Полный текст (1 216 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الثلاثة الأرباع الكراء الذي كان رضي به من أولئك أم لا، وهو يأتي معاملة صاحب الربع، والاقتضاء منه؟ وهل إذا زاد صاحب الربع في ربعه، ورضي بذلك أصحاب الأنقاض هل لصاحب الثلاثة الأرباع أن يأخذ حصته من تلك الزيادة، اذ ليس ذلك ملكا لأحد منهم، انما لهم استغلال ما يصير في ذلك من الخروج والمنفعة؟ وهل ان اجتمعوا كلهم على الزيادة في الكراء، وأبى ذلك أصحاب الأنقاض هل [١١٨] لهم أن يقوموا عليهم ويعطوهم فيه قيمة أنقاضهم أم ليس لهم التقويم، إذا كانوا لا يلحقون الأنقاض بالحبس، وانما يريدون أن تكون ملكا لهم خلاف القاعة؟ وهل لصاحب الربع أن يقوم على أصحاب الأنقاض ربع الأنقاض أم لا؟
وهل يجوز لهم أن يقتسموا الخرج، فيخرج كل واحد منهم بقدر حصته، إلى دور معلومة، فيكون هذا مثل قسمة أرض الحبس قسمة متعة، ليحرث كل واحد منهم وينتفع، ومدة الكراء قد انقضت؟ وهل يدخل هذه القسمة الغرر والدين بالدين، أم لا يدخله ذلك؟
بين لنا جميع ذلك موفقا مسددا ان شاء الله.
стр. 422
لصاحب الربع تقويم الأنقاض على أربابها
فجاوب، وفقه الله: ان لم يتفق صاحب الربع مع أرباب الأنقاض على كراء حظه، فله أن يأخذ جميع الأنقاض بقيمتها مقلوعة لنفسه، دون أن يلحقها بالحبس، الا أن يشاء صاحب الثلاثة أرباع أن يأخذ منها بقدر حصته. فان لم يشأ ذلك، وسلم له أخذ جميعها، لم يلزمه أن يأخذ منه في كراء حظه من القاعة ما كان رضي أن يأخذه من أرباب الأنقاض.
العلاقة بين صاحب الربع وصاحب الثلاثة أرباع فيما يخص الأرض المبنية.
فان اتفقا في ذلك على ما يجوز بينهما، والا أكريت الدور قائمة على ما هي عليه، وفض الكراء بينهما على قدر قيمة ثلاثة أرباع القاعة وقيمة الربع مع جميع الانقاض.
كراء الحصص على حدة.
وان أكرى كل واحد منهما حصته على حدة، فله ما أكراها به، وليس لصاحبه عليه فيه دخول.
الكراء صفقة واحدة
وان اجتمعا على الكراء صفقة واحدة، فلا يجوز أن يخرج أحدهما في حصته إلى بعض المكرين دون بعض، وانما الذي يجوز أن يقتسما ما على كل واحد منهم، أو يجتمعا على التقاضي، فيقتسما بينهما ما تقاضياه على حكم الشركاء في الديون، تكون لهم على غرمائهم.
وبالله التوفيق.
стр. 423
[١٢٦]- عقد تحبيس مؤبد على الابن مع شرط الرجوع
مسألة خوطب بها من غرناطة، يسأل عنها، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كتاب حبس مؤبد عقده فلان بن فلان لابنه الصغير فلان في حجره وولاية نظره في الحوانيت الخمسة التي بحاضره غرناطة حدها كذا حبسها على ابنه فلان المذكور، وعلى عقبه وعقب عقبه، الذكران والاناث ما تناسلوا وامتد فرعهم. فان انقرض أو انقرض عقبه، رجع الحبس إلى الحبس ان كان حيا، أو إلى أقرب الناس بالمحبس، ومن انقرض منهم عن غير عقب، رجع نصيبه إلى الباقين، فان انقرضوا، ولم يكن للمحبس قرابة، رجع إلى المرضى المجذومين والعميان بغرناطة سواء بينهم.
وشرط في حبسه: ان احتاج اليه، وأدركته فاقة، وضغطة، باعه وانتفع بثمنه، عند ثبوت فاقته، وحاجته، لوجه الله العظيم.
وتولى احتياز ذلك من نفسه لابنه فلان المذكور بما يحوز به به الآباء لمن يلون أمرهم من صغار الأبناء، إلى أن يبلغ القبض لنفسه بعد معرفته بقدر ذلك، ومبلغه شهد.
المحبس كتم هذا الحبس حتى توفي الابن
تأمل، رضي الله عنك، العقد الواقع فوق هذا المحبس عقد هذا التحبيس لابنه، وكتمه عنه، وعن سائر الناس، حتى ملك الابن نفسه أزيد من ثمانية أعوام، ثم توفي الأب، فورث الابن الحبس المذكور مع سائر ما تخلفه له أبوه، اذ كان منفردا بميراثه، وعاش مدة طويلة،
стр. 424
ثم توفي في طريق الحج، وصحت وفاته، فظهر هذا التحبيس بعد أن صح موته.
أفتنا، يرحمك الله، هل يورث عنه كما ورثه، ويبطل التحبيس، أم يصح، ويرجع لمن أرجعه المحبس؟ مأجورا موفقا ان شاء الله.
الحبس يتحول وصية
فجاوب، ﵁، على ذلك: تصفحت السؤال، ونسخة عقد التحبيس الواقعة فوقه، ووقفت على ذلك كله.
وما تضمنه عقد التحبيس من رجوع الحبس إلى المحبس، ان انقرض المحبس عليهم في حياته، يوجب أن ينفذ الحبس بعد موته من ثلثه، على سبيل الوصية أجيز عنه في حياته، أم لم يجز، على ما جاءت به الروايات عن مالك وأصحابه ﵏ في العتبية والموازية وغيرهما من الدواوين.
والواجب: أن ينظر إلى قيمة الحوانيت المحبسة يوم مات المحبس والى ما تخلف من المال: فان حملها الثلث نفذ التحبيس فيها للمرجع،
стр. 425
وان لم يحملها الثلث، نفذ ما حمله الثلث، وكان الباقي ميراثا عنه لورثته، وورثة وورثته.
والله ولي التوفيق.
[١٢٧]- حول الحديث الأول من موطأ مالك:
تأخير المغيرة لصلاة العصر.
مسألة أتت من مدينة سبتة حرسها الله.
جوابك - رضي الله عنك - في حديث مالك في [١١٩] موطئه: أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما، فدخل عليه ابو مسعود الأنصارى فقال: ما هذا يا مغيرة؟ منكرا عليه ذلك على ما جاء في نص الحديث إلى آخره، وانقياد المغيرة لما أنكره عليه أبو مسعود، وتسلسمه له ما أنكره عليه.
أين موضع الحجة لأبي مسعود على مغيرة من الحديث؟
وقفنا - أعزك الله - على موضع النكتة، التي احتج بها أبو مسعود على المغيرة وبيها موفقا مشكورا ان شاء الله تعالى، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
شرح الحديث.
