Полный текст (1 216 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ثم أكد مذهبه هذا بأن حمل: وقيله يارب على موضع الساعة، ليصح له في ذلك كله اخراج العلم عن ظاهره إلى تأويله فعل، يصح له فيه المجاز، الذي ادعاه، وينفي بزعمه، العلم عن الله تعالى ذكره.
الاضافة في الآية.
ولا مانع يمنع من أن تكون اضافة: علم الساعة اضافة صحيحة مجردة عن معنى فعل في التقدير، اضافة اختصاص، جارية مجرى اضافة الملك، من غير تقدير فعل عامل في موضع المضاف اليه، كما يقال، هذا بناء فلان وعمله، من غير أن يريد: هذا أن بناه فلان، وان عمله.
واذا كان هذا سائغا حسنا، لم يحتج إلى اخراج العلم عن ظاهره بغير ضرورة تدعو إلى ذلك.
تأويل الآيتين: " إنما علمها عند ربي "، "انما علمها عند الله "
فلما تخيل أبو علي مني هذه الآية ما ذكرته عنه وحلل العلم فيها إلى لفظ الفعل وفكه، خشي أن يعترض عليه بالآيتين، اللتين تلاهما، فيقال له: وهبك تحيلت في اضافة العلم إلى الساعة وأخرجت العلم إلى معنى، الفعل، وأعملته في موضع الساعة، فما تصنع في الظرف المكاني، الذي هو عند في قوله تعالى: انما علمها عند ربي، وانما علمها عند الله والعلم مبتدأ والظرف في موضع
стр. 492
خبره واذا كان كذلك، صح معنى اسناده معنى العلم إلى الله ؟
مخالفة القاعدة: الظرف يتعلق بمحذوف.
فركب هواه، وطرد أصله فيما ادعاه، وزعم أن الظرف لا يتعلق بمحذوف، وجعله من صلة المصدر، ومعمولا له، وأضمر خبره عن المبتدأ، الذي هو العلم، كأنه أن يعلم ان الساعة حق، أو صحيح ونحو ذلك، والمعنى عنده: أن الله لا يجهل وقت الساعة وحدوثها؛ وترك قوانين مقايسه، التي يهتف بها، ويعلم بأحكامها من أن ظرفي الزمان والمكان، إذا صلح أن يكون كل واحد منهما خبرا عن مبتدأ، فانه في الاصل، متعلق بمحذوف، وذلك أن المحذوف هو العامل في الظرف، الا أنه حذف واطرح ولم ينو، ولا أريد، وصار شريعة منسوخة.
تأييد الاعتزال.
ففعل ذلك كله وتعسف، وركب مجهول التأويل، وعدل عن معلومة ومشهورة، جريا إلى تأييد مذهب الاعتزال. على ما خيل من جائز أو محال وكذلك كل من ضاق عليه المجال، في شيء من مذهبه، خزل الفاظه، وعمى أغراضه، حتى كأنه انما يتكلم عن أصل قد ثبتت قواعده، وصحت معاقده.
стр. 493
الظرف إذا كان صلة الموصول
ولم يحتج أبو على إلى مثل هذا الاعتذار في الآية الأولى، وهي قوله " وعنده علم الساعة "، لأنه لا يصح أن يكون الظرف متقدما معمولا للمصدر المتأخر عنه، لما في ذلك من تقديم الصلة [١٦٣ع] على الموصول، واكتفى في ذلك بفهم المخاطب ووكله اليه، لأن عنده في الآية محمولة على صلة الذي، المذكورة قبل، في قوله تعالى: وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، عنده علم الساعة؛ لأن الظرف إذا كان صلة لموصول، قوى معنى الفعل، فيه وثبتت قدمه في التقدم، فرفع الظاهر، وقد قدم: أن العلم عامل في موضع الساعة، واذا عمل فيه، فقد تحلل إلى معنى الفعل، واذا تحلل إلى معناه، تم له مراده الذي ادعاه وسلم بزعمه، من الاعتراض في عند وفي العلم.
تأويل آية " أنزله بعلمه "
وقد ركب، أيضا نحوا من هذا في آية آخرى، وهي قوله : " أنزله بعلمه "فقال: ان العلم يراد به المعلوم، وأن الجار والمجرور في موضع الحال، كقولهم: خرج بثيابه، وركب بجنوده دعاه إلى هذا التأويل ما يذهب اليه، هو وأصحابه، من نفي العلم عن الله تعالى، فأخرج العلم إلى معنى المعلوم، اذ لا يصح له فكه إلى الفعل، لأنه ليس المعنى: أنزله بأن يعلم فلما استحال ذلك، صرفه إلى معنى المفعول، كما ذكرته عنه.
стр. 494
تعلق الظرف بمحذوف عندما يكون حالا أو خبرا
فأما قوله: " ان الظرف لا يتعلق بمحذوف الا أن تجعله حالا " فهو في هذا أيضا، على أصله، ومذهبه، لأنه إذا جعل الظرف حالا: انما علمها كائنة عند ربي وعند الله حق، فكائنة معمولة العلم وانفك به العلم، بهذا، إلى معنى الفعل، لعمله في الحال، في الاصل ودخله المجاز الذي يزعمه، فانظره وتأمل وجه الفرق عنده بين تعلقه بمحذوف، إذا قدره حالا، وبينه، ولو علقه بمحذوف، وهو خبر المبتدأ، يلح لك وجه مقصده، في منعه تعلقه بمحذوف، إذا كان خبرا، واجازته تعلقه به، إذا كان حالا، فقد بينه وكشفته.
وبالله التوفيق.
لاثبات العلم لله يجب أن يتعلق الظرف بمحذوف
قال أبو عبد الله، ﵀: الصحيح - أعزك الله - عندنا في المعنى والاعراب: اجازة ما منعه من تعلق الظرف بمحذوف، وكونه في موضع خبر المبتدأ، الذي هو العلم واثبات العلم لله ، كما أثبته هو تعالى لنفسه، من غير احالة لفظ عن ظاهره واخراجه عن موضوعه، وركوب ما ركبه من تعسف، لتأييد مذهبه هذا، مع وفور علمه باللسان، وادراكه منه ما لم يصل كثير من منتحليه، عصمنا الله من الضلال، ووفقنا لما يريضيه من صحيح المعتقد، وصالح الأعمال بمنه وطوله
стр. 495
ابن رشد ينتصر لأبي على الفارسي
فلما وصل هذا الجواب الذي جاوب به أبو عبد الله ابن أبي العافية إلى الفقيه الإمام الحافظ، أبي الوليد ابن رشد. وقف عليه، فرأى أن الذي ذهب اليه أبو الفارسي هو الصحيح، وما تأوله عليه ابن أبي العافية بعيد، فأملى وفقه الله هذا الجواب الواضح، ونصه من أوله إلى آخر حرف فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وقفت - وفقنا الله واياك - على جواب جواب الفقيه الأستاذ أبي عبد الله ابن أبي العافية ﵀، وما حمل عليه قول أبي على الفارسي، ﵀، في الآيتين المذكورتين فيه.
والذي أقول في ذلك، والله الموفق للصواب برحمته: أن قول أبي على، ﵀، صحيح، وأن الذي تأول عليه الفقيه الأستاذ، أبو عبد الله بعيد.
حمل العلم في الآية، على معنى الفعل، لا يعني الدفاع عن الاعتزال
ووجه قول أبي علي ﵀ في قول الله تعالى: وعنده علم الساعة: إن الساعة مفعول بها على الحقيقة هو: أن الساعة، لما
стр. 496
كانت لا تتصف بالعلم حقيقة، ولا يصح أن تختص باضافة العلم اليها اختصاص الموصوف بالصفة، كانت الإضافة في ذلك غير محضة، وكان تقدير الكلام وعنده العلم بالساعة، على تجوز في الكلام، لأن عند ظرف مكان، وعلم الله تعالى قائم بذاته، ليس بحال عنده في مكان، فالمعني في ذلك والله أعلم بالساعة؛ فاذا كان تقدير الكلام: وعنده العلم بالساعة، فالساعة محفوظة، بالباء الزائدة، وهي، في المعنى، مفعول بها، بوقوع العلم عليها؛ لأن معنى قول القائل: عندى العلم بكذا، قد علمت كذا، ولم يرد أبو علي، ﵀، بقوله هذا، ما تأول عليه الأستاذ أبو عبد الله، من أنه أعمل العلم في موضع الساعة مقدرا لمعنى الفعل، ليصح له به حمله على المجاز، الذي ذكر أنه يدين به أهل الاعتزال.
