← Фикх малики

Фикх малики · id 14310

مسائل أبي الوليد ابن رشد

ابن رشد الجد

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بيع في حقها لكونها أخذة له، باختيارها، ونقض بيع في حقه، لأنه مغلوب على ذلك. قال أبو الوليد ﵁: والقول بأن بيع الغبن يفتيه البيه الصحيح، بين لا اشكال فيه؛ لأنه إذا كان يفتيه البيع الفاسد، الذي يغلب المتبايعان على فسخه، وقد قيل: انه ليس ببيع، على ما ذكرناه، فأحرى أن يكون في بيع الغبن فوتا، اذ لا ينتقض الا باختيار أحدهما، وهو البائع. وقد قال في المدونة وغيرها في الذي يخطئ على نفسه، فيبيع السلعة مرابحة، بأقل مما كان اشتراها به، ثم يقوم بذلك على المبتاع: ان للبائع أن يرجع في سلعته، ان كانت قائمة، وأنه يفتيها ما يفيت البيع الفاسد. وهذه تشبه مسألتك، لأنه غبن جرى على البائع بغلطه على نفسه في الثمن كما جرى على البائع غلط في بيع الغبن، بغلطه على نفسه بالجهل بقيمة ما باع، ولا فرق بين الغبن على الأيتام فيما باعه الوصي عليهم وبين الغبن على الرجل فيما باعه على نفسه، فيما يوجبه الحكم في ذلك على القول بوجوب الرجوع بالغبن للرجل فيما غبن فيه. وبالله التوفيق، لا شريك له.

стр. 527

سؤال ثان في نفس الموضوع، مع وجود مشاورين. قال الفقيه القاضي، أبو الوليد ﵁: أعيد إلى الئؤال عن هذه المسألة، بعد مدة طويلة وقد ضمن، أن الوصي شرط عليه مشورة رجلين، فأبى أحدهما، وهو شريك الأيتام في الأملاك، من التزام المشورة وابتاع من الوصي حصة الأيتام، باذن المشاور الآخر، دون أن يفرد بالمشورة. فأجبت في ذلك: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وما فعله الوصي من بيع الاملاك على اليتامى باذن أحد المشاورين دون أن يفرد بالمشورة، غير جائز، وان لم يكن فيه غبن فللقائمة من اليتامى الرجوع في حصتها من ذلك، وان كان المبتاع قد فوت بعضه بالبيع. وبالله التوفيق لا شريك له. [١٤٣]- مراجعة في مسألة سبقت حول الحبس المعقب وكتب اليه ﵁، بعض فقهاء جيان، يسأله عن مسألة حبس، له فيها جواب قديم، وان بعض الناس اعترض ذلك الجواب ونص ذلك كله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. يا سيدى المعظم وشيخي المقدم، عسى أن تتأمل المسألة:

стр. 528

رجل حبس ملكا على ولد له، فقال فيه: حبس على ولده فلان وعلى كل ولد يحدث له من بعده، ثم على أعقابهم، وأعقاب أعقابهم ما تناسلوا. فولد له بعد ذلك أولاد، ثم توفي المحبس، فاستغل أولاده الحبس، إلى أن توفي واحد من أعيان الولد، وتخلف أولا داً [١٤٥] فأرادوا الدخول مع أعمامهم في الحبس، هل لهم ذلك أم لا؟ فأجبت، وفقك الله: أن لولد الولد الدخول مع أعمامهم، لأن الحبس انما منع ولد الولد مع أبيه لا مع غيره. وانما قوله: ثم على أعقابهم انما هو عطف آحاد على أحاد لا عطف جملة على جملة، واحتجت بالآية: "وهو الذي أحياكم ثم يميتكم " ولو قال: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم، لم يدخلوا مع الاعمام إلى سائر ما ذكرته، وفقك الله. وضعيف مخالف الاحتجاج بالأية، لفروق ذكرها، واحتج، فقال ولو صح الجمع بينهما، لقيل: ان المحبس لم يفهم ذلك، وما قصده وانما حبس على الأعيان ثم على من سواهم من بعدهم، فما بقي واحد من الأعيان، لم يصح فيه لغيره حق البائع هو لهم بنص قول المحبس، فاذا انقرضوا صح لغيرهم إلى كلام يطول ذكره. فتأمل، رضي الله عنك، وراجعني عليه متطولا. رد ابن رشد على اعتراض المراجعة. فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. تصفحت ياسيدى، أعزك الله بطاعته،

стр. 529

وتولاك بكرامته السؤال، ووقفت عليه وعلى جوابي المتقدم فيه وهو صحيح به أقول واياه أعتقد، وما استدللت به فيه من كتاب الله وعز وجل وعرف كلام الناس، كاف عند من فهم موضع الاستدلال منه وأنصف ولم يعاند وأنا أزيد ذلك، لما ذكرته من مخالفة من خالف فيه، واعتراض من اعترض عليه، إما لقصور فهم، واما لمعاندة حق، ونصرة قول فرط منه، أنف من الرجوع عنه إلى ما أهو أحسن منه وما اهتدى، ولا حصلت له من الله بشرى من ذهب إلى هذا النحو والمعنى، قال الله ، فبشر عبادى الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، واولئك هم أولو الألباب. والأصل في هذا: أن المحبس انما حبس ماله الذي خوله الله اياه وأجاز له التصرف فيه، وند به إلى التقرب اليه به فيما شاء من وجوه القرب وان كان غيرها أفضل، فوجب أن يتبع قوله، في كتاب تحبيسه، فما كان فيه من نص جلي، لو كان حيا، فقال: انه أراد ما يخالفه، لم يلفت إلى قوله، ووجب ان يحكم به، ولا يخالف حده فيه الا أن يمنع منه مانع من جهة الشرع، وما كان فيه من كلام محتمل لوجهين، فاكثر من وجوه الاحتمال، حمل على أظهر محتملاته، الا أن يعارض أظهرها أصل؛ فيحمل على الأظهر، من سائرها، إذا كان المحبس قد مات، ففات أن يسأل عما أراد بقوله من محتملاته، فيصدق فيه، اذ هو أعرف بما أراد، وأحق ببيانه من غيره.

стр. 530

فاذ تمهد هذا الاصل، ولم يصح فيه الخلاف، بانت بتمهده، صحة الجواب في المسألة المذكورة، لبنائه عليه، ورده اليه، وذلك أن المحبس لما حبس على بنيه، وقال في تحبيسه: ثم على أعقابهم من بعدهم احتمل أن يريد بذلك: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم وأن يريد به: ثم على أعقاب من انقرض منهم؛ إلى أن ينقرض جميعهم، لاحتمال اللفظ للوجهين جميعا، احتمالا واحدا، وصلاحه لهما، وكذلك كل ما كان على صيغته من الألفاظ عطف جمع على جمع بحرف ثم يجوز أن يعبر فيه عن كل واحد من الوجهين؛ ألا ترى أنك تقول: ولد لفلان عشرة أولاد، ثم ماتوا بعد أن ولدوا، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما ولد واحد منهم، مات قبل أن يولد الآخر. وتقول: اشترى فلان عشر دور فبناها، ثم باعها بعد أن بناها، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما اشترى دارا منها، فبناها، باعها، قبل أن يشترى الأخرى. وكفي من الدليل على هذا قول الله : ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٨] : أنه أمات كل واحد منهم، بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم، وأنه أراد بقوله: ثم يحييكم: أنه لم يحي منهم أحداأمات جميعهم والصيغة في اللفظين واحدة. فلولا أن كل واحدة منهما محتملة للوجهين، لما صح أن يريد [١٤٦] بالواحدة غير مراده بالأخرى، وهذا أبين أن يخفى.