فجاوب، ﵁، عليها بالجواب الذي نصه: تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك ووقفت عليه.
стр. 426
ووجه الحديث: أن أبا مسعود، لما رأى المغيرة قد أخر الصلاة عن الوقت الذي صلاها جبريل ﵇ بالنبي، ﷺ ، حين أقام له وقت الصلاة، وعلم أنه قد علم الوقت الذي صلاها فيه حين أقام له وقتها، كما علم هو ذلك، أنكر عليه فعله في تأخيرها عن ذلك الوقت وقرره على مخالفته للحديث مع علمه به، فقال له، موبخا على ذلك: ما هذا يا مغيرة، أليس قد علمت أن جبريل صلاها بالنبي ﵇ حين أقام له وقت الصلاة، قبله؟ ولعلمه بأنه قد علم الوقت الذي صلاها جبريل بالنبي ﷺ فيه، سكت عن أن يبين ذلك له في الحديث فيقول: اليس قد علمت أن جبريل نزل، فصلى فصلى رسول ﷺ ، في وقت كذا ثم صلى، فصلى الله عليه وسلم في وقت كذا، واكتفى بأن قال: أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى الله عليه وسلم ثم صلى، فصلى الله عليه وسلم الحديث وفهم المغيرة ذلك من مراده، فسلم له بقيام الحجة عليه، فهذا وجه حجة أبي مسعود عليه بالحديث. فالنكتة، التي هي موضع الحجة تقريره على العلم بالوقت، الذي صلى فيه جبريل بالنبي ﵇، بقوله: أليس قد علمت؟ وتوفيقه على أنه آخرها عن ذلك الوقت.
هذا بين من مساق الحديث، مفهوم من فحواه، قائم من معناه يجرى مجرى النص وان لم يكن في الحديث نصا.
стр. 427
الوقت الذي أخر اليه المغيرة صلاة العصر
والصلاة التي اخرها المغيرة بن شعبة هي صلاة العصر، بما دل على ذلك من غير هذا الحديث. ولم يؤخرها المغيرة إلى الوقت المنهي عن أن تصلى فيه وهو وقت الاصفرار، وانما صلاها، والله أعلم، قبل أن تصفر الشمس، وبعد القامتين المذكورتين في حديث امامة جبريل بالنبي ﵇.
فانما وبخه أبو مسعود على تركه لوقت الفضيلة وان كان مصليا لها، بعد في وقتها، لأن وقت الفضيلة في صلاة العصر هو ما بين القامة إلى القامتين، لقول جبريل للنبي ﷺ في ذلك، ما بين هذين وقت ودل أن ما بين القامتين وقت لها ما لم تصفر الشمس، وان لم يكن وقت فضيلة: قول النبي ﵇، في حديث أنس بن مالك: تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام ينقر أربعا، لا يذكر الله فيها الا قليلا وما روى عنه ﷺ من أن وقتها ما لم تصفر الشمس، من رواية ابن عمر وغيره.
стр. 428
وتوبيخه اياه على اياه على ترك الفضيلة كتوبيخ عمر بن الخطاب لعثمان بن عفان، ﵄، بقوله: آلوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ يأمر بالغسل؟ اذ جاء وهو يخطب، فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على ان توضأت.
وبالله التوفيق.
[١٢٨]- زينب بنت رسول الله ﵇، وزوجها
وسأله رجل من أهل جيان، في مسألة المدونة، وهي ما ذكر فيها عن عطاء بن أبي رباح أن زينب بنت رسول الله ﷺ كانت تحت أبي العاص بن الربيع، فأسلمت، وهاجرت، وكره زوجها الإسلام.
فبين لنا ما كانت عليه زينب، ﵂، قبل ذلك، وان قائلا قال: ان بنات النبي، ﵇، كن في وقت كذا على الشرك غير مسلمات.
فاشرح لي صواب القول في ذلك، بتوفيق الله تعالى، معانا ان شاء [١٢٠] الله تعالى.
стр. 429
فأجاب، ﵁، على ذلك بجواب نصه: تصفحت يا سيدى، أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرمته - سؤالك ووقفت عليه.
ولا امتراه في أن زينب بنت رسول الله ﷺ ، ورضي عنها، كانت على غير الإسلام، قبل أن تسلم، لأن الله ﵎ بعث نبيه، ﵇ بالايمان والاسلام، على فترة من الرسل، وقد درست الشرائع والأديان، وعم الكفر والضلال، وأشرك في عبادة الله الأوثان، وكان الله قد تولى نبيه ﵇، قبل مبعثه، فعصمه من الفواحش والأثام، وكره اليه ما كان عليه رهطه وعشيرته من عبادة الأوثان، وحبب اليه الانفراد والخلاء، فكان يذهب إلى التحنث في غار حراء، حتى جاءه الحق وهو فيه، ولا شك في تمسك بناته اللواتي ولدن قبل بعثه، بهدية، واتباعه على سيرته وفعله.
والله ولي التوفيق برحمته. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
[١٢٩]- أموال الولاة المعتدين، والمربطين، والمرتشين .
قال الفقيه، الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد ﵁:
ان سأل أحدهم عن حكم أموال الظلمة، والولاة المعتدين، ومن كان في معناهم، كالمرابين والمرتشين، وأشباهم من المخلطين، في خاصة
стр. 430
أنفسهم، وما يجوز من معاملتهم.
حالتان لهذه الأموال
فالجواب: أن ذلك ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن يكون الحرام قد ترتب في ذمة آخذيه، وفات رده بعينه، إلى أربابه ومالكيه.
والثاني: أن يكون الحرام قائما بعينه، عند آخذيه، ولم يفت رده بعينه، إلى أربابه ومالكيه.
صور الحالة الأولى: المال الحرام في الذمة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الحرام قد ترتب في ذمة آخذيه، وفات رده بعينه إلى ربه، ومالكيه، فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون الغالب على ماله الحلال.
والثاني: أن يكون الغالب على ماله الحرام.
والثالث: أن يكون ماله حراما، اما بأن لا يكون له ماله حلال، واما بأن يكون قد استهلك من الحرام أكثر مما كان له من الحلال، فيكون مستغرق الذمة بالحرام.
فأما الحال الأولى، وهى أن يكون الغالب على ماله الحلال،
стр. 431
فالواجب عليه، في خاصة نفسه: ان يستغفر الله تعالى، ويتوب اليه، برد ما عليه من الحرام لأربابه ان عرفهم، أو التصدق به عنهم، ان لم يعرفهم: فما كان من ذلك غضبا، أو سرقة أو خيانة، تصدق بوزنه، ان كان عينا، أو بالاكثر من قيمته يوم غصبه، أو الثمن الذي باعه به، إن كان عرضا، فباعه. وقد قيل: ان عليه أكثر مما انتهت اليه قيمته من يوم غصبه إلى يوم باعه، أو من الثمن الذي الذي باعه به.