والدليل على أنه لم يرد ذلك وجهان:
أحدهما: أن أهل الاعتزال لا يقولون، بالمجاز في ذلك لأنهم وان كانوا ينفون / أن يكون الله تعالى موصوفا بالعلم، وأن يكون له علم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فهم، مع هذا يقولون، ان الله عالم على الحقيقة، وأنه يعلم المعلومات كلها حقيقة لا مجازا.
وقد أغرق ابن جني، منهم، في كتابه الخصائص، له، في
стр. 497
المجاز فقال: قام زيد مجاز، وكذلك: علم الله قيام زيد مجاز، لأنه ليست الحال، التي علم قيام زيد، هي الحال التي علم عليها قعود عمرو، فلا يظن ظان أن ذلك خلاف لما ذكرناه من مذهبهم، بل هو مطابق له؛ إذا لم يقل، في علم الله قيام زيد انه مجاز، لاستحالة أن يكون الله عندهم، قد علم قيام زيد، وانما قال: انه مجاز لاستحالة أن يكون الله، عندهم، قد علم قيام زيد وانما قال: انه مجاز، لاقتضاء اللفظ عندهم أن الله قد علم قيام زيد دون قعود عمرو، وسائر المعلومات، على بينة في اعتلاله، كما لم يقل، ايضا: إن قيام زيد مجاز، لاستحالة وقوع القيام من زيد، وانما قاله، لاقتضاء اللفظ عنده وقوع جميع جنس القيام منه، وهو محال، وهذا بين.
والثاني: أنه قد نص على أن ذلك حقيقة لا مجاز، بقوله، لأن القديم، سبحانه، يعلم في كل وقت، فانما معنى يعلم الساعة يعرفها، وهي حق، فكيف يصح أن يتأول عليه أنه أراد المجاز بما قد نص عليه أنه حقيقة.
قال أبو الوليد، ﵁: وقد رأيت لغيره جوابا عن هذه المسألة، قال فيه: ان الذي اضطر أبا على الفارسي إلى ما قاله في هذه الآية وما كان في معناها، أنه وشيعته من المعتزلة يقولون: ان علم الله تعالى من جنس علم مخلوقاته. وأنه مجاز، اذ لا يعلم الشىء الا إذا كان.
وهذا كلام جاهل بمذهب القوم، لأنهم لا يوجبون لله علما، أصلا، ولا يصفونه به، بل ينفونه عنه، لاستحالته عندهم عليه.
стр. 498
حجة المعتزلة في نفى العلم عن الله
ومن شبههم، التي يعتمدون عليها، في استحالة العلم على الله، تعالى أنهم يقولون: لو كان له علم لوجب أن يكون من جنس علم مخلوقاته، فكيف بقولهم بنفس المعنى، الذى من أجله استحال عندهم أن يكون لله علم. ولو أوجبوا لله علما، على هذا الوجه، لكان عندهم حقيقة لا مجازا، لأن من علم الشىء، إذا كان، فعلمه به حقيقة لا مجاز، فما نسب اليهم من أن علم الله عندهم مجاز، اذ لا يعلم الشىء الا إذا كان، محال أيضا.
نقض حجج المعتزلة.
قال أبو الوليد ﵁: ولما ذكرناه شبهة أهل الاعتزال، في نفي العلم عن الله تعالى بما أردنا أن نبين بذكرها من حقيقة مذهبهم، وجب أن تدل على بطلانها، لئلا يشبه على الضعفاء من غيرهم.
ومن أقرب ما يبطل به عليهم: أن يقال لهم: ان هذا منكم استدلال بمجرد الشاهد والوجود، وذلك مما لا يجوز، ولو وجب ألا يكون لله علم من أجل أنه لا يعرف في الشاهد والوجود علم الا من جنس علومنا، لوجب ألا يكون الله عالما، اذ لا يعرف، أيضا، في الشاهد والوجود عالم الا من جنس علمائنا، وهذا ما لا خروج لهم عنه، ولا انفصال لهم منه.
مناقشة تعابير لأبي عبد الله ابن أبي العافية.
وقول الأستاذ أبي عبد الله أبي العافية، ﵀: ولا مانع يمنع من أن يكون اضافة، علم الساعة اضافة صحيحة، مجردة من معنى
стр. 499
فعل في التقدير، اضافة اختصاص، جارية مجرى اضافة الملك، كما تقول: كما تقول: هذا بناء فلان وعمله؛ بعيد عندي لأن البناء يضاف إلى فلان على وجهين:
أحدهما: الملك، فنقول: هذا بناء فلان بمعنى هذا البناء لفلان.
والثاني: الاختصاص بالبناء والعمل، فنقول: هذا بناء فلان، بمعنى هذا البناء بناه فلان.
وهذان الوجهان، وما سواهما من الأوجه مستحيلة في اضافة العلم إلى الساعة، لأن العلم ليس بملك للساعة، ولا بمعدم لها، ولا بصفة من صفاتها.
فاذا بطل بما ذكرناه من أن تكون اضافة العلم إلى الساعة اضافة صحيحة محضة، اضافة اختصاص، او على الوجه الذى نذكره ان شاء الله بأن نقول: ان الصحيح في السألة ما قاله أبو علي ﵀.
وكذلك قوله: واذا كان كذلك فالظرف في قوله: قل انما علمها عند ربي، وقل انما علمها عند الله، لا يكون متعلقا بمحذوف، صحيح أيضا، ومعناه مفهوم وغرضه فيه معلوم.
قال أبو الوليد، ﵁: فقوله فيه: واذا كان كذلك يريد: واذا كان العلم مضافا إلى الساعة، في قوله تعالى ﴿وعنده علم الساعة﴾، اضافة غير محضة، وكانت الساعة مفعولا بها على الحقيقة، فلا يكون الظرف في قوله: قل انما علمها عند ربي وقل انما علمها عند الله متعلقا بمحذوف.
стр. 500
وهو كلام صحيح إذا تدبرته، لأن اضافة العلم في هاتين الايتين، أيضا إلى الضمير العائد على الساعة في قوله تعالى: علمها، ينوى به الانفصال، على ما بيناه من أن الاضافة في هذا المعنى غير محضة، فيكون تقدير الكلام، قل: انما العلم بالساعة عند ربي، وقل: انما العلم بالساعة عند الله.
واذا قدرت الكلام بهذا، كان الظرف الذى هو عند متعلقا بالظاهر من الكلام، لا بمحذوف مقدر، لاستغناء الكلام عنه، واستقلاله بنفسه، وتبين معناه بتعليق الظرف بالظاهر منه دون محذوف مقدر، لأن كون علم الساعة عند الله صحيح، على المعنى الذى قلناه، ألا ترى أن القائل، إذا قال: انما زيد عند عمرو، وكانت عند متعلقة بالاستقرار المنوى في الكلام المحذوف منه. واذا قال: قل: انما استقرار زيد عند عمرو، كانت عند متعلقة بالاستقرار المذكور في الكلام، لا بقدر محذوف منه.
وقول: الا أن تجعله في موضع حال، يريد فيكون الظرف حينئذ متعلقا بمحذوف.
