Полный текст (1 216 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
عصمته، لم يلزمه فيها طلاق الا انه يحنث في سائر ما يلزم في الايمان اللازمة. وفي رسم النذور، من سماع أصبغ من كتاب الايمان بالطلاق: بيان هذا في أول مسألة منه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٤]
وأما المسألة الرابعة، وهي السؤال عمن تصدق على ابنه المالك لأمره، بملك له في قرية مع دار له بها، فحوزه الملك، ولم يحوزه الدار، وعقد له عقداً تضمن تحويز الملك، وأن الدار استغنى عن حيازتها لكونها تبعا للملك، وسكن المتصدق الدار حتى مات، هل تكون الدار داخلة في الصدقة:
فالجواب عن ذلك أنها داخلة الصدقة، إذ لا فرق بين أن يتصدق عليه بدارين، فيحوزه احداهما ويسكن الأخرى، حتى يموت فيها وهي تبع للتي حوزه اياها وبين أن يتصدق بملك أو دار، فيحوزه الملك، ويسكن الدار حتى يموت فيها، وهي تبع للملك الذي حوزه اياه.
وقد قال ابن زرب، ﵀، فيمن تصدق على ابنته البكر بنصف جميع ماله، وله عقار وثياب، ودار ودواب وعين: إن الصدقة تجوز لها فيما سكن من الدور، وما لبس من الثياب، وفيما كان له من الناض، إذا كان ذلك كله تبعا لما لم يسكنه، ولا لبسه من العقار
стр. 632
والعروض، والحيوان، وهو بين اذ لا معنى للاعتبار بكون ما سكن من جنس ما حوز أو من غير جنسه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٥]
واما المسألة الخامسة، وهي السؤال عمن شهد في عقد نكاح، كان فيه خاطبا، هل تجوز شهادته أم لا: فالجواب في ذلك أن شهادته فيه جائزة، اذ ليس في ذلك وجه من وجوه التهم القادحة في الشهادات.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٦]
واما المسألة السادسة، وهي السؤال عمن أوصى بوصية او بفكاك أسارى، أو غير ذلك من وجوه البر، وجعل تنفيذ الوصية إلى رجل أجنبي، أو لوارثه، وشرط في تنفيذ وصيته: دون مشورة قاض، ولا تعقب حاكم، هل لأحد من الحكام، نظر في شيء مما يفعله المنفذ، وارثا كان أو أجنبيا، وقد شرط الموصي ما تقدم ذكره، أم لا وهل يفترق في ذلك الوارث من الأجنبي؟
فالجواب عن ذلك: ان شرط الموصي عامل، في انه لا يجوز، لحاكم ولا قاض، ان يتعقب شيئاً من ذلك، ولا ينظر فيه، كان المتولي لذلك وارثا، أو اجنبيا، لقول الله : فمن بدله بعد ما سمعه
стр. 633
فإنما اثمه على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم.
واذا لاحق له في ذلك، وانما الكلام في ذلك للورثة، فإن كانت الوصية مما تبقى لهم فيها منفعة، كالعتق وشبهه، كان لهم ان يقوموا في ذلك حتى يعلموا ان الوصية قد نفذت كان المنفذ لها وارثا او اجنبيا، وان كانت مما لا تبقى لهم فيها منفعة كالصدقة وشبهها، فلا قيام لهم في ذلك الا ان يكون المنفذ لها وارثا، مخافة ألا ينفذ ذلك ويأخذه لنفسه، فتكون وصية لوارث.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٧]
واما المسألة السابعة، وهي السؤال عمن دفع إلى رجل حقا كان له عليه او باع منه شيئاً، فطلب الدافع المدفوع اليه أو المبتاع البائع أن يشهد له بذلك، فأشهد له شاهدين عدلين، وأبى ان يشهد له [١٧٧] غيرهما، وأراد صاحبه الاستكثار / من البينة، هل يلزمه ان يشهد له أكثر من الشاهدين ام لا.
فالجواب عن ذلك: انه لا يلزمه ان يشهد له أكثر من شاهدين، عدلين، لقول الله تعالى: ﴿وأشهدوا شهدين من رجالكم﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٨٢]
وهذا إذا كانا مبرزين في العدالة يمكن الاشهاد على شهادتهما،
стр. 634
إن أراد أن يحصن لنفسه مخافة الموت أو المغيب، أو النسيان.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٨]
وأما المسألة الثامنة، التي بعدها، وهي مسألة المركب بين الشريكين، فالجواب فيها: أن الذي لم يجد لحظه من المركب كراء، ولا كان له ما يحمل فيه، أن يأخذ من شريكه كراء حصته، لما حمل فيه، وله أن يمنعه من السفر به لنفسه خاصة، حتى يواجبه على كراء يتفقان عليه، أو ينفصلا عن الشركة في المركب ببيعه واقتسام ثمنه، أو تقاومه فيما بينهما ان أحبا.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٩]
وأما المسألة التاسعة، التي بعدها، وهي مسألة من مات في بلد، وتخلف فيه، وفي بلد آخر مالا، فالجواب فيها: أن عامل الموضع، الذي فيه استيطان المتوفي، أحق بقبض ميراثه، مات فيه أو في غيره، كان له مال فيه، أو في سواه من البلاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٠]
وأما المسألة العاشرة، وهي السؤال عمن كان له على رجل دين حال، وللغريم سلعة يمكن بيعها مسرعا، فطلب صاحب الدين، بيع السلعة،
стр. 635
وطلب المديان ألا تفوت عليه سلعته، وأن يضع السلعة رهنا، ويؤجل أياما ينظر فيها في الدين، هل له ذلك أم صاحب الدين بيع السلعة؟
فالجواب فيها: أن من حقه أن يجعل السلعة رهنا، ويؤجل في احضار المال بقدر قلته وكثرته، ومالا يكون فيه ضرر على واحد منهما، على ما يؤدى اليه اجتهاد الحاكم في ذلك.
فهذا الذي جرى به القضاء، ومضى عليه العمل، وهو الذي تدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١١]
وأما المسألة الحادية عشرة: وهي مسألة دعوى الافساد في الزرع والثمرة، فالجواب فيها:
أنه لا يلزم الفساد منقرب منه ولا من بعد، الا بشهادة عدلين.
فإن شهد بالفساد بعضهم على بعض، جازت شهادتهم عليها. وان قال المشهود عليهم بالفساد، بعد أن شهد عليهم به: ان الشهود هم المفسدون، لم يلتفت إلى قولهم، وان كانوا عدولا؛ لأنهم في شهادتهم بعد الشهادة عليها، يدرأون عن أنفسهم، ولا تجوز في شىء من ذلك، ولا فيما سواه شهادة غير العدول.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٢]
стр. 636
وأما المسألة الثانية عشرة، وهي آخر المسائل التي سألت عنها فالجواب فيها: أن للمرأة الرجوع في مال زوجها، بما اغتل مما ساقه اليها، قبل ان تملك أمر نفسها، وبعد ان ملكت أمر نفسها.
وأما سكناه معها في الدار التي ساق اليها، فلا كراء لها عليه فيه، الا للمدة التي لم تخرج فيها من الولاية، على ما جرى به العمل في أحد قولي ابن القاسم في المدونة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
قاله محمد بن رشد، ﵁.
[١٦٢]- حول قول مالك في الموطأ: أدنى الوتر ثلاث
وسأله ﵁، بعض الاصحاب عن هذه المسألة، ونصها من أولها إلى آخرها:
نازع - ياسيدى، ومن أبقى الله نفعه - بعض الأصحاب في قول مالك في موطئه:
أدنى الوتر ثلاث، وقال: انها كلها سنة مؤكدة، الا الركعة الآخرة منها، ولم يحفل بقول مالك في المدونة، ولا بقول ابن القاسم وغيره، في غيرها.