وان علم صاحبه في ذلك كله، اداه اليه، وما كان من ذلك من تغريم مال أغرمه أهل عمله للوالي، الذي قدمه على وجه العداء، لزمه أن يغرم لهم جميع ما قبضه منهم، وارتفع اليه، وجرى على يديه، دفعه إلى الوالى الذي قدمه، أو استأثر به نفسه، وان لم يعرفهم بأعيانهم تصدق به عنهم.
وكذلك ما أهدي اليه لقول رسول الله ﷺ : هدايا الأمراء غلول كانت الهدية التي أهديت اليه على رد مظلمة، أو حكم بحق، أو قضاء بجور، غير أنها ان كانت على قضاء بجور، لزمه مع غرم الهدية، غرم ما أتلف على المحكوم عليه بالجور.
وما كان من ذلك من ربا، أربي فيه في عرض، أو دين، لزمه أن
стр. 432
يتصدق بالزائد على رأس ماله من الدين أو العرض، لقول الله :
﴿وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾
[سورة البقرة اللآية: ٢٧٩]
وان كان الربا من بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، متفاضلا، لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدا على ما اعطى، وان كان هو الذي أعطى الزائد، لم يلزمه الاستغفار.
وان كان الربا من بيع دنانير بدراهم، أو دراهم بدنانير، نظرة لزمه أن يتصدق بما زادت قيمة ما أخذ على ما أعطى، بصرف يوم يتحرى من ذلك. والاختيار: أن يتصدق بما زادت قيمة ما أخذ على ما أعطى، بأعلى الصرفين. وان علم من بايعه في ذلك كله، رد عليه ما أربى فيه معه.
فاذا فعل ذلك كله سقطت جرحته، وصحت عدالته وبرئ من الاثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه، وقبول هديته وأكل طعامه، باجماع من العلماء. [١٢١]
معاملة صاحب المال المشبوه.
واختلف إذا لم يفعل ذلك، في جواز معاملته وقبول هديته، وأكل طعامه فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب، وحرمه أصبغ، وقبول هديته وأكل طعامه محمول على ذلك.
وقال ابن القاسم هو القياس، لأن الحرام قد ترتب في ذمته، فليس
стр. 433
متعينا في جميع ما في يده من المال، بعينه شائعا.
وأما قول ابن وهب فوجهه: أن الحرام. لما اختلط بماله. صار شائعا فيه، فاذا عامله في شيء منه، فقد عامله في جزء من الحرام، فرأى ذلك من المتشابه، ومنع على وجه التوقي، لقول رسول الله ﷺ : ﴿الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى المشتبهات، استبرأ لدينه﴾
وعرضه الحديث.
وأما قول أصبغ فانه تشديد، على غير قياس، لأنه جعل ماله كله عينا حراما، لأجل ما خالطه من الحرام، فقال: ان من عامله فيه وجب عليه أن يتصدق بجميع ما أخذ، وهو بعيد،، والله أعلم.
ترجيح قول ابن وهب.
فترك معاملته والامتناع من قبول هديته، أولى لمن أراد التورع لاسيما إذا كان ممن يقتدى به.
والله الموفق لمن يشاء برحمته.
[٢]
وأما الحال الثانية، وهو أن يكون العالب على ماله الحرام، فالحكم فيما يجب على صاحبه، في خاصة نفسه، على ما تقدم سواء.
معاملة صاحب المال الغالب عليه الحرام.
وأما معاملته، وقبول هديته، فمنع من ذلم أصحابنا، قيل: على
стр. 434
وجه الكراهة وقيل: على وجه التحريم، الا أن أن يبتاع سلعة حلالا فلا بأس أن تشتري منه، وأن تقبل منه هبة، ان علم أنه قد بقي بيده ما يفي بما عليه من التباعات، على القول بأن معاملته مكروهة.
وأما لو ورث سلعة، أو وهبت له لجاز أن تبتاع منه، وأن تقبل هبة، قولا واحدا والله أعلم.
[٣]
وأما الحال الثالثة، وهي أن يكون المال كله حراما، اما بأن لا يكون له مال حلال، واما بأن يكون قد استهلك من الحرام أكثر مما كان معه من الحلال، فالواجب عليه، في خاصة نفسه، أن يتصدق بجميع ما في يديه من المال، أو بعضه، في وجه من وجوه منافع المسلمين، على اختلاف بين أهل العلم: هل حكم هذا المال، الذي قد جهل أهله حكم الصدقة، أو حكم الفيء؛ حتى لا يبقى معه منه شيء، الا ما يستر به عورته، ويسد به جوعته.
المديان وصاحب هذا المال الحرام كله.
والفرق بينه وبين المديان، الذي يترك له، إذا فلس، لبسة مثله وثوبا جمعته، إذا لم يكن لهما كبير ثمن وما يعيش به هو وأهله
стр. 435
الأيام اليسيرة: أن الغرماء عاملوا المفلس باختيارهم، فدخلوا معه على أن يلبس ما يشبه، وينفق على أهله وعياله، بخلاف هؤلاء، الذين لم يعاملوه، ولا دخلوا معه على ذلك، ولا أذنوا له في شيء منه.
معاملة صاحب المال الحرام.
وأما معاملته، ومبايعته في ذلك المال، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا تجوز مبايعته فيه، ولا معاملته، ولا قبول هديته، ولا أكل طعامه، وان كان الشيء الذي وهب، أو الطعام الذي أطعم، قد علم أنه اشتراه، أو ورثه، أو وهب له، لأنه إذا صار اليه، وملكه، بوجه من الوجوه، وجب لأهل تباعاته، فصار حكمه كحكم سائر ما في يديه، فلم يجز له اتلافه عليهم بهبة ولا غيرها، وان جهلوا؛ لأنه في حكم المديان الذي قد اغترقت الديون ذمته، لا تجوز هبته عندنا، خلافا لأهل العراق.
والقول الثاني: أن مبايعته ومعاملته تجوز في ذلك المال، وفيما اشتراه من السلع أو ورثة، أو وهب له، إذا عامله بالقيمة، ولم يحابه ولا تجوز هبته في شيء من ذلك ولا محاباته فيه.
ووجه هذا القول: أنه إذا عامله بالقيمة، لم يدخل على أحد من أهل تباعاته نقصا.
стр. 436
ترجيح
والقول الأول هو الصحيح: لأن البيوع على وجه المكايسة، لا تنفك من المغابنة فقد يكون الذي يأخذ أكثر من الذي يعطي، بما يتغابن الناس في مثله، في البيوع، وقد ترخص السلعة، التي باع منه، أو تغلو التي اشترى منه، فيكون قد أدخل على أهل تباعاته بذلك نقصا بغير اذنهم.
ولأنه في هذه الحال، لاستبداده بالحرام، وامتناعه من جريان الحق عليه، في حكم المضروب على يده، لا تجوز مبايعته؛ ألا ترى أنه لا يجوز له أن يقضي بعض أهل تباعاته دون بعض، ان علمهم، بخلاف من أحاط بماله، لأن الغرماء قد دخلوا معه على أنه يبيع [١٢٢] ويشتري، فهو مطلق على ذلك، ما لم يضربوا على يده ويفلسوه، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، على اختلاف من قول مالك ﵀ في ذلك.
