الناس وعرفهم لأن الذى يشترى الزيت، أو غيره مما يكال، فقد ترتب للمبتاع في ذمة البائع ذلك الكيل، على الوجه الذى يبيع الناس عليه، فقال السائل: فحاججت الغير في ذلك، فثبت عليه، وأبى الرجوع عنه، والقول الأول أحب إلى، لأن الكيل انما لزمه احضاره، لأن الكيل على البائع، لقول الله تعالى: «أوف لنا الكيل» وأما القمع فانما هو تفضل به البائع، فلا يلزمه ذلك الا أن يلزمه نفسه.
وبالله التوفيق.
[١٠٩]- حكم من أنكر ضرورة اللغة العربية للاسلام .
وسئل ﵁، عمن قال: لا يحتاج إلى لسان العرب، هل يلزمه شىء أم لا؟.
стр. 354
فقال، وفقه الله: هذا جاهل جدا، فلينصرف عن ذلك، وليتب منه، فانه لا يصح شىء من أمور الديانة والاسلام الا بلسان العرب، يقول الله تعالى: «بلسان عربى مبين»
فقال له السائل: ان قائل هذا القول ليس بجاهل، ولكن ممن يقرأ الحديث، والمسائل.
فقال، أيده الله: وان كان فان هذا منه جهل عظيم، فقال له، تب منه، وأقلع عنه، ولا يلزمه شىء، الا أن يرى أن ذلك منه لخبث منه في دينه، أو نحو ذلك، فيؤدبه الإمام على قوله ذلك، بحسب ما يرى، فقد قال قولا عظيما.
والله المتوفق للصواب.
[١١٠]- شرح نص من تلقين القاضى عبد الوهاب، حول
تتميم عتق العبد.
وقال الفقيه الإمام، الحافظ، أبو الوليد محمد بن رشد ﵁: سألنى سائل أن أوضح له معنى قول القاضى أبى محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادى المالكى، ﵁، في «التلقين» له:
стр. 355
«ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء، ومن بعض العتق باختياره له، أو بسببه، لزمه تكليمه، كان باقى العبد له، أو لغيره؛ بشرطين أحدهما وجود ثمنه، والآخر بقاء ملكه، وقيل في هذا: يلزم في ثلثه. وسواء كان أحد الثلاثة مسلما، أو ذميا».
معنى قوله: لا يخوز تبعيض العتق.
فقلت: أما قوله، في أول كلامه: «ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء» فانه كلام ليس على حقيقة ظاهرة، لأن تبعيض العتق هو: أن يعتق الرجل بعض عبده، أو شقصا له في عبد، ومن فعل ذلك لزمه العتق، ومضى عليه، بلا خلاف، ولزمه فيه حكم آخر، وهو التتميم، لأن النبي ﷺ انما قال: «من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه قيمة العدل».
الحديث.
ولم يقل: من أعتق شركا له في عبد له لم يجز، ولو قال ذلك، لوجب أن يرد عتق من أعتق بعض عبده، أو شقصا له في عبده.
فلا يصح أن يطلق في العتق: انه غير جائز، الا فيما يجب رده، كمعتق عبد غيره.
فمراده ﵁، بقوله: «يجوز تبعيض العتق ابتداء»
стр. 356
أي لا يجوز اقرار العتق مبعضا، الا أن يمنع من تتميمه مانع»، وهذا مفهوم لا اشكال فيه، وإنما ذكرنا وجه مراده ليبين أنه ليس على حقيقة مقتضى كلامه، وان فيه تجاوزا، وللمخاطب أن يتجاوز في اللفظ، إذا امن من اشكال المعنى.
معنى اختيار العتق، أو سبب العتق.
قال ابو الوليد، ﵁: وأما قوله، «ومن بعض العتق باختياره له / أو بسببه لزمه تكميله، كان باقى العبد له أو [١٠٠] لغيره»: فاختياره للعتق هو أن يعتقه باختياره من غير أن يجب عليه عتقه، بنذر أو حكم.
وعتقه بسببه هو أن يجب عليه عتقه بأمر كان سببه منه من نذر، مثل أن يقول لله على أن أعتق نصف عبدى، أو حظى من هذا العبد، ان شفانى الله من مرضى وما أشبه ذلك، أو حنت مثل كذا وكذا، فيفعله، أو بحكم، مثل يشترى بعض من يعتق عليه.
وانما قال: باختياره له، أو بسببه. ولم يقل: باختياره له أو بغير اختيار، تحرزا من الميراث، اذ يعتق على من ورث شقصا في عبد، ممن اختياره، تحرزا من الميراث، اذ يعتق على من ورث شقصا في عبد، ممن يعتق عليه ما ورث، ولا يقوم عليه باقية، لم يكن له في عتقه
стр. 357
سبب من أجل أن الميراث جره اليه، بخلاف الذى يتريه هو باختياره.
ورأيت في بعض النسخ: «ومن بعض العتق باختياره، أو لسببه» باللام، وهو لاظهر، ومعناه: ومن بعض العتق باختياره للعتق، او باختياره لسبب العتق، فيكون على هذا، اختياره للعتق، أن يعتقه ابتداء. أو لنذر، واختياره لسبب العتق، هو أن يفعل ما يوجب عتقه عليه، من التمثيل به، او شراء من يعتق عليه، أو قبوله ممن وهبه له، أو أوصى له به، وما أشبه ذلك.
معنى الشرطين: وجود الثمن، وبقاء الملك.
قال أبو الوليد، ﵁: وأما قوله: إن التكملة تجب عليه في الوجهين، بشرطين: أحدهما وجود ثمنه، والآخر بقاء ملكه «فليس مراده أن الشرطين جميعا في كل واحد من الوجهين، وان كان ذلك ظاهر قوله، وانما أراد: بشرط وجود الثمن في الذى أعتق شقصا له من عبد باختياره له أو بسببه، اذ لا يحتاج إلى ثمن فيمن أعتق بعض عبده، لأن باقية له، فهو يعتق عليه من غير أداء ثمن.
وأراد ببقاء ملكه في الذى أعتق بعض عبده باختياره له، أيضا، أو بسببه اذ لا يتصور بقاء الملك فيمن أعتق شقصا له في عبد بينه وبين شريكه، اذ لم يبق له بعد فيه ملك يصح أن يشترط بقاؤه.
стр. 358
وأراد ببقاء ملكه: استدامة حياته، لأنه إذا مات، انتقل ملك ما بقى منه إلى ورثته، ولم يجب عتقه، وهنا قال: «وقد قيل، في هذا: يلزم في ثلثه» أي يعتق الباقى منه في الثلث، ان حمله الثلث، وان لم يحمله، عتق منه ما حمله الثلث، وكان الباقى رقيقا للورثة.
وهذا قول لا اعرفه نصا في المذهب، وهو يقوم منه بالمعنى.
