Полный текст (1 216 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
[٢٣٣]- عدد من تجب عليهم الجمعة
وسئل ﵁، عن عدد من تجب عليهم الجمعة، نص السؤال من أوله إلى آخره.
الجواب، رضي الله عنك، في العدد الذي تجب عليه اقامة الجمعة من الناس، هل يكون عدد البيوت، وعدد الرجال واحدا في ذلك، أم يكون الأصل عدد البيوت، ومتى غاب بعض أهل البيوت، وجبت الجمعة على من بقي منهم في البيوت، الذين تجب الجمعة على عدد مخصوص منهم أم لا تكون الجمعة الا على عدد مخصوص من الرجال، ولا معنى للبيوت، اذ المراد من البيوت الرجال؟
بين لنا الواجب في ذلك وكم يكون الأقل من عدد البيوت أو الرجال؟ ومن أحق بالرعاية في ذلك؟
بين لنا ذلك محققا موضحا موفقا ان شاء الله.
فأجاب وفقه الله، بما هذا نصه تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك ووقفت عليه.
والمراد في الحديث بعدد بيوت القرية التي تجب فيها الجمعة عدد الرجال أو ما قاربهم، لأن المعلوم أن البيت مسكن الرجل الواحد، في أغلب الأحوال.
والى هذا الحديث ذهب ابن حبيب فيما حكي عن مطرف وابن [٢١٧] الماجشون فقال: إذا كانوا ثلاثين رجلا، أو ما قاربهم، جمعوا الجمعة وأما مالك رحمه، فلم يحد في ذلك حدا، وانما قال: الجمعة لا
стр. 772
تجب الا في القرية الكبيرة، المتصلة البنيان، التي فيها الأسواق ومرة سكت عن اشتراط الأسواق، فمذهبه أن الجمعة لا تجب الا في الأمصار، أو في القرى العظام، التي تشبه الأمصار.
وقال محمد عبد الوهاب: حد ذلك: أن يكونوا عددا يمكنهم الثواء وتتقرى بهم القرية.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٣٤]- ثلاث مسائل مختلفة الموضوع:
وسئل ﵁، عن مسألة من الشركة، ومسألة من العتق، وعن خرص الزرع.
ونص ذلك: يتفضل الفقيه الأجل، الإمام الأفضل، قاضي الجماعة أبو الوليد محمد بن رشد، وفقه الله، ورضي عنه، بالجواب.
[١]- الشركة في الزرع:
في رجلين اشتركا في الزرع، على أن جعل أحدهما أحدهما الأرض والبذر، والبقر والثاني العمل ويكون الربع للعامل بيده والثلاثة أرباع لصاحبه، هل يجوز ذلك أم لا؟
[٢]- عتق المفلس:
وفي عتق من أحاط الدين بماله هل يجوز ذلك أم لا؟
стр. 773
[٣]- خرص الزرع في الزكاة:
وفي خرص الزرع هل يجوز، أم لا؟
بين لنا ذلك كله، يرحمك الله، بيانا شافيا، واشرحه شرحا كافيا، يعظم الله أجرك، وثوابك، لا زلت موفقا مسددا، بحول الله وفضله.
فأجاب أدام الله توفيقه، على ذلك كله بأن قال: تصفحت الأسئلة المذكورة فوق ووقفت عليها.
[١]
فأما المسألة الأولى منها، وهي مسألة الاشتراك في الزرع، على الوجه الذي ذكرت، فلا يخلو الأمر فيها من ثلاثة اوجه: أحدها: أن يعقداها بلفظ الشركة، والثاني: أن يعقداها بلفظ الاجارة، والثالث: ألا يسميا في عقدهما شركة ولا إجارة.
فإن عقداها بلفظ الشركة جازت، وان عقداها بلفظ الاجارة لم تجز وان لم يسميا في عقدهما شركة ولا اجارة، وانما قال له: أدفع اليك أرضي وبذري وبقري وتتولى أنت العمل ويكون لك ربع الزرع، أو خمسة، أو جزء من أجزائه، يسميانه، فحمله ابن القاسم على الاجارة، فلم يجزه، واليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون على الشركة فأجازه.
هذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وقذ كان من أدركنا
стр. 774
من الشيوخ لا يحصلونها هذا التحصيل، ويذهبون إلى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل وليس ذلك عندي بصحيح.
[٢]
وأما عتق من أحاط الدين بماله فلا اختلاف في أنه لا يجوز، الا أن يجيزه الغرماء، واختلف ان لم يعلموا به حتى طال الأمر وجازت شهادته، ووارث الأحرار، فقيل: ان لهم أن يردوه وقيل: ليس لهم أن يردوه، لاحتمال أن يكون قد أفاد في خلال المدة ما لا، لم يعلم به، ثم ذهب مع حرمة العتق.
فان كانت الديون التي عليه قد استغرقت ذمته من تباعات لا يعلم أربابها، نفذ عتقه على كل حال، ولم يرد وكان الأجر لأرباب التباعات، والولاء لجماعة المسلمين.
[٣]
وأما الزرع فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف ان لم يكن مأمونا، يخشى ان يكتم الواجب فيه عليه، على قولين، الأصح منهما عندي جوازه، إذا وجد من يحسنه.
وبالله ولي التوفيق برحمته، لا شريك له.
[٢٣٥]- زنا يعقبه زواج دون استبراء:
وسأله ﵁ رجل من برابر العدوة، القادمين علينا قرطبة عصمها الله في جموع سنة عشرة وخمس مائة،
стр. 775
عن مسألة نكاح فاسد.
وهي: الجواب، رضي الله عنك، في رجل وامرأة زنيا، ثم انهما تناكحا بغير استبراء من الماء الفاسد، وتوالدا أولاداُ، ثم انهما تفارقا بطلاق، وتراجعا بعد الطلاق، ثم تفارقا ثانية بطلاق ثان.
ثم أنهما اتهما أنفسهما وأنكرا فعلهما عليهما، وسألا عن فعلهما ذلك أهل الفتوى عندهما، فأفتوا عليهما بفساد أفعالها، وانها كانت على غير استقامة، وأن أولادهما لغير رشدة.
ثم ان الرجل زوج المرأة المذكورة مات في خلال ذلك، فلم يورث الأولاد منه قليلا ولا كثيرا، وأخذت تركة الميت ففرقت على المساكين.
فأفتنا - وفقك الله - في فعلهما، أولا، من زواجهما بعد الزنا من غير استبراء، وفي طلاقهما، وارتجاعهما بعد الطلاق، إلى آخر ذلك [٢١٨] من أفعالهما وفي ميراث الأولاد من الوالد، هل يجب لهم ميراث أم لا يجب؟
بين لنا ذلك كله، وفسره مأجورا عليه، وان كان يجب لهم الميراث هل يلزم المفتين ضمان ما تصدقوا به أم لا؟ بين لنا مشروحا واضحا، ان شاء الله ، وهذان الزوجان - أكرمك الله - انما وقع الطلاق بينهما على هذا الوجه المذكور، ثلاث مرات، هل يكون الحكم عليهما كالحكم على الزواج الصحيح، لا يتراجعان الا بعد زوج أم لا يكون الحكم فيهما واحدا؟
بين لنا ذلك أيضا موفقا معانا عليه، ان شاء الله.
فأجاب، ﵁، على ذلك بأن قال: تصفحت - عصمنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه.
стр. 776
والنكاح الأول الذي وقع عنده قبل الاستبراء من ماء الزنا، فاسد، لا يلحقه فيه طلاق، فتكون مفارقته إياها فيه بطلاق فسخا بغير طلاق.