والقول الثالث: أنه لا يجوز لأحد أن يبايعه في ذلك المال، فان باع منه أحد سلعة كانت تلك السلعة عليه حراما، وكان الثمن على البائع حراما.
فان باع هو تلك السلعة، التي اشتراها بذلك المال، وكان أصلها طيبا، طابت للمشتري، وكذلك لو أهداها لرجل، طابت للمهدى له وكذلك ما ورث من السلع، أو وهب له يجوز أن تشتري منه، وان تقبل منه هدية.
стр. 437
وهذا القول يروى عن ابن سحنون وابن حبيب، قال ابن حبيب: وكذلك هؤلاء العمال ما اشتروه في الأسواق، فأهدوا لرجل، طاب للمهدى له.
ووجه هذا القول: أن العين الحرام من الدنانير والدراهم لا تؤثر فيه الغيبة عليه، فهو ما كان في يديه، له حكم العروض المعينات، لا يجوز أن تشترى منه، ولا أن تقبل منه هدية، فاذا اشترى به عرضا، صار الثمن في ذمته، لتحويله في العرض، وكان عليه، هو ذلك العرض حراما، لأنه اشتراه بمال حرام، فان وهبه لرجل، أو باعه منه، طاب للمشترى وللموهوب له، لأن أصله حلال، وقد ترتب الحرام في ذمة البائع والواهب، فهو المأخوذ به، والمسؤول عنه.
وما روي: أن سحنون أتى بدينارين من مديان لا يرضاه فأرسل بهما إلى رجل، ليبد لهما له، فاستجازهما لتبدل الملك، ولا وجه له، الا أن يكون معناه: أنه كرههما لفساد سكتههما، لا لخبث أصلهما فاستجازهما لتبدل الملك اليه، من عند الذي أتى بهما من عنده، فيتخرج ذلك على القول الرابع، الذي نذكره، بعد، ان شاء الله ويكون ذلك، أيضا، خلاف المعروف من قوله، والمعلوم من روعه وفضله.
وأما أن يكون أنه روي: أنهما طابا له بالمبادلة، فذلك بعيد، اذ
стр. 438
لا اختلاف بين أحد أهل العلم، أن المأخوذ في عوض الحرام حرام وانما الاختلاف في المأخوذ في عوض الحلال من الحرام إذا كان عينا قد غاب عليه صاحب الحرام، على ما سنذكره ان شاء الله.
شراء السلعة الحلال بمال حرام.
ففي شراء السلعة الحلال، تشترى بمال حرام، ثلاثة أقوال.
[١]- أحدها: أن ذلك جائز، علم البائع بخبث الثمن، أو لم يعلم وهو قول ابن سحنون، وابن حبيب.
[٢]- والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول سحنون.
[٣]- والثالث: أن ذلك جائز، ان علم البائع بخبث الثمن، ولا يجوز ان يعلم، وهو ابن عبدوس.
قال الدوادي نحا ابن عبدوس في قوله منحى الورع، ولم يصب، لأنه إذا لم يعلم، أعذر منه إذا علم.
وليس قول الداودي بصحيح، وانما المعنى، فيما ذهب اليه ابن عبدوس أنه إذا علم البائع بخبث الثمن، فقد رضي بمعاملته، وصحت السلعة للمشترى، فجاز أن تشترى منه، واذا لم يعلم بخبث الثمن، كان له، إذا علم، أن ينقض البيع، ويسترد سلعته، لأنه يقول: انا لم أرض بمبايعة من استغرقت ذمته بالحرام، فاذا أوجب له نقض
стр. 439
البيع، وأخذ سلعته، لم يجز أن تشترى من المشتري، وهو كلام صحيح ينبغي أن يحمل على التفسير لقول ابن سحنون وابن حبيب، بأن يتأول عليهما أنهما إنما أراد بالمساواة بين أن يعلم البائع أو لا يعلم، في حين عقد البيع، إذا علم بعد ذلك، ورضي، فترجع المسألة إلى قولين:
أحدهما: قول سحنون، أن ذلك لا يجوز وهو الصحيح، لما قد ذكرناه من أنه في حكم المضروب على يده.
والثاني: أن ذلك جائز، إذا علم البائع بخبث الثمن، وكذلك لو ورث السلعة، أو وهبت له، لتخرج جواز شرائها منه على قولين، والله أعلم.
والقول الرابع: أن المال الخبيث الحرام، إذا كان عينا، فهو على غاصبه حرام، فان وهبه لرجل، أو اشترى به منه سلعة، بعد أن غاب عليه، فهو حلال للبائع والموهوب له، حكي هذا القول عن ابن مزين وغيره، وعلى هذا، يرث ذلك المال عنه ورثته وهو قول ابن شهاب والحسن البصري:
روي عن ابن شهاب أنه قال: فيمن كان على عمل، فكان يأخذ
стр. 440
منه الرشوة، والغلول، والخمس، وفيمن كانت أكثر تجارته الربا:
أن ما تركا من الميراث سائغ لورثتهما، بميراثهم، بميراثهم، الذي فرضه الله لهم، علموا بخبث كسبه، أو جهلوه واثم الظلم على حانية.
وروي عن الحسن أنه دخل على عبد الله بن الأهتم، يعوده في [١٢٣] مرضه فجعل عبد الله يصوب النظر إلى صندوق في بيته، فقال له: يا أبا سعيد، هذه مائة ألف، لم أود منها زكاة ولم أصل منها رحما، فقال الحسن لولده، بعد موته: أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا، أتاك، عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حق منعه.
جوائز الخلفاء بين مالك والليث.
ومن حجة من ذهب إلى هذا القول: أن عمر بن عبد العزيز، ﵁، لما ولي أعطي بيت المال، الذي وجده لمن قبله من أمراء الجور الفقهاء وغيرهم ممن يستحي العطاء، لأن ذلك قد صار مضمونا على جابيه في الذمة.
وهذا لا حجة فيه، لأن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أدى ما علم من المظالم في بيت المال. وقد كانوا يجبون الحلال والحرام.
وقد قال سحنون في العتبية: ان جل ما كان يدخل بيوت الأموال بالامر المستقيم والذي كانوا يظلمون فيه قليل في كثير وهذا والله أعلم، تأول من قبل جوائز من لا يرضي من الخلفاء،
стр. 441
كالليث ومالك، رحمهما الله لأنه قد روي عن مالك أنه قال: المال المأخوذ في غير حق لا يحل لقاض في رزقه، ولا لعالم ولا لغيره. فلم يكن مالك، ﵀ ليأخذ من مال يعتقد أنه لا يشوبه حلال، وهو يطلق القول فيه بأن ذلك يحل، وانما أخذ مما اعتقد أنه يشوبه الحلال تقية على نفسه ومداراة عليها، وهو لذلك كاره، ألا ترى أنه كان ينهى الناس عن الأخذ، فاذا قيل له: فإنك تأخذ؟ أكره أن أبوه باثمي واثمك.