وقد قيل: انه يعتق عليه بعد الموت باقية، من رأس ماله، حكى هذا ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه، ولم يحك عنه فيه اختلافا، وظاهر ما في المدونة يخالفه، وعليه عول القاضى، ﵀، فيما شرط في ايجاب تكميله من بقاء ملكه، اذ هو الصحيح في القياس والنظر، لا ما حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، اذ ليس للميت بعد موته من ماله الا ثلثه، فاعتاقه عليه بعد موته من راس المال، ظلم للورثة، وانما يصح أن يعتق بعد موته، على مذهب من يرى أن جميعه حر بنفس عتق بعضه بالسراية.
وقد قال بعض من لم يبن له وجه قوله: «وقيل في هذا يلزم في ثلثه» هو خطأ، واظنه: «ومثل هذا يلزم في ثلاثة، أي: في العبد يكون بين ثلاثة أشراك».
وهذا فاسد؛ اذ لا يتصور الحكم الذى ذكره الا في الذى يعتق بعض عبده.
صورة تتميم العتق.
قال أبو الوليد، ﵁: وأما قوله: وسواء كان أحد الثلاثة مسلما أو ذميا»، فيريد بالثلاثة: العبد، والسيدين الشريكين فيه، فأراد: أن الحكم العبدين الشريكين يعتق أحدهما حظه منه، سواء
стр. 359
كان أحد الثلاثة مسلما، والأثنان ذميين، أو أحد الثلاثة ذميا، والاثنان مسلمين.
واحد ذمى والاثنان مسلمان.
فأما إذا كان أحد الثلاثة ذميا، والاثنان مسلمين، فلا اختلاف في وجوب التقويم، كان الذمى هو الشريك الذى أعتق، أو الشريك الذى لم يعتق، أو العبد.
واحد مسلم والآخران ذميان.
وأما إذا كان أحد الثلاثة مسلما، والاثنان ذميين، ففى ذلك تفصيل:
أما إذا كان الشريكان هما الذميين. والعبد مسلما فلا اختلاف في وجوب التقويم على من أعتق حظه منها؛ لأنه إذا كان العبد المسلم يقوم على المسلم، إذا أعتق حظه منه، فأحرى أن يقوم على النصرانى إذا أعتق حظه منه.
وكذلك إذا كان الذميان هما العبد والسيد الذى لم يعتق، لأنه حكم بين مسلم ونصرانى.
واما إذا كان الذميان هما العبد والسيد الذى اعتق حظه فمذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة: أنه لا يقوم على المعتق. وقال أشهب، ابن نافع: يقوم عيه، لأن الحكم انما هو [١٠١] بين / السيدين، وأحدهما مسلم. وهذا القول تقلد القاضى، ﵀، لا قول مالك، ولذلك قال، «وسواء كان أحد الثلاثة مسلما، او ذميا».
стр. 360
وبالله تعالى التوفيق.
[١١١]- نص ثان للقاضى عبد الوهاب حول ازالة النجاسة .
وسئل الفقيه الإمام، الحافظ، أبو الوليد ابن رشد، أدام الله توفيقه، عن قول القاضى أبى محمد عبد الوهاب، ﵀، ايضا، في «التقلين:
«وأما ازالة النجاسة فاختلف هل هى من شروط الصحة، أوليس من شرطها؟ فاذا قيل: انه ليس من شرطها، فلا نقول: انه ليس بفرض، ولكنه ليس كل الفروض من شرط الصحة، فذا قيل: انه من شرط الصحة، فذلك مع الذكر
والقدرة».
ازالة النجاسة لا تكون فرضا، إذا لم تكن شرط صحة.
فقال وصل الله توفيقه وتأييده: أما قوله: «فاذا قيل: انه ليس من شرطها فلا نقول: انه ليس بفرض، ليس كل الفروض من شرط الصحة». فانه كلام فيه نظر، لأنه جعل ازالة النجاسة من فروض الصلاة، مع أن ذلك ليس من شرط صحتها.
وقد اختلف فيمن صلى بنجاسة، عامدا. هل يأثم، او لا يأثم، فعلى القول بأنه لا يأثم، ليست الازالة بفرض، على حال، وعلى القول بأنه باثم لا يصح اطلاق القول بأن ذلك من فرائضها.
وان قيل: أنه فرض فيها، فمعناه: انه يأثم بتركه عامدا، اذ لا يعد من فرائض الصلاة الا ما
стр. 361
تبطل بتركه مع القدرة عليه.
ألا ترى أن الخشوع في الصلاة واجب فيها، فريضة، وليس ذلك بمعدود في فرائضها، من أجل أنها لا تبطل صلاة من لم يخشع في صلاته، أو في شىء منها.
وكذلك ترك الصلاة في المكان المغصوب فريضة، ولا يعد ذلك من فرائض الصلاة وما أشبه ذلك كثير.
حول الذكر والقدرة في ازالة النجاسة
قال أبو الوليد ﵁: وأما قوله: واذا قيل: انه من شرط الصحة، فذلك مع الذكر والقدرة، فليس بصحيح، لأن ابن وهب يرى ذلك شرطا في صحتها، على كل حال، فيوجب الاعادة على من صلى بثوب نجس، أو موضع نجس، أبدا وان كان ناسيا، أو مضطرا إلى ذلك، وكلامه يقتضي أنه لا خلاف في ذلك.
أصل الاختلاف.
والاصل في هذا الاختلاف اختلافهم في الطهارة من النجاسة في الصلاة هل هي فرض أو سنة:
فمن رآها فرضا، أوجب الاعادة على من صلى بنجاسة أبدا على أي حال كان وهو مذهب ابن وهب فعلى قوله، تأتي ازالة النجاسة مشترطة في صحة الصلاة اشتراطا مطلقا.
ومن رآها سنة من السنن، التي الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غيره، خطيئة لم يوجب الاعادة على من صلى بنجاسة على أي حال كان من
стр. 362
سهو أو عمد، الا في الوقت استحسانا مراعاة للخلاف فعلى هذا القول تأتي ازالة النجاسة في الصلاة غير واجبة ولا مشترطة في صحة الصلاة أصلا.
الاعادة بين أشهب وابن القاسم.
واختلف الذين ذهبوا إلى أنها من السنن التي الأخذ بها فضيلة، وتركها خطيئة.
فمنهم من لم ير الاعادة، أيضا، على من صلى بنجاسة على أي حال كان من سهو أو عمد، الا في الوقت استحسانا مراعاة للخلاف، وهو قول أشهب في رواية البرقي عنه، وظاهر ما في المدونة في مسألة المحاجم.