وأرغب أن تبين قول مالك، ومذهبه، وان كانت الثلاث، على ما زعم القائل، كلها سنة مؤكدة أوان كانت السنة المذكورة انما
стр. 637
هي الركعة الآخرة والركعتان رغيبتان، كالركعتين قبل الظهر وبعدها، وقبل العصر، وبعد المغرب، وقبل العشاء وبعدها وقيام الليل وما جرى مجراها مما جاءت فيها الآثار واشرح ذلك، ففي قولك المقنع والرضا، مأجورا مشكورا، ان شاء الله تعالى، والسلام عليك.
الوتر ركعة واحدة لدى مالك:
فأجاب أدام الله توفيقه، على ذلك بهذا الجواب: تصفحت يا سيدي، أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
[١٧٨] ومذهب مالك، ﵀، أن الوتر ركعة واحدة عقب شفع، أدناه ركعتان، على ما روى عن النبي ﷺ ، من رواية ابن عمر، أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فاذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى ومعنى قوله في الموطأ: أدنى الوتر ثلاث، أي أدنى صلاة الليل، التي آخرها صلاة الوتر، ثلاث، وذلك بين من ارادته، لأنه كره ما روى من أن سعد بن أبي وقاص كان يوتر بعد العتمة بواحدة، فقال: ليس العمل على هذا عندنا، ولكن أدنى الوتر ثلاث، أي أدنى ما ينبغي للرجل أن يصلي من الليل ثلاث ركعات.
وانما كره له ذلك لتركه الفضيلة جملة مع ما روي من أن
стр. 638
رسول ﷺ نهى عن البتيراء وهي ركعة واحدة، لا صلاة من الليل قبلها.
فالركعتان قبل الوتر عند مالك من صلاة الليل، وهي فضيلة، أدنى مرتبة من السنة، وأعلى مرتبة من النافلة، التي لا تختص باسم الفضيلة، نحو الركعتين قبل الظهر، وبعدها وقبل العصر، وبعد المغرب، وقبل العشاء، وما أشبه ذلك من النوافل التي لا تسمى فضائل ورغائب، وذلك أن الصلاة تنقسم على خمسة أقسام:
فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وسنة وفضيلة ونافلة.
الوتر ثلاث لدى الحنفية
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الوتر ثلاث، يفصل بين الاثنتين والواحدة بسلام ومنهم من ذهب إلى أن الثلاث كصلاة المغرب وذلك كله خلاف مذهب مالك ومذهبه، على ما بيناه، وهو الصواب. وقول من ذهب إلى أن الوتر ثلاث، يفصل بين الاثنتين والواحدة بسلام أضعف الأقوال، لأن السلام، يفصل بين الركعتين والركعة ويصيرهما صلاتين، والوتر انما هو صلاة واحدة باجماع، لقول النبي ﷺ " ألا ان الله زادكم صلاة إلى صلاتكم، ألا وهي
стр. 639
الوتر " فهو إما ركعة واحدة على ما ذهب اليه مالك، واما ثلاث ركعات تباعا، كصلاة المغرب، على ما ذهب اليه أهل العراق، فلا يصح ان يتأول على مالك مثل هذا القول الضعيف، الشاذ، الخارج عن الاصول، من قوله: " ولكن أدنى الوتر ثلاث "
قال أبو الوليد، ﵁: ولو قلنا إن الثلاث كلها وتر لقوله فيها: انها أدنى الوتر، لوجب أن نقول في الزيادة عليها، إنها وتر أيضا، لكونها أعلى من الثلاث، وذلك خلاف الاجماع، فلا يصح من التأويل على مالك في قوله الا ما قلناه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٦٣]- محاسبة قاض عن أملاكه لوجود التهمة
وكتب اليه ﵁، بسؤال، فوقه نسخة عقد ثابت، على أحد قضاة الأندلس، استغنينا عن اثبات ذلك هنا، وكتبنا الجواب عليه.
تصفحت سؤالك، ونسخة العقد الواقعة فوقه ووقفت على ذلك كله.
واذا ثبت العقد المذكور عند الفقيه القاضي، وفقه الله، بخطاب من يرضى ويثق بقوله وعدله من الحكام، فالواجب ان يعزل عن الأحكام، وترد أقضيته كلها، ثم يعذر بعد ذلك اليه في العقد المذكور، فإن كان له فيه مدفع يدعيه، سمع منه، ونظر فيه يواجب الحق، وان لم يكن له فيه مدفع اخرج من يده جميع ما تضمنه من أنه تسور عليه
стр. 640
من أرض بيت مال المسلمين، حيثما كان، على ما يجده الشهود ويجوزونه، ولم يكن له فيما بناه فيها من الحوانيت، والفندق، والبرج، الا قيمة البنيان منقوضا، وقضى عليه بقيمة الموضع الذي أدخله في الحمام، الذي ابتناه لنفسه، وبقيمة ما أفسد من الارض بالساقية التي فتح فيها إلى رحاه، وبقيمة الرحا، التي قطع الماء عنها وهدمها، وغير أثرها، وشكلها، وطمس مكانها، وأغرم، أيضا جميع ما تضمنه العقد من انه قبضه من الأعشار، والزكوات، والمعونة، وبسط الحق بينه وبين كل من ادعى عليه حقا، يطلبه به في وجه من الوجوه، ولا شيء عليه في الأفران، التي نقصت قيمة كرائها، بما أحدث عليها من الافران؛ اذ ليس ذلك من الضرر، الذي يجب قطعه، عند أهل العلم وما بقي بيده، بعد هذا كله، مما اكتسبه في ولايته ترك له، الا ان يثبت انه كان عديما فقيرا يوم / ولي الأحكام لا مال له في علم من شهد بذلك. [١٧٩]
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٦٤]- من كتاب مشكل الآثار للطحاوي:
حول الاجتهاد:
وقرئ عليه، ﵁، وأنا اسمع في شهر رمضان المعظم سنة احدى عشرة وخمس ومائة، في الجزء الثالث من مختصر كتابه: بيان مشكل أحاديث رسول الله ﷺ واستخراج ما فيها من الأحكام، ونفي التضاد عنها، لأبي جعفر الطحاوي، ﵀، مما عني هو أدام الله توفيقه، باختصاره، وتبويبه وترتيبه.
стр. 641
رأي الطحاوي: المجتهد قد يخطئ
ما جاء في الحكم بالاجتهاد. قال أبو جعفر، ﵀، فيما روى أن رسول الله ﷺ كان فيما يأمر به الرجل إذا ولاه على السرية: ان أنت حاصرت اهل حصن، فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله تعالى، فلا تنزلهم على حكم الله ، فانك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله ام لا ولكن انزلهم على حكمك:
في هذا الحديث: أن الحكم بالاجتهاد، فيما ليس فيه آية مسطورة، او سنة مأثورة، او اجماع من الآمة، اذ لا تجتمع على ضلالة، يسعنا وان كنا لا ندري، هل هو عند الله على ما أداه الينا اجتهادنا ام لا، وانه هو المفروض علينا، مع احتمال درك الصواب، او التقصير عنه لا إصابة الصواب فيه بعينه، اذ لم يكلفنا الله مالا نطيق ولا تعبدنا بما نحن عنه عاجزون؛ لأن فيه نهي رسول الله ﷺ رسله أن ينزلوا احدا من الحصول على حكم الله، اذ لا يدري ايصيبه ام لا وامرهم أن ينزلوهم على حكمهم الذي هو الاجتهاد، اصاب الحكم عند الله، او اخطاه.
قال: ومثل ذلك ما كان من امر بني قريظة، الذين نزلوا لما اشتد بهم الحصار، على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم ان يقتل رجالهم.