والنكاح الثاني صحيح، يلحقه فيه الطلاق، فان كان وقع قبل الدخول وجب لها نصف الصداق، ولم يكن لها ميراث، ان كان وقع بعد الدخول، وجب لها جميع الصداق والميراث، ان كان مات قبل انقضاء العدة، الا ان يكون الطلاق الذي طلقها بائنا وأما الاولاد فلاحقون به على كل حال، يجب لهم الميراث منه ويلزم من تسور عليه فتصدق به ضمانه.
واما المفتون فلا ضمان عليهم، اذ لم يكن منهم أكثر من الغرور بالقول وانما الضمان على من استفتاهم وتسور على ميراثهم بفتواه فتصدق به دون تثبت ولا أمر واجب على حال.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢٣٦]- تبعات الغضب المتبادل قبائل صحراء المغرب
وسأله ﵁ رجل مرابطي من ملثمي الصحراء عن مسألة غضب عندهم.
ونص السؤال: جواب الفقيه الأجل، أدام الله توفيقه، في قوم من قبائل شتى، في الصحراء، يتغاصبون فيما بينهم، وليس لهم مال غير الماشية وهذا الغصب المذكور فيما بينهم من قديم من آبائهم وأجدادهم وأنهم يتوارثون ذلك المال المغصوب فيما بينهم.
стр. 777
هل يسوغ لأحد، له مال حلال، لا يشوبه حرام، وهو ممن راغ عن التباعات، وأراد التورع، هل يجوز له أن من يبتاع من ذلك المال المغصوب أم لا؟
وأن هؤلاء القوم المذكورين يهدون إلى أمير المسلمين، وناصر الدين، أيده الله، من تلك الابل المغصوبة فيما بينهم، هل يسوغ لأحد، أراد التورع، إن وهبه أمير المسلمين من تلك الابل شيئاً، أن يأخذه، أم لا؟ وهل يسوغ له، أيده الله، يثيبهم على هديتهم من بيت مال المسلمين، أم لا؟
وأنهم يهدون لأمير أمره عليهم امير المسلمين أيده الله، وهو ممن يغصب مثل غصبهم وأن ذلك الأمر يهدى إلى أمير المسلمين، أيده الله، من تلك الإبل المغصوبة، هل يسوغ لأحد أخذه، ان أعطاه امير المسلمين اياه أم لا؟
وأن هؤلاء القوم المذكورين لا يغصبون الا من غصبهم، أو غصب آباءهم.
بين لنا هذا السؤال، واشرحه موفقا مشكورا، ان شاء الله تعالى. فأجاب، ﵁، على بما هذا نصه: تصفحت - عصمنا الله واياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
أ - عندما لا يعرف المغصوب منه بعينه.
وان كانت هذه الماشية، التى بأيدى هؤلاء القوم من القبائل، قد توارثوها عن آبائهم، وأجدادهم، كما ذكرت وهى في الأصل مغصوبة،
стр. 778
ولا يعلم اليوم، لقدم العهد أصحابها الذين غصبت منهم، ولا ورثتهم، ولا يمكن صرفها إلى أصحابها بأعيانهم، ولا صرف شىء منها إلى صاحبه بعينه للجهل به، فحكمها بأيدى الذين هى في ايديهم بما ذكرت من الميراث عن أبائهم وأجدادهم، حكم القطة، بعد التعريف بها، واليأس من وجود صاحبها، التى قال رسول الله ﷺ ، فيها لواجدها: «شأنك بها».
فيستحب لهم التصدق بها، ولا يجب ذلك عليهم، فرضا واجبا، لا سيما ان تكن هى المغصوبة بأعيانها، وانما هى أنسالها، فيجوز شراؤها منهم، لمن أراد من الناس
أن يشترى شيئاً منها.
وما أهدوا منها لأمير المسلمين - أدام الله أيامه - فوهبه لأحد، ساغ لمن وهب له أن يأخذه، وحل له تملكه، ولم يكن عليه في ذلك اثم ولا حرج، ان شاء الله .
ولأمير المسلمين - أدام الله أيامه - ان يثبت من أهدى منهم اليه شيئاً منها من بيت مال المسلمين؛ / إذ إنما يقبل ذلك منهم ليصرفه [٢١٩] في منافع المسلمين.
وأما ما يهدون من ذلك لوالى أمير المسلمين عليهم، فلا يسوغ له قبوله منهم، لما من جاء من أن «هدايا الأمراء غلول» الا أن يكافئ عليها، فان كافأ عليها بقيمتها من الثواب، وأهدى منها شيئاً لأمير المسلمين - أدام الله توفيقه وتأييده، فأعطاه لأحد صح له بعطيته اياه، وساغ له.
стр. 779
وسواء أكان الغاصبون لهذه الماشية غصبوها لمن يغصبهم، أو لمن غصبهم، أولمن غصب أباءهم، قبلهم، وقد كانت القبيلة قد غصبت القبيلة، فلم يعلم كل واحد منهم بعينه أنه أخذ مال من صار اليه ماله بعينه.
ب - عندما يعرف المغصوب منه بعينه
وأما ان كان هؤلاء القوم، الذين هذه الماشية في أيديهم، قد غصبوها، هم أو من ورثوها عنهم من آبائهم وأجدادهم، قبلهم، لمن غصبهم، أو لمن يغصبهم، ويعرفون أربابها، الذين غصبت منهم، ولا يمكنهم ردها اليهم بأعيانهم، أو إلى ورثتهم، فالواجب المعين عليهم، الازم لهم: أن يصرفوها على أربابهم، فلا يحل لهم، ان يتمسكوا بشىء منها، فان لم يفعلوا، وتمسكوا بها، فلا يحل لأحد أن يشترى منهم شيئاً منها، ولا يقبلها هبة، ولا صار اليه من قبلهم، بأى وجه صارت اليه، فان فعل شيئاً من ذلك، وهو عالم به، كان حكمة في ذلك حكم الغاصب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٣٧]- هل الجهاد أفضل لأهل الأندلس، أم الحج ؟
وكتب اليه، ﵁، أمير المسلمين وناصر الدين، على بن يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وعز نصره، يسأله: هل الحج أفضل لأهل الأندلس، أو الجهاد؟
ونص السؤال.
стр. 780
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وسلم. جوابك، رضي الله عنك، فيمن لم يحج من أهل الأندلس، في وقتنا هذا، هل الحج أفضل له، أم الجهاد؟ وكيف ان كان قد حج حجة الفريضة؟.
راجعنا في ذلك بما نراه، موفقا مأجورا ان شاء الله تعالى.
فآجاب أدام الله توفيقه، على ذلك بما بما هذا نصه: تصفحت، رحمنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وفرض الحج ساقط عن أهل الأندلس، في وقتنا هذا، لعدم الاستطاعة، التى جعلها الله شرطا في الوجوب، لأن الاستطاعة: القدرة على الوصول، مع الأمن على النفس والمال، وذلك معدوم في هذا الزمان.
واذا سقط فرض الحج، لهذه العلة، صار نفلا مكروها؛ لتقحم الغرر فيه.
