← Фикх малики

Фикх малики · id 14310

مسائل أبي الوليد ابن رشد

ابن رشد الجد

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أن الله خلق عباده ميلاء إلى الدين، بالجبلة التي فطرهم الله عليها، فلولا الشياطين، الذين يغرونهم عن الدين لكان جميعهم مسلمين، وهو معنى قول الله : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي ناصر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم﴾ ﴿سورة الروم، رقم: ٣٠﴾ وان كان محتملا لما سواه من التأويلات. وقد تعلق بهذا الحديث من ذهب إلى أن جميع الأطفال يولدون على اسلام، بأن أول الفطرة في الإسلام، وجعل خبر كل مولود في يولد على الفطرة فحمل الحديث على ظاهره من العموم. وتعلق به، أيضا، من ذهب إلى أن منهم من يولد على الإسلام، ومنهم من يولد على الكفر، بأن تأول الفطرة، أيضا، على الإسلام، وجعل يولد على الفطرة من صفة كل مولود والخبر فيما بعد ذلك من قوله ﴿فأبواه يهودانه أو ينصرانه﴾؛ لأن تقييد الموصوف بالصفة يخص منه من ليس على تلك الصفة. وهذا كله غير صحيح لما قد بيناه من استحالة وصف من لا يعقل بكفر أو ايمان، ولو تحقق أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث، الإسلام، لما وجب أن يتحقق لهم بذلك، قبل بلوغ العقل، الإسلام، لاستحالة ذلك على ما ذكرناه، ولقلنا: ان المعنى في ذلك: كل مولود يولد لفطرة الإسلام، أي ليؤمن بذلك، ويتعبد به، كما تقول في قول

стр. 457

الله ، ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾ ﴿سورة الذريات، رقم: ٥٦﴾ ويكون ذلك مخصوصا فيمن يصح أن يتوجه اليه الأمر، أو أن المعنى فيه: كل مولود يولد فيه، وقد سبق في علم الله أن يكون مسلما، ويموت على الإسلام، وأبواه يهوديان أو نصرانيان، فهما يهودانه، أي يحملانه على اليهودية أو النصرانية، فيحكم له في الدنيا بحكمهما فيما سوى القتل، وما كان مثله، مما خص به الاطفال، وتكون فئدة الحديث، على هذا التأويل: الإعلام بأن ما فعلاه به من ذلك غير ضار له؛ اذ الأعمال بالخواتم. ويدل على هذا التأويل حديث الأسود بن سريع، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ، اربع غزوات، فتناول أصحابه الذرية، بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فاشتد عليه، فقال: ألا ما بال أقوام قتلوا المقاتلة، ثم تناولوا الذرية، فقال رجل: يارسول الله، أليسوا من أبناء المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : انخياركم أبناء المشركين، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو يتصرانها. وموضع الدليل منه: قوله فيه ان خياركم أبناء المشركين فأخبر أنه قد يكون من أبناء المشركين من ينصره أو يهوده أبواه، وفي علم

стр. 458

الله / أنه يكون، كبيرا، من خيار المسلمين، بما سبق له من السعادة في أم الكتاب. وقوله في آخر الحديث، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة. الحديث معناه ليست تولد للمشركين نسمة، قد علم الله أنها تموت كبيرة على الإسلام، وهي عند الله، من حين ولادتها، على حكم الفطرة، من ارادة تنعيمها بما علمه من خاتمتها، وان حملها أبواها على اليهودية أو النصرانية. ويدل على أنه انما قصد الاخبار عمن يموت وهو كبير، سؤالهم اياه في ىخر الحديث عمن يموت وهو صغير. فهذه وجوه يحتملها الحديث، والله أعلم بحقيقة مراده فيه، ﷺ . ومما يدل على أن قول النبي ﷺ ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ لا يدل على كون الأطفال الصغار، قبل أن يعقلوا، مسلمين، قوله في آخر الحديث: ﴿الله أعلم بما كانوا عاملين﴾ فأخبر أنهم في المشيئة فلو كان معنى قوله، في أول الحدي انهم يولدون على الفطرة؛ أنهم يولدون على الإسلام، لما قال في آخره: انهم في المشيئة اذ قد علم من دين الإسلام ضرورة أن من مات على الإسلام فمصيره إلى الجنة. لا نسخ في الأخبار. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الحديث منسوخ، وأن ذلك كان في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، ويفرض الجهاد فنسخه ما قرره

стр. 459

الشرع من اجازة سبي ذراري المشركين واسترقاقهم، وموارثة آبائهم اياهم. قال: فدل ذلك على أنهم انما يولدون على دين آبائهم، لا على الإسلام. ومنهم من ذهب إلى أن قوله، في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عالمين ينسخ ما في أوله من أنهم يولدون على الإسلام. وذلك كله بعيد، غير صحيح، لأن الأخبار لا يدخلها النسخ، الا أن ترد لاثبات الأحكام، دون أ، يراد بها الاخبار، ولأنه قد روي في أن ذلك كان بعد فرض الجهاد، على ما جاء في حديث الأسود بن سريع. والصواب أن الحديث مبين لأول، ودال على ما ذكرناه من معناه، لا ناسخ له. الاحتجاج بأخبار الآحاد. وبالجملة، فما كان طريقه العلم لا يصح الاحتجاج فيه بأخبار الآحاد، المحتملة للتأويل، كنحو هذا الحديث وشبهه. وأما قول الله ﴿واذا أخذ ربك من بني آدم ظهورهم ذرياتهم، وأشدهم على أنفسهم: أليس ربكم؟﴾ ﴿سورة الأعراف: ٢٧٢﴾ الآية، فالمعنى فيها ما فسره رسول الله ﷺ ، في حديث عمر بن الخطاب على ما سنذكره

стр. 460

ان شاء الله، فمن قال بما سوى ذلك، فقد خالف في تأويله قول الرسول ﷺ ، وأتى بما لا يصح في العقول. ترجيح. فالصحيح المقطوع بصحته: أن الأطفال لا يولدون على كفر، ولا على ايمان، وأنهم انما يولدون على ما سبق لهم في علم الله من شقاوة أو سعادة، يصيرون اليها بخواتم أعمالهم، وانهم لا يخرجون عن علم الله السابق فيهم، ولا ينتقلون عنه، على ما جاء عن رسول الله ﷺ في تفسير قول الله ، ﴿واذ أخذ ربك من بني ىدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم أليس ربكم، قالوا بلي﴾، إلى قوله: غافلين. ثبت ان عمر بن الخطاب، ﵁، أنه سئل عنها، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ان الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون الحديث. فأعلم ﷺ ، في هذا الحديث: أن معنى الآية تقدم علم الله بأعمال بني آدم، وما يختم لهم به مما خلقهم له، من شقوة أو سعادة، وبان بقوله، أنهم يولدون على ما خلقهم له من ذلك.