стр. 642
ونسيى ذرايهم وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله وبحكم رسوله أفلا ترى أن سعدا قد حكم فيهم باجتهاده، قبل أن يعلم ما حكم الله فيهم، فمحمد رسول الله، ﷺ ذلك منه واذا كان ذلك واسعا في الدماء والفروج، فهو في الأموال أوسع.
رأي ابن رشد: المجتهد لا يخطئ
قال أبو الوليد، ﵁: الذي عليه أهل التحقيق: أن كل مجتهد مصيب، ومن الدليل على ذلك، وان كانت الأدلة فيه أكثر من أن تحصى. أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله وما أرضى رسول الله ﷺ فقد أرضى الله، ويستحيل في صفة الله، ، أن يرضى بخلاف ما هو الحكم عنده، وهي مسألة من الاصول فلا يصح الاحتجاج فيها بأخبار الآحاد، ولا بالظواهر المحتملة.
ويحتمل أن يكون معنى قوله في الحديث الذي احتج به: فلا تنزلهم على حكم الله . أي على نص حكم الله، الذي لا تدري اتصيب فيهم حكم الله نصا ام لا، وامره ان
стр. 643
ينزلهم على حكمه، ليحكم فيهم باجتهاده، ان عدم النص، فيوافق في ذلك حكم الله، الذي شرعه، وافترضه وحرم العدول عنه، باجماع.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
استدلال المخطية
وقال، فيما روي عن النبي ﷺ ، من قوله: " القضاة ثلاثة، فقاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق، فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى بين الناس على جهل، فهو في النار "
" قد قال قائل: القاضي بالحق هو الذي وقف على الحكم عند الله ، فيما قضى به، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد، الذي قد يكون معه اصابة ذلك وقد يكون معه التقصير عنه، ولا يصح ذلك لأن الله لم يكلفنا مالا نطيق، وفي رسول الله ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، فاذا اجتهد فأخطا فله أجر دليل واضح على أن له أن يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصا ولا [١٨٠] في سنة رسول الله ﷺ مأثورا، ولا في اجماع الأمة موقوفا عليه.
ولما كان له أن يقضي باجتهاده، الذي قد تكون معه فيه اصابة الحق عند الله ، وقد يكون معه التقصير عنه وكان ما يقضي
стр. 644
به بأمر رسول الله ﷺ اياه بالقضاء به حقا عقلنا بذلك ان الحق الذي القاضي به في الجنة، هو ذلك الحق، حتى تصح الآثار، ولا تتضاد.
وذكر من الحجة بجواز الحكم بالاجتهاد ما قصة الله علينا من قصة داود وسليمان ﵉، في قوله تعالى: داود وسليمان اذ يحكمان في الحرث إلى قوله: وكلا آتينا حكما وعلما وحديث معاذ بن جبل، اذ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقال له بم تقضي؟ الحديث.
واستدل على ما ذهب اليه من ان المجتهد قد يكون، مع اجتهاده، مصيبا للحكم، ومخطئا له بما روى عن رسول الله ﷺ : ان سليمان ﵇ سأل ربه ان يؤتيه حكما، يصادق حكمه، فأعطاه اياه اذ لو كان مصيبا له على كل حال لما كان لسؤاله ربه في ذلك معنى.
وبما روى ان عمر بن الخطاب كتب بقضية إلى عامل له، فكتب: " هذا ما رأى الله عمر " فقال: امحه واكتب: " هذا ما رأى عمر، فإن يك صوابا فمن الله عزو جل وان يك خطأ فمن عمر "
وبما روي من ان ابن مسعود قال، لما سئل عن الرجل الذي تزوج المرأة فلم يدخل بها ولم يسم لها صداقا، حتى توفي: أقول فيها برأيي فإن يك خطأ فمن قبلي وان يك صوابا فمن الله .
استدلال المصوبة
قال القاضي ابو الوليد شيخنا، ﵁: قوله في تأويل
стр. 645
الحديث: " ان الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق " يريد الذي فيه النص، من التاويل الفاسد الذي لا يصح؛ لأنه أخرج بذلك القاضي بالاجتهاد في موضع الاجتهاد عن التقسم الذي قسم به النبي ﷺ القضاة إلى ثلاثة أقسام، وفي ذلك نسبة التقصير اليه في التقسيم وحاشا له من ذلك، لأنه معصوم ما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحي [اقتباس من سورة النجم الآية: ٣]
وانما حمله على هذا التأويل ما ذهب اليه من أن المجتهد لا يدري أصاب الحكم الواجب عند الله ، أو أخطأه.
وفي الحديث دليل ظاهر على أن المجتهد مدرك للحق، مصيب للحكم، لأنه لما قسم القضاة على ثلاثة أقسام، فجعل منهم في الجنة الذي عرف الحق فقضى به، علمنا أن قسم الجنة، هم الذين يقضون بما يجوز لهم القضاة به، من نص أو اجماع، أو اجتهاد في موضع الاجتهاد؛ اذ لا يجوز أن يخرج القاضي بالاجتهاد عن هذا القسم، لأن في ذلك نسبة التقصير إلى النبي ﷺ في التقسيم، ومخالفة الاجماع، لأنه ان لم يكن من أهل الجنة، فهو من اهل النار، اذ ليس بعد الجنة الا النار، ولا بعد الهدى الا الضلال، وكيف يكون من أهل النار من فعل ما تعبد به، بما هو بين أجر واحد وأجرين.
فإذا ثبت أنه من قسم الجنة، فقد قال النبي ﷺ فيه: انه عرف الحق وذلك نص في موضع الخلاف.
فإذا ثبت هذا، ولم يصح القول بخلافه، وجب ألا يحمل قول النبي ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله اجر، على أنه أراد بذلك: أنه أخطأ الحكم عند الله، اذ قد يحتمل أن يكون أراد به انه
стр. 646
أخطا النص، ان كان في نص لم يعلمه، أو أخطأ أن يحكم بالحق في الظاهر لمن هو له في الباطن، وان كان قد حكم بالحق، الذي هو الحكم عند الله تعالى؛ اذ قد يخطئ ذلك مع الحكم بالنصوص التي لا يختلف فيمن قضى بها، أنه قضى بالحق.
وعلى هذا يتأول ما روى عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، من كل منهما: ان يك خطأ فمني وكذلك، ما روي عن النبي ﷺ من ان " سليمان دعا ربه أن يوتيه حكما يصادف حكمه، فأعطاه اياه " محتمل للتأويل، أيضا مع ان الاحتجاج به في ذلك لا يجوز، لأن القول بتصويب المجتهدين مما طريقه العلم والقطع، فلا يصح الاستدلال عليه بأخبار الآحاد، ولا بما يحتمل التأويل.
وبالله تعالى التوفيق.
حول الرأي والدين:
وقال، فيما روي عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه قال: " اتهموا الرأي على الدين "، وقال فيما روي عن أبي وائل قال: سمعت سهل بن حنيف، يوم الجمل، ويوم صفين يقول: اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو استطعت ان أرد أمر
стр. 647
[١٨١] رسول الله ﷺ لرددته.
في هذين الحديثين: أن الرأي قد يصاب به حقيقة الصواب، وقد يقصر به عنه، وان ما اطلق لنا الحكم بالاجتهاد: في الحوادث التي لا نص فيها، وقد تكون فيه اصابة الحق، وقد يكون فيه التقصير عنه، وان كنا محمودين في اجتهادنا، اذ لا نستطيع غير ما فعلناه فيه بدليل قول رسول الله ﷺ :
" إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، واذا حكم فاخطأ فله أجر " اذ كانوا قد اجتهدوا بالآلات التي يجتهد بمثلها، أصابوا الواجب او قصروا عنه، وهذا قول اهل السلامة ممن ينتحل الفقه، فأما من سواهم ممن قد دخل في الغلو في ذلك، حتى قال: انه إذا حكم بالاجتهاد، ومعه الآلة، التي لأهلها الاجتهاد، انه قد حكم بالحق، الذي لو نزل القرآن ما نزل الا به، ونعوذ بالله من هذا القول ومن أهله، وان كان بحمد الله، قولا منكرا، وأهله محجوجون بما لا يستطيعون دفعه، ولا الخروج منه.