فبان بما ذكرناه: أن الجهاد، الذى لا تحصى فضائله، في القرآن والسنن المتواترة والآثار، أفضل منه، وأن ذلك أبين من أن يحتاج إلى السؤال عنه؛ وموضع السؤال انما هو فيمن حج حجة الفريضة، والسبيل مأمونة، هل الحج أفضل له، أم الجهاد؟
والذى أقول به: أن الجهاد له أفضل، لما ورد فيه من الفضل العظيم. وأما من لم يحج حجة الفريضة، والسبيل مأمونة، فيتخرج ذلك على الاختلاف في الحج: هل هو على الفور، ام على التراخى.؟
وهذا إذا سقط فرض الجهاد على الأعيان بقيام من قام به، وأما
стр. 781
في المكان الذى يتعين فيه على الأعيان فهو أفضل من حجة الفريضة، قولا واحدا، للاختلاف فيه هل هو على الفور ام على التراخى.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
وبالنسبة لأهل المغرب.
ومما استدركه، ﵁، في جوابه، اذ سأله أمير المسلمين، بسبته، أول سنة خمس عشرة، وخمس مائة، عن أهل العدوة، هل هم مثل أهل الأندلس في ذلك أم لا؟
فقال: ان من سوى أهل الأندلس، من أهل العدوة، سبيلهم سبيل أهل الأندلس، إذا كانوا لا يصلون إلى مكة الا بخوف على أنفسهم، وأموالهم.
وان كانوا لا يخافون على أنفسهم، ولا على اموالهم، في الوصول إلى مكة، فالجهاد عندى فالجهاد عندى لهم أفضل من تعجيل الحج، اذ قد قيل: انه على التراخى، وهو الصحيح من مذهب مالك، رحمة الله، الذى تدل عليه مسائله.
وهذا فيمن عدا من يقوم بفرض الجهاد. وأما من يقوم بفريضته من حماة المسلمين وأجنادهم، فالجهاد هو الواجب عليهعم؛ اذ لا يتعين تعجيل الحج منهم الا على من بلغ منهم المعترك؛ لأن الواجب
стр. 782
على التراخى له حاله يتعين فيها، وهو ان يغلب على ظن المكلف أنه يفوت بتأخيره، والحد من ذلك قول رسول الله ﷺ «معترك أمتى ما بين الستين / إلى السبعين». [٢٢٠]
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٣٨]- ثلاث مسائل من مدينة مراكش .
مسألة، كتب الفقيه المعدل، أبو عبد الله التطيلى إلى الفقيه القاضى، أبى الوليد ابن رشد من حضرة مراكش، حماها الله، في آخر شهر سنة خمس عشرة وخمس مائة، بثلاث مسائل، يسأل عنها.
وهذا نص جميعها، وجوابه على كل واحدة منها، يتصل بها:
[١]- تلفيق الشهادة في الطلاق
فأما الأولى منها، فهى ما وقع في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، عن أبى الزناد، وابن شهاب، «في رجل شهد عليه رجال متفرقون على طلاق، واحد بثلاث، وآخر باثنين، وآخر بواحدة: ذهبت منه بتطليقتين».
قيل له: وفي نسخة أخرى: «شهد عليه رجال متفرقون واحد بواحدة، وآخر باثنتين، وآخر بثلاث ذهبت منه بتطلقتين».
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وهذا الذى ذكرت من الاختلاف الواقع بين نسخ المدونة في
стр. 783
حديث ابن شهاب لا تأثير له فيما يوجبه الحكم من تلفيق الشهادة، على قول من يرى أنها تلفق.
والواجب على القول بالتلفيق: أن تلزمه طلقتان، كما وقع في المدونة لابن شهاب، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك فيها، خلاف ما لهما في غيرها، سواء أرخ كل واحد من الشهود شهادته، أو لم يؤرخها، اختلفوا في التاريخ أو اتفقوا عليه، اذ لا تأثير للتاريخ فيما يجب من تلفيق الشهادة عند من يلفقها، لأنه لو وجب قبول شهادة الشاهد الواحد بانفراده، في تعيين اليوم الذى شهد فيه أنه طلق فيه، لوجب قبول شهادته، بانفراده، فيما شهد به من طلاق، فلما لم تقبل شهادة الشاهد الواحد بانفراده فيما شهد به من الطلاق؛ وجب ألا تجوز شهادة واحد منهم فيما انفرد به من التاريخ، وألا يعتبر بالتاريخ، اذ لا تأثير له؛ اذ لم يثبت فيما يلزمه من الطلاق.
ألا ترى أن العدة لا تكون في ذلك الا من يوم الحكم، وان أرخ كل واحد منهم شهادته، كما إذا لم يؤرخ.
ولو اجتمع شاهدان على تاريخ واحد، لوجب أن تكون العدة منه.
والتفصيل الذى فصله اللخمى في تبصرته، من الفرق بين أن يكون تاريخ الشاهد بالثلاث متأخرا عن تاريخ شهادة الشاهدين، أو متقدما عليهما، أو على أحدهما ليس له وجه يصح.
وكذلك قوله: «ويختلف، إذا عدمت التواريخ، هل تلزمه طلقتان، أو ثلاث، لأن الزائد على الاثنين من باب الشك في الطلاق»، غلط ظاهر، لا يصح، اذ لا اختلاف في أن الحاكم لا يحكم على المنكر بشك،
стр. 784
وانما الاختلاف هل يحكم عليه بالشك، إذا أقر به على نفسه.
وبالله التوفيق.
[٢]- أداء دين الدنانير بحلى الذهب
وأما الثانية فهى رجل، كانت له دنانير في ذمة رجل، فقضاه وزنها حلى ذهب في جودة ذهبه، او أقل عيارا منها، بوزنها، دون عادة، ولا شرط، ولا عدة، والدنانير إذا امتحنت بالوزن، منفردة، وجد بعضها أفى من بعض. فإذا جمعت المائة منها بالصنجة ربما صدقت أو نقصت من الوزن. وكيف إن قضاه مرابطية عن عبادية؟.
جوابها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
فأما الذى اقتضى من دنانير له، تجوز عددا، حلى ذهب، بوزن دنانيره، مثل عينه أو أدنى، فلا يجوز لعدم المماثلة في ذلك، مع القصد إلى المبايعة، لما في ذلك من اختلاف الأغراض.
وأما اقتضاؤه الذهب المرابطية من العبادية فهو جائز؛ لأن الفضل في ذلك من جهة واحدة، اذ العبادية أدنى في العيار، وأقل في الوزن.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣]- المبلغ الذى تجب به اليمين في المسجد الجامع
وأما الثالثة فهى رجلان تقايلا في دينارع فصاعدا، ثم اختلفا في التقاضى، فقال البائع: بقى لى عندك ثمن دينار، وقال المبتاع: قد دفعته إليك، مع جميع ثمن السلعة، هل تجب اليمين في المسجد الجامع أم لا؟ -
стр. 785
وكيف ان ابتاع منه سلعة، فقام عليه بعيب، فزعم البائع أنه قد بينه له، وانكر ذلك المبتاع، وقيمة العيب أقل من ربع دينار - أين تجب اليمين؟ وهل يختلف الحكم في فوات السلعة وحضورها؟.
وجوابها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
فأما الذى من بقى أقل من ربع دينار، وادعى عليه دفع ذلك [٢٢١] اليه، فأنكره عليه، / فلا يلزمهى اليمين في ذلك، في الجامع.
وأما الذى قام بعيب قيمته أقل من ربع دينار، في سلعة اشتراها، قيمتها أكثر من ربع دينار، فادعى البائع أنه تبرأ اليه، فإن كانت السلعة قائمة، يجب ردها بالعيب، لزمته اليمين في ذلك في الجامع، وان كان قد فات ردها بالعيب لم يجب اليمين في ذلك في الجامع.
كما إذا اختلف المتبايعان في ثمن السلعة، في أقل من ربع دينار، وهى قائمة، يتحالفان في الجامع، بخلاف ما إذا كانت السلعة قد فاتت، هذا الذى لا يصح سواه.