وهذا الاختلاف كله انما يصح إذا جهل أهل التباعات، وأيس من معرفتهم، وأما إذا علموا وتعينوا، فلا يصح من ذلك إلا القول الأول، والله أعلم.
المستغرق الذمة بالحرام عندما تشغل ذمته من جديد.
فصل. ولو اغتصب هذا المستغرق الذمة بالحرام رجلا دنانير، أو دراهم، أو طعاما، فغاب على ذلك، ولم يعرف بعينه، لساغ للمغصوب منه أن يضمنه في ذلك كله المثل، اذ لم يدخل على أهل تباعاته، لما أخذ نقصا.
وكذلك لو اغتصب منه سلعة، فجحدها، لساغ له أن يضمنه قيمتها، لأنه لا يدخل بذلك، أيضا، على أهل تباعاته نقصا، قولا واحدا.
وأما لو جنى على دابة رجل، فقتلها، أو على ثوبه، فخرقه، أو أفسده، لما ساغ له أن يضمنه القيمة في ذلك إلا على القول
стр. 442
الرابع، لأنه يدخل بذلك على أهل تباعاته نقصا.
وكذلك اجارة في حجامته الا على القول الرابع، لأنهم يدخلون بذلك على أهل تباعاته نقصا، ولو كانت الاجارة فيما يتعلق بماله لجرت مجرى مبايعته وقد تقدم القول في ذلك.
المستغرق الذمة بالحرام لا يتزوج بالمال المغصوب.
ولا يجوز له، هو، أن يتزوج بذلك المال، لأنه كالمضروب على يده فيه، وقد سئل مالك، ﵀، عن الرجل، يتزوج بالمال الحرام: اتخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنا؟ فقال: إي والله، إني لأخافه، ولكني لا أقوله.
وكذلك لا تخالع به المرأة زوجها، ان كانت امراته ولا يؤدى منه أرش جناية عمدا كانت أة خطأ، ويطيب المهر للمرأة والخلع للزوج، والارش للمجني عليه على القول الرابع وان كان ذلك لا يجوز للدافع.
المستغرق الذمة بالحرام لا يورث عنه ماله ولا تجوز وصاياه.
فصل. ولا يرثه عنه ورثته، ولا تجوز فيه وصاياه، لأن التباعات التي عليه هي احق بماله ورثته، ومن أهل وصاياه، لأنها ديون
стр. 443
عليه ولاميراث لأحد الا بعد أداء الدين لقول الله : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [سورة النساء الآية: ١٢]
فان جهل أهل التباعات ويئس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم، فان كان الورثة فقراء فقد ساغ لهم أن يأخذوه على سبيل الصدقة عن أهل التباعات لا على سبيل الميراث عن مورثهم هذا هو الصحيح من الأقوال.
وما تقدم عن الزهري، والحسن البصرى، انما يتخرج على القول الرابع على ما ذكرناه.
وقد قيل: ان ورثته ان كانوا ممن ينتفع بهم المسلمون ويغني عنهم في وجه من الوجوه، التي يجب أن يرزقوا عليها من بيت المال، ساغ لهم ان يأخذوه أيضا لانتفاع المسلمين بهم، على مذهب من يرى حكم هذا المال حكم الفيء لا حكم الصدقة.
والقياس على ها القول: أن يأخذوه على سبيل الميراث لأنه إذا رأى حكمه حكم الفيء، فقد أسقط حق أهل التباعات منه للجهل، [١٢٤] واذا أسقط حقهم منه وجب أن يكون ميراثا للورثة للموالي بالنسب، كما أنه إذا سقط حق الورثة، للجهل بقعددهم كان ميراثا للموالي بالولاء ولو لم يسقط حق أهل التباعات منه للجهل بهم لوجب أن يتصدق
стр. 444
به عنهم وهو القول الآخر وهذا بين.
الحالة الثانية المال الحرام لا زال بعينه.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون الحرام قائما بعينه، عند آخذه لم يفت؛ رده بعينه إلى ربه ومالكه، فسواه كان له مال سواه أو لم يكن، لا يحل لأحد أن يشتريه منه ان كان عرضا، ولا يبايعه فيه ان كان عينا، ولا يأكله أن كان طعاما، ولا يقبل شيء من ذلك هبة، ولا يأخذه منه في حق له عليه، ومن فعل شيئاً من ذلك، وهو عالم، كان سبيله سبيل الغاصب، في جميع أحواله.
وكذلك إذا فات عند الغاصب، ولم تذهب عينه بأمر من السماء، أو بجناية غير الغاصب عليه، لأن ذلك لا يقطع تخيير صاحبه في أخذه.
وكذلك أيضا، لو أفاته الغاصب افاته لا تقطع تخيير صاحبه في أخذه، مثل أن تكون شاة، فيذبحها، أو بقعة فيبنيها، أو ثوبا فيخيطه، أو يصبغه، وما أشبه ذلك.
ولو أفاته إفاتة تلزمه بها القيمة، أو المثل، فيما له مثل، ويسقط خيار بها في أخذها، عند بعض بعض العلماء، كالفضة يصوغها حليا، أو الصفر يعمل منه قدحا، أو الخشبة يصنع منها توابيت، أو ابوابا، أو الصوف والحرير والكتان يعمل من ذلك ثيابا وما أشبه ذلك، لما جاز، ايضا لأحد أن يشتريه، ولا أن يستوهبه لجلالة من يقول من العلماء: ان
стр. 445
لرب هذه الاشياء أن يأخذ الفضة مصوغة، والصفر معمولا، والخشب مصنوعا، والثياب، دون شيء يكون عليه للغاصب، لقول رسول الله ﷺ : ﴿ليس لعرق ظالم حق﴾.
ألا ترى أن رجلا لو غصب قمحا فطحنه، وخبزه، وشاة، فذبحها، وصنع منها طعاما، انفق عليه في عمله أضعاف قيمته، لما ساغ لأحد ان يستحيز أكله، على قول من لا يرى لربه الا مثل القمح، وقيمة الشاة.
غصب العمل أو البذار.
ولو غصب الغاصب بقرا وعبيدا، فحرث بأولئك العبيد، وتلك البقر أرضا حلالا، بزريعة حلال فرفع من ذلك زرعا لكان اشتراه ذلك الزرع منه مكروها مذهب حتى يصلح شأنه مع رب العبيد والبقر، لا خلاف في أن الزرع للغاصب، وليس قوة الكراهة في ذلك ككراهة شراء القمح، الذي غصبت زريعته، لأن من اهل العلم من يرى الزرع لصاحب الزريعة.
غصب الأرض.
وأما من غصب أرضا، فزرع زريعة حلالا، فلا يجوز الاشتراء من قمحه، لأن الخلاف في أن الزرع لصاحب الارض قوى مشهور، لقول
стр. 446
رسول الله ﷺ : ﴿ليس لعرق ظالم حق﴾.لأنه يشبه ولادة الحيوان المتفق عليها.