(١) - يحتم أن يريد بذلك: الا أن تجعل المبتدأ المقصود إلى الاخبار عنه وهو علمها، بمعنى حالها، فيحمله على ذلك، ويتأوله عليه، فيكون المعنى في الآية: ان الله تعالى عالم بحال الساعة، يريد: وقت قيامها، الذي هو المقصود بالسؤال عنه في الآية، حيث يقول: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾؟ أي متى وقت قيامها، وسائر الأحوال التي تجرى فيها، وعلم الله محيط بها، ويكون تقدير الكلام بإظهار المحذوف، الذي يتعلق به الظرف: يسألونك عن الساعة أيان
стр. 501
مرساها قل: انما حالها من العلم بوقت قيامها، وسائر أحوالها، معلومة عند الله، أي: في علم الله، لما قدمته من أن عند ظرف مكان، وعلم الله قائم بذاته، ليس في مكان.
ووجه القول في أن المراد بعلمها في قوله تعالى: ﴿قل: انما علمها عند ربي﴾ حالها، هو ما قدمناه من أن الساعة لا تتصف بالعلم حقيقة، ألا ترى أنك إذا قلت: علم يوم كذا عند فلان، فلم ترد أن لذلك اليوم علما على الحقيقة، يعلمه فلان، لأن ذلك مستحيل، وانما أردت: أن أمر يوم كذا، أي: أحواله، التي جرت فيه، يعلمها فلان.
فيتحصل، بما ذكرناه، في قول الله تعالى: ﴿قل: انما علمها عند ربي﴾، وقل: انما علمها عند الله تأويلان:
أحدهما: أن يحمل العلم في ذلك على حقيقته، وينوى بالاضافة الانفصال، فيكون الظرف، على هذا، متعلقا بالظاهر، لا بمحذوف مقدر.
والثاني: أن يحمل الاضافة فيه على أنها اضافة محضة، خالصة، لا ينوى بها الانفصال، فلابد أن يجعل العلم، على هذا التأويل، بمعنى الحال، ويكون الظرف متعلقا بمحذوف مقدر، تقديره: قل: انما حالها معلوم عند الله، وعند ربي، هذا تأويل جيد، يصح أن يحمل عليه كلام أبي علي، ﵀، لاحتماله اياه، ويتبين به معناه، ويخرج على مذاهب أهل السنة.
قال أبو الوليد، ﵁: فان قال قائل: صرف الضمير من قوله الا تجعله في موضع حال، إلى الظرف، والى أن يكون في موضع حال من الاعراب، أظهر؟
стр. 502
قيل له: إذا احتمل الكلام محتملات، بعضها أظهر من جهة اللفظ وبعضها أصح من جهة المعنى، وجب أن يحمل على ما يصح به معناه منها، وان لم يكن من جهة اللفظ أظهرها. وهذا ما لا اشكال فيه؛ ألا ترى أنا إذا حملناه على ما ذكر، فقلنا: تقدير الكلام؛ قل: انما علمهما، كائنة عند ربي، وعند الله، حق، على ما قدره عليه من حمله على اظهر محتملاته من جهة اللفظ، فسد معناه.
ولم يمنع أبو علي، ﵀، من تعلق الظرف بمحذوف، يكون في موضع خبر المبتدأ، جملة، كما تأول عليه الفقيه الأستاذ، أبو عبد الله، ﵀، بل قدر المحذوف خبرا المبتدأ، حيث احتاج اليه، واقتضاه معنى الكلام، ولم يقدره حيث استغنى عن تقديره، وحسن عنده: أن يتعلق الظرف بالظاهر، دون مضمر محذوف، حسبما بينا.
(٢) ويحتمل كلامه وجها آخر، هو أشبه بمراده، إذا صح أنه من أهل الاعتزال، وهو أن يكون قوله هذا اشارة منه إلى / القول بالأحوال، وذلك أنهم يقولون: ان الله تعالى عالم، وليس له علم، لكنه على كل حال يفارق بها من ليس بعالم، فهم يصرفون معنى: علم الله، إلى هذه الحال، التي يثبتونها لله؛ فيكون معنى قوله ان الظرف لا يكون نتعلقا بمحذوف إلا أن تجعله في موضع حال، ان الظرف لا يتعلق، على الوجه الذي يصح أن يعلق به في الآية، إلا بهذه الحال؛ اذ ليس لله علم عندهم يتعلق الظرف به، على معنى ما، فلما كانت هذه الحال محذوفة من اللفظ في الآية مقدرة في نفوسهم، معتقدة في قلوبهم، قال: إن الظرف يتعلق بها، وهذا وجه محتمل على مذهب المعتزلة.
وهذه الحال التي يثبتها أهل الاعتزال باطل، على قولهم: انها ليست بمعلومة، ولا مجهولة، ولا موجودة، ولا معدومة، اذ يستحيل أن يكون
стр. 503
ثابتا ما ليس بمعلوم ولا مجهول، ولا معدوم. وهذا بين.
وبالله تعالى التوفيق.
[١٣٨]- أحد الورثة يقر بوارث .
وسئل الفقيه الإمام الحافظ. أبو الوليد ابن رشد، ﵁، عن ايضاح وجه الحكم في أحد الورثة يقر بوارث، فيقول المقر به: عندى نصيبى، أو جزء منه، يسميه، مثل نصف، أو ثلث أو ثلاثة أرباع، أو ما أشبه ذلك.
فأجاب، أيده الله، على ذلك بأن قال:
لا يخلوها هذا الذى سألت عنه من وجهين: أحدهما: أن يكون قبل القسمة، والثانى أن يكون بعدها.
[١]- الاقرار بالوارث قبل القسمة.
فأما ان كان ذلك قبلها، فوجه العمل في ذلك: أن تنظر إلى ما يجب للمقر به في حظ المقر من أجزاء الفريضة، التى تنقسم منها على الاقرار والانكار، والى ما أقر أن عنده من ذلك، فتطرح من مبلغ الفريضة الأقل مما أقر أن عنده منها، أو مما يجب له منها، في حظ المقر، فيكون ما بقى بعد ذلك هو الذى يقسم عليه ما وجد للميت من مال ويسمى منه حظ كل واحد منهم: فان كان الذى يجب له في حظ الذى أقر به والذى أقر له سواء خرج بما عنده، ولم يدخل
стр. 504
عليهم فيما وجد للميت من مال، ولم يكن لواحد منهم ان يتبعه بشىء: وان كان الذى وجب له بالاقرار أكثر من الذى أقر أن عنده منه دخل عليهم فيما وجد للميت من مال، بما بقى له؛ وان كان الذى عنده أكثر من الذى يجب له بالاقرار اقتسم المنكرون والمقر ما وجد للميت من مال، على أن المقر منكر، واتبعه المنكر، واتبعه المنكر ببقية حقه.
بعض الفرائض: تقع المحاصة باعتبار الاقرار والانكار.
قال أبو الوليد، ﵁: وقد ذهب بعض الفرائض من أهل الحساب إلى انهم يتحاصون فيما وجدوا للميت من مال، فيضرب فيه المنكر منهم بما يجب له على الانكار، والمقر بما يجب له على الاقرار، ويتبعون المقر له جميعا بما أخذوا زائدا على حقه، فيتحاصون فيه أيضا، على هذا الحساب.
وليس ذلك بصحيح من جهة الفقه، لن اقرار المقر يوجب للمقر له شيئاً، في جملة التركة فيصير بذلك كالوارث، من جملة الورثة، وانما يوجب له ذلك حقا في حظ المقر، بعد القسمة، فوجب لهذا المعنى ألا يتحاصون فيما وجدوا للميت من مال الا على أن المقر منكر.
ومعنى آخر، أيضا، وهو أن المقر والمنكر من الابنين يتفقان على تساوى حقيهما في المال، لأن المنكر يقول: لى نصف المال، ولك نصفه، لأنك قد أقررت بباطل، والمقر يقول: لى ثلث المال، ولك ثلثه، لأنك جحدت حقا، وهذا بين، والله أعلم.
стр. 505
[٢]- الاقرار بالوارث بعد القسمة.
وأما ان كان ذلك بعد القسمة، فيفض ما أن عنده مال الميت على سهام الورثة، ويتبعه المنكر منهم بما ناب نصيبه من ذلك.