ومنهم من أوجب الاعادة، أبدا، على من صلى بنجاسة عامدا من غير ضرورة، من ناحية التهاون بالصلاة، يترك سنة من سننها عامدا، وهو المشهور من قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وهذان القولان المبنيان على أن الطهارة، من النجاسة للصلاة، من سننها التي الأخذ بها فضيلة، وتركها خطيئة، تقلد القاضي، ﵀ ونفى ما سواهما فقال على قياس القول الأول منها: ان ازالة النجاسة من فرائض الصلاة، وغير مشترطة في صحتها على حال، وقال على قياس القول الثاني منهما: ان ذلك مشترط في صحتها، مع الذكر
стр. 363
والقدرة، وقد مضى الكلام على ذلك من قوله.
أقسام فرائض الصلاة باعتبار الصحة، والذكر والقدرة.
قال أبو الوليد ﵁: ففرائض الصلاة، على ما قاله، تنقسم على أربعة أقسام:
أحدهما: فرض مطلق، غير مشترط في صحة الصلاة، يأثم المصلي يتركه عامدا، ولا تبطل بذلك صلاته، كالخشوع فيها والاعتدال في الرفع من الركوع، والسجود وترك الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة [١٠٢] بالثوب / النجس، على أحد القولين في التلقين.
والثاني فرض مطلق، مشترط في صحة الصلاة، كالنية، والطهارة، من الحدث، وكالطهارة من النجاسة، على قول ابن وهب.
والثالث: فرض مشترط في صحة الصلاة، مع القدرة كالتوجه إلى القبلة، والركوع، والسجود، وما أشبه ذلك، وكستر العورة، على مذهب من يرى ذلك من فرائض الصلاة.
والرابع فرض مشترط في صحة الصلاة مع الذكر والقدرة، كترك الكلام في الصلاة والصلاة بالنجاسة، على المشهور من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وهو القول الثاني في التلقين.
وقد قيل في ترك الكلام في الصلاة: انها سنة وانما يعيد من تكلم فيها عمدا، غير مضطر إلى الكلام، في غير اصلاح الصلاة، من ناحية التهاون بصلاته بترك سنة من سننها عامدا،
стр. 364
فالاختلاف في ترك الكلام في الصلاة: هل هو فرض أو سنة، انما يعود إلى الاختلاف في عبارة وانما اختلفوا في الكلام فيها لضرورة اصلاحها.
وبالله التوفيق.
نص ثالث للقاضي عبد الوهاب: حول فرائض الصلاة، وسننها، وفضائلها.
قال أبو الوليد، ﵁ وقوله في أول الباب: ان الصلاة مشتملة على فروض وسنن وفضائل والفروض ضربان، منفصلة ومتصلة إلى آخر قوله فيه، أيضا نظر، لأن الشيء لا يشتمل على ما هو منفصل عنه وانما يشتمل على ما هو داخل فيه وغير منفصل عنه. وتحقيق القول في هذا: ان الصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، منها فروض، ومنها سنن ومنها فضائل.
فرائض الصلاة.
فالفرائض منها ثمانية على مذهب مالك، هي أركانها التي لا تجزى الصلاة دون شيء منها، مع القدرة عليها، وهي تكبيرة الاحرام، وقراءة أم القرآن للامام والفذ، قيل في كل ركعة، وقيل في جملة الصلاة والقيام، والمتعين منه في كل ركعة على الإمام والفذ قدر ما يقرأ فيه أم القرآن، وعلى المأموم قدر ما يوقع فيه
تكبيرة الاحرام، والركوع واختلف في الرفع منه، والسجود، والرفع منه والجلوس
стр. 365
الآخر والسلام.
سنن الصلاة.
والسنن منها ثمانية؛ يجب سجود السهو للسهو عنها، واعادة الصلاة على اختلاف، لتركها عمدا، وهي السورة التي تقرأ مع أم القرآن والجهر في موضوع الجهر، والاسرار في موضع الاسرار، والتكبير سوى تكبيرة الاحرام، والتحميد، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخر.
فضائل الصلاة.
وما سوى ذلك مما تشتمل عليه الصلاة من الافعال والأقوال، فضيلة، لا يجب السجود لنسيان شيء منها، ولا اعادة الصلاة لترك شيء منها عمدا، وان سمي شيء منها سنة، فلتأكيد فضيلتها على سواها، لا الحكم يجب على تاركها.
شروط وجوب الصلاة.
فصل، ولوجوب الصلوات الخمس، المشتملة على ما ذكرناه من الفرائض، والسنن، والفضائل خمس شرائط، لا تجب الا بها، وهي: البلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، ودخول الوقت، والاسلام، على القول بأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع.
стр. 366
شروط اجزاء الصلاة.
ولجوازها ست شرائط، متفق على أنه لا تجزئ إلا بها وهي: النية، والطهارة من الحدث، ومعرفة، والتوجه الي القبلة، وترتيب أفعال الصلاة، وترك الكلام.
فأما النية فهي فرض، على الاطلاق، إذ فرض لا يتصور ممن وجبت عليه عدم القدرة عليها، وكذلك ترتيب الأفعال للصلاة، وكذلك، أيضا معرفة الوقت، ولذلك تفسير.
وأما الطهارة من الحدث فقيل: انها فرض على الاطلاق، وقيل، انها فرض مع القدرة، وقيل: انها شرط في الوجوب.
فعلى القول بأنها فرض على الاطلاق، لا تجب على من عدم الماء والصعيد، والصلاة، حتى يجد أحدهما.
وعلى القول بانها فرض مع القدرة، إذا لم يقدر على الوضوء، ولا التيمم، صلى بغير طهارة.
وعلى القول بأنه شرط في الوجوب، إذا لم يقدر على الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت، سقطت عنه الصلاة.
وأما التوجه إلى القبلة فانه فرض مع القدرة، اذ تجوز الصلاة إلى غير القبلة، في حال المسايفة.
وأما ترك الكلام فانه فرض مع الذكر والقدرة، الا في اصلاح الصلاة على اختلاف / في ذلك. [١٠٣]
واختلف في ستر العورة، والطهارة في النجاسة، فقيل انهما من الفرائض المشترطة في صحة الصلاة على الاطلاق، وقيل انهما ليستا من
стр. 367
الفرائض المشترطة في صحة الصلاة أصلا وقيل انهما من الفرائض المشترطة في صحتها مع الذكر والقدرة.
وبالله التوفيق.
[١١٢]- نص رابع للقاضي عبد الوهاب حول مفسدات الصلاة
وسئل أيضا ﵁، عن قول في التلقين ويفسد الصلاة اثنتا عشرة خصلة: قطع النية عنها جملة، فأما تغييرها ونقلها فله تفصيل.
ما معنى قطع النية عنها جملة الذي لا اختلاف في أن الصلاة تفسد به؟ وما معنى التغيير والنقل؟ وهل هما شيء واحد عبر عنه بعبارتين مفترقتين، أو شيئان مفترقان؟ وما التفصيل الذي أشار اليه في ذلك؟
فقال وصل الله توفيقه وتأييده:
قطع النية.