وقد وقع في كتاب ابن المواز وفي سماع ابن القاسم من كتاب العيوب من العتيبة، في التداعى في العيب في السلعة ما ظاهره خلاف ما ذكرناه. والصواب أن يتأول على ما ذكرناه؛ إذ لا يصح سواه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٣٩]- ضرر تعلية البناء بين جارين
وخوطب، ﵁، من مدينة لبلة، أعادها الله، بهده
стр. 786
المسألة، يسأل عنها، وهة مسألة اطلاع على سقف جار. ونصها: جوابك، رضي الله عنك، في رجل له غرفة مشرفة على أسطوان داره، بمدينة لبلة، ولها إلى جهة الغرب، على ظهر سقف بيت من دار، جاره، والبيت المذكور متصل بالغرفة المذكورة، ودونها في العلو، وباب الغرفة على ظهر، ولا يكشف منه على واحد، قرب منه أو بعد، ولم يزل كذلك مدة من الدهر، إلى أن باع الآن صاحب البيت داره، فأراد المبتاع لها رفع البيت المذكور، وتسويته مع الغرفة المذكورة، وتطميس بابها القديم وصاحب الغرفة لا يسوغه ذلك.
أفتنا بالواجب في ذلك يعظم الله أجرك، ويجزل ذخرك.
فأجاب أدام الله توفيقه، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ومن حق صاحب البيت أن يرفع بيته ما شاء، وليس له أن يسد الباب على صاحب الغرفة ان كانت له فيه منفعة، باقية، بعد رفع البيت، ويقال لصاحب البيت: استر على نفسك ان شئت، لأنها منفعة قد حازها على بائع الدار منه، إلا أن لا يكون لصاحب الغرفة في الباب منفعة، إذا رفع البيت، الا بالطلع عليه، فيكون من حقه أن يسده عليه، لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار».
وبالله التوفيق، لا شريك له.
стр. 787
جواب ابن الحاج في الموضوع:
وأفتى فيها الفقيه أبو عبد الله ابن الحاج، فقال: له أن يرفع البيت ما أحب، ما لم يضر بجاره.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[٢٤٠]- هل يدخل بنو البنين مع البنين في الحبس المعقب ؟
وكتب إليه، ﵁، أحد الفقهاء للمشاورين بجيان، يسأله عن مسألة حبس، وذلك سنة ثلاث عشرة وخمس مائة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. جوابك - رضي الله عنك، ووفقك - في رجل حبس ملكاً على ابنيه، فقال في إشهاده به: " ملكي هذا حبس على ابني فلان وفلان، ثم على أعقابهما، وأعقاب أعقابهما، ماتناسلوا " فمات الأبناء، ولهما بنو بنين، فأراد بنو البنين أن يدخلوا مع من فوقهم.
فبين لنا - وفقك الله، وسددك - وجه الحكم في ذلك، وهل يكون الترتيب في الدرجة التي ذكر فيها، ثم على أعقابهما لا غير، أو يكون فيها، أو فيما بعدها، وإن كان في ذلك اختلاف فبما تختار منه؟ ووجهه؟ موفقا، معاناً، مسددا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب، أدام الله توفيقه، على ذلك بهذا الجواب: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه.
стр. 788
وإذا كان نص التحبيس على ما ذكرته فيه، فلبني البنين الدخول في الحبس مع من فوقهم من البنين.
هذا نص قول مالك في المدونة، ولا اختلاف أحفظه في أنهم يدخلون معهم؛ لأنه قد شَرَكَ بينهم بالواو، التي موضعها لإدخال الثاني فيما دخل فيه الأول، وإنما الاختلاف هل يقسم ذلك بينهم بالسوية، أو على قدر الحاجة، والذي جرى به العمل: أن يقسم ذلك بينهم على السوية الذكر والأنثى، والغني والفقير.
واختلف، أيضا، هل يدخل في ذلك، أولاد البنات، عند مالك، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم لا يدخلون فيه، على مذهبه، بحال، لأن ولد البنت ليس بعقب عنده.
والثاني: أنه يدخل فيه، على مذهبه، أولاد بنات الابنين المسمَييْن، لأن بناتهما من عقبهما، فأولاد هن عقب عقبهما، فوجَبَ أن يدخلوا في الحبس، لقوله فيه: " وعلى أعقاب أعقابهما "، ولا يدخل فيه، على هذا القول: أولاد بنيات الابنين، ولا أولاد بنيات بناتهما، إلا أن يقول: " ثم على أعقابهما، وأعقاب أعقابهما وأعقاب أعقابهما "، وكذلك كلما زاد تعقيبا يدخل ولد البنات إلى تلك الدرجة التي انتهى إليها. ولو اقتصر على قوله: " ثم على أعقايبهما ما تناسلوا "، ولم
стр. 789
يزد: " وأعقاب أعقابهما "؛ لما دخل في الحبس أحد من أولاد بنات الابنين على مذهب مالك، ﵀.
وبهذا القول حضرت شيخنا الفقيه أبا جعفر ابن رزق، ﵀، يفتي وبه جرى العمَل، وهو أظهر الأقوال.
والقول الثالث: أنه يدخل في ذلك، على مذهب مالك، أولاد بنات الابنين، وأولاد بنات بنيهما وبناتهما ما تناسلوا، لقوله: " ما تناسلوا "، بعد أن قال: " ثم على أعقابهما، وأعقاب أعقابهما "، بخلاف إذا اقتصر على قوله: " ثم على أعقابهما وأعقاب أعقابهما "، ولم يقل: " ما تناسلوا ".
ولا يدخل أحد من بني الابنين المسمَّيين مع أبيه في الحبس، ما دام حيا، لقوله " ثم على أعقابهما " لدخل معه، قيل: فيما فضل عنه، وقيل: بالسوية، وقيل: على قدر الحاجة، لأنهم فرقوا، في أحد الأقوال، بين حكم الولد، وولد الولد، ويبن حكم ولد الولد، وولد ولد الولد، إذا أشرك بينهم بالواو، فقالوا فيه: يؤثر الولد على ولد الولد، فلا يدخل ولد الولد إلا فيما فضل عن الولد، ولم يقولوا ذلك في ولد ولد الولد مع ولد الولد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٤١]- أحد عشر سؤالا من القاضي أبي الفضل ابن عياض
وسأله، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، عن
стр. 790
إحدى عشرة مسألة، كتب بها إليه في آخر سنة خمس عشرة، وخمس مائة.
وهذا نص جميعها، والجواب على كل واحد منها يتلوها:
[١]- شروط من يوجهه القاضتي في الإعذار أو التحليف
فأما الأُولى منها، فهي عمن يوجهه القاضي في الإعذار، أو في تحليف من غاب عن حضرته، أو في النظر إلى عيب، أو اعتراف بحد، وكل موضع أجيز فيه الواحد هل يشترط في عدالته ما يشترط في عدالة من جاء مجيئ الشهادة؛ لنص العلماء أن يكون عدلا، أم لا يشترط في ذلك هذا؛ إذ ليس حكمه حكم الشهادة، وإنما هو من باب نقل الخبر، فحسبه أن يكون ثقة، غير معروف بجرحة، كما حده أهل بالعلم، فيمن يعدل رواة الحديث، وقالوا: إنه يصح فيه تعديل العبد، والمرأة لأنه مخبر وليس بشاهد.
لك الفضل في بيان هذا، فإنه قد قام بنفسي فيها تعلة، منك جلاؤها، إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، لا إله غيره.