واما المقر فان كان الذى أخذ من نصيبه مثل الذى يجب له فيه بالاقرار تقاصا بذلك، وان كان لأحدهما فضل على صاحبه اتبعه به، وأخذ منه.
مثال ذلك: ان يترك المتوفى ابنين، فيقر أحدهما بأخ، ويقول المقر به عندى نصيبى، كله او ثلاثة أرباعه.
فأما إذا قال: عندى نصيبى، فان كان ذلك في القسمة، أقمت فريضة الانكار من اثنين، وفريضة الاقرار من ثلاثة؛ فضربت اثنين في ثلاثة تكون ستة، فتقسم الستة على الانكار، يخرج لكل واحد منهما ثلاثة، ثلاثة، وتقسمها على الاقرار يخرج لكل واحد منهم اثنان؛ [١٣٨] اثنان، / فتعلم أن الذى عند المقر به من المال اثنان ستة، وأن الباقى من المال أربعة من ستة، تقسمها على اثنين، وهى فريضة الانكار، فيصير لكل واحد منهما اثنان، وهو ثلث جميع المال، فيكون المقر قد استوفى جميع حقه، ويتبع المنكر المقر له بسهم من ستة، وهو السدس من جميع المال، فيكمل له نصف جميع المال، ويبقى بيد المقر له سدس جميعه، وهو الواجب له في حظ الذى أقر به.
وان كان ذلك بعد أن اقتسم الاثنان ما وجدا للميت من مال، بنصفين، صح لكل واحد منهما ما قبض، واتبع المنكر منهما المقر به، بالسدس الذى قبض من نصيبه، فكمل لهم بذلك جميع نصيبه، وهو النصف.
стр. 506
فصل. واما إذا قال: عندى نصف نصيبى، وذلك قبل القسمة. فقد علمت أن نصيبه هو السدس من راس المال، وهو الواجب له في حظ الذى اقر به فتطرح ذلك السدس من رأس الفريضة، تبقى منها خمسة، بين الأخوين، للمنكر منها ثلاثة، وللمقر اثنان، فياخذ االمنكر ثلاثة أخماس ما وجد للميت من مال، وللمقر خمسة، ويذهب المقر له بما أقر أن عنده منه، لأنه هو الواجب له في حظ الذى أقر به.
وان كان ذلك بعد أن اقتسما ما وجد للميت من مال، وهو خمسة أسداسه، اذ قبض المقر به من السدس بينهما بنصفين، فحصل لكل واحد منهما سدسا المال، ونصف سدسه، رجع المنكر ببقية حقه وهو نصف السدس، على من وجد مليئا منهما، فإن رجع به على المقر خلص المقر له زعم انه عنده من مال الميت، وهو السدس، في حظ الذى أقر به، وان رجع به على المقر به، رجع المقر به بما رجع به عليه، على المقر، وكان كل واحد منهم قد وصل إلى حقه.
وقال عبد الغافر في هذه الفريضة: انها تنقسم من اثنى عشر، للمنكر منها ستة وهى النصف، وللمقر اربعة، في حال الاقرار، ويرجع بواحد على المقر به، لأنه زعم أن عنده نصف نصيبه، ويرجع عليه المنكر بواحد، أيضا، فيكون للمنكر سبعة من اثنى عشر، ثلاثة أسداس، ونصف سدس، وللمقر خمسة من اثنى عشر، سدسا ونصف سدس، ويبقى المقر به لا شىء له، ولا شىء عليه.
стр. 507
وذلك وهم، وغلط بين، لا يستقيم على وجه من الوجوه، ولا يخرج على معنى صحيح؛ لأن المقر به إذا كان أراد، باقراره، أن عنده سدس حميع المال، إذ سدس جميع المال هو نصف نصيبه، الذى يجب له، لو ثبت نسبة، فلا اشكال في أنه يكون له ما عنده، ويقسم الأخوان المال أخماسا، يأخذ المنكر ثلاثة أخماسه، وهو النصف من جميع المال، كما يجب له، ويأخذ المنكر خمسية، وهو الثلث من جميع المال، كما يجب مكن أجل اقراره.
وان كان أراد أن عنده من غير ما اقتسم أخواه، مثل نصف ما يجب له لو ثبت نسبة، مما اقتسماه، فعنده على هذا، سبع جميع المال: اثنان من أربعة عشر وعلى هذا تحمل الفريضة، واللع أعلم؛ لأن المال إذا كان أربعة عشر فإخذ المنكر منها سبعة، وجب أن يأخذ منها المقر خمسة الا ثلثا، والمقر به اثنين وثلثا.
فبان غلطه ووهمه، والعالم من عد خطؤه، اذ يعصم من الوهم والخطأ الا الأنبياء والرسل، والتوفيق بيد الله.
فصل. وأما إذا قال: عندى ثلاثة أرباع نصيبى، وكان ذلك قبل القسمة، فتقيم فريضة الانكار والقرار، وتضرب احداهما في الاخرى، ثم ما اجتمع في أربعة، تكون أربعة وعشرين، فهو مقر أن عنده من ذلك ستة؛ لأن الستة هى ثلاثة ارباع نصيبه، لو ثبت نسبه، أو أقر
стр. 508
له به أخواه جميعا، فالباقى على هذا، من المال ثمانية عشر، تقسمها على اثنين، وهى فريضة الانكار، فيصير لكل واحد من الأخوين تسعة، والواجب للمنكر منها اثنا عشر وهو النصف، وللمقر ثمانية، وهو الثلث، فيأخذ المقر الثمانية، التى له، وبيده سهم، فيأخذ المنكر، فيكون بيده عشرة، ويبقى له سهمان، يتبع بها المقر به، فإذا أخذ ذلك منه، استوفى جميع حقه، وذلك اثنا عشر سهما، ويبقى عند المقر به حقه الواجب / له عند المقر، وذلك أربعة أسهم. [١٣٩]
وأما إن كان ذلك بعد أن اقتسم الأخوان ما بقى من المال، وهو ثمانية عشر، اذ عند المقر به، على ما زعم، ستة، فأخذ كل واحد منهما تسعة تسعة، فان المنكر يجب له على المقر به ثلاثة من حظ كل واحد منهما، ويجب للمقر به على المقر واحد، لأنه وجب له عنده باقراره به، أربعة، ولم يأخذ من نصيبه الا ثلاثة، فيتبع المنكر المقر به بسهمين على كل حال. وأما السهم الثالث بقية حقه، فله أن يأخذ ممن أيسر منهما، أولا؛ فان ايسر المقر أولا، فأخذه منه.
فذلك الواجب عليه، لأنه زيادة على حقه، لأن حقه انما هو ثمتنية، وهو كان قد أخذ تسعة، وان أيسر المقر به اولا، فأخذ السهم منه، رجع المقر به على المقر بذلك، فاتبعه به، في ذمته، فاستوفى كل واحد منهم بذلك حقه الواجب له.
قال أبو الوليد، ﵁: وهذه الفريضة غلط فيها عبد
стр. 509
الغافر، وقال: انها لا تنقسم أقل من ثمانية وأربعين، فلم يأت فيها بمقنع.
وبالله التوفيق.، لا شريك له، وصلى الله على محمد المصطفى، وأهل بيته المرتضى، والحمد لله كثيرا، على نعمه التي لا تحصى، وجزيل آلائه ومننه العظمى، حمدا يوجب له به الزلفى، والكرامة، في الدار الأخرى بمنه.
[١٣٩]- اختصاصات الوصي:
وسئل ﵁، عن هذه المسألة، ونصها:
أمتع الله بك، رأيت في الواضحة: أن الوصي ولي لكل من كان له الموصي وليا، من الأخوات وذوي القرابات فما تقول - اعزك الله - إذا مات المولى عليه، ولم يكن للوصي نظر على أحد، هل تبقى ولايته على ذوات القرابات في البضع، أو إذا رشد محجوزته ثم نكحت هل يكون وليا لها؟ هل جاء في ذلك نص، فنعلمه على يدك، أو ما رأيك فيه؟ مأجورا.