أما قطع النية فهو رفضها، وابطالها، ومن فعل ذلك فقد أفسد صلاته، لأنه قطعها وخرج عنها؛ لأن شأن الصلاة أن يتصل عملها إلى آخرها، على النية التي أحرم بها، فان سها عن اسصحابها لم يضره
стр. 368
ذلك لبقائه على حكمها، اذ هو موصوف بها، ما لم يقطعها باعتقاد ضدها، كما أن المؤمن موصوف بالايمان، في حال سهوه عنه ما لم يرجع عنه باعتقاد ضده.
تغيير ونقل النية.
وأما التغيير والنقل فمفترقان، لأن التغيير هو أن يغير نيته في الصلاة نفسها، من حال إلى حال، والنقل هو أن ينقل نيته من صلاة إلى صلاة غيرها، ومن نافلة إلى فريضة ومن فريضة إلى نافلة.
صور تغيير النية.
فاذا غير نيته في الصلاة من حال إلى حال، مثل أن يحرم بنية صلاة سفر، فيغيرها إلى صلاة حضر، أو يحرم بصلاة حضر فيغيرها إلى صلاة سفر ففي ذلك تفصيل، كما قال، لأنه إذا أحرم بنية صلاة سفر، ثم غيرها إلى صلاة حضر فلا يخلو من أن يكون مسافرا أو حاضرا، ولا يخلو، أيضا من أن يكون فعل ذلك في الحالتين جميعا سهوا أو عمدا أو جهلا، وكذلك إذا أحرم بنية صلاة حضر، ثم غيرها إلى صلاة سفر لا يخلو من أن يكون مسافرا أو حاضرا ولا يخلو، من أن يكون فعل ذلك في الحالتين، جميعا سهوا، أو عمدا، أو جهلا.
فان كان مسافرا، فأحرم بنية صلاة سفر، غيرها إلى صلاة حضر، فاتمها حضرية، فان كان جاهلا أو متعمدا، أعاد في الوقت وبعده، وقيل: لا يعيد الا في الوقت. وان كان ساهيا، فقيل: يسجد لسهوه، ولا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت، وقيل: يعيد في الوقت وبعده.
стр. 369
وان كان حاضرا، فأحرم بنية صلاة الحضر، ثم حول النية إلى صلاة السفر، فسلم من ركعتين، فان كان جاهلا، أو متعمدا، أعاد أبدا، وان كان ساهيا، فذكر بالقرب، رجع إلى تمام صلاته، قيل بتكبير، وقيل تكبير، ويسجد بعد السلام، وان لم يذكر حتى بعد الأمر، استانف صلاته.
وأما إذا كان حاضرا، فأحرم بنية صلاة السفر، ثم غيرها إلى صلاة الحضر، فأتمها حضرية، كما وجب عليه، أو كان مسافرا فأحرم بنية صلاة الحضر، ثم غيرها إلى صلاة السفر، فسلم من ركعتين، كما وجب عليه، فصلاته، في الوجهين جميعا، فاسدة يعيدها أبدا، ناسيا كان أو جاهلا، أو متعمدا، لأن صلاته على أول نية فاسدة، فلا يصلحها تحويله بنية فيها إلى ما يلزمه من سننها.
تغيير النية من الظهر إلى الجمعة، والعكس.
فصل. ومن هذا المعنى أن يجد الرجل الإمام في التشهد في صلاة الجمعة فيدخل معه، على أن يصلي، إذا سلم، أربعا، فيذكر الإمام سجدة من الركعة الاولى فيقوم إلى ركعة، فقيل: انه يصليها معه، ويأتي بركعة، وتكون له جمعة تامة، وقيل انه يعيدها، ظهرا أربعا، من أجل أنه أحرم بنية أربع ثم حولها إلى نية الجمعة.
وعكسها أن يجد الإمام، وقد رفع رأسه من الركعة، في الركعة الثانية، فيكبر، ويدخل معه، وهو يظنه في الركعة الأولى، فقيل: انه
стр. 370
يبني على احرامه، أربعا، وقيل: انه يستانف الإحرام بنية الجمعة وهي ركعتان.
نقل النية.
وأما إذا نقل النية من نافلة إلى فريضة، بعد أن دخل في النافلة، أو من فريضة إلى فريضة، مثل أن يحرم بصلاة الظهر، وقد دخل وقت العصر، فيذكر أنه قد كان صلى الظهر فينقل نيته إلى صلاة العصر، فلا اختلاف في أن الصلاة لا تجزئة بخلاف نقل نيته في الصلاة من الفريضة إلى النافلة، لأن / الفريضة تجمع نية الفريضة [١٠٤] والنافلة.
واختلف إذا انتقل بنيته من صلاة إلى صلاة، أو فريضة إلى نافلة، سهوا، فقيل: صلاته تامة، ولا يضره تحويل نيته سهوا، وهو قول أشهب، وروايته عن مالك، وقيل تبطل صلاته. ان طال ذلك، أو ركع، طال أو لم يطل، وهو مذهب ابن القاسم.
فهذا تفسير ما أجمله أبو محمد عبد الوهاب، ﵀، من هذا اللفظ في تلقينه
وبالله التوفيق. لا شريك له.
[١١٣]- آيات تحريم الصيد هل تخاطب المحرمين أم غيرهم ؟
وكتب اليه، وفقه الله، من مدينة لبلة، بهذا السؤال، ونصه،
стр. 371
الجواب، ﵁ في قوله تعالى: ﴿يأأيها الذين آمنوا، ليبلونكم الله بشيء من الصيد، تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾. [سورة المائدة الآية: ٩٥]
هل هذه الآية خطاب للمؤمنين فيما تنهى المحرم عنه من الصيد، أو هي خطاب لهم في غير مناسك الحج؟ وما الدليل أنها في الحج، أو غيره؟
فان عندنا رجلا يقول: انما يقول: ان هذه الآية في الحج، من لا يعرف القرآن ولا يفهمه، قال: وانما في المحرم: ﴿يأأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾
[سورة المائدة الآية: ٩٦]
قال: وليس للمحرم عذاب أليم، وانما عليه الجزاء، وانما العذاب الأليم لمن تعدى، فأكل الميتة، أو وجد الصيد ميتا، فأكله، أو باعه، وقال للناس: أني صدته، فهذا معنى قوله: ﴿فمن اعتدى ذلك فله عذاب أليم﴾.
وذهب في هذا كله، إلى صيد أهل الكتاب حرام دون كراهية، كتحريم الخنزير والميتة، واحتج في ذلك بهذه الآية، وقال: لا فرق بينه وبين لحم الخنزير، والميتة والدم.