стр. 461

ويصدق ذلك: الحديث المأثور عن ابن مسعود وغيره، واللفظ لابن مسعود قال: ﴿حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: ان خلق بني آدم يمكثه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يصير علقة أربعين يوما، ثم يصير / مضغة اربعين يوما، ثم يبعث الله اليه ملكا، فيقول: يارب، أذكر ام أنثى، أشقي أم سعيد، فما الاجل، وما الاثر؟ فيوحى اليه، ويكتب الملك، حتى ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع، أو قيد ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين أهل النار الا ذراع، أو قيد ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل يعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة. وما تضمنته الآية من اشهاد الله تعالى ذريات بني آدم على أنفسهم، وتقريره اياهم على أنه ربهم، واقرارهم له بالربوبية، ان لم يكن ذلك من المجاز، الذي لا ينكر وجوده في القرآن، مثل تعالى: ﴿جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾ ﴿سورة الكهف، رقم: ٧٧﴾ مثل: ﴿يوم يقال لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد؟﴾. ، ٣٠﴾ ... ﴿سورة ن وما أشبه ذلك، فغير مستنكر في لطيف قدرة الله تعالى أن يحييهم، ويجعل لهم، مع كونهم أمثال الذر، عقولا،

стр. 462

يعقلون بها خطابه، ويعلمون بها: أنه ربهم وخالقهم، ويطلق ألسنتهم بالاقرار له بذلك، ويسلب جميع ذلك الاطفال، مع كمال الخلق حين يولدون، كما ذكر، حيث يقول: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [سورة النحل الآية: ٧٨] فمن آمن بالله في شبيبة، وعبد الله حق عبادته، ثم مات كافرا، فهو ممن سبقت له من الله الشقوة في أم الكتاب، وكتب، في بطن أمة شقيا، ومن نشأ على الكفر والضلال، فأطاع الشيطان، وكفر بالرحمن، وعبد الاصنام، والأوثان، ثم ختم له عند الموت بالاسلام والايمان، فهو ممن سبقت له من الله السعادة، وكتب في بطن أمة سعيدا. فهذا هو الصحيح فيما يولد عليه الأطفال. مصير أطفال المسلمين وأما ما يصير اليه من مات منهم صغيرا، قبل أن يعقل، من جنة أو نار، فهذا لا مجال فيه للعقل، ولا مدخل فيه للقياس والرأي، ولا ورد في ذلك شيء يقطع العذر، ويوجب العلم من ناحية السمع، اذ لا طاعة لهم يدخلون بها من جملة وعده الله في كتابه، وعلى لسان رسول الله، بالثواب، ولا ذنوب لهم بها، أيضا في جملة من أوعده الله على ذنوبه بالعقاب. والذي يدل عليه الآثار: أن أطفال المسلمين في الجنة، فنحن نعلم ذلك، يقينا، بشهادة الآثار المأثورة بذلك على اختلاف ألفاظها، واتفاق معانيها. من ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : صغاركم

стр. 463

دعاميص الجنة " وحديثه أيضا أولاد المسلمين في جبل تكلفهم سارة وابراهيم، فاذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم وما أشبه ذلك من الآثار. الا انا نقطع بذلك على التعميم في حق كل منهم لعدم النص في ذلك أو الاجماع المعصوم، لحديث عائشة المذكور. مصير أطفال المشركين. وأما أطفال الكفار فقد روي: أنهم في النار من ذلك حديث الصعب بن جثامة المتقدم، وما روي عن عائشة أنها، قالت: " سألت رسول الله ﷺ ، عن ذراري المؤمنين، فقال هم مع أبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. وسألته عن ذراري المشركين، فقال: هم مع أبائهم. قلت بلا عمل قال: الله أعلم بما كانوا عاملين زاد في بعض الروايات، والذي نفسي بيده: لئن شئت لأسمعتك تضاعيهم في النار " وما روى عنه ﷺ أنه قال: " الوائدة والموءودة في النار، الا أن تدرك الإسلام الوائدة فيغفر لها " وما أشبه ذلك.

стр. 464

وقد روى: أنهم في الجنة. من ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت: سألت خديجة النبي ﷺ ، عن أولاد المشركين فقال: هم من آبائهم، ثم سألته، بعد ذلك فنزلت: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " [سورة الأنعام الآية: ١٦٤] فقالت " هم على الفطرة " وقال: " هم في الجنة "، وما أشبه ذلك من الآثار. وقد روى أنهم يمتحنون في الآخرة، وكل من أخبار الآحاد، التي لا توجب العلم، فلا يصح الحتم عليهم بجنة ولا نار، ولذلك كره جماعة من العلماء التكلم فيهم، روي عن ابن عباس أنه قال: لا يزال [١٣٠] أمر هذه الأمة مواتيا، أو متقاربا، حتى يتكلموا في الأطفال والقدر. فائدة التأويل. ووجه القول فيهم على استعمال الآثار؛ إذ هو أولى من حملها على التعارض وطرحها: أن تجعل الآثار التي وردت بانهم في الجنة في قوم مخصوصين منهم، سبقت لهم من الله السعادة في أم الكتاب، والآثار التي وردت بانهم في النار، في قوم مخصوصين أيضا منهم سبقت لهم من الله الشقوة في ام الكتاب، فنقول فيهم: انهم في المشيئة اذ لا ندري

стр. 465

الشقي منهم من السعيد، كما نقول، في العصاة من المسلمين: انهم في المشيئة، ان شاء الله أن يعذبهم، وان شاء أن يغفر لهم، اذ لا ندري الشقي منهم الذي لا يغفر له، بما سبق في أم الكتاب. ويشهد لهذا ما روي عن النبي ﷺ من قوله " الله أعلم بما كانوا عاملين " لأنه قيل: ان معناه الله أعلم بما يعمل بهم، وقيل: معناه أعلم بما كانوا يعملون لو أدركوا العمل، لأن الله عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون، لو كان كيف كان يكون، قال الله : ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا وانهم لكاذبون﴾ [سورة الأنعام الآية: ٢٨] وما يفعل الله بهم من تعذيب أو تنعيم. فهو عدل منه وحكم مستقيم، يفعل ما يشاء، ﴿ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [اقتباس من الآية ٢٣: سورة الأنبياء] ويحكم بما يريد، لا راد لأمره، ولا متعقب لحكمه، فقد كان له أن يعذب المؤمنين الطائعين، وينعم الكافرين العاصين، اذ لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية ولا فوقه آمره، يقال: انه بمخالفة أمره جائز، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، لكنه بفضله ورحمته، تفضل على المؤمنين بالخلود في الجنة التي أعدها لأوليائه المتقين، وحتم على الكافرين بالخلود في النار التي أعدها لأعدائه الكافرين. أجارنا الله منها، وزحزحنا عنها برحمته، انه غفور رحيم. وأما حكم الأطفال في الدنيا فقد قرره الشرع، وجاءت به نصوص الأخبار والروايات، فلا معنى لتكليف القول فيما هو مسطور موجود

стр. 466

في الأمهات. وبالله التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣١]- تقسيم الأفعال . وقال الفقيه، الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ﵁: سئلت عن وجه قول من ذهب إلى أن الأفعال لا تكون الا إما ماضية، وإما مستقبلة ونفي فعل الحال، ان كان له وجه يلوح، أو الدليل على بطلانه، ان كان غير صحيح. يقع الفعل في الحال فقلت: من زعم أن الأفعال لا تكون الا اما ماضية واما مستقبلة ونفى أن يكون، بين الماضي والاستقبال، حال تقع فيها الأفعال، فقد أخطأ خطأ ظاهرا، وأتى بمحال؛ لأنا نعلم، ببديهة العقل وضرورته، استحالة ايقاع الفعل في الزمان الماضي، وفي الزمان الالمستقبل؛ إذ لا منازعة في أنه لا يقدر أحد على أن يضرب عبده في الزمان الماضي بعد ذهابه، ولا في الزمان المستقبل، قبل اتيانه، فاذا تقرر أن ايقاع الفعل في الزمان الماضي، وفي الزمان المستقبل مستحيل، علم أنه انما يقع في الحال التي بينهما او لو امتنع وقوعه، أيضا في الحال التي بينها لما وجد فعل بحال، وذلك باطل ومحال. فالفعل انما يقع في الوقت من الزمان الذي بين الماضي والاستقبال، مع مرور الأزمان شيئاً بعد شيء، لأنه حركات وسكنات، فتقع كل