ورأيت - أمتع الله بك - على ما علمك: أن الوصي ينكح بنات محجوزة، فهل يكون وليا لأم المحجوز على هذا؟ ما تذكره فيه - أعزك الله؟ وما رأيك العالى في ذلك؟ متفضلا ممتنا إن شاء الله .
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب: تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك ووقفت عليه.
стр. 510
[١]- في الوصي المطلق:
والذي في الواضحة، من أن الوصي ولي لكل من كان الموصي وليا له من الأخوات وذوي القرابات صحيح وهو مذهب ابن القاسم ومعناه في الوصي المطلق، الذي يقول الموصي فيه: فلان وصيي، ولا يزيز على ذلك.
وقد قيل: انه لا يكون وليا لمن لا ولاية له عليهن، وقيل: انه ولي لهن، الا أن الولي أحق منه بالعقد.
[٢]- في الوصي المقيد.
واما وصي المولى عليه، باسمه، من رجل أو امراة، فلا تتعدى ولايته إلى غير من إلى نظره ولا يزوج احدا من قرابات الموصي كان محجوزة حيا أو ميتا، اذ لا ولاية له على واحدة منهن، ولا اختلاف في هذا، غير أن ابن الهندي قال: انه ان زوج واحدة منهن، مضى وهو بعيد.
بين المطلق والمقيد.
ولو قال فلان وصيي على بضع بناتي، لكان وليا لجميع بناته في النكاح، وان كن مالكات لأمور أنفسهن.
فقف على الفرق بين أن يقول: فلان وصيي ولا يزيد على ذلك أو يقول: فلان وصيي على فلانه أو فلان أو يقول: فلان
стр. 511
وصيي على بضع بناتي، فان أحكام هذه الألفاظ الثلاثة مفترقة، حسبما ذكرت لك.
الولاية بعد ترشيد الوصي محجورته.
وأما إذا رشد الوصي محجورته، فلا أذكر في ذلك نص رواية.
قال أبو الوليد: والذي يوجبه النظر عندي، أن ولايته عليها في النكاح لا تسقط بتمليكه إياها أمر نفسها في حالها، لأنه قد حصل وليا من أولياء باقة الأب اياه لها، مقام نفسه، فوجب ألا تسقط ولايته عليها الا بما كانت تسقط به ولاية الأب عنها، والأب لو رشدها، لم تسقط بذلك ولايته عنها، فكذلك هو.
الوصي يزوج بنات محجوره.
واما ما رأيت من أن الوصي ينكح بنات محجوره فهو، كما رأيت، الرواية في ذلك منصوصة عن مالك ﵀، ومعناه في البنات الأبكار البالغات، والثيب اللائي لم يملكن أمر أنفسهن، والوجه في ذلك: أنه [١٤٠] رآه وصيا عليهن، بكونه وصيا على أبيهن وهو دليل ما في سماع ابن القاسم من كتاب النذور من العتبية، وقد كان بعض الشيوخ يقول: انه الا يكون الوصي وصيا على ولد محجوره الا بتقديم من السلطان، فعلى هذا لا يزوج احدا من بناته.
الوصي وأم المحجور.
وأما أمة فليس بولى لها، ولا خلاف في أنه لا يصح له أن يزوجها فالوصي يزوج إما محجوره بلا اختلاف، ويزوج بناته اللائي لم يملكن أمر
стр. 512
أنفسهن، على اختلاف، ولا يزوج بناته اللائي قد ملكن أنفسهن، ولا أخواته، ولا مولياته، فان فعل مضى، على ما ذهب اليه ابن الهندي فهذا بيان ما سألت عنه ملخصا، دون ما يتفرع اليه.
وبالله التوفيق، ولا شريك له.
[١٤٠]- هل الخمر محرمة الذات أو محرمة لسبب ؟
وخوطب الفقيه الإمام الحافظ، أبو الوليد ابن رشد ﵁، من بعض بلاد الأندلس بهذه المسألة، يسأل عنها، ونصها من أولها إلى آخرها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجواب رضي الله عنك، في الخمر - أكرمك الله ونزه سمعك - هل هي محرمة العين، أو محرمة الذات، أو محرمة بسبب والسبب العلة، وان ارتفعت العلة، ارتفع الحكم.
فان رجلا ورد علينا، وشغب بلدنا، وحير طلبتنا وقد وكلنا أمر مسألتنا اليك، فلك الفضل في مراجعتنا وتبيين مسألتنا وتفصيلها واقامة الأدلة على كل نوع من أنواعها. لا ينسى الله لك ذلك ووفقك مأجورا ان شاء الله فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب ونصه من أوله إلى آخره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
стр. 513
تصفحت سؤالك، الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقفت عليه.
والسؤال: هل الخمر محرمة العين، أو محرمة الذات، سؤال فاسد لأن عين الخمر هو ذاتها؛ فمن المستحيل أن يحرم أحدهما دون الآخر وكذلك السؤال: هل الخمر محرمة العين أو محرمة لسبب، سؤال فاسد أيضا اذ لا يستقيم أن يسأل عن علة تحريمها الا بعد المعرفة بتحريمها.
فمسالتك ترجع إلى أسئلة:
احدها: هل الخمر محرمة العين أم لا؟
والثاني: هل تحريمها لعلة، أو عبادة لغير علة؟
والثالث: السؤال عن العلة ما هي؟
والرابع: السؤال عن الدليل عن صحة العلة.
الخمر محرمة العين.
فتقول: إن الخمر محرمة العين، محرمة الذات، والدليل على تحريم عينها وذاتها الذي هو عينها، الكتاب والسنة واجماع الأمة.
فاما الكتاب فقوله : ﴿انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه﴾ [سورة المائدة الآية: ٩٠]
فأمر باجتناب الخمر وأمره بذلك على الوجوب، والفرض عند جميع المسلمين وأخبر انها من عمل الشيطان وعمل الشيطان حرام وقال الله : ﴿انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [سورة المائدة الآية: ٩١]
فتوعد على استباحتها بقوله: فهل أنتم منتهون ولا خلاف فيما توعد الله على فعله: أنه حرام.
стр. 514
وأما السنة فان الآثار الواردة عن النبي ﷺ بتحريمها، قد نقلت نقل التواتر، فلا تحصى.
ومن ذلك حديث ابن عباس: أن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ رواية خمر فقال له رسول الله: أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا فسارة انسان إلى جنبه، فقال رسول الله ﷺ بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها فقال رسول الله ﷺ ان الذي حرم شربها حرم بيعها.
وأما الاجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة: أن الخمر حرام، واطلاق التحريم في الكتاب والسنة والاجماع على الخمر نص في أن عينها هو المحرم، لأن الاسم هو المسمى عند أهل السنة.
ومن ذهب إلى أن الاسم غير المسمى فقد وافقنا على أن التحريم انما وقع على المسمى بالخمر، لا على اسم الخمر، فحصل الاجماع على تحريم عين الخمر؛ ومن المستحيل في العقل أن يكون تحريم شرب الخمر واقعا على ما عدا عينها؛ وقد نص النبي ﷺ على تحريم عينها بقوله: حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب أو المسكر من كل شراب على اختلاف الواة في ذلك.
فمن قال: ان الخمر ليست بمحرمة العين، فهو كافر، حلال الدم يستتاب، فان تاب، والا قتل.
وكذلك كل ما أسكر من جميع الأنبذة، فهو محرم العين، لا
стр. 515
يحل شرب القليل منه، ولاالكثير، عند مالك وكافة أهل العلم من [١٤١] الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، لقول النبي ﷺ : ما أسكر كثيرة، فقليله حرام.
العلة أساس التحريم.
ونقول: انها محرمة لعلة وان العلة في تحريمها المعنى الموجود بها من الشدة المطربة، المغيرة للعقول، الموجبة لها التسمية بالخمر، وهو الاسكار.