المختار: أن يوجه في الأعذار ونحوه شاهدان عدلان:
الجواب عليها. تصفحت - أعزك الله بطاعته، وأمدك بمعونته - سؤالك هذا ووقفت عليه.
والاختيار: ألا يوجه القاضي في الإعذار وفي تحليف من غاب
стр. 791
عن حضرته، وما أشبه ذلك مما يغيب عنه، إلا رجلين عدلين؛ فإن وجه واحدا فلا يكون إلا من تعرف عدالته، لا من يجهل حاله، فإن قصر فيما ينبغي له أن يفعله من ذلك، فوجه من لا تعرف عدالته، لم يصح له الحكم بما ينقل إليه إلا بعد أن تصح عنده عدالته، بتزكية رجلين مبرزين في العدالة بالعدل والرضاء، أو بأن يسأل عنه في السر من يثق به، كما يفعل في الشاهد عنده بشهادة، ولا يعرف بعدالة.
والاختيار إذا سأل عنه، أيضا، ألا يكتفي بسؤال واحد عن حاله، فإذا اكتفى بذلك جاز من ناحية قبول خبر الواحد، وإن كان امرأة، وكذلك إن كان عبدا في وجه القياس، وإن كان مالك يفرق في ذلك بين المرأة والعبد، استحسانا، من أجل أن العبد لا تجوز عنده شهادته، في موضع من المواضع، ويكون بذلك عنده مبقول الشهادة، كما يكون المخبر عند من حدثه مقبول الخبر بذلك، فالثقة الذي يقبل نقله للخبر بذلك، فالثقة الذي يقبل بنقله للخبر هو العدل، إذ لا يكون ثقة إلا عدلا، ولا عدل إلا ثقة.
ويجوز قول الطبيب فيما يسأله القاضي عنه بما يختص بمعرفته الأطباء، وإن كان غير عدل، أو نصرانيا، إذا لم يوجد سواه.
والاختيار أن يكونا اثنين عدلين، وكذلك القاسم الموجه للقسمة، وما أشبههما.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[٢]- المختار توجيه شاهدين في الحيازة
وأما الثانية فهل يجوز للحاكم أن يوجه في الحيازة على الشاهدين في الأملاك واحدا؛ إذ هو نائب منابه في الحضور، فبابه باب الأعذار وشبهه، أم لا بد من اثنين؟
стр. 792
ما تراه في ذلك؟ وهل فيه نص لأحد من الأشياخ؟ فقد لاح لي فيه شيء أردت رأي أمامي فيه، بتوفيق الله.
الجواب عليها. تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه.
ولا فرق بين الموجه لحضور حيازة ما شهد به الشهود، وبين سائر ما يوجه فيه القاضي من الأعذار وشبهه، العدل الواحد يجزيء، والاختيار أن يكونا اثنين.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[٣]- هل يقدم الكفيل بطلب من الدائن، أو بحكم القضاء ؟
وأما الثالثة فهي مسألة الضامن، هل يلزم الحاكم أن يوجهه على من وجب عليه أخذ الضامن بالمال، أو بالوجه، إلا أن يتركه من وجب له، أم لا يلزمه ذلك بعد طلب من يجب له ذلك، أو يفرق في ذلك بين من يعرف ما يجب، كما حدده بعضهم في مثل ذلك؟.
ب- هل يخضع تحديد الآجال للقضاء، أم لرغبة الطَّالِبِ؟
وكذلك مدة الآجال، وتطويل ما يجب تطويله من ذلك، هل يبدأ بذلك الحاكم، إذا طلب من له ذلك، ويضربها على ما حده أهل العلم من آمادها، وهو الظاهر من أقوال العلماء، وسير من شاهدته من الحكام، أم يقف بذلك على رغبة الطالب، في حد أجله، وتطويل أمد
стр. 793
منفعته، ولهذا وجه في الظاهر، إن شاء الله تعالى؟
[أ]
الجواب عليها. تصفحت سؤالك هذا، ووفقت عليه.
وإذا حكم القاضي للرجل بما يوجب عليه الضمان، فيلزمه أن يعلم خصمه بوجوبه له، إذا كان ممن يمكن أن يجهل ذلك، لئلا يظن أنه إنما حكم عليه دون ضَامِنٍ، فإن تركه وإلا قضى له به، وذلك في مثل الرجل يحل له الدين على الرجل، فيسأل المطلوب أن يؤجل به، حتى يحضره، فيرى ذلك القاضي، ويحكم له به على الطالب، ومثل الرجل يسجن فيما يحل عليه من الدين، فيثبت العُدْم، ويسأل أن يطلق من السجن، والطالب يكذب بيبنته، التي شهدت له بالعدم، فيحكم القاضي بإطلاقه من السجن، والأعذار إلى الطالب في بينته، وما أشبه ذلك.
وأما إذا لم يحكم بما يوجب الضمان عليه، فلا يحكم عليه بالضمان، حتى يسأل ذلك الطالب، وليس عليه أن يعلمه بوجوب ذلك له. وذلك مثل أن يدعي رجل على ر جل حقا، فينكر، فيسأل الطالب أن يؤخذ له حميل حتى يقيم بينته، على حقه، وما أشبه ذلك.
[ب]
والذي حده أهل العلم في ضرب الآجال على المطلوب في حَلِّ ما ثبت عليه للطالب إنما لهو منتهى ما يؤجل فيه، إذا لم يقنع بأقل من ذلك.
والمعلوم منه أنه إِنما يطلب ضرب الأجل له، ليوسع عليه فيه،
стр. 794
فلذلك استمر العمل على أن يضرب له ما حده العلماء من الآجال إذا سأل أن يؤجل، ليطلب منافعه، دون أن يسأل عن شيء.
[٤]- الحد الذي يوجب اليقين في الشهادة
وأما الرابعة فشهادة الكافة غير الموسومين بالعدالة، وكيف إن كان فيهم أهل ستر وصيانة، وتوسم، رما الحد الذي يقطع بشهادتهم فيه عندك؟
ورغبتي أن تشبع لي الجواب في هذا السؤال، فلم أقف فيه على شيء يشفي، على كثرة مطالعتي وفتشي، عنه وعن مثله، ولست أريد باب الشهادة في السفر، ولا ما سطره المتكلمون والأصوليون في حد نقلة متواتر الخبر.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
الجواب عليها - تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وما لم يبلغ عدد الشهود حد التواتر، من الذي يوجب العلم، فلهم حكم الشهادة على وجهها.
стр. 795
والشهود على إحدى عشرة مرتبة، منها: المعلوم بالعدالة، والمرسوم بها، والذي لا تتوسم فيه جرحة ولا عدالة.
فأما المعلوم بالعدالة فتجوز شهادته في كل شيء، إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، واثنان فما فوقهما، فيما عدا الزنا، بمنزلة سواء في ثبوت الحق بشهادتهم، إلا ما قاله بعض العلماء في الترشيد من أنه لا تعمل فيه إلا شهادة الجماعة.
وأما الشاهد الموسوم بالعدالة فلا تجوز شهادته إلا فيما يقع بين المسافرين في السفر على ما ذهب إليه ابن حبيب، والاثنان فما فوقهما. بمنزلة سواء.
وأما الذي لا تتوسم فيه جرحة ولا عدالة، فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع، وقد تكون شبهة توجب حكما. ولا أدري من أجاز شهادة الكافة منهم، كما ذكرت، في المذهب على سبيل الشهادة، وإنما تجوز إذا وقع العلم بخبرهم من جهة التواتر.