стр. 467

حركة منه أعني من الفعل أو السكون في زمن واحد، على التوالى والاتصال. حتى ينقضي الفعل، فتنقضي بانقضائه الأزمان التي وقع بجملته فيها، ويصير بعد تمامه ماضيا، لحصوله بتمامه فيما مضي من الأزمان. وقد كان قبل الشروع فيه مستقبلا، موصوفا، بالاستقبال فلما كان الفعل بعد تمام فعله ماضيا، وقبل التشبث بفعله مستقبلا، بطل أن يكون بجملته، في حال التشبث بفعله، ماضيا أو مستقبلا، لذهاب بعضه، وبقاء بعضه، على ما قررناه من أنه حركات وسكنات، لا تأتي الا في الزمن الواحد منه الا حركة واحدة أو سكون واحد، وجب أن [١٣١] يختص في تلك / الحال، أعني حال التشبث به، باسم الحال، لأنه الزمان الذي يجرى عليه، وينضاف منه ما قبله وما بعده اليه فيكمل، ويصير كالشيء الواحد، لقرب بعضه من بعض، واتصال بعضه ببعض. فهذا تحقيق القول في هذه المسألة من طريق النظر، الذي تشهد العقول بصحته، ولا ترتاب فيه وتذعن إلى الاقرار به ويقضى بفساد قول من قال من النحاة: ان الافعال لا تنقسم إلا قسمين: ماض ومستقبل لا ثالث لهما، ويحكم بتصويب قول من قسمها منهم إلى ثلاثة، أحدها فعل الحال، مع تجوز في ذلك، لا ينفك منه الكلام وقد مضى من كلامنا ما يدل عليه، ويبين وجه المجاز. فيه عند ذوي الاذهان الثاقبة والافهام الوافرة الناقدة وبالله التوفيق. .

стр. 468

[١٣٢]- حبس معقب، مع شرط الرجوع على المحبس او على عقبه وسئل الإمام الحافظ. أبو الوليد محمد بن أحمد احمد بن رشد ﵁، عن رجل حبس على ابنته نصف جميع حصته من حمام، وهي الربع، وعلى عقبها بعد موتها، وعلى عقب عقبها ما تناسلوا. فان انقرضت ابنته المذكورة عن غير عقب، رجع الحبس إلى ابيها المحبس ان كان حيا، وكذلك ان انقرض عقبها، والمحبس حي، رجع اليه، أيضا، فان انقرضت ابنته المذكورة بعد موت أبيها، دون عقب، أو انقرض عقبها، وعقب عقبها، رجع الحبس على عقب المحبس، وعلى عقب عقبه، ما تناسلوا. بين لنا، رضي الله عنك، هل يرجع إلى عقب المحبس، بعد موت المحبس عليها، أو موت أبيها، أم يرجع إلى حفدة المحبس عليها، وهم ولد ابنتها؟ يعظم الله أجرك. ينفذ الحبس من الثلث فأجاب، أدام الله توفيقه: إذا كان التحبيس على ما وصفت، فلا ينفذ بعد موت المحبس، الا من ثلثه، ويكون لسائر الورثة الدخول مع الابنة المحبس عليها في حظها منه طول حياتها، على سبيل الميراث، فاذا ماتت سقط حقهم، وخلص الحبس لولدها: الذكور والاناث، وولد ولدها المذكور: ذكرانهم واناثهم، فاذا انقرضوا رجع الحبس على عقب المحبس، ولا دخول لولد بنات الابنة فيه على ذلك. وبالله التوفيق.

стр. 469

[١٣٣]- الاختلاف في ثمن الطعام بعد قبضه وأكله وسئل، ﵁، في رجل اشترى قفيز قمح، فقبضه وأكله، ثم اختلفا في ثمنه، هل يكون القول قول المبتاع، أم يجب التحالف والتفاسخ؟ وهل فوت القمح وما يكال، أو يوزن، كفوت العروض في هذه المنزلة أم لا؟ فقد رأيت في كتاب ابن المواز: أنهما سواء. قال أبو محمد: يريد محمد: في قول مالك الأول. فهل تذكر - أعزك الله - ما ذكر الشيخ أبو محمد، ﵀، اغيره أم لا؟ وما المستعمل في ذلك؟ وما تدل عليه المدونة من ذلك؟ بين لنا ما تذكره، وتختاره في ذلك، معانا ان شاء الله القول قول المشترى، وينفذ البيع على مذهب ابن القاسم. فأجاب، أدام الله توفيقه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه والصحيح من مذهب ابن القاسم: أن فوت المكيل والموزون كفوت العروض سواء، على ما رأيت لابن المواز، والغيبة عليه، أيضا، كفوات عينه، اذ لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه. ولهذا ذهب أبو إسحق التونسي في كتابه. وقد كان الشيوخ ﵏ يقولون: ما في كتاب ابن المواز، من قوله محمول على أنه مذهب ابن القاسم فيما لم يوجد له خلافه، وهذا ما لم

стр. 470

يوجد له خلافه، بل يقوم ذلك من المدونة، قال فيها، فيمن أسلم دراهم في طعامه، فاختلفا في مكيلته، بعد أن غاب على النقد، وحل الأجل: ان القول قول المسلم اليه. فاذ جعل القول قوله، ولم يقل: يتحالفان ويتفاسخان، ويرد مثل الدراهم، فأحرى أن يجعل القول قول مشترى الطعام، إذا فات الطعام عنه، ولا يقول: انهما يتحالفان ويتفاسخان ويرد مثله لأن الطعام يتعين. الا ترى أن البيع ينفسخ فيه باستحقاقه، ويكون أحق به في التفليس، عند جميعهم، بخلاف الدراهم التي لا ينفسخ البيع باستحقاقها، ولا يكون أحق بها، في التفليس، عند بعضهم، وان لم يغب عليها. مذهب أشهب: التحالف والتفاسخ فلا يصح أن يتحالفا، بعد فوت الطعام، ويتفاسخا إذا اختلفا في ثمنه. الا على مذهب أشهب، الذي يرى التحالف والتفاسخ في / السلع. كانت قائمة أو فائتة ويرى رد القيمة كرد العين، لأن المثل في المكيل والموزون، كالقيمة في العروض. ابن المواز وابن أبي زيد. وتأويل ابن أبي زيد على ابن المواز بعيد، لا يصح، لأن القبض، في الطعام وغيره، فوت، على قول مالك الأول، فات أو لم يفت، فانما يحتاج إلى التكلم على حكم الفوات ما هو، وهل تتساوى في ذلك العروض والمكيل والموزون أم لا، على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به من اختلاف قول مالك. فتدبر ذلك بحسن نظرك تجده صحيحا ان شاء الله تعالى.