والدليل على صحة هذه العلة، أنها مطردة منعكسة، يوجد التحريم بوجودها، ويعدم بعدمها، ألا ترى انها إذا كانت عصيرا، قبل أن يحدث فيها المعنى الذي يسكر، حلال، فاذا حدث فيها ذلك المعنى حرمت به، فاذا عدم منها بالتخليل حلت فاذا بعدمه منها. واطرد العلة وانعكاسها من أدل دليل على صحتها وقد بينها الله تعالى بقوله: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فدل ، بقوله هذا، على انه انما حرمها لما فيها من المعنى الموجب للعداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
من يرى التحريم للاسم.
ومن الناس من ذهب إلى انها محرمة لإسمها، فجعل العلة في تحريمها استحقاقها لاسم الخمر، في اللسان العربي، لما وجد التحريم فيها تابعا لاسمها، متى استحقت أن تسمى خمرا، حرمت، ومتى لم تستحق ذلك حلت.
стр. 516
وذلك موافق لما قلناه من المعنى، لأنها انما تسمى خمرا بوجود الشدة المطربة المسكرة فيها، فاذا عدمت منها، لم تسم خمرا.
ولا يصح أن يقال: انها محرمة لعينها، اذ لو كانت محرمة لعينها، لما صح أن تحل، إذا تخللت لبقاء عينها.
فالاجماع على أنها يصح، إذا تخللت يبطل، أن تكون عينها علة في تحريمها، وانما الذي يصح أن يقال فيه: انه محرم لعينه، مسفوح الدم، ولحم الخنزير وشبهه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١٤١]- أربع مسائل حول نصوص من المدونة .
وخوطب ﵁، من بعض بلاد الأندلس، بهذه المسائل، يسأل عنها، ونصها من أولها إلى آخرها:
بسم الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
[١]- المرابحة في جزء مما اشترى صفقة واحدة .
جوابك، رضي الله عنك، في قول مالك، ﵀، فيما وقع له في كتاب المرابحة، وما وقع له في كتاب الصلح، في الرجل إذا اشترى ثيابا جملة واحدة، فقال: لا يجوز أن يبيع منها واحدا مرابحة، الا أن يبين، ثم قال في المرابحة إذا كانت قيمتها مختلفة، وأدخلها ابن أبي زمنين في كتابه، فقال: لا تجوز ان كانت قيمتها مختلفة، فهل قوله هذا مقتضيا للخلاف، أو ليبين عدم الجواز؟
стр. 517
[٢]- انهدام الدار المعوض بها من سكنى دار منحت عمرى .
وما معنى قوله في آخر كتاب العرر في رجل أسكن رجلا دارا، ثم اشترى من المسكن سكنى الدار بسكنى دار له أخرى، فانهدمت الدار المعوض بها، حين حوز الثاني لها.
بماذا يرجع على المسكن؟ والذي حكاه الشيخ أبو إسحق، ﵀ فيها هل هو خلاف من قوله أم لا؟ وما احتج به من مسألة الصلح هل هي قولان أم لا؟
[٣]- عيب يحدث بجارية في فترة الاستبراء بعد الإقالة .
وما معنى قوله في الأمة إذا باعها، فاستقال منها بائعها، بزيادة زادها وأوقفت الزيادة في أيام الاستبراء وكانت قد حدث بها عيب في أيام الاستبراء بعد الاقالة.
كيف تكون صفة التراجع بينهما؟ وهل ذلك بمخرج على ما له في كتاب العيوب، في صفة التراجع؟ وهل الذي ذكره الشيخ أبو إسحق جواب له، او اعتراض منه فانه أجمل ذلك في ذلك قوله، عند أقوام؟
[٤]- استحقاق المبيع، وقد فات الطعام أو العرض الذي دفع ثمنا .
وما معنى ما حكاه في كتاب الاستحقاق من المدونة، من قوله في
стр. 518
العروض والطعام إذا استحقت المشتراه به وفاتت العروض والطعام أطلق الجواب فيها بالقيمة.
فهل ذلك خلاف، أو غير ثابت من الرواية؟ فانه وقع في جميع ذلك تنازع.
بين لنا جميع ذلك مأجورا موفقا معانا مشكورا ان شاء الله تعالى.
فاجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونصه: تصفحت - أكرمك الله بطاعته، وتولاك برعايته وعصمنا وإياك بتوفيقه - الأسئلة التى سألت عنها.
[١]
فاما مسألة المرابحة منها، فلا يجوز، مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة لمن ابتاع في صفقة واحدة، ثوبين أو ثيابا، أن يبيع واحدا منها مرابحة، بما يقع عليه من الثمن، دون أن يبين، اتفقت قيمتها، أو اختلفت، وذلك منصوص عليه في كتاب المرابحة، وكتاب [١٤٢] الصلح قال فيهما: انه لا يجوز لمن اشترى ثوبين، بأعيانهما، صفقة واحدة، أن يبيع أحدهما مرابحة، على نصف الثمن، بأعيانهما، صفقة واحدة، أن يبيع أحدهما مرابحة، على نصف الثمن، وان كانت قيمتها سواء وهو مذهب سحنون.
قال أبو الوليد، ﵁: والوجه في ذلك: أن الثياب والعروض لا تكاد تتساوى وقد يغلط في استوائها، ألا ترى ان التجار
стр. 519
وقد يختلفون في كثير من الثياب، فيقول أحدهم: هذا أجود، ويقول الآخر: بل هذا أجود ويقول الآخر: بل هما سواء فاذا لم يؤمن من الغلط في ذلك، وجب ألا يجوز لمن ابتاع ثوبين، مشتريين صفقة واحدة،
أن يبيع احدهما مرابحة، بنصف الثمن، دون ان يبين؛ مخافة ان يكون لم يقع عليه من الثمن الا أقل من نصفه، كما لا يجوز له، إذا كانا مختلفين، ان يبيع احدهما مرابحة، بما يقع عليه من الثمن؛ مخافة ان يكون لم يقع عليه من الثمن الا أقل من ذلك.
ولا أعرف في كتاب المرابحة ما ذكرته من انه قال فيه: إذا كانت قيمتها مختلفة ولو كان ذلك لم يكن فيه دليل على انه يجوز إذا كانت قيمتها متفقة. فان كان ابن أبي زمنين ادخل المسألة في كتابه، على ما ذكرت، من انه قال فيها: ان ذلك لا يجوز ان كانت قيمتها مختلفة، فلا تعلق لأحد في قوله، لان المدونة حجة عليه، وليس هو بحجة عليها.
ولمثل هذا وشبهه كان الشيوخ يعيبون قراءة المختصرات وانما أوقعه في ذلك لفظ وقع في كتاب الصلح، عقب لفظ يبين، انه لا فرق بين أن تكون قيمتها مختلفة او متفقة، وقد طرحه سحنون مخافة ان يتأول على غير وجهه، فيقام منه: ان ذلك جائز، إذا كانت قيمتها متفقة.
وابن عبدوس يرى العلة في ذلك: ان الجلة يزاد فيها، فلا اشكال على مذهبه في ان ذلك لا يجوز، كانت الثياب معتدلة او مختلفة.
стр. 520
وقد وقع في سماع أبي زيد، في كتاب والآجال من العتبية مسألة تدل على جواز بيع أحد الثوبين مرابحة، إذا كانا معتدلين دون أن يبين.
قال أبو الوليد، ﵁: ووجه ذلك: أن اعتدال الثوبين مما قد تدرك معرفته، ولا يقع فيه الغلط الا نادراً، بخلاف التقويم، وما في المدونة أظهر، والله أعلم.
[٢]
وأما مسألة الاسكان فأجاز ابن القاسم في المدونة، لمن أسكن رجلا داره حياته، ان يبتاع منه السكنى، الذي أسكنه، بسكنى دار له أخرى.
وقال سحنون، في كتاب العرايا منها: معناه أن يشتريه بسكنى دار له أخرى سنين معلومة.
وكان الشيوخ يختلفون في قول سحنون هل هو تفسير لقول ابن القاسم، أو خلاف له.