فمن كان على ذلك ابراهيم بن اسماعيل بن علية، فحدثني أبو جعفر بن العباس، قال: لما بلغني هذا القول عنه، أعظمته، فأتيته من يومي الذي بلغني ذلك القول عنه، فذكرت ذلك لأحق عليه، أنه قد قاله، فقال لي: قد قلته، قال: فقلت له: أهل استعملت في مسألة من الفقه رأيك، واجتهدت فيها، حتى بلغت عند نفسك غاية الاجتهاد، الذي عليك فيها، ثم تبين لك، بعد ذلك أن الصواب في غير ما قلت مما كان اذ ذاك اليه اجتهادك فيها؟ فقال: نعم يجري هذا أكثر
стр. 648
نهارنا. قال فقلت له: فأي القولين الذي لو نزل القرآن نزل به تلك الحادثة، هل هو القول الأول الذي قلته فيها، أو القول الثاني الذي قلته فيها؛ وقد بلغت في كل واحد من القولين الذي عليك أن تبلغه فيه من الاجتهاد. قال: فانقطع، والله في يدي أقبح انقطاع، وما رد عليه حرفاً.
وقد أجاد أبو جعفر، ﵀، في ذلك، وأقام لله عزوجل، حجة من حججه على من خرج عنها، وعلا الغلو الذي كان فيه مذموما.
والله نسأله التوفيق.
التصويب هو مذهب اهل السنة
قال القاضي أبو الوليد شيخنا، ﵁: قد تقدم لنا هذا من مذهبه. والقول الذي أنكره وجهل قائله، وجعله مذموما، فاستعاذ بالله منه، هو قول المحققين من الفقهاء بمعرفة أصول الديانات؛ إذ لا اختلاف بين أهل السنة ان الذي شرعه الله في دينه هو الحكم بالاجتهاد، فيما لا نص فيه، ولا اجماع، فاذا كان الله قد أمر المجتهد بالحكم بما يؤديه اليه اجتهاده فالذي امره به هو الحق عنده، الذي تعبده اياه؛ اذ يستحيل في صفة الباري تعالى ان يأمر بخلاف الحق، وان يتعبد عباده بما سواه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
قال القاضي أبو الوليد شيخنا، ﵁: وقول القائل: ان المجتهد إذا حكم باجتهاده فقد حكم بالحق، الذي لو نزل القرآن، ما نزل الا به، ليس على ما تأوله عليه، وانما معناه: ان القرآن لو نزل في ذلك بتصويب ما مضى الحكم به من جهة الاجتهاد، في حق كل من حكم به ممن يجوز له الحكم به، في الموضع الذي يجوز له الحكم فيه به لأنه لو نزل القرآن لنزل باقرار الحكم به، على جميع العباد، اذ قد
стр. 649
يستحيل اقرار جميعهم على ما قد يتضاد من الأحكام، باختلاف آراء المجتهدين فيه، فاعتقد ابن علية صحة هذا القول، ولم يفهم معناه فلذلك انقطع عن جواب خصمه، ولو فهم ذلك، وكان بصيرا بالحجة، لما انقطع، ولقال: إن القرآن لو نزل في ذلك لنزل بتصويب حكمي، على ما أداه الي اجتهادي، من القول الأول، ما دمت أعتقد صحته، وبتصويب حكمي بالقول الثاني، مذ بانت لي صحته، وذلك جائز في حكمة الله، كالنسخ الذي قام به الدين، وكمل به الشرع.
وقول عمر بن الخطاب، ﵁: اتهموا الرأي على الدين، ليس فيه ما يدل على ان المجتهد قد يخطئ الحق عند الله تعالى، وقد يصيب مع بلوغه ما عليه من بذل الوسع في الاجتهاد، وانما معناه التحذير من التقصير في الاجتهاد، ومثله قول ابن حنيف، لا سيما وقد قاله لطائفتين يعلم قطعا أن احداهما على خطأ، بخلاف المختلفين بالاجتهاد في مسائل الاجتهاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٦٥]- اتهام بالقتل ادخل المنزل
[١٨٢] وسأله، ﵁ الشيخ الفقيه الحافظ أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي في نازلته التي نزلت به عن قتل أخيه، شقيقه: محمد بن مرباطر من حصون الشرق العتيقة، وذلك أنه دخل عليه ليلا، وخنق، ذي الحجة سنة عشر وخمس مائة، بعد العيد بأيام يسيرة.
ونص السؤال من أوله إلى آخره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله
стр. 650
على سيدنا محمد وعلى آله ما يقول الفقيه الأجل، قاضي الجماعة، أعزه الله بطاعته، وأمده بتوفيقه، في رجل من أعيان بلده وذوي العقار فيه، التزم بعد أداء حجة الفريضة القيام على تثمير عقاره، وعلى ما يرجو به تنمية ما بيده، مستأنسا بالوحدة، لم يتخذ عيالا، ولا وطر له إلا اصلاح عقاره، والنظر فيه، بما ينمي غلته، وكان يقارض بما يتوفر بيده من غلة عقاره، من يتجر به، ويسلف جيرانه، عند ضرورتهم إلى السلف، برهان، وغير رهان ويكثر ذلك منه حتى استذاع عنه في بلده الذكر بسعة حال ووفور ناض، وكان سكناه في دار من دوره لها حجرة، وعليه مشرفة، يمضي اليها من دار خارجة، تتصل بباب، يدخل إلى الدار منها بعدها الحجرة المذكورة، فيسكن بيوت هذه الدار الخارجة المتصلة بالباب، من يضعف عن كراء من رجال ونساء، ممن ينسب إلى عفاف وخير من المسلمين، وينفرد هو في تلك الحجرة.
وكان قد تعلق به فتى من أهل بلده، وجعل له رأس مال يتجر به فكان بذلك يلم به كثيرا ويقبض له كثيرا مما يقتضيه، ممن له قبله شيء ومما يبيعه من أثمان غلته ويتفقد ذلك له، ويكثر التكرار والدخول اليه، من ليل أو نهار، ويسهر عنده في بعض الليالي، مؤنسا له برهة كبيرة من الليل ويبيت في بعض الليالي مؤنسا عنده.
стр. 651
وكانت العادة أن الباب الذي كان يحتوي على هذه الدار التي يسكن السكان ما ذكر منها، يغلقه السكان إذا رجعوا من صلاة العشاء الآخرة بعد أن يصير هو إلى الحجرة فإن جاء هذا الفتى متأخرا فتحوا له، فدخل، واذا خرج، بعد السهر، أغلقوا الباب
فجاء في ليلة من الليالي على عادته، ودخل على أعين هؤلاء السكان، وصار إلى باب الحجرة، ودخل على عادته، وسد السكان الباب الخارج على عادتهم، ولم يخرج هذا الفتى، وكان مؤخر هذه الحجرة يقارب سندا من جبل قصبة المكان، لقصر جدارها الذي يلي ذلك السند؛ من أجل ذلك فلا يتعذر كثيرا المرتقى اليه، فاذا بهذا الفتى قد وعد أمثاله من أهل الشر بما ظهر، مما أحدث في الرجل، فان ذلك ليس مما يقدر على فعله واحد، وربما رآه كثير من الجيران من اجتماعهم معه، في أمكنة ينفردون فيها عن الناس، ويبدو إلى من يراهم بما يظهر معه اليه من ذلك الانفراد، أنهم يريدون أمرا ويريغون شرا، وتسنموا إلى الحجرة من مؤخرها، المذكور، وعمدوا إلى الرجل وهو في فراشه، متجرد، نايم فشدوا أكتافه وخنقوه وانفردوا بالحجرة، ولا علم عند السكان الخارجين، ولا تقدم عندهم أمر يستريبون به، وباب الحجرة الذي بينها وبين السكان مغلق، على العادة وكسروا خزانة الرجل، التي فيها ناضه وثيابه، وأخرجوا ذلك كله وكل ما قدروا على اخراجه، مما له قيمة، من مؤخر الحجرة، حيث دخل المدخلون إلى الرجل، ولم يبقوا إلا مالا قيمة له، وثقل اخراجه، وخرج الجميع من جهة مؤخر الحجرة.