стр. 531

ومما يدل على أن قول المحبس ثم على أعقابهم من بعدهم يحتمل أن يريد: ألا يدخل ولد منهم في الحبس الا بعد موت أبيه، دليلا ظاهرا، أنه لو كان حيا فقال: هذا الذي أردت لوجب أن يصدق في ذلك بلا خلاف. بساط قصد المحبس قال أبو الوليد ﵁: فلما احتمل أن تكون هذه ارادته، وكان الاصل: أن يولد الرجل أحق بماله، بعد موته، من أخيه، وجب الا يعدل بحظ من بني المحبس عن ولده إلى اخوته إلا بنص ولا نص في ذلك على ما بيناه، لاسيما والذي يغلب على الظن أن المحبس إلى هذا قصد وانما أراد ان يجعل هذا الحبس لبنيه على سبيل الميراث، فلم يقل: وعلى أعقابهم، لئلا يدخل الولد مع أبيه فيه وقال: ثم على اعقابهم، لئلا يدخل معه في حياته، ولم يرد ألا يدخل معه حتى ينقرض أعمامه، لأن هذا خلاف ما يعلم من فطرة الناس وما جبلوا عليه في أشفاقهم من أن ينفرد بعض اولادهم بميراثه، دون ولد من مات منهم في حياته قال أبو الوليد ابن رشد، ﵁: وقد جاءني غير واحد يسألني عن حيلة في أن يصير إليهم، بعد موته من ماله، مثل نصيب أبيهم، فلم أجد له وجها إلا ان يوصي لهم بثلثه، أو بما شاء منه.

стр. 532

تنظير لاحتمال البعضيه، بما لدى ابن زرب. وقد قال ابن زرب: إن الرجل إذا قال في حبسه: حبس على ولدى فلان وفلان، وعلى أقابهم: أنه لا يدخل في ذلك ولد الابنة لاحتمال رجوع الضمير من قوله: وعلى أعقابهم على الذكران من ولده دون الابنة. قال: وكذلك لوقال، أيضا: على ولدى فلان، وفلان وفلانه وعلى أعقابهم لاحتمال رجوع الضمير على الابنين دون الابنة اذ قيل: ان الاثنين جماعة. قال: ولا يدخل ولد الابنة في الحبس، الا أن يقول: حبس على ابنتي وعلى عقبها، أو يقول على ابني فلان وفلانه، وعلى أعقابهما. فهذا ابن زرب لم يجعل قوله: وعلى أعقابهم عاماً في جميع ولده ورأى ألا يدخل ولد الابنة فيه الا بنص جلي فكذلك مسألتنا لا ينبغي أن يصرف حظ الميت من بني المحبس إلى اخوته دون بنيه الا بنص جلي ولا نص في ذلك، لاحتمال رجوع الضمير من قوله: ثم على أعقابهم من بعدهم على من مات منهم، لا عاما في جميعهم. والمسألة أبين من أن يحتاج إلى الاستدلال على صحتها بقول ابن زرب أو غيره. لم يفرق المخالف بين العام المحتمل للتخصيص، والعام النص في العموم. قال أبو الوليد، ﵁: وتفرقة المخالف بين الصيغتين

стр. 533

وادعاؤه في قول المحبس: ثم على أعقابهم من بعدهم انه نص على أنه لا دخول لأحد من ولد ولده حتى ينقرض جميع ولده، تخلف بين في تمييز معاني الألفاظ ومقتضى الخطاب؛ قد قال الله : ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [سورة النساء الآية: ١١] فلم يقل أحد: غن ذلك نص في جميع أولاد المسلمين اذ ليس بنص، وانما هو عموم محتمل للتخصيص، وقد خص منه الكفار والعبيد، فعلم أنهم غير مرادين بالآية. وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [سورة التوبة الآية: ١٠٣] ، فقال جماعة من أهل العلم: إنه لا زكاة في أموال المجانين والصبيان، وذهب مالك إلى انه لا زكاة في اموال العبيد فلو كان نصا في اموال جميع الملمين، لما وسع الخلاف فيه وهذا أكثر من أن يحصى، وأبين من ان يخفى. فكذلك قول المحبس: ثم على أعقابهم من بعدهم، ليس بنص على أعقاب جميع ولده من بعدهم. ويحتمل أن يكون أراد به: ثم على أعقاب من مات منهم من بعده وهو الأظهر من أرادة المحبس على ما بيناه. فالقول بأن ذلك ليس بنص ليس بقول. اعتبار المقاصد بين المالكية والحنفية. ولو قال: انه الأظهر من مجرد اللفظ، وسلمنا ذلك له، لما لزم اتباع مجرد ظاهر اللفظ، إذا خالفه المعنى؛ لأنا انما تعبدنا بمعاني الألفاظ دون مجردها. ولو اتبعنا مجردها دون معانيها لعاد الايمان كفرا والدين لعبا، لأن الله يقول: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [سورة الزمر الآية: ١٥]

стр. 534

لأنه لفظ ظاهره الأمر، والمراد به: الوعيد والنهي، وقال لابليس: وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وليس بمأمور في ذلك، انما هو منهى عنه وهذه من حجتنا على أهل العراق في اعتبارهم بمجرد الألفاظ في الأيمان دون معانيها. [١٤٧] وبالله التوفيق لا شريك له. [١٤٤]- شهادة مداينة بعقدين مختلفي المبلغ . وخوطب ﵁، من بعض بلاد الاندلس، بنسخة عقدين اثنين وسؤال تحتهما يسأل فيه وجه الحكم فيها. ونص ذلك كله من أوله إلى آخر حرف فيه. عقد سلف بأربع مائة مثقال. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما أشهدت فاطمة بنت هشام بن المنت أقوطى، التي كانت زوجا للوزير الفقيه أبي عبد الملك الخولاني إلى أن توفي عنها: أن لابنتها زينب، التي هي زوج لأبي القاسم ابن بدرون قبلها، في مالها وذمتها، اربع مائة مثقال، ذهبا عبادية من سلف أسلفتها اياها مؤخرة عنها إلى انقضاء عشرين سنة، لا برءاة لفاطمة المذكورين من العدة الا يدفعها لمن يجب له قبضها، واقامة البينةعلى دفعها.