فان اشترى منه السكنى، الذي أسكنه حياته، بسكنى دار له أخرى حياته، أيضا على الظاهر من مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز خلاف قول سحنون، على ما كان يذهب اليه بعض الشيوخ فاستحقت الدار التي عوضه بها، أو انهدمت، رجع في سكنى الدار التي كان أسكن اياها.
واما الذي اشترى منه السكنى بسكنى دار له سنسن معلومة على
стр. 521
ما ذهب إليه سحنون، فاستحقت، أو انهدمت، مما ذهب إليه أبو اسحق التونسي، من أنه يرجع بقيمة ما بقي من سكنى الدار، التي انهدمت أو استحقت، ولا يرجع في العوض، لأنه مجهول، يجري على أصل قد اختلف فيه ابن القاسم في المدونة وهل هو لمن استحق من يده ما صالح على الإنكار؛ ولو تقايلا في الصلح على الإنكار، أو في شراء السكنى المجهول بسكنى معلوم، أو ثمن معلوم لما جاز باتفاق، لأن الاقالة بيع من البيوع، ولا يجوز التراضي في البيع على الغرر والمجهول.
[٣]
وأما الذي باع الأمة، فاستقال منها، وهي في المواضعة بزيادة فوقفت الزيادة خوفا من ان تكون حاملا، فحدث بها عيب، ولم يظهر بها حمل، فلم يتقلد الشيخ أبو اسحق فيها جوابا، وانما نبه على النظر في ذلك، فقال: ناظر هل يكون للبائع ان يردها على المبتاع، ثم يكون للمبتاع ان يردها عليه، فلا تلزمه الزيادة عليه أولا يكون [١٤٣] ذلك له وتلزمه الزيادة؟ لأن المبتاع يقول له: ضمانها منك وأنت قد رغبت في ردها، بما أربحتني ولم توقف الا للحمل، فقد تبين أنه ليس به حمل.
قال أبو الوليد ﵁: والذي يوجبه النظر الصحيح: أن الزيادة لازمة للبائع؛ لأن العيب انما حدث بعد الاقالة وقد
стр. 522
كشف العيب ببراءة الأمة من الحمل، صحة البيع وجواز الربح فيه، لأن من حق المبتاع أن يلتزمها بالعيب الحادث بها، في أيام الاستبراء، إذا خرجت برئية من الحمل.
فاذا صح له الئراء فيها، كان أن يلزم البائع اياها بعهدة الاقالة.
ولا تشبه هذه المسألة مسألة كتاب العيوب، التي أشرت اليها؛ لأن تلك العيب فيها قديم، قبل البيع الأول، وهذه العيب فيها حادث بعد الاقالة؛ وقد كشف العيب صحة الاقالة بما ظهر من براءة الأمة من الحمل، لأن هذا الذي تحققناه آخرا من براءتها من الحمل، لو علمناه أولا، لجوزنا الاقالة، ولم نحتج إلى توقيف الزيادة؛ فوجب أن نحكم بما كشف العيب من كونها برئية من الحمل، حين البيع، وحين الاقالة.
ولو كان المبتاع هو المستقيل فيها بزيادة، فحدث بها عيب، بعد الاقالة لم تلزمه الزيادة، لأن من حقه أن يردها، بما حدث من العيب في المواضعة، وان خرجت من المواضعة بريئة من الحمل.
[٤]
وأما مسألة كتاب الاستحقاق، التي سألت عن معناها، فلم يصح لي فيها جواب، اذ لم تعين المسألة، التي أشرت اليها، ولا بينت المعنى الذي عنه سألت.
وبالله التوفيق بعزته.
стр. 523
[١٤٢]- وضعية الأيتام في الغبن والشفعة .
وكتب اليه ﵁، والفقيه المشاور، أبو القاسم ابن الإمام من مدينة اشبيلية حرسها الله، يسأله عن مسألة ذكر انها نزلت عندهم، فاحتلفوا فيها ورغب اليه في الجواب عليها، وتبيين جميع وجوهها، بيانا شافيا، يرفع الاشكال فيها، ويلوح به وجه الصواب فيرجع اليه، ويعتمد ان شاء الله ونصها من أولها إلى آخرها:
أن رجلين كانت بينهما أملاك مشتركة، بنصفين على الاشاعة، فتوفي أحدهما وترك بنين أصاغر، أوصى عليهم وصيا، وشرط عليه مشورة رجل سماه، فباع الوصي على الأيتام حظهم من الأملاك باذن المشاور، بما وجب بيعها به عليهم، من الشريك فيها. وتضمن عقد البيع الوجه الذي أوجب البيع على الأيتام، وجميع ما يفتقر اليه البيع في ذلك من الاجتهاد في التسويق والتقصي في طلب الزيادة، والسداد، وغير ذلك من الفصول المحكمة الربط، فكمل للشريك بذلك ملك جميع الأملاك.
ثم أنه باع نصف جميعها على الإشاعة من رجل أجنبي.
ثم ان بنت المتوفى احدى المبيع عليهم، رشدت بعد أعوام فاثبتت الغبن في بيع الأملاك عليها، وعلى إخواتها، وأنها كانت تساوي في اليوم الذي باعها الوصي عليها وعليهم أكثر من مثلي ما باعها به.
стр. 524
وذهبت إلى أن ترجع في حظها من الأملاك، بما ثبت في بيعها من الغبن وأن تشفع على الأجنبي، المشترى من شريك أبيها، في النصف الذي باعه من الأملأك المذكورة.
ومن حجتها في ذلك أن تقول: ان بيع الغبن لا يجوز، فأنا أرجع في حظي واذا رجعت فيه، كان البيع كأن لم يكن، وبقيت شريكة لشريك أبي في الأملاك، فكان من حقي أن أشفع في النصف الذي باعه منها.
والمشترى يقول: لا شفعة بها لك على؛ لأن البيع الذي باعه الوصي عليك وعلى اخوتك قد فوته المشترى بالبيع مني فحقك انما هو عنده فخذى حصتك مما بقى بيده من الأملاك، ان وجب لك الرجوع فيها، وأما أنا فلا سبيل لك على فيما اشتريت منها.
فهل يكون للقائمة ما ذهبت اليه، من الرجوع في حظها، والأخذ بالشفعة أم لا؟ وهل البيع الذي باعه المشتري تفويت لبيع الغبن أم لا؟ وما الحكم في ذلك كله؟
بينه لنا بيانا شافيا يعظم الله أجرك.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب ونصه: تصفحت السؤال ووقفت عليه.
واذا كان الأمر على ما وضفته فيه، فالواجب للقائمة أن تنقض
стр. 525
البيع في نصف حصتها من الأملاك، فتأخذها من يد المبتاع من [١٤٤] الوصي ويكون لها عليه في النصف الثاني، ما زادت قيمته، يوم البيع على الثمن، الذي وقع البيع به، لفواته بالبيع.
ولا مدخل في هذا للشفعة، بوجه من الوجوه، إذ ليس ببيع عداء فيكون لها على قولهم ان تأخذ جميع حصتها وان كان قد بيع بعضها بالاستحقاق، والبقية بالشفعة، ولا هو بيع فاسد، يجب فسخه، فيكون لها أيضا، ان تاخذ جميع حصتها والبقية بالشفعة، على قول من يرى أن البيع الفاسد لا ينعقد، وأن مصيبته من البائع ولا يفتيه بيع ولا غيره وهو قول شاذ في المذهب، قال به جماعة من أهل العلم في غيره، وانما بوجه جائز، جرى فيه على المبيع عليهم غبن، فكان من الحق لهم أن يرد البيع ما كان قائما، لم يفت، على اختلاف بين أهل العلم في ذلك، فقد قيل: ان للمبتاع أن يوفي تمام القيمة، يوم البيع، ولا يرد البيع، وان كان قائما لم يفت. وقيل: أنه يمضي له منه بقدر الثمن على قيمته يوم البيع، ويرد الباقي.
وهذه الأقوال كلها قائمة من العتبية لابن القاسم، وسحنون في سماعه، وسماع أبي زيد ولها في المدونة نظائر.