стр. 471

وبالله التوفيق بعزته. جواب ثان لنفس الموضوع. جواب ثان على مسألة مشتري قفيز قمح، فقبضه وأكله ثم اختلفا في ثمنه. وقد تقدم نص السؤال عليها، وجواب غير هذا، وان كان في معناه. وحدة الفوت في المكيل والموزون والعروض. تصفحت - رحمنا الله واياك - سؤالك، ووقفت عليه. والصحيح من مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، ﵀، أن فوت المكيل والموزون في / ذلك كفوت العروض سواء على ما قاله ابن المواز، فان الغيبة عليه، أيضا، كفوت عينه اذ لا يعرف بعينه، بعد الغيبه عليه، والى هذا ذهب ابو اسحق التونسي في كتابه وهو صحيح، بين في المعنى، قائم من المدونة، قال فيها، فيمن أسلم دراهم في طعام فاختلفا في مكيلته، بعد أن غاب على النقد، وحل الأجل: ان القول قول المسلم اليه. وكان القياس أن يكون القول قول المسلم اليه، إذا غاب على النقد، وان لم يحل الأجل، مثل ماله ولغيره في المدونة، اذ لو لم يفت النقد بالغيبة عليه. لوجب الا يفوت بحلول الأجل. اعتبار الغيبة فوتا ونتائجها. فاذا قال ابن القاسم، ﵀: ان الغيبة على النقد، حل الأجل

стр. 472

أو لم يحل فوت، يوجب أن يكون القول قول المسلم اليه. ولا يتحالفان ويتفاسخان، فأحرى أن يكون عنده القول قول مشتري الطعام، إذا أكله، أو استهلكه، أو غاب عليه، لأن الطعام يراد لعينه، فينفسخ البيع باستحقاقه. بخلاف الدراهم التي لا ترادلأعيانها، ولا ينفسخ البيع باستحقاقها. أساس الاختلاف بين ابن القاسم أشهب. فالاصح ألا يتحالفا ويتفاسخا، بعد فوت الطعام، إذا اختلفا في ثمنه، الا على مذهب أشهب، وروايته عن مالك، الذي يرى التحالف والتفاسخ في السلع. التي كانت قائمة أو فائتة، ويرى رد القيمة كرد العين، لأن المثل في المكيل والموزون كالقيمة في العروض. قول أشهب عند اختلاف الأسواق وهذا إذا لم تختلف الأسواق في ذلك، وأما إذا اختلفت الأسواق فيه، فالذي يجب على قياس قوله، وروايته: أن يتحالفا ويرد قيمة الطعام، لا مثله، لأن المثل أنزل رتبة من العين. فاذا لم يرد العين، وكان قائما، إذا حالت أسواقه، فأحرى ألا يرد المثل في المكيل والموزون إذا فاتت عينه، وحالت سوقه. تأويل ابن زيد على ابن المواز وتأويل ابن أبي زيد على بن المواز بعيد لا يصح، لأن القبض، في الطعام وغيره فوت، على قول مالك الأول، فات أو لم يفت، فانما يحتاج إلى التكلم على حكم الفوات، ما هو، وهل يتساوى في ذلك العروض، والمكيل والموزون أولا، على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به، من اختلاف قول مالك، ﵀.

стр. 473

فتدبر ذلك تجده صحيحا، ان شاء الله. [١٣٤]- التزام نفقة ابن الزوجة وسئل، ﵁، وأدام توفيقه، في رجل تزوج امرأة، ولها ولد من غيره، وطاع بالتزام نفقة الولد، مدة أمد الزوجية، ثم طلقها طلقة واحدة، فانقضت عدتها، ثم تزوجها، هل يعود انفاق الولد، وهو لم يتطوع بذلك في النكاح الثاني؟ وهل يلزمه ذلك، ما بقي من طلاق ذلك الملك شىء أم لا؟. وهل تلزمه الكسوة مع النفقة ام لا، وقبل الطلاق الأول، وهو لم يتطوع الا بالنفقة؟ بين لنا ذلك مأجورا مشكورا إن شاء الله. يستمر التزام النفقة بعد الرجعة من الطلاق فأجاب، أدام الله توفيقه: تصفحت - رحمنا الله واياك - سؤالك ووقفت عليه. والنفقة التي التزمها، أمد الزوجة، واجبة عليه، ما بقي من طلاق ذلك الملك شىء، لأن قوله أمد الزوجية أو أمد العصبة سواء وذلك يقتضى جميع الملك، عند مالك وجميع أصحابه. هل تشمل النفقة الكسوة؟ وأما الكسوة فلا أرى أن تلزمه، بعد أن يحلف في مقطع الحق: أنه انما أراد النفقة من الطعام دون الكسوة. وكان ابن زرب وغيره من الشيوخ يوجبون عليه الكسوة مع النفقة،

стр. 474

ويحتجون بإجماع أهل العلم على ايجاب النفقة والكسوة للحامل، بقول الله : وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتي يضعن حملهن، ولا أرى ذلك، لأن النفقة، وان كانت من ألفاظ العموم، فقد تعرفت عند أكثر الناس في الطعام دون الكسوة. وبالله التوفيق بعزته. [١٣٥]- الاختلاف في ثمن سلعة، رهن فيها المشترى سلعة أخرى وسئل، ﵁ في رجل اشترى سلعة بنقد، ثم رهن عنده في ثمنها سلعة أخرى، ثم اختلفا في ثمن المشتراة، هل يكون الرهن شاهدا هاهنا أم لا؟ وكيف ان فاتت السلعة المشتراة عند المشترى، فكان القول قول المشترى، فيما يشبه، مع يمينه، هل يكون الرهن للبائع أم لا؟ بين لنا الواجب، ان شاء الله. الرهن شاهد للبائع. فأجاب أدام الله توفيقه: تصفحت - رحمنا الله واياك - سؤالك ووقفت عليه. واذا فاتت السلعة، فالرهن شاهد للبائع، على مذهب مالك، إلى مبلغ قيمته. وأما ما كانت السلعة قائمة، فلا يكون له الرهن شاهدا الا على مذهب من يرى دعوى الاشباه مع القيام.

стр. 475

[١٣٦]- أحكام الرعاف في الصلاة وقال الفقيه، الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن احمد بن رشد، ﵁: الرعاف ليس بحدث، ينقض الطهارة عند مالك، ﵀، وجميع أصحابه، قل أو كثر، خلافا لأبي حنيفة، وأصحابه في قولهم: انه ينقض الوضوء، إذا كان كثيرا، ولمجاهد في قوله: انه ينقضه وان كان يسيرا. الرعاف نوعان. وهو، أعني الرعاف، ينقسم، في حكم الصلاة، على قسمين: أحدهما: أن يكون دائما، لا ينقطع. والثاني: أن يكون غير دائم، ينقطع. [١]- الرعاف الدائم فأما القسم الأول، وهو أن يكون دائما لا ينقطع، فالحكم فيه: أن يصلي صاحبه الصلاة به في وقتها، على الحالة التي هو عليها، والأصل في ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁، صلى حين طعن، وجرحه يثعب دما. فان لم يقدر على الركوع والسجود، اما لأنه يضر به ويزيد به،