الأصل العام للمعاملة مع الغاصب.
فعلى هذا فقس ما أشبه هذه الوجوه:
ما كان من ذلك لا اختلاف بين أهل العلم أنه لا حق للمغصوب منه في عينه، ولا تخيير له في أخذه، فيكره اشتراه ذلك من الغاصب؛ حتى يصلح شأنه مع المغصوب منه.
وما كان من ذلك فيه اختلاف ضعيف شاذ، قويت الكراهة في اشترائه من الغاصب، قبل أن ينصف المغصوب منه.
وما كان من ذلك فيه لا اختلاف في أن المغصوب مخير في أخذه، لم يحل لأحد اشتراؤه.
فقف على هذا الاصل، واحمل عليه جميع فروعه، تصب ان شاء الله.
تفويت المغصوب معاوضة.
فصل. واما إذا أفات الغاصب الشيء المغصوب بالمعاوضة فذلك يختلف على ما أذكره.
стр. 447
بيع الغاصب العرض المغصوب بعرض آخر.
أما ان باع الغاصب العرض، الذي اغتصبه، بعرض آخر، لم يحل لأحد أن يشتري منه، أيضا، ذلك العرض، من أجل أن للمغصوب منه أن يأخذه، لأنه ثمن عرضه، الا أن يفوت العرض عند الغاصب، فيختار منه أن يأخذ عرضه من المشتري، فيجوز حينئذ أن يشترى ذلك العرض من الغاصب. وان لم يكن مستغرق الذمة، على ما تقدم من مذهب ابن القاسم.
وكذلك ان باع الغاصب العرض الذي اغتصبه بعرض، ثم باع ذلك العرض بعرض آخر، لم يحل أن يشتري منه ذلك العرض، الا أن يفوت، فيختار المغصوب منه أن يأخذ عرضه من المشتري، الأول أو ثمنه من المشتري الثاني، ويكون الغاصب غير مستغرق الذمة، على ما تقدم من مذهب ابن القاسم، أيضا.
بيع العرض المغصوب بدنانير أو دراهم.
ولو باع الغاصب العرض، الذي اغتصبه بدنانير أو دراهم لم يجز لأحد أن يبيعه عرضا بتلك الدنانير والدراهم بأعيانها، ان لم يكن مستغرق الذمة، الا على تأويل ضعيف وهو أن العين لا يتعين، على قول قائل.
ولو اشترى الغاصب بالدنانير أو الدراهم بأعيانها التي باع بها العرض المغصوب عرضا آخر، لجاز أن يشتري منه ذلك العرض، ان لم يكن مستغرق الذمة، لأن المغصوب منه لا سبيل له على هذا العرض، وانما هو مخير بين أخذ عرضه من الذي اشتراه، ويرجع الذي اشتراه
стр. 448
على الغاصب بالثمن، وبين أن يجيز البيع ويأخذ مثل الثمن من [١٢٥] الغاصب ومن أهل العلم من لا يرى للمغصوب منه ان يجيز البيع ويأخذ الثمن، لأن الاستحقاق عنده يبطل البيع، فكان لم ينعقد، فيرى الصفقات كلها منتقضة، لأن العين عنده كالعرض، ان كان اشترى به بعينه، ولم تقع الصفقة بالعرض، ثم دفع تلك العين.
شراء سلعة بدراهم أو دنانير مغصوبة بأعيانها
ولو غصب الغاصب دنانير، أو دراهم، لم يجز لأحد أن يبيع بها منه سلعة، ولا أن يقبلها منه هبة، وان لم يكن مستغرقة الذمة ولا أن يأكل من طعام اشتراه بتلك الدنانير أو الدراهم؛ وهذا إذا اشترى الطعام، أو السلعة، بتلك الدراهم أو الدنانير بأعيانها، لأن من أهل العلم من يرى البيع بها منفسخا، ويجعل الطعام والسلعة باقيين على ملك بائعها.
شراء سلعة بدراهم أو دنانير مغصوبة، على الذمة
وأما لو اشترى ذلك على ذمته، ثم نقد فيه تلك الدنانير أو الدراهم المغتصبة، لكان أكل ذلك الطعام، وشراء تلك السلعة مكروها، حتى ينصف المغصوب منه الدنانير أو الدراهم، أو يتحلل منها.
شراء سلعة اشتريت بدنانير أو دراهم مغصوبة
ولو غصب الغاصب دنانير أو دراهم، فاشترى بها بأعيانها سلعة لم يجز أن تشترى منه تلك السلعة، اذ من أهل العلم والعمل من يقول:
стр. 449
ان البيع الواقع بها غير منعقد، وان السلعة باقية على ملك بائعها، على ما ذكرناه، وهو قول الشافعي والمروزي وجماعة سواهما.
وقد قيل: ان البيع منعقد، وللمغصوب منه الدنانير والدراهم أن يأخذ السلعة، السلعة التي اشترى بها الغاصب. وعلى قياس هذا القول، يأتي قول عبد الله بن عمر، ﵄ ونافع مولاه، فيمن تعدى على وديعة فتجر فيها، وربح فيها: أن الربح لصاحبها.
غلة المغصوب
فصل، واختلف في غلات المغصوب، فقيل: انها للغاصب، لقول رسول الله ﷺ ﴿الخراج بالضمان﴾ وقيل: انها للغاصب الا ما كان منها متولدا عن الشيء المغصوب، كلبن الغنم، وصوفها، وثمر الشجر فانه للمغصوب منه، لأنه متولد عن الشيء المغصوب، فأشبه ولادة الحيوان، وقيل: انه ليس للغاصب من ذلك إلاكراء الحيوان والثياب وهو الذي يأتي على آخذ قولي مالك في المدونة وقيل: انه ليس للغاصب من ذلك شيء لقول رسول الله ﷺ ﴿ليس للعرق ظالم حق﴾ وقيل: ان حكم غلات المغصوب كلها حكم الشيء المغصوب في جميع الاشياء.
مراعاة الخلاف.
فلا يجوز، لهذا الاختلاف لأحد أن يبتاع من الغاصب شيئاً من غلات المغصوب كلها كانت تمر نخل أو لبن شاة، أو خراج رقيق، أو
стр. 450
كراء مساكن، ولا أن يستجيز قبول شيء من ذلك على وجه الهبة والعطية الا ان أشد هذه الأشياء، وأثبتها في التحريم، لبن الماشية وصوفها، وثمر النخيل وسائر الاشجار لقلة القائلين من أهل العلم: انها للغاصب، ثم يليها كراء المساكين، ثم يليها كراء الحيوان، والثياب، لكثرة القائلين من أهل العلم: انها للغاصب.
وبالله التوفيق. لا شريك له.
[١٣٠]- ما يولد عليه الأطفال، ومصيرهم في الأخرى
قال الفقيه الإمام، الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد ﵁: سألني سائل على أن ألخص له اختلاف أهل العلم فيما يولد عليه الأطفال في الدنيا، وما يصيرون اليه من جنة أو نار في الدار الآخرى، وأدل على الصحيح من ذلك على مذهب أهل الحق والسنة، والمعتصمين بالقرآن وما يجب أن يحمل عليه ما ورد في ذلك من الآثار.