[٥]- بيع وصية بثلث أملاك، محملة بالعمرى
وأما الخامسة فهي امرأة أمتعت زوجها حياته في أملاكها، ثم أوصت في مرضها بإخراج ثلثها للمساكين، ولم تترك سوى الأملاك المذكورة.
فقام وارثها يدعي أن إمتاعها كان في مرضها، وقام الزوج ببينة، أن مرضها بإخراج ثلثها للمساكين، ولم تترك سوى الأملاك المذكورة.
فقام وارثها يدعي أن إمتاعها كان في مرضها، وقام الزوج ببينة، أن مرضها كان من الأمراض غير المخوفة كالخدر وشبهه.
ثم صالح الوارث على أن يسقط الزوج متعته، ويستوجب نصابه، من الأملاك بشيء اتفقا عليه.
стр. 796
فهل يسوغ للناظر للمساكين أن يسمح له في ثلث الأملاك، ويرخص يبع ذلك منه، ليسقط متعته، ويكون استعجال ذلك نظراً للمساكين، أو يوجب به بيع ثلث الأملاك بقيمتها على غررها، إلى قدر عمر ذلك في تماديه إلى أقصى الأعمار، واخترامه عن قريب.
بين لنا ما يوجبه الحق عندك، مأجورزا موفقا، إن شاء الله تعالى.
جوابك عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وأمدك بمعونته - سؤالك هذا ووقفت عليه.
وإن أراد الوصي الناظر في تنفيذ الثلث على المساكين أن يصالح الزوج من ماله عن الثلث من الأملاك، على أن يسقط دعواه بالإمتاع فيها، كما فعل الوارث معه في حظه، ليصح له بيع الثلث وتعجيل تنفيذه للمساكين؛ كان ذلك جائزا على مذهب ابن القاسم.
ولا يجوز له أن يصالحه على ذلك من الثلث الموصى به للمساكين.
وإن لم يصالح على ذلك، وصح له الإمتاع، جاز له أن يبيع المرجع من الثلث من الزوج على مذهب ابن القاسم، ولا يجوز له أن يبيعه من الوارث، ولا من غيره، لأن ذلك من الغرر لمنبهي عنه في البيوع، وإن لم يرد الزوج شراءه، لم يكن بد من تأخير الأمر إلى موته.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٦] كراء الدابة واشتراط قبض الثمن بموقع انتهاء السفر
وأما السادسة فهي المكتري للدواب على النقد، في البلد الذي إليه منتهى السفر، وهو معلوم، والكراء بالعين، هل يدخله شيء؟ وهل
стр. 797
الكراء خلاف البيع للعرف، باستعجال الخروج في الكراء، وإيجاب الحكم في ذلك؟
جوابها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
واكتراء الدواب على أن ينقذ كراءها في البلد الذي اكتريت إليه جائز، ولا غرر في ذلك، لأن الركوب حال، كما ذكرت، وسواء أكان الركوب معينا أو مضمونا.
وإنما جاز ذلك في المضمون، وإن كان يدخله الدين بالدين، للضرورة إلى ذلك، وهي خوف غدر المكاري، وقد قال مالك ﵀ في ذلك، كم كري قد هرب وترك لأصحابه لِلَّهِ وقد قيل: إنه يدخله في المعين ما يدخله في المضمون؛ لأن الركوب لا يقتضي إلا شيئاً شيئاً، إلا أنه أجيز أيضا، للضرورة، خوف غدر الأكرياء، فعلى هذا لا يجوز كراء دار بدين.
وقد وقع في كتاب محمد بن المواز ما يدل على ذلك، والمشهور أن ذلك جائز، ولو كان الكراء على هذا بسلعة بعينها، لم يجز باتفاق.
وأما بيع السلعة، على أن يقبض ثمنها ببلد آخر، وهو دنانير أو دراهم، ولا يضرب لذلك أجل، فالمشهور أن ذلك لا يجوز، إلا أن يسمى وقت الخروج إلى ذلك البلد. ويكون قدر المسير إليه معروفا،
стр. 798
ويكون ذلك كالأجل المضروب، فإذا حل، أخذ منه حقه حيثما وجده، وقيل: إن ذلك لا يجوز، ويحمل على الحلول.
[٧]- الرجوع بنفقة الحمل بعد ثبوت انفشاشه
وأما السابعة فهي امرأة ظهر بها حمل من زوج طلقها، ففرض لها، ثم انفش الحمل، وشهد بذلك، ثم ظهر، فطلبت النفقة، ثم انفشَّ وشهد النساء بأن ليس بها شيء. وهي في كل ذلك تدعي الحمل، فقام الزوج يطلب بما أخذت منه في فرض الحمل، قبل هذا، وقد مضى لأمد طلاقها أزيد من عامين.
هل للزوج ذلك على رأي من يرى له الرجوع؟ وكيف إن أقامت هي نساء أخر، يشهدن بالشك في أمرها، وأنهن يرين أمرا مشكلا، لا يدرين أهو ولد أم داء، هل يوجب بذلك إيقاف الزوج عن أخذ ما أعطى أم لا؟ وكيف إن أقامت، الآن شهودا بإثبات الحمل، هل يرجع فتأخذ، أم تتوقف، لاضطراب حالها، واختلاف بأمرها، وطول مدتها، إلى أن تلد أو يتقين انكشافه، وزواله، أو يمضي من الأمد ما يوئس منه؟ والله المستعان.
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا ثبت عند القاضي، بشهادة النساء أن الحمل قد انفشَّ كان له الرجوع بما أنفق عليه، على القول بوجوب الرجوع له بذلك. وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال؛ أحدها: أن له الرجوع بذلك،
стр. 799
والثاني: أن لا رجوع له به، والثالث: أن له الرجوع بما أنفق إن كانت نفقته بقضاء، ولا يرجع به، إن كان أنفق متطوعا. والرابع: بعكس هذه التفرقة.
ولا يلتفت إلى شهادة من شك في شهادته منهن.
ثم إن ثبت الحمل بعد ذلك عاد عليه الإنفاق، وذلك بعد الأعذار إلى الزوجة في شهادة من شهد أن الحمل قد انفش، إذا كانت مدعية للحمل، وبعد الأعذار إلى الزوج في شهادة من شهد بالحمل، إذا لم يكن منكرا له.
وبالله التوفيق.
[٨]- هل تحبيس المبيع يفيت الرد بالعيب ؟
وأما الثامنة فهي رجل أوصى بشراء دار، توقف حبسا، لمسجد، فامتثل وصية ذلك وزاد من مال نفسه شيئاً، وحبس الدار، ثم ظهرت بها، بعد أمد، عيوب كثيرة قبيحة مفسدة لكثير من منافعها، توجب ردها، هل يفيتها هذا التحبيس، وتكون كمسألة العبد الموصى بشرائه، وعتقه، لنصهم أن الحبس مفيت، أم ما تراه؟.
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وليس تحبيس الدار على هذا الوجه الذي وصفت مما يفيت ردها بالعيب، وإنما يكون التحبيس فوتا في الدار يمنع من ردها بالعيب، إذا اشتراها الرجل لنفسه، ثم حبسها.
стр. 800
وأما هذا فلم يشترها لنفسه، وإنما اشتراها للحبس، للإيصاء إليه بذلك، فلم ينتقل الملك فيها بتحبيسه إياها، بعد الشراء، عما كانت عليه، مما اشتراها له، لأن تحبيسه إياها بعد الشراء إنما هو إعلام بأنه إنما اشتراها عما كانت عليه لما اشتراها من مال الموصي، على ما أوصى به إليه، من أن يكون حبسا؛ فلم أن يردها إذا وجد بها عيبا، وإن لم تكن ملكا له، من أجل أنه وكيل على شراء سلعة، فوجد بها عيبا، فله أن يردها وإن لم تكن ملكا له، لهذه العلة.