والنصف المردود على القائمة من حصتها انما يرجع اليها بملك مستأنف، لا على الملك الأول، فلا شفعة لها به على المبتاع الثاني، لا في بقية حصتها، ولا سائر المبيع، ولا له عليها فيه شفعة بصفقته المتقدمة، اذ ليس الرد يبيع محض، لأن البيع المحض ما يتراضى عليه المتبايعان، والمشترى الأول مغلوب على اخراج هذه الحصة من يده، فهو
стр. 526
بيع في حقها لكونها أخذة له، باختيارها، ونقض بيع في حقه، لأنه مغلوب على ذلك.
قال أبو الوليد ﵁: والقول بأن بيع الغبن يفتيه البيه الصحيح، بين لا اشكال فيه؛ لأنه إذا كان يفتيه البيع الفاسد، الذي يغلب المتبايعان على فسخه، وقد قيل: انه ليس ببيع، على ما ذكرناه، فأحرى أن يكون في بيع الغبن فوتا، اذ لا ينتقض الا باختيار أحدهما، وهو البائع.
وقد قال في المدونة وغيرها في الذي يخطئ على نفسه، فيبيع السلعة مرابحة، بأقل مما كان اشتراها به، ثم يقوم بذلك على المبتاع: ان للبائع أن يرجع في سلعته، ان كانت قائمة، وأنه يفتيها ما يفيت البيع الفاسد.
وهذه تشبه مسألتك، لأنه غبن جرى على البائع بغلطه على نفسه في الثمن كما جرى على البائع غلط في بيع الغبن، بغلطه على نفسه بالجهل بقيمة ما باع، ولا فرق بين الغبن على الأيتام فيما باعه الوصي عليهم وبين الغبن على الرجل فيما باعه على نفسه، فيما يوجبه الحكم في ذلك على القول بوجوب الرجوع بالغبن للرجل فيما غبن فيه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
стр. 527
سؤال ثان في نفس الموضوع، مع وجود مشاورين.
قال الفقيه القاضي، أبو الوليد ﵁:
أعيد إلى الئؤال عن هذه المسألة، بعد مدة طويلة وقد ضمن، أن الوصي شرط عليه مشورة رجلين، فأبى أحدهما، وهو شريك الأيتام في الأملاك، من التزام المشورة وابتاع من الوصي حصة الأيتام، باذن المشاور الآخر، دون أن يفرد بالمشورة.
فأجبت في ذلك: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وما فعله الوصي من بيع الاملاك على اليتامى باذن أحد المشاورين دون أن يفرد بالمشورة، غير جائز، وان لم يكن فيه غبن فللقائمة من اليتامى الرجوع في حصتها من ذلك، وان كان المبتاع قد فوت بعضه بالبيع.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[١٤٣]- مراجعة في مسألة سبقت حول الحبس المعقب
وكتب اليه ﵁، بعض فقهاء جيان، يسأله عن مسألة حبس، له فيها جواب قديم، وان بعض الناس اعترض ذلك الجواب ونص ذلك كله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. يا سيدى المعظم وشيخي المقدم، عسى أن تتأمل المسألة:
стр. 528
رجل حبس ملكا على ولد له، فقال فيه: حبس على ولده فلان وعلى كل ولد يحدث له من بعده، ثم على أعقابهم، وأعقاب أعقابهم ما تناسلوا. فولد له بعد ذلك أولاد، ثم توفي المحبس، فاستغل أولاده الحبس، إلى أن توفي واحد من أعيان الولد، وتخلف أولا داً [١٤٥] فأرادوا الدخول مع أعمامهم في الحبس، هل لهم ذلك أم لا؟
فأجبت، وفقك الله: أن لولد الولد الدخول مع أعمامهم، لأن الحبس انما منع ولد الولد مع أبيه لا مع غيره.
وانما قوله: ثم على أعقابهم انما هو عطف آحاد على أحاد لا عطف جملة على جملة، واحتجت بالآية: "وهو الذي أحياكم ثم يميتكم "
ولو قال: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم، لم يدخلوا مع الاعمام إلى سائر ما ذكرته، وفقك الله.
وضعيف مخالف الاحتجاج بالأية، لفروق ذكرها، واحتج، فقال ولو صح الجمع بينهما، لقيل: ان المحبس لم يفهم ذلك، وما قصده وانما حبس على الأعيان ثم على من سواهم من بعدهم، فما بقي واحد من الأعيان، لم يصح فيه لغيره حق البائع هو لهم بنص قول المحبس، فاذا انقرضوا صح لغيرهم إلى كلام يطول ذكره.
فتأمل، رضي الله عنك، وراجعني عليه متطولا.
رد ابن رشد على اعتراض المراجعة.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. تصفحت ياسيدى، أعزك الله بطاعته،
стр. 529
وتولاك بكرامته السؤال، ووقفت عليه وعلى جوابي المتقدم فيه وهو صحيح به أقول واياه أعتقد، وما استدللت به فيه من كتاب الله وعز وجل وعرف كلام الناس، كاف عند من فهم موضع الاستدلال منه وأنصف ولم يعاند وأنا أزيد ذلك، لما ذكرته من مخالفة من خالف فيه، واعتراض من اعترض عليه، إما لقصور فهم، واما لمعاندة حق، ونصرة قول فرط منه، أنف من الرجوع عنه إلى ما أهو أحسن منه وما اهتدى، ولا حصلت له من الله بشرى من ذهب إلى هذا النحو والمعنى، قال الله ، فبشر عبادى الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، واولئك هم أولو الألباب.
والأصل في هذا: أن المحبس انما حبس ماله الذي خوله الله اياه وأجاز له التصرف فيه، وند به إلى التقرب اليه به فيما شاء من وجوه القرب وان كان غيرها أفضل، فوجب أن يتبع قوله، في كتاب تحبيسه، فما كان فيه من نص جلي، لو كان حيا، فقال: انه أراد ما يخالفه، لم يلفت إلى قوله، ووجب ان يحكم به، ولا يخالف حده فيه الا أن يمنع منه مانع من جهة الشرع، وما كان فيه من كلام محتمل لوجهين، فاكثر من وجوه الاحتمال، حمل على أظهر محتملاته، الا أن يعارض أظهرها أصل؛ فيحمل على الأظهر، من سائرها، إذا كان المحبس قد مات، ففات أن يسأل عما أراد بقوله من محتملاته، فيصدق فيه، اذ هو أعرف بما أراد، وأحق ببيانه من غيره.
стр. 530
فاذ تمهد هذا الاصل، ولم يصح فيه الخلاف، بانت بتمهده، صحة الجواب في المسألة المذكورة، لبنائه عليه، ورده اليه، وذلك أن المحبس لما حبس على بنيه، وقال في تحبيسه: ثم على أعقابهم من بعدهم احتمل أن يريد بذلك: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم وأن يريد به: ثم على أعقاب من انقرض منهم؛ إلى أن ينقرض جميعهم، لاحتمال اللفظ للوجهين جميعا، احتمالا واحدا، وصلاحه لهما، وكذلك كل ما كان على صيغته من الألفاظ عطف جمع على جمع بحرف ثم يجوز أن يعبر فيه عن كل واحد من الوجهين؛ ألا ترى أنك تقول: ولد لفلان عشرة أولاد، ثم ماتوا بعد أن ولدوا، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما ولد واحد منهم، مات قبل أن يولد الآخر. وتقول: اشترى فلان عشر دور فبناها، ثم باعها بعد أن بناها، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما اشترى دارا منها، فبناها، باعها، قبل أن يشترى الأخرى.
وكفي من الدليل على هذا قول الله : ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا
فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٨]
: أنه أمات كل واحد منهم، بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم، وأنه أراد بقوله: ثم يحييكم: أنه لم يحي منهم أحداأمات جميعهم والصيغة في اللفظين واحدة.
فلولا أن كل واحدة منهما محتملة للوجهين، لما صح أن يريد [١٤٦] بالواحدة غير مراده بالأخرى، وهذا أبين أن يخفى.
следующие страницы →