فلما أصبح السكان، والرجل لم ينزل اليهم، على عادته في سائر
стр. 652
الأيام من نزوله وايقاظهم للصلاة ومشي من يمشي معه إلى المسجد، ظنوا أن لغلبة نوم، فقرعوا باب الحجرة، فلم يجبهم أحد ولا سمعوا حسا، فأعادوا القرع حتى رابهم ذلك، من انقطاع الحس فوجهوا إلى بعض قرابة الرجل، فأتى وقرع الباب، قرعا عنيفا، وصاح فلم يجبه أحد، فأيقن بالشر، وسأل القوم: من بات عنده؟ فأعلموا بمبيت ذلك الفتى، وأنه لم يخرج بعد دخوله، وأنهم وجدوا باب الدار مغلقا، كما تركوه اول الليل، فخلع باب الحجرة ومعه جماعة، فدخلوا فألقوا الرجل مكتوفا، مخنوقا، عريانا، مرميا من سرته في الأرض، وألقوا الخزانة وحجرته على حسب ما ذكر فمشى مع من صحبه من الناس إلى دار هذا البائت في الحجرة، مع الرجل ودخل اليها، فألقيت قد أخلاها مما كان له فيها من ثياب وغيرها، وقد فر إلى قرية له، وألقى [١٨٣] دار صهره من المتهم بدخول الحجرة معه، على نحو من ذلك.
وقبل الانتباه إلى أمر هذا الرجل المقتول ذكرت امرأة من سكان الدار البرانية: أن أخت ذلك الفتى زوج صهره، المتهم بالدخول مع من دخل، جاءتها قبل طلوع الشمس واشتهار الحال، وقالت لها: ان سئلت عمن بات في الحجرة البارحة فلا تقري بأخي، وأنا أعطيك عشرة مثاقيل.
وهذا البائت مع الرجل، وصهره، في السجن، وقد ضربا قبل هذا ضرب أدب، لكي منهما جلاء أمر، والأمر فيهما من السجن باق إلى الآن.
فما ترى - وفقك الله - أن يترجى في أمرهما مع هذه الشبهات من سجن وأدب وحيث ينتهي من سجنهما وما يتعين بعد ذلك
стр. 653
كله عليهما، ان عدم اقرار، أو ارتفاع اشكال بأمر يثبت ليعمل به، وينتهي اليه، موفقا مسددا ان شاء الله تعالى، والسلام الأثم على الفقيه القاضي قاضي الجماعة ورحمه الله تعالى وبركاته.
يجب لولاة المقتول القسامة:
فأجاب أدام الله توفيقه، وتسديده، على ذلك بهذا الجواب، ونصه من أوله إلى آخره: تصفحت - عافانا الله وإياك سؤالك هذا ووقفت عليه.
والذي أقول به، في هذه النازلة، إذا كان الأمر على ما وصفته فيها: أن لولاة المقتول ان يقسموا على من شاؤوا من المتهمين المسجونين، بما لحقهما، وتعلق بهما من اللطخ والسبب الذي ذكرته، ويقتلوه على ما ثبت عن النبي ﷺ في تبدئة الأنصار باليمين، في صاحبهم الذي قتل بخبير، لأن هذا اللطخ واَلسَّبَبَ أقوى من السبب الذي بد أبه رسول الله ﷺ ، الأنصار باليمين.
وقد سئل مالك، ﵀ في أشهب عنه، عن اللوث الذي يوجب القسامة ما هو؟
فقال: الأمر الذي ليس بقوى ولا قاطع، فهذا من ذلك؛ لأن الأصل في القسامة: انها انما تجب بالشبهة التي يغلب على الظن بها صدق المدعي فيما ادعاه بدليل الحديث المذكور،
стр. 654
وبالقياس على الأصل، في غير الدماء، من الحيازة وارخاء الستور ومعرفة العفاص، والولاء وما أشبه هذه الأشياء.
وقد شد ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، الا في القسامة "
فإن نكل ولاته عن القسامة، او عفوا عنها بصلح أو غيره، ضرب كل واحد منهما مائة مائة، وحبسوا عاما كاملا، مستأنفا بعد الضرب، لا يعتد فيه بما كان قبله.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
ابن الحاج: يطال سجن المتهمين
خالفه، الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف التجيبي، المعروف بابن الحاج، شيخنا، ﵁، وأفتى بهذا الجواب، ونصه: تصفحت سؤالك الواقع في بطن هذه الرقعة.
والذي يقتضيه الحكم عندي في أمر المتهمين بالدم بالشبهات، التي ذكرت، اطالة سجنهما في الحديد، فقد روي عن مالك، ﵀: أنه من ألطخ بالدم، ووقعت عليه التهمة، ولم يتحقق عليه من ذلك ما تجب به القسامة فليس عليه ضرب مائة، وسجن سنة، ولكن عليه الحبس الطويل جدا ولا يعجل اخراجه، حتى تتبين براءته، وتأتي عليه السنون الكثيرة، ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والشبهة، ويطال سجنه، حتى ان أهله ليتمنون له الموت من طول سجنه، ولعل
стр. 655
في خلال سجنهما يثبت لأولياء الدم ما يوجب لهم القسامة، الا أن سجن من قويت التهمة عليه منهما، وظهرت في جانبه، ليكون أطول من سجن الآخر. وقد روي عن ابن عباس: " ما كان الله لينقر عن قائل المؤمن "
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة على جبهته مكتوب آيس من رحمة الله "
وعنه، ﵇، أنه قال: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، الا من مات مشركا، أو قتل مؤمنا متعمدا "
فإن طال سجن هذين المتهمين الطول الذي نوعناه ووصفناه، ولم يظهر في أمرهما أكثر من الشبهات التي ذكرت، وجب أن يحلف كل [١٨٤] واحد منهما عند انقضاء سجنه، بحكم اجتهاد القاضي، في أمره في مقطع الحق خمسين يمينا: أنه ما قتله، ولا أمر بقتله، ولا شاهد قتله، ولا شارك في قتله، ولا أعان في قتله، وأنه لبرئ مما نسب اليه من قتله ويزيد في آخر يمين من أيمان القسامة، أو يفرد اليمين بذلك يمينا واحدة: أنه ما أخذ مال المقتول، ولا شيئاً منه، ولا غاب منه على قليل ولا كثير ولا تصير اليه شيء منه بوجه من الوجوه، وأنه لبرئ مما نسب اليه من ذلك؛ فإذا حلف خلي سبيله، وان نكل عن ايمان القسامة وجب عليه البقاء في السجن حتى يحلف، وان نكل عن اليمين في المال الذي ادعى عليه به، وحقق عليه الورثة أخذه، حلفوا وأغرموه اياه، وان لم يحققوا ذلك عليه، ولم تكن الا التهمة والظن
стр. 656
بأنه أخذ المال، فبنكوله يجب عليه الغرم، ولا تصرف اليمين عليهم.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٦٦]- اختلاف شريكين في البقر:
وسئل الفقيه القاضي أبو الوليد ابن رشد شيخنا، ﵁، عن مسألة اشتراك، ونصها:
الجواب، رضي الله عنك، في رجلين تشاركا في بقر، كان للواحد عشرون رأسا، وللآخر اثنان وعشرون رأسا فتشاركا على أن أخرج الواحد عشرين، والآخر عشرين، ويكون الرأسان الزائدان لصاحبهما، لم يدخلا في الشركة، ولا بينة على ذلك غير اقرارهما بذلك، فعطب من جملة البقر واحدة، فقال صاحب الاثنين والعشرين: الواحدة الميتة من الشركة وقال الشريك الآخر: الميتة من التي شطت لك وكتب بها من نظر البحيرة، عقب جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمس مائة.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونصه:
ما ضاع يقسم بنسبة الثلاثة أرباع والربع
إذا كان الأمر على ما وصفت فعلى صاحب الاثنين والعشرين من مصيبتهما ثلاثة أرباعهما وعلى الشريك، الذي أنكر أن تكون من بقر الشركة ربعها، وذلك أن الشريك الذي له البقرتان الزائدتان، قال هي من جملة البقر المشتركة، بيننا، فقد أقر أن مصيبته
стр. 657
نصفها منه، ونفي أن تكون مصيبة النصف الثاني منه والشريك الآخر الذي لا زائدة له، نفى أن يكون من مصيبة البقرة منه شيء فتقرر في هلاكها على الشريك الذي أقر أنها من جملة الشركة نصفها ونفى النصف الثاني، ونفاه، أيضا الشريك الآخر، فيقسم بينهما على نصفين، نصفه على نافي الجملة ونصفه الثاني على نافي النصف الآخر، فتصير الثلاثة الأرباع عليه من مصيبتها، والربع على نافي الجملة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
قال له بعض أصحابه: وهي مسألة الدينار، يختلط بمائة دينار لرجل، فيذهب منها دينار واحد، التي اختلف فيها ابن القاسم ومالك؟ فقال: هي مثلها ان شاء الله تعالى.