فقلت بعد حمد الله تعالى، وجل، كما أوجب من حمده، والصلاة على محمد نبيه وعبده.
هذه مسألة قد اختلف أهل العلم، فيها اختلافا كثيرا.
стр. 451
[١]- الميلاد على الإسلام، والمصير الجنة
فمنهم من ذهب على أنهم يولدون على الإسلام، ويصيرون إلى الجنة، واستدل على ذلك بقوة النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه " الحديث، فجعل الفطرة الإسلام، وجعل الحديث على العموم، اذ قد روى، أيضا: " ما من مولود الا يولد على الفطرة "
[٢]- التوقف عن الحكم.
ومنهم من ذهب إلى أنهم لا يولدون لا على كفر، ولا على ايمان وأنهم، يصيرون إلى ما سبق لهم في علم الله من شقوة أو سعادة فلا يحتم على واحد منهم بجنة ولا نار.
[١٢٦] واستدل بما روي عن عائشة ﵂ قالت: أتي على رسول الله ﷺ بصبي، من صبيان الأنصار، ليصلي عليه، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، ولم يدركه ذنب، فقال النبي ﷺ " أو غير ذلك يا عائشة؟ ان الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم ".
стр. 452
وليس من صحيح الحديث الذي يعتمد عليه وتأويل الفطرة المذكورة في الحديث: حديث أبي هريرة، على الخلقة، لا على الإسلام، واستدل لتأويله بما في آخر الحديث، من قوله، فيمن يموت وهو صغير " الله أعلم بما كانوا عاملين "
[٣]- البعض يولد مؤمنا والبعض الآخر يولد كافرا.
ومنهم من ذهب إلى أن منهم من يولد على الإسلام، ومنهم من يولد على الكفر، وان كان أبواه مؤمنين واستدل على ذلك بحديث عائشة المذكور وبما روى من أن " الغلام الذي قتله الخضر كان طبع كافرا " ولم يحمل حديث أبي هريرة على العموم، لاحتمال الخصوص، على ما سنذكره فيما بعد ان شاء الله.
[٤]- يولد أولاد المسلمين على الإسلام وأولاد الكافر على الكفر.
ومنهم من ذهب إلى أن أولاد المسلمين يولدون على الإسلام ويصيرون إلى الجنة، وان أولاد المشركين يولدون على الكفر، ويصيرون إلى النار.
واستدل بحديث الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال، في أولاد المشركين وهو منهم أو هم مع الآبار، وبأنه قال في أولاد المسلمين: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم،
стр. 453
الا كانوا له جنة من النار قالوا: فمحال أن يكونوا لأبويهم جنة من النار وهم من أهل النار، وبما أشبه ذلك من الآثار.
تحصيل.
فيتحصل في أطفال المسلمين قولان: أحدهما: أنهم في الجنة، والثاني: أنهم في المشيئة وفي اطفال المشركين ثلاثة اقوال، احدها: أنهم في الجنة والثاني: أنهم في المشيئة، والثالث: أنهم في النار، وقد قيل انهم توجج لهم يوم القيامة نار، ويقال لهم: اقتحموها، فمن أطاع واقتحمها، كانت عليه بردا وسلاما، وأدخل الجنة بطاعته ومن عصى أدخل النار بعصيانه.
مستحيل أن يوصف غير العاقل بكفر أو ايمان
فصل. فأما قول من قال: انهم يولدون على كفر أو إيمان، فلا يصح بحال، ويعلم قطعا أنه محال، لاستحالة وجود الايمان، أو الكفر مع عدم العلم والعقل، قال الله : ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾
﴿سورة النحل رقم: ٧٨﴾
فمن المستحيل في العقل أن يوصف المولود من بني آدم بكفر أو ايمان على الحقيقة، كما يستحال أن يوصف بذلك من سواه من الحيوانات.
يجب التأويل لتناقص العقل والدين،
فاذا ثبت وتقرر بقيام البرهان، والدليل عليه، وجب أن يصرف
стр. 454
بالتأويل اليه، ما خرج عن ظاهره من الآثار، لاستحالة ورود الشرع بما ينافي العقل، كنحو ما روى أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ألا ان بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مومنا، ويحيا مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا، ويحيا كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا﴾
فنقول: ان معنى قوله في الحديث: يولد مؤمنا أي يولد وله حكم المؤمنين، في المواريث، وغسله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، وسائر ما شرع من أمره في الدين. وأن معنى قوله فيه يولد كافرا أي يولد وله حكم الكافرين، في الموارثة، وترك غسله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المشركين.
فالذي يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا، ويموت مؤمنا، هو الذي يموت كبيرا من اولاد المسلمين على الايمان والاسلام.
والذي يولد كافرا، ويحيا كافرا ويموت كافرا، هو الذي يموت كبيرا على الكفر من اولاد المشركين.
والذي يولد مؤمنا، ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، هو الذي يرتد إلى الكفر بعد بلوغه على الإسلام من أبناء المسلمين، فيموت على الكفر.
والذي يولد كافرا ويحيا كافرا، ويموت مؤمنا، هو الذي يسلم بعد بلوغه على الكفر من أبناء المشركين، فيموت على الإسلام.
وكذلك ما روى أن رسول الله ﷺ قال في الغلام الذي قتله الخضر: إن الله طبعه، يوم طبعه، كافرا، فمعناه: خلق الكفر في قلبه، حين ميزه وعقله، وحكم له على ما سبق في سابق علمه،
стр. 455
وكان قتل الخضر اياه لكفره إما بعد بلوغه / على ما روى من أنه كان رجلا قاطع طريق، واما وهو صغير يعقل الكفر، ويعتقده، بشرع كان عليه، خلاف شرع الإسلام من وجوب الحد على من لم يحتلم.
وكذلك قول النبي ﷺ ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، كما تناتج الابل من بهيمة جمعاء﴾، الحديث إلى قوله ﴿الله أعلم بما كانوا عاملين﴾.
أولى ما قيل في تأويله: أن المراد بالفطرة المذكورة فيه: الخلقة التي خلق الله الناس عليها، لا الإسلام الذي أوجبه الله عليهم عند البلوغ، وأن المعنى المراد به: أن المولود يولد على الخلقة السلمية من الآفات، التهيئة لقول الدين عند بلوغ العقل والميز، الذي لو ترك وسوقها لاختار بها الإسلام على غيره من النحل والأديان؛ لوضوحه، وظهور الحق فيه، فأبواه ان كانا يهوديين، أو نصرانيين، يهودانه أو ينصرانه، أي يحملانه على اليهودية أو على النصرانية، ويقولانه اياها، وسمانه بسيمتها فيعرف بذلك، كما تنتج الابل سالمة الخلقة، فتثقب أنوفها، وتشق آذانها، لتعرف بذلك، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب.