стр. 535

شهد بذلك كله من أشهدته فاطمة المذكورة فوق هذا بجميع ما ذكر عنها فيه. وذلك في رجب ثمان وخمس مائة ابراهيم بن خلف بن محرز اللخمي، وكان قد أوقع اسمه حين أشهدته في عقد غير هذا، فمتى قيم به، واسمه فيه، فانما هي هذه الأربع مائة مثقال. نفس العقد بثلاث مائة مثقال. نسخة العقد الآخر. " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما. أشهدت فاطمة بنت هشام بن المنت أقوطي، التي كانت زوجا للوزير الفقيه أبي الملك الخولاني، إلى أن توفي عنها: أن لإبنتها زنيب، التي هي زوج لأبي القاسم ابن يدرون، قبلها، وفي مالها وذمتها، ثلاث مائة مثقال ذهبا عبادية، مؤخرة عنها إلى انقضاء عشرين سنة من تاريخ هذا الكتاب، لا براءة لفاطمة المذكورة من العدة المذكورة الا بدفعها لمن يجب له قبضها، وإقامة البينة على ذلك. شهد بذلك كله من أشهدته فاطمة المذكورة فوق هذا بجميع ما ذكر عنها فيه. وذلك في رجب الفرد، من سنة ثمان وخمس مائة. خلف بن محمد بن خلف. هل يلفق العقدان؟ وهل يحمل المطلق منهما على القيد؟ وهذه نسخة السؤال. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما جوابك رضي الله عنك. فيما يقتضيه العقدان المسطوان فوق هذا فإن زينب المشهود لها في العقدين، وتوفيت، وقام ورثتها، على

стр. 536

فاطمة المشهود عليها في العقدين، فأنكرت جميع ذلك. فهل تلفق الشهادتان، ومضمن العقدين، أم يحكم بأن كل واحد منهما ذكر حق على حدة، لا تعلق له لصاحبه؟ وهل لإدعاء القائم بالعقدين أنه حق أو حقان تأثير في استحقاقهما، أو استحقاق أحدهما أم لا؟ ثم تأمل، رضي الله عنك، تقييد أحد العقدين بالسلف، واطلاق العقد الثاني، هل يوجب حمل المطلق على المقيد، أو يقضي لكل واحد منهما بحكمه؟ وهل للأجلين المذكورتين في العقدين تأثير أم لا؟ وهل يستوى الحكم في أن تبتدئ هي بالاقرار، أو تقر بعد طلب واستدعاء، اذ القائم يزعم أن ما شهد به لموروثه حال؟ فتصفح، رضي الله عنك، جميع ذلك، وما عسى أن أغفلته، من مقتضى العقدين، أو مضمن أحدهما، وأوعب لنا الجواب بأكمل وجوه التفصيل والتقسيم، وأتم ما يحتمل من الشرح والتبيين، فربما تعسف متأول، فتمسك منه بلفظ مشكل، حايزا، في الاهتمام بذلك، جزيل الأجر، ان شاء الله تعالى. في العقدين اجمال مخل. فأجاب أدام الله وتوفيقه، على ذلك بهذا الجواب، ونصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه، وعلى ما تقيد فوقه من شهادة كل واحد من الشاهدين المذكورين، بما شهدا به من إقرار المرأة لابنتها.

стр. 537

وهي شهادة مجملة، اذ ليس في واحدة منهما بيان، ان كان التاريخ فيها لوقت الاشهاد أو لوقت وضع الشهادة، ولا يدرى هل كان اشهادها لهما، معا في مجلس واحد، أو في مجلسين، في تاريخ واحد، أو في تاريخين، ولا هل حل أجل الدين الذي شهد به أحد الشاهدين ام لم يحل؛ اذ لم تتضمن شهادته أن الأجل من التاريخ، والحكم في ذلك يختلف باختلافه. يجب استفسار الشهود. قال أبو الوليد ﵁. فالواجب في ذلك: أن يسأل الشاهدان عن وجه شهادتهما، ويستفسر عنها. (١) - فان قالا: أشهدتنا، معا في وقت كذا، فقال أحدهما: أشهدتنا بأربع مائة، وقال الثاني: انما أشهدتنا بثلاث مائة، وهي [١٤٨] منكرة، فالمشهور من مذهب ابن القاسم الذي به الفتوى وعليه العمل: أن شهادتهما تصح في الثلاث مائة، والتي اتفقا عليهما، إلى الاجل الذي سمياه، فيحكم للطالب بها، دون يمين، وتحلف المرأة وتسقط عنها المائة الزادة، الا على القول بالحكم بالقضاء باليمين مع الشاهد، فيكون الطالب بالخيار بين أن يحلف ويستحق الأربع مائة، أو يأخذ الثلاث مائة، دون يمين، ويرد على المرأة، في المائة الزائدة اليمين، وان ادعى الطالب ما شهد به الشاهدان جميعا، قال: انهما حقان، لم يكن له شيء، لأنه يكون بذلك قد أكد بهما، في شهادتهما، وتحلف المرأة ويسقط عنها الجميع.

стр. 538

وقد قيل: ان ذلك تكاذب في الشهادة، وانه ليس من باب الزيادة، فعلى هذا القول، ان ادعى الطالب أحد المالين، حلف مع شهادة الشاهد به، على مذهب من القضاء باليمين مع الشاهد، وتحلف المرأة المشهود عليها فيسقط عنها ما شهد به الشاهد الآخر. وان ادعى المالين، جميعا وقال: انهما حقان تخرج ذلك على قولين: أحدهما أنه لا شيء له، وتحلف المرأة، الثاني: أنه يحلف مع كل واحد منهما ويستحق المالين، جميعا، على القول، أيضا بالحكم باليمين مع الشاهد. (٢) - وان قال الشاهدان، إذا استفسرا عن وجه شهادتهما: لم تشهدنا المرأة معا، واتفقت شهادتهما على تاريخ واحد مع كونهما في مجلسين، والمراة منكرة كما ذكرت، القول قول الطالب فيما يدعي من أنهما حقان، أو حق واحد فان ادعى أنهما حقان، كان له أن يحلف مع شهادة كل واحد منهما، ويستحق ما شهد له به، على القول بالقضاء باليمين مع الشاهد. وان ادعى أحد المالين حلف مع شهادة الشاهد، الذي شهد له به وأخذه على القول، أيضا، بالقضاء باليمين مع الشاهد. تلفيق الشهادة. قال أبو الوليد، ﵁، واختلف هل تلفق الشهادتان في الثلاث مائة، التي اجتمعت شهادتهما فيها، ويأخذها دون يمين، ان دعا إلى ذلك وأبى أن يحلف، أو على ما جرى به العمل، من أنه لا

стр. 539

يقضي باليمين مع الشاهد، فقيل: انها لا تلفق، وقيل: انها تلفق، فيأخذها بغير يمين وتحلف المرأة المشهود عليها ان ادعى الطالب الأربع مائة، أو المالين جميعا، فتبرأ من الزائد على الثلاث مائة، وهو الأظهر، واليه ذهب ابن المواز، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. (٣) - وان قال أحد الشاهدين، إذا استفسرا عن وجه شهادتهما: أشهدتني المرأة بما شهدت به، في تاريخ كذا، لتاريخ غيره، فهما حقان لا يختلف في أن الشهادة لا تلفق في ذلك، ويكون الحكم فيه: أن يحلف الطالب مع شهادة كل واحد منهما، ويستحق ما شهدا به جميعا، وان شاء حلف مع أحدهما، على ما شهد به، ورد اليمين على المرأة فيما شهد به الشاهد الآخر. وهذا على القول بالقضاء باليمين مع الشاهد. وأما على ما جرى به العمل من أنه لا يقضي باليمين مع الشاهد، فلا يمكن من اليمين، وتحلف المرأة، ويسقط عنها الحقان جميعا. ولا يصدق الطالب في أن المال الذي شهد به واحد من الشاهدين حال ولا يكون القول في ذلك قوله، ولا يمكن من اليمين فيه، لأن المشهود عليها منكرة، فلا يصح إذا قضى عليها بالشهادة، أن يأخذ بعضها، ويترك بعضها، وانما كان يكون القول قول الطالب في أن المال حال، لو كانت مقرة به، مدعية للأجل فيه وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [١٤٥]- اثنتا عشرة مسألة من سبتة وخاطبه ﵁، رجل من أهل سبتة، حرسها الله تعالى، بكتاب يسأل فيه عن جملة مسائل، وقد كان هذا الرجل المذكور خاطبه، قيل ذلك، بكتابين يسأله فيهما عن مسائل، ويعترض عليه في