ولا تشبه هذه المسألة مسألة العتق، لأن للعتق حرمة تمنع من رده، وهو موارثته الأحرار، وجواز شهادته، وما أشبه ذلك مما يبيين به الحر عن العبد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٩]- هل يقسم الحبس المعقب بالسواء، أو باعتبار الحاجة ؟
وأما التاسعة فعقد تضمن تحبيس فلان على ابنيه؛ فلان وفلان، بجميع الرحا الكذا، بالسوية بينهما، والاعتدال، حبسها عليهما، وعلى أعقابهما، حبسا مؤبدا، ثم عقد الحبس على واجبه، وحوزه، ومات الأب والابنان بعده، وتركا عقبا كثيرا، وعقب أحدهما أكثر من عقب الآخر، وفي بعضهم حاجة.
فكيف ترى قسمة هذا الحبس بين هؤلاء الأعقاب، هل على
стр. 801
الحاجة، أم السوية، أم يبقى في يد كل عقب ما كان في يد أبيه؟.
وجه لنا رأيك في ذلك، نعتمد عليه إن شاء الله.
الجواب في هذا الحبس، إذا كان الأمر فيه على ما وصفت: أن يقسم على أعقاب الولدين جميعا على عددهم، وإن كان عقب الولد الواحد أكثر من عقب الآخر، بالسواء، إن استوت حاجتهم، فإن اختلفت فضل ذو الحاجة منهم على من سواه بما يؤدي إليه الاجتهاد، على قدر قلة عياله، أو كثرتهم، ولا يبقى بيد ولد كل واحد منهم ما كان بيد أبيه، من قبله.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٠]- معارضة الزوج في إمتاع الزوجة أباها بسكنى
وأما المعاشرة فهي امرأة أمتعت أباها سنين مسماة في دار، لا تملك سواها، أو هي أكثر من ثلثها، فقام وزجها برد فعلها، وقال: تفويتها للمنافع تفويت للأصل، هل له ذلك، وتكون كمسألة الوصايا، أم هي بخلافها، لاستحقاق بالورثة المال بموت الميت، والزوج إنما استحقاقه مترقب، وهي لم تفوت أصلا؟
جوابها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا كانت أمتعته الدار، السنين الكثيرة، التي تستغرق مدة
стр. 802
معترك زوجها، فتبين من فعلها أنها إنما قصدت الإضرار به، بتفويت الدار عليه، فله رد ذلك عليه إن توفيت، ولا كلام له في ذلك ما دامت حية.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١١]- حكم النحلى في وسط يجهلها
وأما الحادية عشرة فامرأة نحلت ابنتها، عند عقد الصداق، بمال، فلما أبرزته طلبها الزوج بميراث الابنة من أبيها، فقالت له: هو ما نحلتها فيه. فقال لها: النحلة عطية، وهي غير ما استحقته.
فهل تعذر المرأة بجهالتها بذلك أم لا؟ فقد كانت نزلت فلم يعذرها بعض شيوخنا، وأفتى بإلزامها المالين.
وأخذ معي فيها القاضي أبو محمد ابن منظور، وهو كان الحاكم فيها، رحم الله جميعهم، فملت إلى عذر المرأة، وأن الناس لا يعرفون اليوم معنى النحلة، إلا القليل منهم، بل إنما يفهمون منها: مالها من مال، فكأنه مال إلى ذلك، ورأيته بعد أن أحلف المرأة: أنها ما أرادت بالنحلة سوى ميراثها، ولعمري، لقد كان الزوج ابن أخته، ﵀.
فنزلت، الآن عندي، فأرادت رأيك العالي في ذلك، مأجورا.
وربما نحل بعضهم وليته بنحلة، وأشهد على ذلك، فإذا جاء عند إبرازها، كتبها صدقة، فإذا قيم عليه، قال: هذا الذي أردت.
يبن لنا ذلك معانا، إن شاء الله تعالى.
стр. 803
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وما حكم به القاضي أبو محمد، ﵀، باشارتك عليه، في هذه المسألة، صحيح عندي، وبه أقول.
فإذا قد نزلت عندك، فأنفذ ذلك من حكمك فيها، موفقا معانا، إن شاء الله، .
والسلام على الفقيه القاضي، ورحمة الله وبركاته.
[٢٤٢]- حول الحديث: " ماله أهجر؟ استفهموه ! "
وكتب إليه، ﵁، الفقيه أبو محمد ابن خالد من أهل كورة لوشة، يسأله عن معنى حديث وقع في صحيح البخاري.
ونص السؤال بعد البسملة:
الجواب، رضي الله عنك، فيما وقع في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس، في موت النبي، ﵇، من قوله فيه: " ماله أهجر؟ " ما معنى هذه اللفظة؟ فقد قيل: إنها من الهجر، وقيل: بمعنى هذى، وقيل معنى غير هذا وهو ﵇، منزه عن هذين، وفي الحديث دليل على دفع هذين التأويلين، وهو قوله: " ولا ينبغي عند نبي تنازع "، وهذا كلام صحيح.
стр. 804
فلك الفضل - أدام الله عزك - في مراجعتنا بما تراه في ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووفقت عليه، وعلى ما سألت فيه من معنى اللفظة الواقعة في حديث ابن عباس، وهي قوله فيها: " أهجر "، فهي لفظة وقعت في حديثه، على ما روى عنه سعيد بن جيبر، من أنه قال: " يوم الخميس، وما يوم الخميس لِلَّهِ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، قال: فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد بالنبي، ﵇، وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا، لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ". الحديث.
فالهجر الهذيان في المرض، يقال: هجر، وأهجر، بمعنى هذى، وقيل: هجر إذا هذى، وأهجر إذا قال الهجر، وهو الخنا. وقد قريء الحديث: " ماله أَهَجَر؟ ". " وماله أَهْجَر؟ " على اللغتين جميعا. في الهجر الذي هو الهذيان.
والصحيح في الرواية، الذي به يستقيم تأوي الحديث، على ما يصح أن يحمل عليه: " ماله أهجر؟ " بصيغة الاستفهام، والمراد به التقرير، بمعنى النفي، لأن الأَوْلى تنزيه النبي ﷺ عن هذا المعنى، وإن كان لا نقيصة فيه.
стр. 805
والمعنى عندي في ذلك، والله أعلم، وأحكم أنَّ النبي ﵇، لما اشتد به وجعه، الذي توفي منه، فقال، ائتوني بكتف أكتب لكم فيه كتابا لا تضلون بعده؛ اختلف أصحابه الحاضرون في ذلك، لما رأوه من شدة ما كان به من الوجع؛ فمنهم من رأى ذلك وأراده، وحرص عليه، ومنهم من لم يره، تخفيفا عن النبي ﵇، لشدة ما كان به من الوجع، وقال: عندنا كتاب الله حسبنا، على ما جاء في حديث ابن العباس، من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي ﷺ ، وجعه، قال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا، لا تضلون بعده، قال عمر: إن النبي، ﵇، غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله ، حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين محمد ﵇، وبين كتابه.