[١٦٧]- خمس مسائل من موضوعات مختلفة
وكتب، اليه ﵁، بعض الفقهاء شلب، حفظهم الله بخمس مسائل، يسأله عنها ونصها من أولها إلى آخر حرف فيها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
[١]- من المدونة: عتق عبد اشتري من بيع فاسد، والمعتق لا مال له:
الجواب: رضي الله عنك، في معنى المسألة الواقعة في كتاب العيوب فيمن أعتق غلاما، كان اشتراه شراء فاسدا، وقبل أن يقبضه المشتري من البائع أو بعد أن قبضه وزدت هذا الفصل في المسألة: " قبل أو
стр. 658
بعد للحاجة لبيان الفرق، أو التسوية بينهما. ثم نعود إلى المسألة، فقال في الكتاب: ان كان له مال جاز العتق وان لم يكن له مال لم يجز عتقه، فاختلفنا في معنى لفظ الكتاب وهو قوله:
لم يجز عتقه وهو لا مال له، هل كان موافقا للشرع، لأن الجائز ما وافق الشرع، وغير الجائز ما لم يوافق الشرع، فهذا، لما لم يكن له مال وقت عتقه للعبد، ولا يوم الحكم فيه، والنظر، فعتقه غير جائز وغير موافق للشرع، فوقع باطلا، فلم يجز قط في هذا العبد عتق صحيح واذا لم يجز العتق فهو على حالة الأولى، من الرق بيع بيعا فاسدا، فيفسخ البيع بينهما، لأنه لم يفت.
ولا يصح أن يقال: أنه يقدر فوات العبد بالعتق، وهو لم يجز فيه بعد منه شيء على حال، ولا يصح له عتق مال الغير؛ اذ لا مال له فيصح من أجله عتق، ويفوت به، ولا استقر له عليه ملك صحيح؛ لأن البيع الفاسد، إذا لم يقبض ولم يفت حتى عثر عليه، فكأنه لا ملك له عليه.
وهذا هو قول بعض الأصحاب، وقال: إنه صميم المذهب، وما عداه خلاف وغير صحيح، والله أعلم.
وقال بعض الأصحاب، أيضا: انه إن لم يكن له مال ير [١٨٥] العتق فإذا أراد العتق نظر فيه يوم الحكم، فإن كان في قيمته يوم
стр. 659
الحكم والنظر فيه فضل على قيمته يوم العتق، أو على ثمنه وكانت القيمة يوم العتق، والثمن سواء مثل أن يبتاعه بعشرة، وقيمته اليوم خمسة عشر، فإنه يحتاط للعتق، وأجعله مليا، من أجل تلك الفضلة التي فيه على القيمة زائدة، كأنه في التمثيل، أعتق عبدين، هو مليء بأحدهما، أو كأنه رجل أعتق عبدا له وعليه دين، يغترق ثلثه أو ثلاثة أرباعه، فيباع للدين، ويعتق ما سواه.
فقال له صاحبه الأول: انما يصح هذا في المسألة الثانية، التي ابتاع بيعا صحيحا، في ذلك الباب نفسه، وهي قوله: أرأيت ان اشتريت عبدا، أيكون لسيده أن يمنعني من قبضه، في قول مالك، حتى أدفع اليه الثمن؟ قال: نعم. قلت: فلو أعتقه المشتري، بعد وجوب الصفقة، وقبل أن يدفع، فقال في آخر المسألة: " ان كان له مال جاز عتقه، وأخذ منه الثمن، وان لم يكن له مال لم يجز عتقه، فان أيسر قبل أن يباع عليه، وقبض العبد، فذكر أنه يباع عليه، ان كان قبض وأعتق، ولا مال له فظاهره: ان كان ثمن العبد كفافا نفذ بيعه ووجب رقه، وإن كان فيه فضل، عتق منه ما فضل عن الدين، ورق الباقي المبيع في الدين، وهذا، لأنه بيع صحيح، وملك صحيح، فالعتق صحيح، إذا قبض، على ظاهر المسألة، ولو لم يقبض لم يكن له بيعه على ما يظهر من سياق المسألة، فكيف بذلك في البيع الفاسد، مع أنا لو جوزنا بيع الفضلة، احتياطا للعتق، لكنا قد أجزنا البيع الفاسد، وحكمنا بانفاذه اذ جوزنا له بيعه قبل أن يفوت.
стр. 660
[٢]- من المدونة: مدى التناجز في بيع الطعام:
ومسألة ثانية، وهي الواقعة في كتاب السلم الثالث: أرأيت الرجل يأتي إلى البياع بالحنطة، ليبتاع منه بها زيتا، فيكتاله على باب حانوته، ويدخل يخرج له الزيت؟
فقال: لا يفعل ليخرج ويكتاله ثم يتقابضان، فيأخذ ويعطي.
فاختلفنا فيها، وذلك أن بعض الأصحاب قال: لا يجوز أن يأتي المبتاع بالحنطة رجلا فيساومه قبل أن يخرج البياع الزيت ولكن يحضر الزيت وحينئذ يتبايعان ويتساويان وينعقد البيع بينهما ناجزا بحضرة الطعامين، ثم يتكايلان، ويتقابضان، فيأخذ ويعطي، ولا يجوز ما قال صاحبه عنده، وهو عنده طعام بطعام غير يد بيد والذي قال صاحبه من ذلك انما هو أنه لا يمتنع أن يأتي المبتاع بالحنطة لحانوت الزيت، فيريه ذوق زيته، أو لم يره شيئاً وبقول له: عندك زيت؟ فإن قال له عندي، لم يمتنع أن يساومه ويتعاقدان البيع ويترك الحنطة عند صاحبها، لا يكتالها لنفسه ولا يقبضها منه حتى يخرج زيته ويكتاله، ثم يكتال الحنطة لنفسه أو يكتال الحنطة، قبل لنفسه ثم يكتال الزيت ثم يتقابضان، فيأخذ ويعطي، ولا يقال في هذا: أنه طعام بطعام غير يد بيد.