стр. 476

ويزيد في رعافه، واما لأنه يخشى أن يتلطخ بالدم ان ركع أو سجد، أومأ، في صلاته كلها، ايماء، كما قال سعيد ابن المسيب، فكلا التأويلين قد يؤولان عليه. فان انقطع عنه الرعاف، في بقية من الوقت، وقدر على اتلصلاة راكعا وساجدا، لم تجب عليه اعادة، لأن ايماءه، ان كان لإضرار الركوع والسجود به، فهو كالمريض الذى لا يقدر على السجود، فيصلي ايماء، ثم يصح في بقية من الوقت: أنه لا اعادة عليه. وان كان مخافة أن تمتلىء ثيابة بالدم، فهو عذر يصح له به الايمان، اجماعا، فوجب ألا تكون عليه / اعادة كالمسافر، الذي لا علم عنده بالماء يتيمم ثم يجد الماء في الوقت، أنه لا اعادة عليه، من أجل أنه من أهل التيمم، أجماعا، بخلاف المريض والخائف فقد قيل: إنهما ليسا من أهل التمم، وبخلاف المصلي في الطين ايماء، اذ قيل: إنه ليس من أهل الايماء، ويلزمه أن يركع ويسجد في الطين، وان فسدت ثيابه، فما ذلك على الله بغزيز، وقد سجد رسول الله ﷺ ، في الماء والطين، فانصرف من الصلاة وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين. [٢] – الرعاف منقطع: أ – قبل الدخول إلى الصلاة وأما القسم الثاني، وهو أن يكون غير دائم، ينقطع، فان أصابه قبل أن يدخل في الصلاة، أخر الصلاة حتى ينقطع عنه، ما لم يفته وقت

стр. 477

الصلاة المفروضة: القامة للظهر والقامتان للعصر، وقيل: بل يؤخرها، ما لم يخف فوات الوقت جملة، بأن يتمكن اصفرار الشمس للظهر والعصر، فيخشى ألا يدرك تمامها قبل غروب الشمس، فان خشي ذلك صلاهما قبل خروج الوقت كيفما أمكنه، ولو إيماء. ب- بعد الدخول في الصلاة. وأن أصابه ذلك بعد أن دخل في الصلاة، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون يسيرا، يذهبه الفتل. والثاني: أن يكون كثيرا، قاطرا، أو سائلا، لا يذهبه الفتل: الرعاف المتقطع اليسير فأما ان كان يسيرا يذهبه الفتل، فانه يفتله، ويتمادى على صلاته، فذا، كان أو إماما، أو مأموما، ولا اختلاف في ذلك، على ما روى عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله أنهم كانوا يرعفون في الصلاة حتى تخصبت أصابعهم، أي الأنامل الأول منها من الدم الذي يخرج من أنوفهم فيقتلونه، ويمضون على صلاتهم. وأما ان تجاوز الدم الأنامل الأول وحصل منه في الأنامل الوسطى قدر الدرهم، على مذهب ابن حبيب، أو أكثر من الدرهم، على رواية على بن زياد عن مالك، فيقطع ويبتدىء، لأنه قد صار بذلك حامل نجاسة، فلا يصح له التمادى على صلاته، ولا البناء عليها بعد أن غسل الدم.

стр. 478

الرعاف المتقطع الكثير. وأما إن كان كثيرا، قاطرا أو سائلا، يذهبه الفتل، فالذى يوجبه القياس والنظر: أن يقطع، وينصرف، فيغسل الدم، ثم يبتدئ صلاته، لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها، ولا يتخللها شغل كثير، ولا انصراف عن القبلة، الا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين، اجازة البناء في الصلاة بعد غسل الدم، ومعناه: ما لم يتفاحش بعد الموضع الذى يغسله فيه، وقال بذلك مالك ﵀ وجميع أصحابه، في الإمام، والمأموم. واختلفوا في الفذ، فذهب ابن حبيب إلى أنه لا يبنى الفذ، قال: لأن البناء انما هو ليحوز فضل الجماعة، وقال محمد بن مسلمة: انه يبنى؛ ومثله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، في بعض روايات العتيبة، وهو قول أصبغ أيضا، وظاهر ما في المدونة، ما قاله ابن لبابة. من رعف بعد الاحرام، وقبل الركوع. واختلفوا، أيضا، فيمن رعف قب أن يركع، بعد أن أحرم، هل له البناء على احرامه أم لا، على أربعة أقوال: أحدهما: أنه يبنى على احرامه، جمله من غير تفصيل، وهو قول سحنون.

стр. 479

والثانى: انه لا يبنى، ويستأنف الإقامة، والاحرام جملة، أيضا، من غير تفصيل، وهو ابن عبد الحكم، ومثله في رسم «سلعة سماها» من سماع ابن القاسم. والثالث: انها ان كانت جمعة ابتدأ الاحرام، وان كان غير جمعة، بنى على احرامه، وهو قول مالك في روايته ابن وهب عنه، وظاهر ما في المدونة، عندى، واستحب أشهب في الجمعة أن يقطع. والرابع: أنه ان كان وحده، أو اماما، ابتدأ الاحرام، وان كان مأموما، بنى على احرامه. ومن رعف اثناء الركعة، قبل تمامها. واختلفوا أيضا، فيمن رعف في اثناء الركعة، فبل أن تتمم بركوعها وسجودها، على أربعة أقوال: احدها: انه يصح له ما مضى له منها، ويبنى عليه، كانت الأولى أوالثانية، بعد أن عقد الأولى. فان رعف، وهو راكع، فرفع رأسه للرعاف، ورفع من الركعة، واذا رجع، رجع إلى القيام فخر منه إلى السجود. وان وقف وهو ساجد، فرفع رأسه للرعاف، رفع من السجدة؛ فاذا رجع سجد السجدة الثانية، وجلس فتشهد ان كان [١٣٤] رعافه في السجدة الثانية، وان كان / رعف وهو جالس، في التشهد الأول فقيامه للرعاف قيام من الجلسة، فاذا رجع ابتدأ قراءة الركعة

стр. 480

الثالثة، الا ان يكون ذلك في مبتدأ الجلوس فليرجع إلى الجلوس، حتى يتم تشهده وهو قول ابن حبيب، حكاه عن ابن الماجشون. والثانى: أنه يلغى ما مضى من تلك الركعة، ولا يبنى على شىء منها ويبتدئها بالقراءة من أولها إذا رجع، كانت الركعة الأولى أو الثانية، بعد أن عقد الأولى، وهو ظاهر ما في المدونة عندى، وقد روى ذلك عن ابن القاسم. والثالث: أنه ان كان في الركعة الأولى لم يبن، واستأنف الاحرام، وان كان في الثانية قبل عقد الأولى ألغى ما مضى منها، واستأنف الركعة من أولها بالقراءة، إذا رجع، وقد تأول ما في المدونة على هذا، وهو قول ابن القاسم، وروايته، أيضا، عن مالك في رسم «سلعة سماها»، فمرة ساوى ابن القاسم بين الركعة الأولى والثانية، ومرة فرق بينهما، على ما قد ذكرته عنه. والرابع: أنه ان كان في الركعة الأولى لم يبن، واستأنف الاحرام، وان كان في الثانية، بعد أن عقد الأولى، صح له ما مضى منها، ووبنى عليه، إذا رجع، روى هذا القول عن ابن الماجشون. قيتحصل. إذا رعف، في أثناء الركعة الأولى، خمسة أقوال، واذا رعف في أثناء الركعة الثانية، بعد أن عقد الأولى، قولان. الشروط المتفق عليها اصحة البناء. فصل. ولصحة البناء في الرعاف أربع شروط متفق عليها:

стр. 481

احدها: الا يجد الماء، فيتجاوزه إلى غيره، لأنه ان وجد الماء في موضع، فتجاوزه إلى غيره، بطلت صلاته باتفاق. والثانى: ألا يطأ على نجاسة رطبة، لأنه ان وطئ على نجاسة - رطبة، انتقضت صلاته باتفاق. والثالث: ألا يسقط من الدم على ثوبه، أو جسده، ما يغتفر لكثرته وقد تقدم الاختلاف في حده، لنه ان سقط من الدم على ثوبه أو جسده كثير، بطلت صلاته باتفاق. والرابع: ألا يتكلم جاهلا، أو متعمدا، لأنه تكلم جاهلا او متعمدا، بطلت صلاته باتفاق. الشرطان المختلف فيهما لصحة البناء. وشرطان مختلف فيهما: أحدهما: ألا يتكلم ناسيا، لأنه قد اختلف، تكلم ناسيا، فقال ابن حبيب: لا يبنى، لأن الاسنة انما جاءت في بناء الراعف، ما لم يتكلم، ولم يخص في ذلك ناسيا من متعمد. وحكى ابن سحنون عن أبيه: انه يبنى على صلاته، ويسجد لسهوه، الا أن يكون الإمام لم لم يفرغ بعد من صلاته، فانه يحمله عنه. والثانى: الا يطأ على قشب يابس، لأنه اختلف أن وطئ على قشب يابس، فقال ابن سحنون: تنتقض صلاته، وقال ابن عبدوس: لا تنقض صلاته.

стр. 482

وأما مشية في الطريق لغسل الدم، وفيها أرواث الدواب، وأبوالها، فلا تنقض بذلك صلاته، لأنه يضطر إلى المشى في الطريق؛ لغسل الدم، كما يضطر إلى الصلاة فيها، وليس بمضطر إلى المشى على القشب اليابس. قاله ابن حارث. حكم البناء ابن القاسم، ومالك، وابن حبيب. فصل، وليس البناء في الرعاف بواجب، وانما من قبيل الجائز، وقد اختلف في المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع القاسم القطع، بسلام أو كلام على القياس، قال: فان ابتدأ ولم يتكلم، أعاد الصلاة، واختار مالك ﵀ البناء على الاتباع للسلف، وان خالف ذلك القياس والنظر. وهذا على أصله: أن العمل أقوى من القياس، لأن العمل المتصل لا يكون أصله الا عن توقيف. وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء، وهو قوله. ان الإمام إذا رعف، فاستحلف بالكلام، جاهلا أم متعمدا، بطلت ثلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته بالكلام بعد الرعاف، يبطل صلاتهم، كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا، بغير رعاف. والصواب ما في المدونة بأن صلاتهم لا تبطل، لأنه إذا رعف فالقطع له جائز، في قول، ومستحب في قول، فكيف صلاة القوم بفعله ما يجوز، أو ما يستحب له.

стр. 483

الراعف يبقى في حرمة الصلاة. فصل: ولا يخرج الراعف عن الصلاة، وحرمتها، على مذهب من يجيز له البناء الا أن يقطع بسلام أو كلام، أو فعل ما لا يصح فعله في الصلاة وهذا وجه قول ابن حبيب: أنه من رعف، وهو جالس، [١٣٥] في وسط صلاته، أو راكع أو ساجد، فان قيامه / من الجلوس، أو رفعه من الركوع، أو السجود لرعافه، يعتد به من صلاته. الراعف مأموم. فصل. واختلف ان كان مأموما، فانصرف لغسل الدم، وهو يريد البناء، هل يخرج من حكم ام لا على أربعة أقوال: احدها: أنه يخرج من حكمه حتى يرجع اليه جملة، من غير تفصيل. والثاني: أنه ان رعف قبل أن يعقد معه ركعة، خرج عن حكمه. حتى يرجع اليه وان رعف بعد أن عقد معه ركعة لم يخرج عن حكمه. والرابع: أنه إن أدرك ركعة من صلاة الإمام، بعد رجوعه كان في حكمه، حال خروجه عنه، وان لم يدرك من صلاته ركعة بعد رجوعه، لم يكن في حكمه حال خروجه، فتكون على هذا القول أحكامه، حال خروجه، في ارتباط صلاته بصلاة الإمام، معتبرة بما يكشفه الغيب من إدراك الركعة فأكثر من صلاته.

стр. 484

فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع، يقول: ان أفسد الإمام صلاته متعمدا، قبل أن يخرج لم يفسد عليه هو، وان تكلم سهوا، سجد بعد السلام، ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب، الذي يرى أن ذلك يبطل عليه البناء. وان ظن أن الإمام قد أتم صلاته، فأتم صلاته في موضعه، ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام في صلاته أجرأته صلاته، وان سها الإمام لم يلزمه من سهوه شيء. ومن رأى أنه لا يخرج عن حكمه، يقول: ان أفسد الإمام صلاته، متعمدا، فسدت عليه هو صلاته، وان أتم صلاته في موضعه، ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة، لم تجزه صلاته، وان سها الإمام لزمه سهوه، وان تكلم ساهيا، حمل عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور. وان قرأ الإمام بعده سجدة، فسجدها، فرجع هو بعد سلام الإمام، كان عليه أن يقرأها، ويسجدها. قاله ابن المواز على القياس هذا القول. الراعف امام. فصل. وحكم الإمام في الرعاف حكم المأموم في جميع الأشياء، لأنه يستحلف، عند خروجه، ثم يتم بالقوم صلاتهم، فيصير، المستحلف له إماما، بصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدم، ويقضي ما فاته، ويكون في حكمه حتى يرجع اليه، على الاختلاف المذكور فوق هذا.

стр. 485

فان ظن الإمام أنه قد رعف، فانصرف، ثم تبين له أنه لم يرعف، بطلت صلاته. واختلف في صلاة القوم، فقال ابن عبدوس: لا تبطل. وحكى ذلك عن سحنون، في المجموعة، وقال ابن سحنون: تبطل. الراعف يعلم أنه لا يدرك الإمام. فصل. فاذا رعف الرجل خلف الإمام، فخرج وغسل الدم عنه فان علم أنه يدرك الإمام في صلاته، رجع اليه، فأتم معه، وان علم انه لا يدركه أتم صلاته في موضعه. فان كان قد فاته بعض صلاته، وصلى معه بعضها، ثم رعف في بقيتها، بدا بالبناء، قبل القضاء عند ابن المواز، وابن حبيب. وهو مذهب ابن القاسم، وقال سحنون يبدأ بالقضاء قبل البناء. مثال ذلك: أن يفوت الرجل ركعة من صلاة الإمام، فيدخل في الثانية، فيصليها معه، ثم يرعف في الثالثة، فلا ينصرف حتى يتم الإمام صلاته. فانه، على القول بتقديم البناء على القضاء، ويأتي بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد لله وحدها، كما قرأ فيها الإمام، لأنها ثالثة صلاته ويجلس فيها، لأنها ثانية بنائه، اذ ليس بيده الا الركعة الثانية، التي صلى مع الإمام، ثم يأتي بالركعة الرابعة، فيقرأ فيها بالحمد وحدها، ويقوم، عند ابن حبيب، لأنها ثالثة بنائه، ويجلس عند ابن المواز، لأنها رابعة صلاته، وآخر صلاة الإمام، فلا يقوم إلى القضاء الا من جلوسه، ثم ياتى بالركعة الأولى، التي فاتته بالحمد والسورة، كما فاتته، فتصير