فيحتمل أن يكون تكلم النبي، ﷺ ، في خلال تلك المنازعة التي وقعت بينهم بكلام خفي لم يفهموه عنه، لغلبة الوجع عليه، فمنهم من لم ير أن يراجع فيه، ولا أن يستفهم عنه، إرادة التخفيف عنه، ومنهم من أراد أن يستفهم عنه، فكثر في ذلك بينهم اللغط المذكور في الحديث، وكان من جملة هذا اللغظ قول هذا القائل منهم: " ماله
стр. 806
أهجر؟ استفهموه لِلَّهِ " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر؟ استفهموه لِلَّهِ " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر، استفهموه "، فلما سمع النبي ﵇، ذلك من تنازعهم، وكثر لغطهم، كره ذلك منهم، ووقال: " دعوني، فالذي أنا فيه " يريد. والله أعلم، من مناجاة من كان يناجيه من الملائكة " خير مما تدعوني إليه "، على ما جاء في الحديث.
فهذا جواب ما سألت عنه، مشروحا مبينا.
وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.
[٢٤٣]- هبة علج لفداء أسيرين بدار الحرب:
وخوطب، ﵁، من بعض بلاد الأندلس، يسأل عن رجل، وهب غلاما نصرانيا ليفتك به رجلان مسلمان، معينا، من دار الحرب، دمرها الله.
ونص السؤال: الجواب رضي الله عنك، في رجلين أسرا بدار الحرب، خربها الله، فوهب رجل من المسلمين غلاما ليفتك به الرجلان كلاهما، فانتدب ولي أحدهما للشخوص به، وبعث ولي الثاني معه رجلا، وتحاصصا مؤونة الإنفاق عليه، حتى وصلا إلى موضع الفتش عليهما، والاستقصاء عليهما، ففحصا عنهما، واجتهدا في طلبهما، في مدة من عامين وأربعة أشهر، فوجد ولي الأسير أسيره، ولم يوجد الآخر، ولا
стр. 807
سمع به، ولا علم له مستقر، ولا تيقن له موت ولا حياة، ففك، بالعبد، الأسير الموجود، ثم قدم، فطالبه ولي الأسير الثاني بنصف العبد، الموهوب بهما.
فهل له المطالبة بنصف العبد، ويتحاصون في الإنفاق عليه؟ وإن ثبت ذلك، هل يقوم يوم الهبة، أو يوم الشخوص به، أو يوم دفعه في المفاداة؟ وهل يرجع العبد، أو نصفه إلى الواهب لعدم وجود الأسير الآخر، أم لا؟.
بين لنا ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب، أدام الله توفيقه، على ذلك بهذا الجواب، ونصه: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه.
وإذا كان الأمر على ما وصفته، فيلزم ولي الأسير، الذي فدي أسيره بجميع العبد، أن يغرم نصف قيمته يوم فدي به الأسير، فيكون موقفا، ما رجي وجود الأسير الآخر وافتكاكه به.
فإذا يئس من ذلك، وانقطع الرجاء فيه، رجع ذلك إلى الواهب، إن قال: أنه لم يهب ذلك للأسير، وإنما أراد فكه به من الرق الذي أصابه، ويستحب له أن يجعله في أسير غيره. وإن قال: إنه وهب ذلك للأسير كان ذلك موروثا عنه، إذا وجب ميراثه.
وللولي، الذي فدى بالعبد أسيره، أن يتبعه بقيمة نصف العبد، بعد يمينيه: أنه إنما فداه به على أن يتبعه بقيمته، إنْ أغرم إياها، والنفقة بينهما على ما أنفقاها.
стр. 808
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢٤٤]- هل أئمة الأشعرية مالكيون ؟
وكتب إليه، ﵁، الأمير أبو إسحق ابن أمير المسلمين، ﵀، من مدينة أشيبلية حرسها الله، سائلا عن أئمته الأشعريين هل هم مالكيون أم لا؟ وهل ابن أبي زيد ؤ، ونظراؤه، من فقهاء المغرب، أشعريون أم لا؟ وهل أبو بكر ابن الباقلاني مالكي أم لا؟.
فأجابه على ذلك بما هذا نصه:
لا تختلف مذاهب أهل السنة في أصول الديانات، وما يجب أن يعتقد من الصفات، ويتأول عليه ما جاء في القرآن، والسنن والآثار من المشكلات، فلا يخرج أئمة الأشعريين، بتكلمهم في الأصول، واختصاصهم بالمعرفة بها، عن مذاهب الفقهاء في الأحكام الشرعيات، التي تجب معرفتها فيما تعبد الله به عباده من العبادات، وإن اختلفوا في كثير منها، فتباينت في ذلك مذاهبهم، لأنها كلها، على اختلافها، مبنية على أصول الديانات، التي يختص بمعرفتها أئمة الأشعرية، ومن عنى بها بَعْدَهم.
فلا يعتقد في ابن أبي زيد، وغيره من نظرائه: أنه جاهل بها، وكفى
стр. 809
من الدليل على معرفته بها، ما ذكره في صدر رسالته مما يجب اعتقاده في الدين.
وأما أبو بكر ابن الباقلاني فهو عارف بأصول الديانات، وأصول الفقه على مذهب مالك، ﵀، وسائر المذاهب، ولا أقفُ هل ترجح عنده مذهب مالك عن سائر المذاهب أم لا؛ لأن المالكي إنما هو من ترجح عنده مذهب مالك على سائر المذاهب، لمعرفته بأصول الترجيح، أو أعتقد أنه أصح المذاهب من غير علم فمال إليه، والعالم، على الحقيقة، هو العالم بالأصول والفروع، لا من عني بحفظ الفروع، ولم يتحقق بِمَعْرِفَةِ الأصول.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[٢٤٥]- هل يمنع المبروص من عقد الأشربة والمعاجن وبيعها ؟
وكتب إليه، ﵁، من مدينة سبتة، حرسها الله، يسأل عن رجل مبروص، يصنع الأشربة، ويبيعها من الناس، هل يباح له ذلك، أو يمنع منه؟
ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل عطار، مبروص، البدن، بين البرص وهو يعقد الأشربة، ويعمل المعاجن بيده، وهو بالحال الموصوفة من البرص الموصوف.
стр. 810
فهل له أن يعمل ذلك لجماعة المسلمين؟ وهل هو ممنوع من ذلك؟ أو هل أتى فيه أو في مثله، حديث أم لا؟.
بين لنا ذلك بيانا واضحا، يأجرك الله تعالى.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - عافانا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ولا يجب أن يمنع هذا الرجل، بسبب ما ابتلاه الله به من البرص، من عمل الأشربة والمعاجن يبده، وبيعها ممن يأتيه، فيشتريها منه، لحاجته إليها؛ إذ لا تأثير لبرصه فيها، يعديه إلى سواه؛ فقد نفى النبي، ﵇، ذلك بقوله: " لا عدوى "، وإن كانت النفس قد تعاف ذلك.
والاختيار لمن عافت نفسه الاشتراء منه، ألا تشتري منه، لقول النبي، ﵇، في نحو هذا المعنى: " إنه أذى " مخافة أن يوافق ذلك قدر الله، فيظن ما فعله كان لذلك سببا.
وإن كان قد يشتري منه من يظنه صحيحا، ولا يعلم بمرضه، فلا يصح أن يمنع من معاشه، من أجل ذلك، لأن من لم يعلم بمرضه لم يتأذَّ بالشراء منه، ومن علم بمرضه، فقد رضي بالشراء منه.
ولمن اشترى منه، ولم يعلم، أن يرد ما اشترى منه، ما لم يفت، إذا علم، ولا يلزمه هو أن يعلم، ببرصه، لمن يريد أن يشتري منه، فيوهمه
следующие страницы →