стр. 661
وفي الكتاب لفظ يدل على هذا القول الآخر وفيه لفظ آخر يدل على القول الأول فيتعلق به قائله، لأنه قال: " لا يفعل ولكن ليترك ثم يخرج الزيت، فيبايعه ويأخذ ويعطي "
فقال لهم صاحب القول الثاني: ضيقتم واسعا، فإن الطعام مشبه بالصرف ومحمول عليه ويجوز في الصرف أن يصارف رجلا، ثم يتسلف أحدهما دراهم أو دنانير من رجل غيره، وهذه الدراهم غائبة.
ويلزم على هذا أن يقول: انه ذهب بدراهم غير يد بيد وكان يلزم على قولكم ألا يجوز هذا الصرف، حتى يخرج هذا ذهبه ويسلف هذا دراهم، فاذا تسلف هذا وأحضر هذا ذهبه صارفه بعد ذلك، وتعاقدا الصرف اذ ذاك ولا يجوز أن يعقداه قبل.
وقالوا: أنه لو تسلف الدراهم منه، وهو معه، في داخل الحانوت وقام اليه ليأخذها منه، لم يجز الصرف، وانما يجوز ذلك كان بجانبه بحيث يلحقه بيده أو يعطيها له من يد إلى يد، حتى تصل اليه ولا يقوم اليه.
فهل هذا النوع من المفارقة، هي مفارقة تبطل الصرف أم لا؟ وهل في هذا رواية تتعلق بها أم لا؟ وهل لها حكم أم لا؟
[٣]- من يغفل عن رفع رأسه من الركوع مع الإمام
[١٨٦] ومسألة ثالثة الرجل المأموم يفتتح الصلاة مع الإمام، فيقرأ معه ويقوم ويركع ثم يسهو، ويغفل عن رفع رأسه من الركوع مع الإمام،
стр. 662
حتى يسجد السجدة الواحدة أو السجدتين، وهذا كله في الركعة الأولى.
فاختلفنا فيها على قولين: منا من جعل الركوع كالقيام في الركعة الأولى ولا يتبعه، كما يفعل في الثانية والثالثة، إذا عقد الأولى ويلغيها ويدخل معه في عمله، حيث كان وقال هذا القائل: هذا مذهب المدونة والصحيح عليها.
وقال غيره: ان الركوع في الأولى كرفع الرأس منها ويتبعه على كل حال كما لو رفع رأسه معه، ثم سها فيما بعد ذلك، من العمل عن اتباعه فإنه يتبعه، ما لم يعقد الثانية.
[٤]- من نام خلف الإمام في الركعة الأولى أو غيرها
ومسألة رابعة قواه: " يتبعه مالم يرفع رأسه من سجودها " في مسألة الناعس من الكتاب فقيل: يتبعه بالركوع، ما لم يرفع رأسه من السجود وقال الغير قول ابن القاسم مثل قول ابن أبي زمنين، وأنه المذهب، وأن الاتباع بالركوع والسجود معا، ما لم يرفع رأسه من سجودها.
بين لنا المذهب في ذلك، وما عسى أن يحتج له في ذلك.
[٥]- الفرق بين الحلف بالطلاق، والشفعة
ومسألة خامسة، قوله: ان تزوجتك فأنت طالق، وقوله: ان اشتريت كذا فقد سلمت لك الشفعة. هل افترقت في اللفظ، ولذلك افترقت في الحكم أو افترقت في المعنى والحكم.
بين لنا الجواب في ذلك موفقا مأجورا، على الحق معانا، ان شاء الله تعالى.
стр. 663
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونقلته من الكاغد القادم عليه بالسؤال، وفي باقي ظهره، وسائر باطنه، كان الجواب مكتوبا بخط يده، أعلاها الله.
ونصه من أوله إلى آخر حرف فيه: تصفحت، أرشدنا الله واياك، سؤالاتك الواقعة في ظهر هذا الكتاب، ووقفت عليها، وعلى ما احتج به الأصحاب بعضهم على يعض فيها:
[١]
فأما المسألة الأولى منها وهي مسألة من اشترى عبدا بيعا فاسدا، فأعتقه، ولا مال له غيره فالصحيح من التأويل في معناها، على مذهب ابن القاسم في المدونة: أنه ان لم يكن في قيمته يوم الحكم فضل عن قيمته يوم العتق، لم يجز عتقه، وفسخ البيع فيه ورد إلى البائع وان كان في قيمته يوم الحكم فضل عن قيمته يوم العتق، بيع منه للبائع بقيمته يوم العتق واعتق الفضل، سواء، في مذهبه في المدونة، أعتقه قبل القبض أو بعده.
ما يكون فوتا في عقود الملكية
وانما قلنا: ان البيع يفسخ فيه، إذا لم يكن في قيمته يوم الحكم، فضل عن قيمته يوم العتق، ولم نقل: انه يباع للبائع في القيمة، لأن من مذهبه المعلوم أن العقود التي تنتقل بها الأملاك، لا تكون فوتا في البيع الفاسد، إذا رجع الملك إلى المبتاع بانتقاض العقد، أو بما سوى
стр. 664
بين لنا ذلك من مذهبه: قوله في المدونة، فيمن اشترى عبدا بيعا فاسدا، فباعه ثم اشتراه، أو رد عليه بعيب، وهو على حاله، لم يفت بحوالة سوق فما فوقه:
ان البيع يفسخ فيه وقوله، فيمن اشترى عبدا بيعا فاسدا فكاتبه ثم عجز من ساعته، قبل أن تحول سوقه: ان البيع يفسخ خلاف قول أشهب في ذلك.
فكذلك مسألتنا إذا انتقض العتق بسبب الدين، ورجع إلى ملكه، فسخ البيع فيه ورد إلى البائع وهذا بين.
الأولوية بين العتق والدين
وانما قلنا: انه يعتق ما كان من فضل فيه على قيمته يوم العتق ولم نقل ان كانت قيمته يوم العتق أكثر من الثمن، الذي اشتراه به وانه يعتق ما كان فيه من فضل على الثمن الذي اشتراه به ويتبع ببقية القيمة دينا في ذمته، لأن القيمة انما ترتبت في مته بنفس العتق ومذهبه في المدونة تغليب الدين على العتق، وتبدئته عليه، إذا وقعا معا.
يبين ذلك من مذهبه فيها قوله في المقارض يشتري من يعتق على رب المال، وهو عالم: انه يباع منه لرب المال برأس ماله وربحه،
стр. 665
يريد: ان كان في المال ربح يوم الشراء، ويعتق الباقي، فبدأ الدين على العتق وان كان انما ترتب في ذمة العامل بنفس العتق.
هل العتق قبض؟
[١٨٧] وانما قلنا: انه لا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن يعتق العبد قبل القبض أو بعده، لأن من مذهبه أن العتق قبض، خلاف قول سحنون في ذلك، فإذا كان من مذهبه أن العتق قبض فلا فرق بين أن يوقعه قبل القبض أو بعده، على القول بتغليب الدين على العتق، إذا وقعا معا.
وانما يفترق ذلك على ماله في كتاب ابن المواز من تغليب العتق على الدين، إذا وقعا معا، وهو أحد قولي أشهب في ذلك.
فيأتي، على ما لإبن القاسم في كتاب محمد بن المواز، أنه ان أعتقه قبل القبض، ولم يكن فيه فضل عن الثمن، لم يجز العتق وفسخ البيع فيه ورد إلى البائع، وان كان فيه فضل عن الثمن، بيع منه للبائع بالثمن، وأعتق الباقي، واتبع البائع المشتري ببقية القيمة، إن كانت القيمة أكثر من الثمن.