стр. 540

أحدها، في مسألة أجاب فيها، كانت جاءته من عندهم، أيضا. فأجابه وفقه الله، على الكتاب الثالث، يبين له فيه لم أعرض عن مجاوبته على الكتابين المتقدمين، ويوضح له فيه عن المسائل التي كتب اليه بها فيه. ونص ذلك من أوله إلى آخر حرف فيه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أسبغ الله عليك نعمه، وظاهر لديك آلاءه وقسمه، وأدام الله لك السلامة، ووصل لك الغبطة والكرامة، وبلغك أملك وختم بخير الاعمال وأبرها عملك، برحمته، انه منعم كريم. وصل الي - وصل الله أنعمه لديك - كتابك الأثير، فقرأته، ووقفت على مضمنه. [١]- مراجعة حول من نسى مسح رأسه في وضوء إحدى الصلوات الخمس فأما ما ذكرته فيه من أنك خاطبتني، مستفهما عن مسائل، اختلف القول فيها عندكم، مرة بعد أخرى، فلم أراجعك على واحدة منها فالذي أوجب ذلك أن الكتاب الأول لم يوصله الذي بعثت به معه وأرسله مع غيره، فلم أعرف لمن هو، ولا من حيث أتي، الا من بعد مدة طويلة. وكان قد تضمن أنه وصل اليك جوابي فيمن صلى الخمس صلوات

стр. 541

بوضوء توضأه لكل واحدة منها على حدة، فلما فرغ من صلاة العشاء الآخرة، ذكر أنه مسح رأسه، لا يدري من أي وضوء فقام يمسح رأسه ويعيد الصلوات كلها، اذ لم يدر من أي وضوء نسيه فلما قام لذلك، نسى، أيضا مسح رأسه وأعاد الصلوات الخمس كلها، دون أن يمسح برأسه. وكان من جوابي في ذلك: أنهليس على من اعتراء ذلك الا اعادة صلاة العشاء الآخرة بعد اصلاح وضوئه، إن لم يفته اصلاحه أو إعادته، ان فاته اصلاحه، اذ لا يصح أن يقول بخلاف ذلك الا من وهم في المسألة. فذكرت، أيضا، أنه لما وصل اليك، أنكرته، ورأيت الصواب في قول من خالف في ذلك، فقال: انه تجب عليه اعادة الصلوات كلها بعد اعادة وضوء العشاء الآخرة أو اصلاحه واحتججت لذلك بما ذكرته من الحجاج، التي لا شك في أنك ذاكر لها، وواقف عليها، فلم اشك أنه كلام فرط منك لأول وهلة، قبل التدبر، لأن المسألة أوضح وأبين من أن تخفى على من المسلمينه أدنى حظ من فهم فكيف على مثلك في الفهم والتنقير على الأشياء وكثرة البحث، والسؤال على كل معنى مشكل، وعلمت أنه لا شك أنك قد ندمت على ما كان فرط منك في ذلك، ورجعت عنه، اذ لا يكل ذهنك، ولا ذهن ذى ذهن، عما هو أغمض من هذا، فكيف بهذا؟

стр. 542

دفاع عن نفس الجواب وذلك أن هذا الرجل انما ذكر أنه نسى مسح رأسه من وضوء واحد لا يدري ان كان من وضوء الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء الآخرة؛ فهو لما أعاد الصلوات كلها بوضوء العشاء الآخرة دون أن يمسح برأسه كان قد صلى كل صلاة من الصلوات الخمس مرتين بوضوءين، الوضوء الذي توضأه لها، والوضوء الذي توضأه للعتمة، حاشا صلاة العشاء الآخرة، فإنه صلاها، مرتين بالوضوء الذي توضأه لها خاصة، فوجب أن يعيد صلاة العتمة، مخافة أن يكون نسي مسح رأسه من الوضوء الذي توضأه لها ولم يجب عليه أن يعيد شيئاً من سائر الصلوات، مرة ثالثة، لحصول اليقين عنده، أنه قد صلاها بطهارة تامة، اذ قد صلاها بالوضوء الذي توضأه لها، وبالوضوء الذي توضاه للعتمة. فإن كان النقصان من الوضوء الذي توضأه لها، فقد أعادها بوضوء العتمة، وهو صحيح، لا نقصان فيه، وان كان النقصان من وضوء العتمة فقد صلاها، أولا، بالوضوء الذي توضأه لها، وهو صحيح لا نقصان فيه. فهذا لا يخفى والوهم لا يعصم منه أحد من البشر، الا الأنبياء والرسل وواجب على من قال قولا فبان له وهمه فيه، أن يرجع إلى الحق، فان الحق أحق أن يتبع فأنا أريد منك أن تريح نفسي بأن تعرفني ان كان تبين لك صحة جوابي في هذه المسألة، أم لا، فانه يعز على، ويعظم عندي: أن يخفى هذا المقدار على مثلك، ورحم الله

стр. 543

الأصيلي، فانه يقول: لا أريد أن أخطىء، فاذا أخطأت فلا أريد أن اتمادى على الخطأ، فأخطىء مرتين. اعتذار عن كتاب لم يجب عنه، حول أول حديث الموطأ. وأما الكتاب الثاني فاختلط في جملة كتب، كانت بين يدي، وذهب فلم أجده، فهو الذي أوجب تأخير الجواب عليه، وأظنه تضمن السؤال عن موضع الحجة، من أول حديث من الموطأ، على المغيرة بن شعبة، ﵁، في تأخير الصلاة. فان كان السؤال عن ذلك، فقد نفذ جوابي عنه اليكم، عن سؤال فيه من عندكم، فلا معنى لاعادته. قال أبو الوليد ﵁: وأما المسائل التي استفهمت عنها في كتابك، الذي هذا جوابه، ورغبت الجواب عنها، فمنها. [٢]- حول حديث: ((من أتي البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة)) أنك سألت عن حديث النبي ﷺ : ﴿من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة﴾ ما وجهه؟ وما معناه؟ والبهيمة غير مكلفة، ولو كانت مكلفة لسقط القتل عنها بالاكراه، فكيف وهي غير مكلفة؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث رواه ابن عباس عن النبي ﷺ وروى انه قيل: لابن عباس ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت من رسول الله ﷺ ، في ذلك، شيئاً، ولكني

стр. 544

أرى رسول الله ﷺ وكره أن يؤكل لحمها، أو ينتفع بها وقد عمل بها ذلك العمل. نقد الطحاوى للحديث وتكلم الطحاوى عليه في كتاب مشكل الحديث له، فقال انه حديث يرجع إلى عمرو بن أبي عمرو واسماعيل بن أبي حبيبة، وعمرو ابن أبي عمرو قد تكلم في روايته، واسماعيل بن أبي حبيبة متروك الحديث، عند أهل العلم جميعا. فان كان الحديث غير صحيح، كفينا الكلام فيه، وان كان صحيحا، فهو منسوخ، بدليل أنه قد روى عن ابن عباس من وجوه ثابتة، صحاح، أنه قال: ليس على من أتي بهيمة حد. ولا جائز أن يقول، بعد النبي، ﷺ ، ما يخالف حديثه عنه، الا بعد ثبوت نسخه عنده، وبدليل قول النبي ﷺ : ﴿لا يحل دم امرىء مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد احصان أو قتل نفس بغير نفس﴾ قال أبو الوليد، ﵁: هذا معنى قول الطحاوى دون لفظه. فأما قوله: انه منسوخ، فجيد، إذا حمل الكلام على ظاهره من القتل حقيقة وأما استدلاله على نسخه بما روي عن ابن عباس من أنه قال: ليس