стр. 486

صلاته جلوسا كلها على مذهبه. وعلى القول بتقديم القضاء على البناء يأتي، أولا، بالركعة الأولى، فيقرأ فيها بالحمد، وسورة، كما قرأ الإمام، ويجلس فيها؛ لأنها ثانية للركعة التي صلى مع الإمام، ثم يأتي بالركعة الثالثة، فيقرأ فيها بالحمد وحدها، ويقوم ولا يجلس فيها: لأنها ثالثة لما قد صلى، ثم يأتي [١٣٦] بالركعة الرابعة والحمد لله وحدها، أيضا، ويجلس، ويتشهد، ويسلم. ولو فاتته مع الإمام الأولى، وصلى معه الثانية، ورعف في الثالثة، وأدرك معه الرابعة، لكان عليه قضاء الأولى والثالثة يبدأ بقضاء الاولى، فيأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ويقوم ولا يجلس، لأنها ثالثة له، ثم يأتي بالثالثة، فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويجلس، ويتشهد، ويسلم قاله ابن حبيب. ولم يقل: انه يبدأ ببناء الثالثة، التي رعف فيها، على الثانية التي صلى مع الإمام على أصله في تبدئته البناء على القضاء؛ اذ قد حالت بينه وبين بنائه عليها الركعة الرابعة التي أدرك مع الإمام. وأما على مذهب من يرى أن القضاء يبدأ على البناء، فلا اشكال في صحة هذا الجواب في هذه المسألة، لأن البناء لما بعد فيها

стр. 487

ووجب قضاء الركعتين، وجب أن يبدأ بقضاء الأولى قبل الثالثة. وقد وقع لسحنون في المجموعة أنه يقضي الثالثة بالحمد وحدها، قبل الأولى، وذلك مخالف لأصله، بعيد من قوله. الراعف في صلاة الجمعة. فصل. وحكم الراعف خلف الإمام في الجمعة وغيرها سواء الا في موضعين: أحدهما: أنه إذا رعف في الجمعة بعد أن صلى مع الإمام ركعة فلم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته، أنه لا يصلي الركعة الثانية الا في المسجد الذي ابتدأ الصلاة فيه، لأن الجمعة لا تكون الا في المسجد؛ فان حال بينه وبين الرجوع إلى المسجد واد، أو أمر غالب، أضاف اليها ركعة، وصلى ظهرا أربعا، قاله المغيرة. والثاني أنه إذا رعف، قبل أن يتم مع الإمام ركعة بسجدتيها، ثم لم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته، لا يبني على صلاة الإمام تمام ركعتين، ويصلى أربع ركعات، في موضعه، على قول من رأى أنه يبني على اإحرام في الجمعة، وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك. وبالله ولي التوفيق برحمته. الراعف في صلاة الجنائز، أو العيد. فصل فاذا رعف الإمام في صلاة الجنائز، أو صلاة العيد، استحلف من يتم بالقوم بقية الصلاة كصلاة الفريضة سواء.

стр. 488

وأما إذا رعف المأموم فيها فإنه ينصرف، ويغسل الدم، ثم يرجع، فيتم مع الإمام ما بقي من تكبير الجنازة، وصلاة العيد، فان علم أنه لا يدرك شيئاً من ذلك مع الإمام أتم في موضعه، حيث يغسل الدم عنه الا أن يعلم أنه يدرك الجنازة قبل أن ترفع، فإنه يرجع حتى يتم ما بقي من تكبير عليها. قال أشهب: فان كان رعف قبل أن يعقد من صلاة العيد ركعة، أو قبل أن يكبر من تكبير الجنازة شيئاً، وخشى، ان انصرف لغسل الدم، أن تفوته الصلاة، لم ينصرف، وصلى على الجنازة، وتمادى على صلاته، في العيد. وكذلك لو رأى في ثوبه، ونجاسة، وخاف، ان انصرف لغسلها، أن تفوته صلاة الجنازة أو صلاة العيد، يتمادى على صلاته، ولا ينصرف، لأن صلاة الجنازة أو العيد مع الرعاف، وبالثوب النجس، أولى من فواتهما، وتركهما، بخلاف صلاتهما بالتيمم، لمن لم يجد الماء؛ اذ ليس الصحيح الحاضر، من أهل التيمم. هذا كله، أعنى ما ذكرته في هذا الفصل، هو معنى ما في كتاب ابن المواز الذي ينبغي أن يحمل عليه، وان كان ظاهر بعضه مخالفا لبعضه. وبالله تعالى التوفيق. [٢٣م]

стр. 489

[١٣٧]- آيات العلم، في القرآن، بين المعتزلة وغيرهم . قال الفقيه الجليل، الاستاذ النبيل، أبو عبد محمد بن أبي العافية، الاشبيلي، ﵀، وغفر له: قرأت - أدام الله اعتلاك، ووصل بالمزيد بشراك - المدرجة، الداخلة طي كتابك الكريم، ووقفت على مقتضاها، وفهمت غرضها ومغزاها. واشارة الفارسي، عفا الله عنه، في المسألة المطلوب جوابها، مشكلة معماة، وقد كنت نظرتها وتدبرتها، حين مطالعتي كتابه [١٦٢ع] المذكور، فعسر أمرها على وصعب فك غرضه فيها، ثم ان الله تعالى يسر منه ما شاء بتيسيره. وأنا أذكره لك مبينا بقدر الامكان والله المستعان. معنى علم الله عند المعتزلة وأبي على الفارسي. أعلم - أبقاك الله وأيدك بتقواه - أن أبا على الفارسي، ﵀، رأس في الاعتزال، مؤيد له على كل حال، وهم، بزعمهم، وسوء مذهبهم، ينفون العلم عن ربهم تعالى عن ذلك، ولا يصفونه به، فاذا

стр. 490

قالوا: علم الله أمر كذا، أو يعلم كذا، فمعناه عندهم: أنه لا يجهل، ويرون أن الفعل دخله المجاز، والمراد به هذا، كما دخل المجاز في قولهم: مات فلان مع أنه لم يحدث موتا: لكنه دليل على أنه ليس بحي. فاذا وجدوا لفظة العلم مضافة إلى الله ومسندة اليه، من جهة اللفظ، والمعنى، تحيلوا في صرفها إلى معنى الفعل، ليصح فيه ما ادعوه من المجاز، أو صرفها عن ظواهرها بوجه غيره. حسبما أذكره تأويل الآية: وعنده علم الساعة فلما وجد الفارسي في التنزيل لفظ العلم مسندا من جهة المعنى إلى الله تعالى: ﴿وعنده علم الساعة﴾ [سورة الزخرف الآية: ٥٨] جعل اضافة المصدر إلى الساعة من باب اضافته إلى المفعول به، وتسبب إلى ذلك بالكلام على الظرف، الذي هو الساعة ليخرج العلم الذي يصح لخصمه التعلق به في اثبات العلم الله، وقدره معملا في موضع الساعة، ولا يكون معملا حتى يقدر بمعنى الفعل، الذي يدخله المجاز، على معتقده، فقال: انما معنى يعلم الساعة: يعرفها، وهي حق، وليس الأمر على ما الكافر عليه، انكارها وردها، أفلا تراه قد صرف قوله، وعنده علم الساعة الي يعلم الساعة، دون مقدمة تثبت صرف العلم، الي معنى يعلم فأوهم بذلك: أنه أمر قد استقر، وعلم ووقع الاتفاق، عليه، ولم يقدر المصدر بأن المسوغة إخراج المصدر إلى معنى الفعل معميا للأمر وملبسا فيه.