فالرغبة إلى فضلك في بيان الحق والصواب ان شاء الله ومن اجازه من العلماء دون كراهية، وما الوجه الذي أجازوه من أجله؟ ومن كرهه منهم وما الوجه الذي كرهوه من أجله، ولم يلحقوه
стр. 372
بالحلال ولا الحرام المحض؟ وهل قال أحد من العلماء: انه حرام كالميتة، كما قال هذا الرجل، أم لا؟ فاني ما رأيت هذا الوجه قط.
وهل يجوز صيد أهل الكتاب، إذا علم أنهم لم يذكروا اسم الله عليه، عند من يقول بتحليل صيد اهل الكتاب مع قول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لا يذكر اسم الله عليه﴾
[سورة الأنعام الآية: ٢١]
كما يجوز أكل طعامهم، وهم يتجرون بالربا، مع قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ أم لا؟ [سورة آل العمران الآية: ١٣٠]
وكذلك حكم ما ذكروه وذبحوه من غير الصيد، وما الحجة عند من أجازه، وعند من لم يجزه منهم؟
مأجورا مشكورا، ان شاء الله تعالى.
الآية خاصة بالمحرمين.
فأجاب، أدام الله توفيقه: تصفحت السؤال ووقفت عليه، والصحيح في الآية أن المراد بها المحرمون، لأنها نزلت فيهم، كذلك قال جماعة من العلماء من أهل التفسير وغيرهم، وممن نص على ذلك ابن حبيب في الواضحة، وروى عن ابن عباس أنه قال: نزلت في هذه الآية بالحديبية ابتلاهم الله بالوحش، فكانت تغشي رحالهم كثرة.
стр. 373
ومعنى الابتلاء الاختبار، فأراد الله أن يختبرهم ليعلم من يخافه بالغيب منهم في ترك الصيد المحرم عليهم، تمكنه بهم ومعنى ليعلم أي ليعلم وقوع الطاعة والمعصية منهم، فيجازى الطائع بطاعته، ويعاقب العاصي على معصيته، أو يتجاوز عنهما، اذ قد تقدم علمه في الأزل بمن يطيعه ممن يعصيه، لا اله الا هو.
ومعنى قوله: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي من تجاوز فقتل الصيد، بعد علمه بالنهي. وقوله فله عذاب أليم. معناه عند من أوجب الجزاء على من قتل الصيد، متعمدا، ضرب وجيع وعند من لم ير الجزاء الا على المخطئ، أو الناسي لاحرامه المتعمد للصيد، عذاب أليم في الآخرة، وقيل: الاعتداء المعاودة ومن عاد فقتل ثانية، لم يكن عليه جزاء واستوجب النقمة، بقوله "ومن عاد فينتقم الله منه" وهو العذاب في هذه الآية، ذهب إلى هذا جماعة من العلماء.
حكم صيد أهل الكتاب.
وأما صيد أهل الكتاب فهو على مذهب مالك، ﵀، حرام لا يؤكل منه الا ما أدركوا ذكاته، فذكوه بما يذكى به النسي.
ودليله على ذلك توجه الخطاب، في اباحة الصيد إلى المسلمين دون الكفار، في جميع أي القرآن.
стр. 374
وذهب جماعة من أهل العلم إلى اباحة الصيد، لقول الله : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [سورة المائدة الآية: ٥]
وهو قول أشهب وابن وهب، [١٠٥] وعلى ابن زياد من أصحاب مالك واياه اختار سحنون.
وكرهه جماعة من أهل، منهم ابن حبيب، والكراهة من ذلك على مذهب من أجازه، بينة لوجهين:
أحدهما: مراعاة الخلاف لقول النبي ﷺ ﴿الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه الحديث﴾
والثاني: أن الصيد له حدود تلزم معرفتها، فاذا كان صيد الجاهل بها الذي لا يرع عن توقي ما يلزمه أن يتوقاه في صيده، مكروها فالذمي أحرى أن يكره صيده؛
ومن يجيز صيد أهل الكتاب لا يشترط في جواز ذلك التسمية اذ لا تصح التسمية منهم.
وقول الله : ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، قيل المراد بذلك التذكية لا التسمية، وقيل: المراد بذلك التسمية، الا أن الآية منسوخة بقول الله : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم لأن الله أباح بقوله هذا، أكل ذبائحهم، وهم لا يسمون الله عليها، وقيل: انها ليست بناسخة لها، وانما هي مخصصة.
стр. 375
فالتسمية على هذا شرط في صحة زكاة المسلم، قيل على كل حال وقيل: مع الذكر والقدرة، وهو مذهب مالك ﵀.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[١١٤]- شرح نص من المدونة، حول بيع العرية .
وقال أيضا الفقيه الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ﵁.
وقع في العرايا من المدونة: قال مالك: لا أرى بأسا لصاحب العرية أن يبيعها ممن له ثمر الحائط، وان كان غير الذي أعراه، بخرصه، قال لي مالك: أنه يجوز أن يأخذ ذلك، بخرصه، من استرى ثمر الحائط، أو استرى أصل الحائط بثمره، لأن الثمرة إذا طابت زايلت النخل.
فكتب إلى الفقيه، أبو عبد الله محمد بن جعفر، من أهل مدينة باغة، يسألني عن معنى قوله: لأن الثمرة إذا طابت زايلت النخل. وماذا علل به؟ ومعنى المسألة، جملة لأنه وجد في كتابه تنبيها عن بعض الشيوخ على ذلك:
انظر ففي كتاب أوصى من قول ابن القاسم: أن العرية لا تكون الا بعد طيب الثمر، وما في سماع أشهب ويحيى من كتاب الصدقات: ان الثمرة، إذا أعريت، لا يجوز بيع الأصل حتى تؤبر
стр. 376
الثمرة.
ورغب الي في بيان ذلك.
فأجبته بأن قلت له: تأملت المسألة التي أشرت اليها، ووقفت عليها.
وقوله فيها: لأن الثمرة إذا طابت، زايلت النخل لا يعود على ما ذكره من جواز بيع المعري عريته من غير الذي أعراه اياها بخرصها اذ لم يقصد إلى تعليل جواز الحد، الذي يجوز فيه ذلك، لأانه لم يقع الئؤال عنه، وانما سأله: هل يجوز بيعها بخرصها، بعد طيبها، من غير الذي أعراه اياها، كما يجوز ذلك من الذي أعراه اياها؟ فأجاز له ان بيعها بخرصها ممن له ثمرة الحائط دون الأصل، أو اشترى أصل الحائط بثمره، للعلة التي أنت عارف بها، وقد نص في الكتاب عليها.
ولا يعود أيضا، على اشتراء أصل الحائط، اذ لا يصح أن تكون علة له، لأن شراء أصل الحائط الذي فيه العرية، بثمرته، جائز، إذا كانت الثمرة قد أبرت، وأن لم تطب، باتفاق، لقول رسول الله ﷺ ﴿ومن باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع الا أن يشترطها المبتاع﴾ وانما اختلف في شرائه بثمرته، قبل الإبار، على ثلاثة أقوال:
стр. 377
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، لأن ثمرة العرية كان البائع استثناها لنفسه قبل الابار.