стр. 545

على من أتى بهيمة حد فليس بصحيح عندنا، لأن الراوى إذا روى الخبر، وترك العمل به، لم يمنع ذلك من وجوب العمل به، اذ قد يتركه لنسيان أو تأويل، لا يراه غيره، أو لأنه قدم عليه ما لا يرى غيره أن يقدم عليه، الا ترى أن نأخذ بحديث عائشة ﵄، في التحريم بلبن الفحل، وان كانت قد خالفت حديثها عن رسول الله، ﷺ ، اذ كان يدخل عليها من أرضعته بنات اخيها، وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها أو نأخذ بحديث ابن عباس في أن الأمة تخير، إذا اعتقت تحت العبد، وان كان مذهبه أن بيع الأمة طلاقها. تأويل الحديث (١) - والتأويل في هذا الحديث ممكن، إذ قد يحتمل أن يكون ليس على حقيقة اللفظ في القتل، وأن يكون المراد به: القتل بالقول الذي هو اللعن، والابعاد، والاهانة، اذ قد يعبر عن ذلك بالقتل، على سبيل المجاز المعروف في كلام العرب الموجود كثيرا في القرآن، وقد جاء فيه، في هذا بعينه: قال الله ﴿قتل الانسان، ما أكفره﴾ أي: لعن الانسان، يعني الكافر، وجاء في

стр. 546

التفسير: انها في عتبة بن أبي لهب، وقال : ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾، أي: لعن أصحاب الأخدود. وجاء في التفسير: انهم قوم كانوا يعبدون صنما، وكان معهم قوم يكتمون ايمانهم، يعبدون الله، ويوحدونه، فعلموا بهم، فخدوا لهم أخدودا، وملؤوه نارا فاقتحموها، ولم يرتدوا عن دينهم، فأعلم الله بقصتهم، وما بلغت بهم بصيرتهم في دينهم، من أن يحرقوا بالنار، ولا يرجعون عنه، ولعن الفاعلين بهم ذلك، على فعلهم. وقال، ﴿قتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر﴾، معناه: فلعن كيف قدر ثم لعن كيف قدر. جاء في تفسير هذه الآية: أن الوليد ابن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال له: أي عم، ان قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال: لم؟ قال: يعطونك، فانك أتيت محمدا، تتعرض لما قبله. قال له: قد علمت قريش أني أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا، يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، لا أعلم برجزه، ولا بقصيدة، ولا بأشعار الجن، وأعرف الكهانة، فليس بكاهن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله ان لقوله، الذي يقول، لحلاوة، وانه ليحكم ما تحته، وانه ليعلو ما بعده. قال: والله ما

стр. 547

يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعنى حتى أفكر فيه. فلما فكر، قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا / إلى قوله تسعة عشر. ومعلوم من كلام الناس أن يقول الرجل، اذ وبخ وأهين، وقوبل بما يكره من القول: قد قتلني فلان، وقد أتى على مقاتلي بما قال. فيكون معنى الحديث: من وجدتموه على بهيمه فالعنوة والعنوا البهيمة، وأهينوه ووبخوه على فعله، واهجروه، واحكموا له بحكم من لا خير فيه، لأن ذلك قتل له، انه من ذهب خيره، الذى يذكر له، أو ماله فهو ميت الأحياء. ومن المعنى قول النبي ﷺ للذي أثنى على أخيه: ﴿قطعت عنق صاحبك﴾، وقوله ﴿من قذف رجلا بكفر فهو قتله﴾ فلعن هو، على هذا التأويل، لاستباحة ما حرم عليها من اتيان البهيمة لارتكاب المعصية فيها، باستباحة اتيانها، وان لم يكن منها فعل، ولا كان لها ذنب، كما لعنت الخمر، لارتكاب المعصية بها، باستباحة شربها وان لم يكن منها فعل، ولا كان لها ذنب. قال رسول الله، ﷺ : لعن الله الخمر، وعاصرها ومعتصرها، الحديث.

стр. 548

وروى عن أبي الدرداء أنه قال الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، الا ما كان فيها من ذكر الله، وما والاه إلى الله. فاذا لعنت الدنيا لارتكاب العاصي فيها، فكذلك تلعن البهيمة إذا ارتكبت المعصية فيها. قال أبو الوليد، ﵁: فيحتمل أن يكون ابن عباس ﵁ ذهب إلى هذا التأويل، ولذلك قال: ليس على من أتى بهيمة حد، لأن البهيمة لا عقاب عليها، ولو كان ذلك الفعل بها يحرم أكلها، لما وجب، لذلك قتلها، ولا تحريم الانتفاع بها، على مقتضى أصول الشرع. (٢) - ويحتمل أن يكون انما قال ذلك لأنه تأول فيه أنه منسوخ، بتأويل لا يوافقه غيره عليه، وقد يثبت عنده أنه منسوخ، من وجه لا يثبت به عند غيره، فلا يصح أن يحكم بأنه منسوخ، بما صح عنه، من أنه قال ليس على من أتى بهيمة حد، ولو كان قد وقف من النبي، ﷺ ، على أنه منسوخ، لما حدث به، اذ لايصح أن يحدث بالمنسوخ من الحديث من علم أنه منسوخ، اذ ليس الحديث المنسوخ كالقرآن المنسوخ حكمه، الثابت بين اللوحين خطه، وانما كما نسخ خطه وحكمه، فلا يتلى ولا يعمل به. وكذلك لا دليل على أنه منسوخ، في قول النبي ﷺ ﴿لا يحل دم

стр. 549

امرى مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد ايمان، أو زنا بعد حصان، أو قتل نفس بغير نفس لإحتمال أن يكون متأخرا عنه، فيكون مضافا إلى الثلاثة الأشياء، كما يضاف اليها القتل بالحرابة وبما سوي ذلك، مما قامت الحجة بالقتل فيه. فان لم يكن تأويل الحديث ما ذكرناه. وكلن المراد به، حقيقة. القتل، فانما هو منسوخ بالاجماع، المعصوم من الخطأ، الذى هو أحد أدلة الشرع، لقول الله ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا ولقول النبي، ﷺ ﴿لن تجتمع أمتي على ضلالة﴾، لابما ذكره الطحاوى، مما ذكرناه عنه، وبينا ماعليه فيه. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣]- حول العبارة السائرة: الحديث مضله الا للفقهاء ومنها أنك سألت فيه عن حديث النبي ﷺ ﴿الحديث مضله الا للفقهاء﴾ ما وجهه، والفقيه لا يستحق اسم الفقه الا بعد معرفته بالحديث؟ فعلى أي وجه تخرج الحديث؟ فالجواب عن ذلك أنا نقول: أما إضافتك هذا الكلام إلى النبي،