وان كان أعتقه بعد القبض، عتقه، واتبعه البائع بجميع قيمته، دينا ثابتا في ذمته.
وياتي على مذهب أشهب المذكور مثل ما حكيته عن ابن القاسم في تفرقته بين أن يعتقه قبل القبض أو بعده، حاشا انه إذا أعتقه قبل القبض، ولم يكن فيه فضل عن الثمن، فرد عتقه، يباع للبائع، ولا يفسخ البيع فيه؛ لأن العتق على مذهبه فوت في البيع الفاسد، وان
стр. 666
انتقض من أجل الدين، خلاف مذهب ابن القاسم.
وقد تقدم ما دل على ذلك من مذهبه، وهو مخالفته ابن القاسم في المسائل المذكورة.
ولا يلزم على القول بتغليب العتق على الدين، إذا أعتقه قبل القبض أن ينفذ العتق ويتبع بجميع القيمة دينا في ذمته، لأن العبد ما لم يقبضه المبتاع فهو رهن في يد البائع بالثمن الذي وقع البيع به، فلا بد من تبدئته على العتق، قولا واحدا.
وانما يحصل الخلاف فيما زادت القيمة يوم العتق على الثمن، وقد ذهب محمد بن المواز إلى أن الخلاف يدخل في ذلك من مسألة الدور وليس ذلك بصحيح، لما ذكرنا
فهذا تحصيل القول وتحقيقه في هذه المسألة.
وأما من اشترى عبدا بيعا صحيحا، فأعتقه، قبل القبض، أو بعده، ولا مال له غيره، فلا اختلاف في أنه يباع منه للبائع بالثمن، ويعتق الباقي، ان كان فيه فضل.
وبالله التوفيق.
[٢]
والمسألة الثانية، وهي مسألة المتبايعان بالطعام، فلا يجوز أن يعقد البيع بينهما قبل اخراج الطعام، واحضاره، فان فعلا ذلك فهو ربا، يجب رده، الا أن يقرب الأمر جدا فيمضي على كراهة.
وأما المساومة من غير عدة قبل احضار الطعام، فلا بأس بها،
стр. 667
ولا مكروه فيها. فان تضمنت المساومة مواعدة أحدهما صاحبه باتمام البيع معه، على ما سمياه من السوم، ثم تعاقدا البيع، بعد حضور الطعامين، على العدة المتقدمة، وتناجزا فيه فذلك مكروه، ولا يبلغ به الفسخ.
هذا الذي ينبغي أن يحمل ما في الكتاب عليه، ويرد بالتأويل الصحيح اليه، لأنه الفروع مردودة إلى الأصول، محمولة عليها، ولا حجة لمن ذهب إلى اجازة عقد التبايع بينهما في الطعامين، قبل احضارهما، أو احضار أحدهما، بمسألة كتاب الصرف التي ذكرت.
والفرق بينهما أن الطعامين اللذين تبايعاهما معينان، فلا بد من احضارهما قبل العقد ولا يجوز أن ينعقد البيع بينهما على طعام معين، بطعام غير معين، والصرف جائز على دراهم بغير أعيانها، فلما جاز على دراهم بغير أعيانها استخف عقد الصرف وان لم تكن الدراهم في ملكه حين عقد البيع، إذا اتصل بذلك التناجز والقبض.
والقياس قول أشهب أنه لا يجوز.
وبالله التوفيق.
[٣]
والمسألة الثالثة فيمن ادرك الركوع مع الإمام فسها، أو غفل عن رفع رأسه، حتى رفع الإمام رأسه وسجد، فإنه يتبعه في الأولى والثانية، ما لم يعقد عليه الإمام الركعة التي تليها.
стр. 668
ولا يدخل عندي، في هذا، الاختلاف في عقد الركعة هل هو الركوع او رفع الرأس منه.
وبالله التوفيق بعزته.
[٤]
والمسألة الرابعة، فيتبع الإمام إذا سها عن الركوع معه حتى ركع الإمام ورفع بالركوع والسجود، في الموضع الذي يتبعه فيه، ما لم يرفع رأسه من السجدة الثانية من تلك الركعة، أو لم يعقد عليه الإمام الركعة التي تليها.
ولا وجه عندي للخلاف الذي ذكرته في هذا.
وبالله التوفيق بعزته.
[٥]
والمسألة الخامسة. والفرق، على مذهب مالك، بين قول الرجل: ان تزوجت فلانة فهي طالق، وان اشترى فلان شقصا كذا فقد أسقطت عنه الشفعة: ان الطلاق حق لله لا يملك المطلق رده إذا وقع، ولا يستطيع الرجوع فيه برضا المرأة المطلقة، اذ ليس ذلك بحق لها، فيلزم بعد النكاح، كما ألزمه نفسه قبل النكاح، واسقاط الشفعة ليس بحق لله، عزوجل وانما هو الحق له، قبل المشتري، يصح الرجوع فيه برضاه، فلا يلزمه له الا بعد وجوبه له عليه.
وبالله التوفيق.
стр. 669
[١٦٨]- امام مجذوم تكره جماعته الائتمام به
وكتب اليه، ﵁: من مدينة مرسية بهذا السؤال، ونصه من اوله إلى آخره حرف فيه:
جواب الفقيه الأجل، الإمام، قاضي الجماعة، وصل الله توفيقه، في امام لمسجد جماعة، ظهر عليها داء الجذام، عافانا الله منه، فكرهت جماعته الائتمام به لذلك، وذهبت إلى تأخيره عن الامامة، والاستبدال بامام آخر مكانه، وذلك بعد مدة مضت له، في امامتهم، وهو على تلك الحال.
فهل ترى، رضي الله عنك، امامته جائزة بريئا أم لا؟ وهل ترى لهذه الجماعة اجباره على التأخير عن امامتهم أم لا؟ وكيف به - وصل الله توفيقك - ان ادعى أن الذي به غير الجذام، انما هو داء بزعمه، هل يكلف الأطباء النظر اليه حتى يتحقق ذلك فيه بقولهم أم لا يلزم ذلك إذ هذه الجماعة لا تقدح في دينه، ولا في معرفته بما يتناوله في امامته، من قراءة وغيرها، انا يعافون مرضه المذكور خاصة؟
فيبين لنا رضي الله عنك، القول في هذه المسألة، كل البيان، فانها نازلة بنا، وواقعة عندنا، موفقا مأجوراً ان شاء الله تعالى.
يبعد الضرر عن الجماعة
فأجاب أدام الله توفيقه، على ذلك بهذا الجواب:
стр. 670
تصفحت - عافانا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه.
وامامة المجذوم جائزة، لا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم لأن العيوب، التي تقدح في صحة الامامة، انما هي في الأديان لا في الأبدان، الا أنه إذا تفاحش جذامه، وقبحت منظرته، وعلم من جيرانه أنهم يكرهون امامته لتأذيهم بها في مخالطته لهم، بشق صفوفهم، في الدخول إلى المحراب والخروج عنه، فينبغي له أن يتأخر عن الامامة بهم.
فقد قال عمر بن الخطاب، ﵁، للمرأة المجذومة التي رآها تطوف مع الناس: يا أمة الله، لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك لكان خيرا لك.
فان أبي من ذلك ورافعوه إلى الإمام، قضي عليه بالتأخر عن امامتهم، إذا تبين له ما ذكروه من تأذيهم به؛ لأن المنع من اذاية المسلمين واجب وقد قال رسول الله، ﷺ ، في حلول الممرض على المصح: " أنه أذى " وقال ﷺ : " من أكل من هذه الشجرة، فلا يقرب مساجدنا، يؤذينا بريح الثوم " وهو أخف أذي.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
следующие страницы →