والثاني: أن ذلك جائز، اذ ليست في حكم المستثناة، لوجوبها للمعرى بالعرية قبل البيع.
والثالث: الفرق بين أن يبيعه باختياره، وبين أن يباع عليه في الدين، والثلاثة الاقوال قائمة كلها من المدونة.
اختلاف الموضوع بين نص المدونة والنصين المشار اليهما.
قال أبو الوليد، ﵁: وأرى الذي بناه على هذا اللفظ، بما وقع في سماع أشهب، وسماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات رده إلى أقرب مذكور، وتأول منه: أن بيع الحائط الذي فيه العرية بثمرته، لا يجوز، حتى تطيب الثمرة، وتزايل النخل، ورأى ذلك معارضا لما وقع في السماعين والمذكورين، في الذي يهب ثمرة حائط، أو يتصدق بها، ثم يبيع أصل الحائط، ان ذلك لا يجوز، حتى تؤبر الثمرة، فأخطأ [١٠٦] في تأويله، وساق الرواتين، أيضا، على غير وجهها، اذ ليستا في عرية، وانما هما في هبة وصدقة.
النص منحول على العتبية.
قال أبو الوليد، ﵁: وأما ما ذكر في كتاب أوصى من أن العرية لا تكون الا بعد طيب الثمرة، فلا أعرفه في العتبية، ولا هو صحيح، أيضا، لأنه يريد: أنه لا يجوز الإعراء في الثمرة،
стр. 378
الا بعد طيبها، فهو خطأ صراح، وان كان يريد أن شراء العرية بخرصها لا يجوز الا بعد طيب الثمرة، فسياقته من غير المدونة. وهو فيها مذكور مسطور، اغفال وقصور.
توجيه نص المدونة.
وانما يعود قوله: لأن الثمرة إذا طابت زايلت النخل على اشتراه ثمر الحائط دون الاصل، لأن ذلك هو الذي لا يجوز الا بعد طيب الثمر.
فوقع في الكلام تقديم وتأخير، أوجب الاشكال في المسألة، وتقديره دون تقديم وتأخير: قال لي مالك: انه يجوز أن يأخذ ذلك بخرصه من اشترى ثمرة الحائط، لأن الثمرة إذا طابت، زايلت، يريد فجاز شراؤها دون الأصل، أو اشتراه أصل الحائط برحمته.
وبالله تعالى التوفيق برحمته.
[١١٥]- مراطلة دراهم ثلثيه بثمنيه .
وكتب اليه ﵁، من بعض بلاد الأندلس بهذه المسألة يسأال عنها ونصها من أولها إلى آخرها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الجواب رضي الله عنك، في مسألة وقعت عندنا، وذلك أن رجلا أتى رجل بقطع ثمنية، فقال له: أبدلها لي بقطع ثلثية، فأجاب الرجل وجعل هذه الثلثية في كفة،
стр. 379
وهذه الثمنية في كفة أخرى، فلما اعتدل لسان الميزان أخذ صاحب الثلثية الثمنية، وأخذ صاحب الثمنية الثلثية.
فاستفتيا في ذلك، فقال لهما أحد الفقهاء: ذلك جائز حلال وقال لهما آخر: ذلك ربا، لا يجوز، فان فضة القطع الثلثية أكثر من فضة القطع الثمنية، وقد ورد عن رسول الله ﷺ ، بأن لا يشف بعضها على بعض، فان شف صار ربا.
وكذلك الذهب الشرقية بالذهب المرابطية، أو العبادية لا يجوز بيعها على هذا الوجه فان الذهب يتفاضل حينئذ.
وكذلك القراريط اليوسفية، لا يجوز أن تبدل بقطع ثلثية أو ثمنية، على ما ذكر، فان القراريط أكثر فضة، فيدخلها الربا.
وقال صاحبه: ذلك كله جائز، لأنه معروف وقد جوز ذلك مالك وغيره بأن يبدل الدينار الناقص بالوازن على جهة المعروف.
فقال الآخر: ليست المسألة تلك، وانما جوزه وغيره فيما خف، مثل الدينارين والثلاثة بأن يدفع الناقص، ويأخذ الوازن دون كفة ولا مراطلة على وجه المعروف وعلى أن يكون النقص يسيرا، ومسألتنا انما يبدلها لها بالميزان، على وجه المراطلة فافترقت المسألة من هذا الوجه ومن غيره.
فان قال قائل، نترك الكفة، ونبدلها كذلك مجازفة، صار أحرم
стр. 380
وأحرم، لأنها عيون مقطعة تجرى وزنا، وليست تجرى عددا.
بين لنا مذهبك في ذلك، وأي الجوابين أصح، بيانا، شافيا، مأجورا، موفقا ان شاء الله.
فأجاب وفقه الله، بهذا الجواب، تصفحت سؤالك ووقفت عليه.
وقد اختلف الشيوخ في الدنانير والدراهم المشوبة بالنحاس كالذهب الشرقية، والدراهم الثلثية.
فمنهم من حكم لها بحكم الذهب والفضة الخالصتين لتناول اسم الذهب والفضة لهما، ورأى ما فيها من النحاس ملغى، لا حكم له في الزكاة والنكاح، والسرقة، والمراطلة، واستدل على جواز المراطلة فيها بقول أشهب في كتاب الصرف من المدونة.
ومنهم من لم ير ذلك، واعتبر ما فيهما من الذهب والفضة دون النحاس في جميع الأحكام من الزكاة والنكاح وغير ذلك فلم يجز المراطلة فيها، وهو الصحيح الذي لا يصح القول بخلافه، لنهي النبي ﵇ عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق إلا مثلا بمثل.
ومعنى قول أشهب انما هو في اليسير على وجه المعروف بذليل قوله وانما يشبه ذلك البدل فلا حجة فيه لمن ذهب إلى اجازة ذلك.
وقد كان شيخنا الفقيه أبو جعفر، ﵀ يقول: لا يجوز على
стр. 381
مذهب مالك، مراطلة الذهب العبادية بالذهب العبادية ولا الشرقية، بالشرقية، لأن ذلك ذهب وفضة بذهب وفضة وذهب ونحاس بذهب ونحاس، ومن قوله: انه لا يجوز الذهب بالذهب ولا الفضة [١٠٧] بالفضة مع أحدهما، أو مع كل واحد منهما، عرض، وقوله ظاهر في القياس، والنظر، فكيف بمن يريد اجازة ما سألت عنه؟
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١١٦]- من دمي على رجل، وقد شهد عليه: أنه دمي على آخر قبل .