стр. 550

صلى الله عليه وسلم، وقولك فيه: انه من حديثه، فليس بصحيح، اذ ليس ذلك من حديث النبي ﷺ ، وانما هو قول ابن عيينة أو غيره من الفقهاء. وهو كلام صحيح، بين معناه: لأن الحديث منه ما يرد بلفظ الخصوص، والمراد به العموم، ومنه ما يرد بلفظ العموم والمراد به الخصوص، ومنه الناسخ، ومنه المنسوخ، ومنه ما لم يصحبه عمل، ومنه مشكل، يقتضي ظاهره التشبيه، كحديث التنزل، وحديث الصورة، وقول النبي ﷺ ﴿من تقرب إلى شبرا تقربت اليه ذراعا، ومن تقرب إلى ذراعا، تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة﴾ وكالأحاديث التي سألت عن معناها، في كتابك هذا؛ لأن هذا كله لا يعلم معناه الا الفقهاء، فمتى جمع الحديث أحد، ولم يتفقه فيه، اضله، بحمله، في جميع المواضع، على ظاهره، من الخصوص، والعموم، والتشبيه، والعمل بالمنسوخ. وقولك: ان الفقيه لا يستحق اسم الفقه الا بعد معرفته بالحديث لا يرد ما ذكرناه، لأنه وان كان لا يستحق اسم الفقه الا بعد معرفته بالحديث، فلا يستحقه لمعرفته بالحديث، وانما يستحقه لتفقهه في

стр. 551

الحديث، وجامع الحديث، إذا لم يتفقه فيه ليس بفقيه، ومعرفته للحديث مضلة لم، إذا لم يتفقه فيه، كما قال ابن عيينة، أو من قاله من العماء. وبالله التوفيق. لا شريك له. [٤]- حديث: «ان امرأتى لا ترد يد لامس» ومنها أنك سألت فيه عن حديث النبي ﷺ : أن رجلا قال للنبي ﷺ «ان امرأتى لا ترد يد لامس»، فقال له النبي ﷺ : «فاستمسك بها» ما وجهه مع الحديث في خبر الأمة، وقوله ﵇، بعد الأمر بجلدها: «بيعوها ولو بظفير». فالجواب عن ذلك: أنه حديث أخرجه أبو داود، من حديث ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: «ان امرأتى لا تمنع يد لامس»، قال: «غيرها»، قال «أخاف أن تتبعها نفسى»، قال: فاستمتع بها» ورواه، أيضا عن النبي ﷺ ، هاشم مولاه، وقيل انه هو السائل للنبي ﷺ ، فالله أعلم. تأويل الحديث. قال أبو الوليد ﵁: واختلف في تأويله: (١) - فقيل: معناه: لا ترد يد سائل يلتمس منها العطاء، وانها

стр. 552

كانت تبذر عليه ماله، فعلى هذا، لا اشكال في الحديث. (٢) - وقيل: انه كناية عن كثرة فجورها، وهو الأظهر، فعلى هذا التأويل، المعنى في أمر النبي ﷺ اياه بطلاقها بين، وليس اباحيه له أن يمسكها إذا كانت تعجبه، وخشى أن تتبعها نفسه، ان فارقها، ما يعارض حديثه في الأمة، لأن الاختيار له طلاقها، وجائز له أن يمسكها، إذا خشى على نفسه العنت بمفارقتها، مع أن يثقفها، ويحفظها، فيكون مأمورا في حبسها، وحفظها وحفظ دينه بها. وقد قيل: انما أباح له النبي ﷺ الاستمتاع بها، فيما دون الوطء مخافة اختلاط الأنساب، وهو من التأويل البعيد، والله أعلم. [٥]- حول حديث: «تزوج بكرا فوجدها حاملا» وأما الحديث الذى ذكرت، أيضا، وسألت عن معناه، وهو: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال له: «يا رسول الله، تزوجت بكرا، ووجدتها حاملا» فقال له النبي ﷺ : «طلقها وبع ولدها، واذا ولدت فاجلدها». فانه حديث لا أعرفه، وقد خرج أبو داود حديثا بمعناه، على خلاف هذا النص، يقرب معناه من معناه. تأيل الحديث. قال ابو الوليد، ﵁: فإن صح الحديث على النص الذى ذكرته، فتحتمل وجهين من التأويل. (١) - أحدهما: أن هذا الرجل كانت له أمة بكر، فوطئها فاذا

стр. 553

هى حامل، فسال النبي ﷺ عن ذلك وكنى له عن الوطء بالتزويج، على العادة في الكناية عن الوطء بما هو سببه، فامر النبي ﷺ بعتقها إذ كره له التمادى على الاستمتاع بوطئها، من أجل أنه غذى ولدها في بطنها بمائة، فصار لها به شبهة حرمة أمهات الأولاد. وعبر له ﷺ بالطلاق عن العتق، لقرب ما بينهما في المعنى، اذ الطلاق ترك ما يملك المطلق من العصمة، كما أن العتق ترك ما يملك المعتق من الملك، كما عبر هو له، أيضا بالتزويج عن الوطء، فقال له: طلقها، أي: طلقها من ملكك. وأعلمه أن له ان يبيع ولدها. وان كان الاختيار له أن يعتقه، بقوله: وبع ولدها لئلا يظن أنه قد صار ولدا له بتغذيته اياه بمائة، في بطن أمة، يحرم عليه ملكه. [١٥٣] قال أبو الوليد، ﵁: وقد / ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، فقال: انه لا يحل له أن يستعبده، وأنه يلحق به نسبه، وبالذى كان أصل الحمل منه، فيرثها ويرثانه جميعا، تعلقا بما روى أنرسول ﷺ ، رأى امرأة عند فسطاط يريد: حاملا، فقال: «لعل صاحب هذه أن يلم بها»، «لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه، وهو يحل له؟ وكيف يسترقه، وهو لا يحل له»؟.

стр. 554

ولا تعلق بالحديث، فيما ذهب اليه، لأن قوله: «كيف يورثه وهو لا يحل له» لا يدل إلا على ان نسبه غير ثابت منه، وقوله: «كيف يسترقه وهو لا يحل له»، معناه كيف يسترقه وهو لا يحل له، بنفس طيبة، دون إكراه، فيرجع معنى ذلك إلى أن النبي ﷺ مر بجارية، اشتراها رجل، وهى حبلى، فقال ﵇ «أتطؤها وهى حبلى؟» قال: «نعم». قال: «فانك تغدو في سمعه وفي بصره، فاذا ولد فاعتقه». وقيل انه يجوز له أن يبيعه، لقوله، في الحديث الذى سألت عنه: وبع ولدها. (٢) - والوجه الثانى من التأويل هو أن يكون ذلك الرجل السائل للنبى، ﷺ ، تزوج جارية بكرا، على أنها حرة، فوطئها، وألقاها حاملا، ثم استحقها رجل، ووهبها له، أو استحقها هو أمة له، فسقط من الحديث ذكر الاستحقاق، ان كان استحقها هو، أو الاستحقاق والهبة، ان كان غيره استحقها، فوهبها له، فقال لع النبي ﷺ : «طلقها»، اعلاما له أنها قد طلقت منه بملكه اياها، لا على معنى أن يستحدث لها طلاقا. وهذا مثل ما روى عنه ﷺ ، أنه قال: «لا يجزى ولده والده، الا أن يجده عبدا، فيشتريه، ويعتقه». وهذا يكون حرا بنفس