ويؤيد هذا التأويل ما روى أن رسول الله ﷺ قال، حاكيا عن ربه ﴿اني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاختالتهم عن دينهم﴾ لأن الحنيف، في كلام العرب، المائل، فمعنى الحديث:
стр. 456
أن الله خلق عباده ميلاء إلى الدين، بالجبلة التي فطرهم الله عليها، فلولا الشياطين، الذين يغرونهم عن الدين لكان جميعهم مسلمين، وهو معنى قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي ناصر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم﴾
﴿سورة الروم، رقم: ٣٠﴾
وان كان محتملا لما سواه من التأويلات.
وقد تعلق بهذا الحديث من ذهب إلى أن جميع الأطفال يولدون على اسلام، بأن أول الفطرة في الإسلام، وجعل خبر كل مولود في يولد على الفطرة فحمل الحديث على ظاهره من العموم. وتعلق به، أيضا، من ذهب إلى أن منهم من يولد على الإسلام، ومنهم من يولد على الكفر، بأن تأول الفطرة، أيضا، على الإسلام، وجعل يولد على الفطرة من صفة كل مولود والخبر فيما بعد ذلك من قوله ﴿فأبواه يهودانه أو ينصرانه﴾؛ لأن تقييد الموصوف بالصفة يخص منه من ليس على تلك الصفة.
وهذا كله غير صحيح لما قد بيناه من استحالة وصف من لا يعقل بكفر أو ايمان، ولو تحقق أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث، الإسلام، لما وجب أن يتحقق لهم بذلك، قبل بلوغ العقل، الإسلام، لاستحالة ذلك على ما ذكرناه، ولقلنا: ان المعنى في ذلك: كل مولود يولد لفطرة الإسلام، أي ليؤمن بذلك، ويتعبد به، كما تقول في قول
стр. 457
الله ، ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾
﴿سورة الذريات، رقم: ٥٦﴾
ويكون ذلك مخصوصا فيمن يصح أن يتوجه اليه الأمر، أو أن المعنى فيه: كل مولود يولد فيه، وقد سبق في علم الله أن يكون مسلما، ويموت على الإسلام، وأبواه يهوديان أو نصرانيان، فهما يهودانه، أي يحملانه على اليهودية أو النصرانية، فيحكم له في الدنيا بحكمهما فيما سوى القتل، وما كان مثله، مما خص به الاطفال، وتكون فئدة الحديث، على هذا التأويل: الإعلام بأن ما فعلاه به من ذلك غير ضار له؛ اذ الأعمال بالخواتم.
ويدل على هذا التأويل حديث الأسود بن سريع، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ، اربع غزوات، فتناول أصحابه الذرية، بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فاشتد عليه، فقال: ألا ما بال أقوام قتلوا المقاتلة، ثم تناولوا الذرية، فقال رجل: يارسول الله، أليسوا من أبناء المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : انخياركم أبناء المشركين، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو يتصرانها. وموضع الدليل منه: قوله فيه ان خياركم أبناء المشركين فأخبر أنه قد يكون من أبناء المشركين من ينصره أو يهوده أبواه، وفي علم
стр. 458
الله / أنه يكون، كبيرا، من خيار المسلمين، بما سبق له من السعادة في أم الكتاب.
وقوله في آخر الحديث، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة. الحديث معناه ليست تولد للمشركين نسمة، قد علم الله أنها تموت كبيرة على الإسلام، وهي عند الله، من حين ولادتها، على حكم الفطرة، من ارادة تنعيمها بما علمه من خاتمتها، وان حملها أبواها على اليهودية أو النصرانية.
ويدل على أنه انما قصد الاخبار عمن يموت وهو كبير، سؤالهم اياه في ىخر الحديث عمن يموت وهو صغير.
فهذه وجوه يحتملها الحديث، والله أعلم بحقيقة مراده فيه، ﷺ .
ومما يدل على أن قول النبي ﷺ ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ لا يدل على كون الأطفال الصغار، قبل أن يعقلوا، مسلمين، قوله في آخر الحديث: ﴿الله أعلم بما كانوا عاملين﴾ فأخبر أنهم في المشيئة فلو كان معنى قوله، في أول الحدي انهم يولدون على الفطرة؛ أنهم يولدون على الإسلام، لما قال في آخره: انهم في المشيئة اذ قد علم من دين الإسلام ضرورة أن من مات على الإسلام فمصيره إلى الجنة.
لا نسخ في الأخبار.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الحديث منسوخ، وأن ذلك كان في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، ويفرض الجهاد فنسخه ما قرره
стр. 459
الشرع من اجازة سبي ذراري المشركين واسترقاقهم، وموارثة آبائهم اياهم.
قال: فدل ذلك على أنهم انما يولدون على دين آبائهم، لا على الإسلام.
ومنهم من ذهب إلى أن قوله، في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عالمين ينسخ ما في أوله من أنهم يولدون على الإسلام.
وذلك كله بعيد، غير صحيح، لأن الأخبار لا يدخلها النسخ، الا أن ترد لاثبات الأحكام، دون أ، يراد بها الاخبار، ولأنه قد روي في أن ذلك كان بعد فرض الجهاد، على ما جاء في حديث الأسود بن سريع.
والصواب أن الحديث مبين لأول، ودال على ما ذكرناه من معناه، لا ناسخ له.
الاحتجاج بأخبار الآحاد.
وبالجملة، فما كان طريقه العلم لا يصح الاحتجاج فيه بأخبار الآحاد، المحتملة للتأويل، كنحو هذا الحديث وشبهه.
وأما قول الله ﴿واذا أخذ ربك من بني آدم ظهورهم ذرياتهم، وأشدهم على أنفسهم: أليس ربكم؟﴾
﴿سورة الأعراف: ٢٧٢﴾
الآية، فالمعنى فيها ما فسره رسول الله ﷺ ، في حديث عمر بن الخطاب على ما سنذكره
стр. 460
ان شاء الله، فمن قال بما سوى ذلك، فقد خالف في تأويله قول الرسول ﷺ ، وأتى بما لا يصح في العقول.
ترجيح.
فالصحيح المقطوع بصحته: أن الأطفال لا يولدون على كفر، ولا على ايمان، وأنهم انما يولدون على ما سبق لهم في علم الله من شقاوة أو سعادة، يصيرون اليها بخواتم أعمالهم، وانهم لا يخرجون عن علم الله السابق فيهم، ولا ينتقلون عنه، على ما جاء عن رسول الله ﷺ في تفسير قول الله ، ﴿واذ أخذ ربك من بني ىدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم أليس ربكم، قالوا بلي﴾، إلى قوله: غافلين.
ثبت ان عمر بن الخطاب، ﵁، أنه سئل عنها، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ان الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون الحديث.
فأعلم ﷺ ، في هذا الحديث: أن معنى الآية تقدم علم الله بأعمال بني آدم، وما يختم لهم به مما خلقهم له، من شقوة أو سعادة، وبان بقوله، أنهم يولدون على ما خلقهم له من ذلك.
следующие страницы →