وسئل، ﵁، من مدينة اشبلية حرسها الله عن هذه المسألة، ونصها:
رجل دمى على رجل، فشهد من شهود التدمية جماعة أنه دمى، قبل ذلك، على رجل أخر، سماه، وأنه لما سئل عن ذلك، قال: انما كنت قلت، ذلك، لأني خشيت أن يرجع الي هذا، فيتم على. وقيد هذا المعنى على جماعة منهم، بألفاظ مختلفة، ومعان مختلفة.
تبطل التدمية الآخيرة.
فأجاب أيده الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا وما استنسخت فوقه، ووقفت على ذلك كله.
وما تقيد من شهود الشهود، الذين قيدت نصوص شهادتهم، يبطل
стр. 382
التدمية على يحيى بن ابراهيم، ويسقط القيام، بها، ان كانوا عدولا، لأن شهادتهم قد اجتمعت على أنه قد دمى، على غيره، وفي تدميته على غيره ابراء له.
ولا يصدق في قوله: إنه خاف أن يتم عليه، لأنه كمن أبرأ رجلا من حق، ثم قام يطلبه به، وقال: انما أبرأته لوجه كذا، مما يعتذر به ولأنه، أيضا، لا عذر له في التدمية على برئ، لم يرع، أولا، عن التدمية على برئ، اتهمناه في أنه لم يرع آخرا عن التدمية على يحيى بن ابراهيم، وهو برئ؛ اتهمناه، لأن المقتول، انما قبل قوله في التدمية، وان كان غير عدل، من أجل أن الفاسق ينيب عند الموت، فلا يتهم بأن يتقلد بدمه برئيا، فلما أقر هذا على نفسه بأنه لم يرع، أولا، عن أن يرمي بدمه برئيا، اتهمناه في أنه لم يرع عن مثل ذلك آخرا.
هذا هو الذي أقول به، على قياس قول ابن القاسم، سماع يحيى من كتاب الديات وغيره، ومذهب مالك الذي نعتقد صحته.
تقوى التهمة على المدمى عليه الأول.
واذا بطلت التدمية صار المدمى عليه في الحكم من قويت عليه التهمة بالدم، ولم توجد عليه بينة، ووجب أن يطال سجنه.
وقد حكى مالك، ﵀: أن الرجل كان يحبس في الدم باللطخ والشهبة، حتى أن أهله ليتمنون له الموت من طول حبسه،
стр. 383
فان طال بسجنه الدهر الطويل، ولم تظهر براءته، استحلف خمسين يمينا، وخلى سبيله والله سائله وحسيبه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١١٧]- تدمية متبادلة .
وسئل، أيضا، ﵁، عن رجلين تشاجرا، اسم أحدهما أبو الوليد، والثاني عبد الملك، فجرح أبو الوليد عبد الملك بسكين كان عنده، فاتبع عبد الملك أبا الوليد الذي جرحه فأدركه أخ له: اسمه محمد، ومع عبد الملك قريب له اسمه عمر، فحبس له محمدا، أخا أبي الوليد وقال له: اضرب، اقتل، فجرحه.
ودمي كل واحد منهم على صاحبه: دمى عبد الملك على أبي الوليد ودمى محمد أخو أبي الوليد على عبد الملك وقريبه عمر الذي حبسه وثبتت التدميتان، جميعا، الا أن البينة التي شهدت بتدمية محمد على عبد الملك، وقريبه عمر، لم تعاين الجرح الذي به، ومات محمد من جراحه فأراد أبو الوليد أن يقوم بدم أخيه محمد، على عبد الملك وعمر، وليس له، بالحضرة، من يقسم معه عليه، الا انه يدعي أن له بني عم ببلد آخر.
فهل يقتل عبد الملك بالقسامة قبل، أن تبرأ جراحه، التي دمى بها على أبي الوليد، أو يؤخر حتى يبرأ من جراحه ويسجن، وما الحكم في ذلك؟
стр. 384
فأجاب على ذلك وفقه الله تصفحت السؤال ووقفت عليه. وتدمية محمد على عبد الملك، وقريبه عمر، عاملة، وان لم يعاين الشهود الجرح الذي به، ان ثبت بغيره أنه كان مجروحا،
ولا يقتل عبد الملك بالقسامة حتى يبرأ من جراحه التي دمى بها على أبي الوليد، لأن في ذلك ابطال ما وجب عليه لأويائه من القسامة على قاتله.
والواجب في ذلك أن يسجن المدمى عليهم ثلاثيهم: أبو الوليد وعمر وعبد الملك، فان صح عبد الملك من جراحه، ووجد أبو الوليد، من بني عمه، من يقسم معه، أقسموا على عمر، وعبد الملك، وقتلوهما، جميعا، بالقسامة، لأن هذا مما يقتل فيه الاثنان بالقسامة.
وان مات عبد الملك من جراحه أقسم أبو الوليد، مع من وجد من بني عمه، على عمر، وقتلوه بقسامتهم، وأقسم، أيضا، أولياء عبد الملك على أبي الوليد، وقتلوه بقسامتهم. وبالله تعالى التوفيق. [١٠٨]
[١١٨]- هل تعتبر شهادة الواحد، غير العدل، لوثا يوجب القسامة ؟
وخوطب، أعلى الله قدره، وأسمى ذكره من العدوة، بهذه المسألة، يسأل عنها، وهي مسألة تدمية، ونصها من أولها إلى آخرها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. جوابك رضي الله عنك، في رجل قتل بين
стр. 385
أربع نفر، ولا يدرى منهم من قتله، ولم يحضر قتله حاشا امرأة واحدة.
فبرأ اثنان من الأربعة، وتنازع الاثنان في قتله، فكل واحد منهما يقول لصاحبه: انت قتلته.
فأخذهما الوالي، فسجنهما بنظره، وسرح الباقين.
ثم ان أخا للمقتول رصد أحد اللذين برأهما أصحابه، فقتله، ودمى عليه، وثبتت التدمية عليه، بشاهدين عدلين، عند القاضي، فقام والده يطلب دمه على قاتله، فقام والد المقتول الأول، وزعم ان دم ولده المقتول، أولا، عند المقتول آخرا، وأتى بشهادة تلك المرأة على موته من بين الأربعة النفر، المذكورين، فحلفه القاضي خمسين يمينا، كما يجب، فهل ترى ذلك جائزا أم لا؟
بين لنا ذلك معانا، موفقا، ان شاء الله.
اللوث عند مالك.
فأجاب وفقه الله، على ذلك هذا الجواب، ونصه تصفحت السؤال ووقفت عليه.
وما حكم به القاضي، من تحليف والد المقتول الأول خمسين يمينا، مع شهادة المرأة خطأ من الحكم وانما وجه الحكم في ذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، في أن اللوث لا يكون الا الشاهد العدل:
стр. 386
أن يقسم أولياء المقتول الثاني بما ثبت من تدميته على قاتله، ويقتلوه.