стр. 555

الشراء، لا يستحدث له بعده عتقا. وقد مضى القول في معنى قوله «وبع ولدها» في التأويل الأول. وبالله التوفيق. قال أبو الوليد، ﵁: والحديث الذى خرجه أبو داود من رواية سعيد بن المسيب عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، يقال له بصرة قال: «تزوجت امرأة بكرا، في سترها، فدخلت عليها، فاذا هى حبلى، فقال له النبي ﷺ : لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فاذا ولدت فاجلدوها»، فليس فيه ما يشكل الا قوله: «الولد عبد لك». ومعناه: أن يكون لك بمنزلة العبد، اذ هو ربيب لك تحضنه وتكلفه، ولا نسب له ينزع اليه، لكونه ابن زنا، فتصرفه تصريف العبد، والله أعلم. الجمع بين الآثار اولى من بقاء التعارض. فعلى هذا المعنى الذى ذكرناه من التأويلات تتفق الأحاديث كلها، وينتفى التضاد عنها، الحديث الذى سالت عنه، ان صح، والحديث الذى خرجه أبو داود، والحديث الذى احتج به من ذهب إلى أن من وطئ أمة حاملا، يثبت نسب الولد منه، ومن الذى كان اصل الحمل منه، والحديث الذى ذكرته حجة عليه. وهذا هو الوجه عند أهل العلم، فيما تعارض من ظواهر الآثار،

стр. 556

والتبس من معانيها: أن يشرح ما التبس منها، ويلفق بينها بالتأويل، إذا امكن ذلك، ولا تحمل على التعارض فتطرح، ولا على أنها من المتشابه، الذى لا يعرف معناه، ولا يفقه، ولا على انها مما وهم الرواة فيها. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٦]- حديثان حول فضل الجمعة والحج ومنها أنك سألت فيه عن الحديث الذى جاء: «الجمعة حج المساكين» «و» الحج جهاد كل ضعيف»، «فالجواب عن ذلك: أنهما حديثان لا أعرفهما في شىء من الصحيح، انما ذكرهما صاحب الشهاب، لا أذكرهما في غيره ومعناها بين، وهو أن المسكين الذى يسقط عنه فرض الحج، لعدم استطاعته على الوصول إلى مكة، لمسكنته، لا يسقط عنه فرض إتيان الجمعة، ويقوم ذلك له مقام الحج، لمن وجب عليه فرضه، في تحميض الدنوب، وتكفير الخطايا. روى عن عبد الله بن أبى أوفى انه قال: «من سلم في جمعته من ثلاث كفر عنه بروحته ما بينه وبين الجمعة الأخرى، ثم كل صلاة

стр. 557

[١٥٤] تكفر وتحط ما بين يديها / ما اجتنبت الكبائر، وهو أن يحدث حدثا من اثم، أو يتخطى رقاب الناس، أو يتكلم والامام يخطب» وقال سعيد بن المسيب: «لأن أشهد الجمعة مع المسلمين أحب إلى من حجة متطوعا». وكذلك من ضعف عن الجهاد، واستطاع السبيل إلى الحج، لا يسقط عنه ضعفه عن الجهاد ما يلزمه من فرض الحج. [٧]- حول قول عمر بن عبد الغزيز: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» ومنها انك سألت فيه عن وجه ما روى عن عمر بن عبد العزيز، ﵁، أنه قال: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور»، مع ما روى عن النبي ﷺ ، من قوله؛ «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتى» وما روى أيضا من قوله: «اياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار». وقوله: «من أحدث في امرنا ما ليس منه فهو رد».

стр. 558

فالوجه في ذلك أن ما حدث من النوازل، التي لا يوجد فيها نص في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة يستنبط لها من الكتاب والسنة لأن الله هز وجل يقول: " ياأيها الذين آمنوا، أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم، فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " [سورة النساء الآية: ٥٩] معناه: إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وقال: " ولو ردوه إلى الرسول والى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " [سورة النساء الآية: ٨٣] فجعل المستنبط من الكتاب والسنة علما، وأوجب الحكم به فرضا وقال : " وما فرطنا في الكتاب من شيء " [سورة الانعام الآية: ٣٨] قال أبو الوليد، ﵁: فلا نازلة الا والحكم فيها قائم من القرآن، اما بنص، واما بدليل، علمه من علمه، وجهله من جهله. وهذا المعنى من الاستنباط مثل ما جاء من أن أبا بكر الصديق، ﵁، كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر، ﵁، يجلد فيها أربعين، إلى أن بعث اليه خالد بن الوليد يذكر له أن الناس قد استحقوا العقوبة في الخمر، وأنهم انهمكوا فيها فما ترى في ذلك؟ فقال عمر لمن حوله، وكان عنده على، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، ما ترون في ذلك؟ ما ترى ياأبا الحسن؟ فقال على، يا أمير المؤمنين، نرى ان يجلد فيها ثمانين جلدة فإنه إذا شرب سكر واذا سكر هذى، واذا هذى افترى، وعلى المفترى ثمانون

стр. 559

جلدة وتابعه أصحابه على ذلك، فقبله عمر، وأخذ به، لأنهم استنبطوه من الكتاب. قال أبو الوليد، ﵁: والوجه ذلك، فقبله عمر، وأخذ به، لأنهم استنبطوه من الكتاب. قال أبو الوليد، ﵁: والوجه في استنباطهم اياه منه أنه لما كان الأصل المتفق عليه أن الحدود وضعت للردع والزجر عن المحارم وجب أن يرجع في حد الخمر إلى أشبه الحدود بها في القرآن، فكان ذلك حد القذف، للمعنى الذي ذكره على بن أبي طالب، ﵁. فهذا وجه قول عمر بن عبد العزيز، ﵁، تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، لا انه تحدث لهم أقضية مبتدعة بالهوى، خارجة عن الكتاب والسنة، وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٨]- حول التختم في اليمين أو في اليسار . ومنها انك سألت فيه وجه كراهة التختم في اليمين مع ما روى عن النبي ﷺ ، انه كان يجب التيامن في أموره كلها وهل يسامح الاعسر في ذلك ام لا؟ وهل بين قريش وغيرهم في ذلك فرق أم لا؟

стр. 560

وقد كان الظاهر ان التختم في اليمين أولى، لما جاء عنه ﷺ أنه يحب التيامن في أموره كلها ومع أن الاستنجاء بالشمال، وقليلا ما تخلو الخواتم من أن يكون اسم الله تعالى مكتوبا عليها. فالجواب عن ذلك أن ذهب اليه مالك، ﵀، من استحسان التختم في اليسار، هو الصواب، وانما أخذ ذلك من الحديث الذي ذكرت، فهو حجة له، لا عليه، وذلك أن الاشياء اما أن تتناول باليمين على ما جاءت به السنة فهو إذا أراد التختم تناول الخاتم بيمينه، فجعله في شماله، واذا أراد أن يطبع به على مال، أو كتاب أو شيء، تناوله بيمينه من شماله، فطبع به ثم رده في شماله، اذ أصل ما اتخذ الخاتم للطبع به، على ما جاء من أن النبي ﷺ أراد ان يكتب إلى كسرى وقيصر فقيل له: انهم لا يقبلون كتابا دون طبع، فاتخذ خاتما، ونقش فيه: " محمد رسول الله " ومن تختم في اليمين تناول الخاتم، إذا أراد التختم به أو الطبع به على شيء بشماله، لا بيمينه / فلهذا رأى مالك التختم في الشمال أحسن [١٥٥] وهو جيد من القول، والأمر في ذلك أوسع، ولا فرق فيه بين الأعسر وغيره ولا بين القرشي وغيره. قال ابو الوليد، ﵁: قد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه، بعده في التختم في اليمين والشمال فممن كان يختتم في يساره ابو بكر، وعمر وعثمان، والحسن،