стр. 491

ثم أكد مذهبه هذا بأن حمل: وقيله يارب على موضع الساعة، ليصح له في ذلك كله اخراج العلم عن ظاهره إلى تأويله فعل، يصح له فيه المجاز، الذي ادعاه، وينفي بزعمه، العلم عن الله تعالى ذكره. الاضافة في الآية. ولا مانع يمنع من أن تكون اضافة: علم الساعة اضافة صحيحة مجردة عن معنى فعل في التقدير، اضافة اختصاص، جارية مجرى اضافة الملك، من غير تقدير فعل عامل في موضع المضاف اليه، كما يقال، هذا بناء فلان وعمله، من غير أن يريد: هذا أن بناه فلان، وان عمله. واذا كان هذا سائغا حسنا، لم يحتج إلى اخراج العلم عن ظاهره بغير ضرورة تدعو إلى ذلك. تأويل الآيتين: " إنما علمها عند ربي "، "انما علمها عند الله " فلما تخيل أبو علي مني هذه الآية ما ذكرته عنه وحلل العلم فيها إلى لفظ الفعل وفكه، خشي أن يعترض عليه بالآيتين، اللتين تلاهما، فيقال له: وهبك تحيلت في اضافة العلم إلى الساعة وأخرجت العلم إلى معنى، الفعل، وأعملته في موضع الساعة، فما تصنع في الظرف المكاني، الذي هو عند في قوله تعالى: انما علمها عند ربي، وانما علمها عند الله والعلم مبتدأ والظرف في موضع

стр. 492

خبره واذا كان كذلك، صح معنى اسناده معنى العلم إلى الله ؟ مخالفة القاعدة: الظرف يتعلق بمحذوف. فركب هواه، وطرد أصله فيما ادعاه، وزعم أن الظرف لا يتعلق بمحذوف، وجعله من صلة المصدر، ومعمولا له، وأضمر خبره عن المبتدأ، الذي هو العلم، كأنه أن يعلم ان الساعة حق، أو صحيح ونحو ذلك، والمعنى عنده: أن الله لا يجهل وقت الساعة وحدوثها؛ وترك قوانين مقايسه، التي يهتف بها، ويعلم بأحكامها من أن ظرفي الزمان والمكان، إذا صلح أن يكون كل واحد منهما خبرا عن مبتدأ، فانه في الاصل، متعلق بمحذوف، وذلك أن المحذوف هو العامل في الظرف، الا أنه حذف واطرح ولم ينو، ولا أريد، وصار شريعة منسوخة. تأييد الاعتزال. ففعل ذلك كله وتعسف، وركب مجهول التأويل، وعدل عن معلومة ومشهورة، جريا إلى تأييد مذهب الاعتزال. على ما خيل من جائز أو محال وكذلك كل من ضاق عليه المجال، في شيء من مذهبه، خزل الفاظه، وعمى أغراضه، حتى كأنه انما يتكلم عن أصل قد ثبتت قواعده، وصحت معاقده.

стр. 493

الظرف إذا كان صلة الموصول ولم يحتج أبو على إلى مثل هذا الاعتذار في الآية الأولى، وهي قوله " وعنده علم الساعة "، لأنه لا يصح أن يكون الظرف متقدما معمولا للمصدر المتأخر عنه، لما في ذلك من تقديم الصلة [١٦٣ع] على الموصول، واكتفى في ذلك بفهم المخاطب ووكله اليه، لأن عنده في الآية محمولة على صلة الذي، المذكورة قبل، في قوله تعالى: وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، عنده علم الساعة؛ لأن الظرف إذا كان صلة لموصول، قوى معنى الفعل، فيه وثبتت قدمه في التقدم، فرفع الظاهر، وقد قدم: أن العلم عامل في موضع الساعة، واذا عمل فيه، فقد تحلل إلى معنى الفعل، واذا تحلل إلى معناه، تم له مراده الذي ادعاه وسلم بزعمه، من الاعتراض في عند وفي العلم. تأويل آية " أنزله بعلمه " وقد ركب، أيضا نحوا من هذا في آية آخرى، وهي قوله : " أنزله بعلمه "فقال: ان العلم يراد به المعلوم، وأن الجار والمجرور في موضع الحال، كقولهم: خرج بثيابه، وركب بجنوده دعاه إلى هذا التأويل ما يذهب اليه، هو وأصحابه، من نفي العلم عن الله تعالى، فأخرج العلم إلى معنى المعلوم، اذ لا يصح له فكه إلى الفعل، لأنه ليس المعنى: أنزله بأن يعلم فلما استحال ذلك، صرفه إلى معنى المفعول، كما ذكرته عنه.

стр. 494

تعلق الظرف بمحذوف عندما يكون حالا أو خبرا فأما قوله: " ان الظرف لا يتعلق بمحذوف الا أن تجعله حالا " فهو في هذا أيضا، على أصله، ومذهبه، لأنه إذا جعل الظرف حالا: انما علمها كائنة عند ربي وعند الله حق، فكائنة معمولة العلم وانفك به العلم، بهذا، إلى معنى الفعل، لعمله في الحال، في الاصل ودخله المجاز الذي يزعمه، فانظره وتأمل وجه الفرق عنده بين تعلقه بمحذوف، إذا قدره حالا، وبينه، ولو علقه بمحذوف، وهو خبر المبتدأ، يلح لك وجه مقصده، في منعه تعلقه بمحذوف، إذا كان خبرا، واجازته تعلقه به، إذا كان حالا، فقد بينه وكشفته. وبالله التوفيق. لاثبات العلم لله يجب أن يتعلق الظرف بمحذوف قال أبو عبد الله، ﵀: الصحيح - أعزك الله - عندنا في المعنى والاعراب: اجازة ما منعه من تعلق الظرف بمحذوف، وكونه في موضع خبر المبتدأ، الذي هو العلم واثبات العلم لله ، كما أثبته هو تعالى لنفسه، من غير احالة لفظ عن ظاهره واخراجه عن موضوعه، وركوب ما ركبه من تعسف، لتأييد مذهبه هذا، مع وفور علمه باللسان، وادراكه منه ما لم يصل كثير من منتحليه، عصمنا الله من الضلال، ووفقنا لما يريضيه من صحيح المعتقد، وصالح الأعمال بمنه وطوله

стр. 495

ابن رشد ينتصر لأبي على الفارسي فلما وصل هذا الجواب الذي جاوب به أبو عبد الله ابن أبي العافية إلى الفقيه الإمام الحافظ، أبي الوليد ابن رشد. وقف عليه، فرأى أن الذي ذهب اليه أبو الفارسي هو الصحيح، وما تأوله عليه ابن أبي العافية بعيد، فأملى وفقه الله هذا الجواب الواضح، ونصه من أوله إلى آخر حرف فيه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وقفت - وفقنا الله واياك - على جواب جواب الفقيه الأستاذ أبي عبد الله ابن أبي العافية ﵀، وما حمل عليه قول أبي على الفارسي، ﵀، في الآيتين المذكورتين فيه. والذي أقول في ذلك، والله الموفق للصواب برحمته: أن قول أبي على، ﵀، صحيح، وأن الذي تأول عليه الفقيه الأستاذ، أبو عبد الله بعيد. حمل العلم في الآية، على معنى الفعل، لا يعني الدفاع عن الاعتزال ووجه قول أبي علي ﵀ في قول الله تعالى: وعنده علم الساعة: إن الساعة مفعول بها على الحقيقة هو: أن الساعة، لما
следующие страницы →