وأما على مذهب من رأى شهادة المرأة الواحدة لوثا فيقسم والد المقتول الاول، مع آخر من ولاته، خمسين يمينا: لهو قتل وليهما، فيستحقون بذلك دمه، ويبطل قيام من قام من ولاته طالبا له بالتدمية.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١١٩]- هل كرامات الأولياء حق ؟
قال الفقيه الإمام الحافظ أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ﵁ سألت - عصمنا الله واياك عن اعتقادات أهل البدع والأهواء ولا عدل بك وبنا عن الطريقة المثلى – عما يروى من كرامات الصالحين، وبراهين عباد الله المتقين، هل هي باطل يلزم ابطالها، والتكذيب لها، أو حق يجب التصديق بها، والاعتقاد، لصحتها، وما وجه ما تعلق به من أنكرها؟ والدليل الذي اعتصم به صححها وأثبتها؟
انكار الكرامات وسيلة أهل الزيغ لانكار المعجزات.
فأقول، والله الموفق للصواب برحمته، وتأييده، والهادي إلى المنهج المستقيم، بتوفيقه وتسديده:
ان انكارها، والتكذيب بها، بدعة وضلالة، بثها في الناس اهل الزيغ والتعطيل الذين لا يقرون بالوحي والتنزيل، ويجحدون أيات الأنبياء، والمرسلين، ولا يعتقدون ان لهم ربا وخالقا يفعل ما
стр. 387
يشاء، ويقدر على ما أراد، من جميع الأشياء كي يوقعوا في نفوس الجهال والأغبياء، ابطال معجزات الأنبياء، من ناحية ابطال كرامات الأولياء، اذ هي من قبيل واحد، في أنها ليست من مقدورات البشر.
واذا كان الله تعالى قد دل على صدق الأنبياء بالمعجزات، التي خرق لهم بها العادات، جاز أن يدل أيضا، على طاعة الأولياء في الحال والرضا عن عملهم فيها، بشرط موافاتهم عليها، بما أظهر على أيديهم من الكرامات، لطفا بهم، وبمن سواهم، ممن يطلع على ذلك، لما في ذلك من الحث على طاعته، التي جعلها سببا إلى ما أعد لهم من مثوبته وكرامته.
أدلة وجود الكرامة.
وذا جاز ذلك في العقل، ولم يمتنع، ولا جاء في الشرع ما يمنع منه، بل جاء فيه ما يدل عليه، من ذلك:
قول الله تعالى في كتابه ﴿الله لطيف بعباده، يرزق من يشاء﴾
[سورة الشوى الآية: ١٩]
وقوله [كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم، أني لك هذا؟ [سورة آل العمران الآية: ٣٧]
الآية إلى آخرها قال أهل التأويل كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف،
стр. 388
ومن ذلك ما روى النبي ﵇، في قصة جريح، وقصة الثلاثة نفر الذين أووا إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، إلى ما سوى ذلك مما يعز احصاؤه، ولا يمكن استقصاؤه، وجب لإيمان بها والتصديق بما صح منها.
طريقان لصحة الكرامة.
ولوجودها وصحتها، في الجملة، طريقان.
أحدهما: التواتر في النقل الذي يوجب العلم ويقطع العذر [١٠٩] وذلك أنه قد روى منها، ونقل مالا يحصى عدده، ولا يمكن حصره، على مر الأيام، وفي جميع الأزمان، ومع اختلاف المواضيع والبلدان هذا ما لا يمكن، أحدا دفعه، لما فيه من جحد الضرورة، الذي هو كمكابرة العيان.
стр. 389
والنقل، إذا اتصل على الحد والمثال، يوجب العلم بما تضمنه في الجملة، اذ لا يمكن أن يتوطأ جميع الناقلين له بهذه الصفة على نقل الكذب في جميع ما نقلوه، لكثرة عددهم، مع افتراق بلدانهم، وتباعد زمانهم، ولا أن يدخل الوهم والخطأ على جميعهم في ذلك، وان جاز على بعضهم، ولا أن يدخل الوهم والخطأ على جميعهم في ذلك، وان جاز على بعضهم؛ فوجب أن يعلم بنقلهم صحة ما نقلوه في الجملة دون التفصيل، كما علم بهذا الجنس من النقل سخاء حاتم طي وشجاعة على، ﵁، وحلم معاوية، لأنا انما علمنا ذلك بكثرة الروايات عن حاتم في مواهبه في حياته، وبكثرة الروايات عن على في اقدامه في حروبه، وكثرة الروايات عن معاوية في حلمه عمن جهل عليه في أيامه، مع القدرة على عقابه، وان جاز على بعض النقلة، في بعض ما نقلوه من ذلك، الوهم والكذب والخطأ.
والطريق الثاني، أن القول بها، والتصديق لها قد أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وقد حصل العلم بصحة ما أجمعوا عليه بقول النبي ﷺ " لن تجتمع أمتي على ضلالة."
لا حجة لمن ينكر الكرامة.
ولا وجه لما تعلق به من أنكرها وأبطلها الا الجهل والضلال، والحيرة، والعمى، اذ لا يجوز أن يدفع وينكر ما روى من الاشياء التي قد استفاضت، وشاعت، وذاعت الا أن يقوم الدليل على بطلانها،
стр. 390
والبرهان على استحالتها وهذا ما لم يقم دليل على بطلانه، ولا استحالته، بل قد قام الدليل على جوازه، ووجوده فوجب الاقرار به والحكم بفساد قول منكره.
العلاقة بين المعجزة والكرامة.
ولو جاز كرامة الأولياء بمجرد الدعوى، دون دليل، لجاز بذلك رد معجزات الانبياء لتساويهما في وقوع العلم بهما في الجملة دون التفصيل، لأن العلم لا يختلف في نفسه باختلاف الطرق في معرفته، ألا ترى أن العلم بأن الله إله موجود على ما هو به من صفات ذاته وافعاله، كالعلم بما علمناه بحواسنا من الاشياء، لا يفترق ذلك في كون المعلوم معلوما عندنا على ما هو به.
وقول من قال: ان خرق الله تعالى العادة معجزة، فلو خرقها للأولياء لكانوا بمنزلة الانبياء باطل، والفرق بين المعجزة والكرامة: أن النبي ﵇ يعلم إذا خرق الله له العادة، أنه خرقها له لتكون معجزة له، ومصدقة لرسالته، باعلامه اياه بذلك، فهو يتحدى الناس بها، ويعلم أيضا، أنه إذا أرسله رسولا: أنه سيفعل ذلك له قبل أن يفعل له ليصدق رسالته، ومن أكرمه الله من أوليائه يخرق عادة لا يعلم بها قبل أن تكون، ولا يعلم، إذا كانت، ان كانت الكرامة له
следующие страницы →