стр. 561

والحسين وممن كان يختتم في يمينه جعفر بن أبي طالب ومحمد بن علي ابن الحنفية وابن عباس وعبد الله بن جعفر. واذا كان في خاتمه اسم الله تعالى، فالأحسن أن يحوله عند الاستنجاء إلى يمينه فان لم يفعل فالأمر فيه واسع، ان شاء الله وبه التوفيق لا شريك له [٩]- حول حديث من حفظ ثلث القران أعطى ثلث النبوة . ومنها أنك سألت فيه عما جاء من ان من حفظ ثلث القرىن أعطى ثلث البنوة. فالمعنى في ذلك: أنه اعطى ثلث علم البنوة، خرج مخرج قوله تعالى واسأل القرية ومخرج قول رسول الله ﷺ : هذا جبل يحبنا ونحبه يريد: ليحبنا أهله ونحب أهله. وذلك ان الله تعالى أنزل القرآن تبيانا لكل شيء وقال: ما فرطنا في الكتاب من شيء فمن حفظه، وعلم أحكامه من خاصة وعامه ومفصله ومجمله، وناسخه ومنسوخه ولحنه وفحواه، ومعناه، ووجه الاستنباط منه وقليل ما هم فقد اوتي علم النبوة، ومن حفظ بعضه فقد أوتي من العلم بقدر ما حفظ منه.

стр. 562

وبالله التوفيق، لا شريك له. [١٠]- هل الأفضل عتق الأمة أو العبد ؟ ومنها أنك سألت فيه: هل عتق الاماء والعبيد المسلمين في الأجر سواء؟ فالجواب عن ذلك: أن عتق الأكثر ثمنا منهم أعظم في الأجر ذكرا كان أو انثى، لأن رسول الله ﷺ ، سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها فعم، ولم يخص ذكرا من أنثى. وأما إذا استوى الذكر الانثى، في الثمن والنفاسة عند أهله فعتق الذكر أفضل من عتق الانثى، بما خصه الله به دونها، مما فضله به عليها، من الامامة، والشهادة والجهاد. كما أن العبدين أو الأمتين إذا استويا في الثمن والنفاسة عند الأهل، وأحدهما أفضل من صاحبه في الدين، فعتق الأفضل أعظم أجرا. قال أبو الوليد ﵁: وهذا كله ما لا اختلاف فيه وانما اختلف في الأفضل من عتق الكافر والمسلم، إذا كان الكافر أكثر ثمنا، فقيل: ان عتق الكافر أفضل، لعموم قول النبي ﷺ ، وقيل: ان عتق المسلم أفضل، وان الحديث انما معناه مع استواء الرقاب، في الكفر أو الإسلام، وكذلك الأفضل من عتق الكفار من كان أكثر ثمنا منهم من ذكر أو أنثى.

стр. 563

قال أبو الوليد ﵁: فاما إذا استووا في الاثمان فالذي أقول به: أن عتق الانثى أفضل: لأن نكاح الانثى يحل بذلك للمسلمين، ففي عتقها منفعة لهم ولا منفعة لهم في عتق الكافر الذكر اذ لا جزية عليه، إذا أعتقه الميلم. ويأتي على مذهب من يرى عليه الجزية ان عتقه أفضل من الانثى، لن أخذ الجزية منه أعم نفعا للمسلمين من نكاح الامة، والله اعلم. وبه التوفيق، لا شريك له. [١١]- افتتاح الخطبة بالحمد لله الصمد ومنها أنك سألت فيه: هل يسوغ الخطيب أن يقول في خطبته: " الحمد لله الواحد الصمد، الذي لا والد له ولا ولد " فالجواب عن ذلك: أنه سائغ جائز ولا وجع للمنع من ذلك لأنه معنى قول الله " قل هو الله أحد " [سورة الاخلاص الآية: ١] وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [١٢]- هل يجوز الدعاء بطلب شفاعة النبي ﵇ ؟ ومنها أنك سألت فيه: هل يجوز ان يأنف مسلم ان يقول: " اللهم لا تخلني من شفاعة محمد ﷺ ، واجعلني ممن ينال شفاعته، ولا يحرمها "

стр. 564

فالجواب عن ذلك: أنه لا يحل لمسلم أن يأنف من ذلك، بل يجب عليه أن يضرع إلى الله ، في ذلك، جاهدا، لأن شفاعته، ﷺ ، تنال جميع أمته، المحسنين والمذنبين، قال رسول الله ﷺ " لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتى في الآخرة " وأجمع أهل العلم على أن المقام المحمود الذي وعده الله به، في كتابه، هو شفاعته لأمته، فتنال شفاعته، ﷺ [١٥٦]، المحسنين منهم في وضعين، أحدهما: الا راحة من الموقف، الثاني: الزيادة في الكرامة، والترفيع في المنزلة والدرجة. واما المذنبون فمنهم من تناله شفاعته في التجاوز عن ذنوبه، ومنهم من تناله شفاعته في اخراجه من النار، فلا يحرم أحد شفاعة النبي ﷺ الا الكفار. قال أبو الوليد، ﵁: ولعلها ألا تنال من يكذب بها من أهل الاهواء والبدع. فمعنى دعاء الرجل الا يحرمه الله شفاعة النبي ﷺ انما هو أن يميته الله على الإسلام، غير مبتدع ولا زائغ، فواجب عليه أن يدعو بها جهده، ولا يدعو أن يخرج من النار بشفاعته، لأنه دعاء في أن يكون من المذنبين، المستوجبين للنار. وبالله التوفيق، لا شريك له، وأقرأ عليك من سلامي أتمه وأحفله. والسلام الجزيل عليك، ورحمه الله وبركاته.

стр. 565

[١٤٦]- حول تسعة أحاديث في الحث على استذكار القرآن وكتب اليه، ﵁، الفقيه ابو عبد الله معمر، من مشيخة مالقة، بجملة أحاديث - ونصها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. (١) - روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ ، انه قال: " عرضت على أجور أمتي، حتى القذاة ليخرجها الرجل من المسجد، وعرضت على ذنوبهم، فلم أر شيئاً أعظم من رجل تعلم آية، أو سورة من كتاب الله ، ثم نسيها " (٢) - وروى سلمان الفارسي عن النبي ﷺ ، انه قال: " من اكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة، سورة من كتاب الله ، كانت مع احدهم فنسيها " (٣) - وروى عن سعد بن عبادة: " ما من احد تعلم القرآن ثم نسيه الا لقي الله أجذم " (٤) - وروى عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " بسئما لأحدكم ان يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو أنسيها، استذكروا القرآن، فانه أسرع تفلتا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها " (٥) - وعن علي بن رباح عن أبيه، عن النبي ﷺ " تعلموا كتاب الله وتعاهدوه، وتغنوا به، قبل أن يتعلمه قوم يسألون
следующие страницы →