Полный текст (1 216 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وأما إن منع الإمام من ذبح أضحيته مانع من عذر غالب، فيلزم الناس انتظاره إلى زوال الشمس، وهو آخر الوقت لصلاة العيد، فإن أمكنه الذبح إلى ذلك، وإلا ذبحوا هم وأَجْزَأَتْهُمْ ضَحَايَاهُمْ.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الذبح مرتبط بصلاة الإمام، لا بذبحه، بدليل ما روى عن البراء بن عازب، قيل: " خرج علينا رسول الله ﷺ ، يوم أضحى إلى البقيع، فبدأ فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: إن أول سنتنا، في يومنا هذا، أن نبدأ بصلاة، ثم نرجع، فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء، فقام خالي، فقال: يا رسول الله، إني ذبحت، وعندي جذعة، خير من مسنة؟ فقال: اذبحها، ولا تجزيء، أو لا توف، عن أحد بعدك.
وما روى عن جندب قال: " شهدت النبي ﷺ ، يوم النحر، فمر بِقَوْمٍ قد ذبحوا قبل أن يصلي، فقال: " من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد، فإذا صلينا فمن شاء ذبح، ومن شاء فلا يذبح ".
وما روي عن أنس بن مالك " أن رسول الله ﷺ ، صَلَّى ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحه ".
وهذا لا حجة فيه على مالك، ﵀، إذ ليس في أمر النبي ﷺ ، بالإعادة لمن ضحى قبل الصلاة ما يدل على إجازة ضحية من ذبح بعد الصلاة، قبل ذبح الإمام، بل قد جاء
стр. 877
عنه أنه أمر في ذلك على ما ذكرناه من رواية أبي بردة بن نيار.
واستدلوا لمذهبهم، أيضا، بِحُجَجٍ من طريق النظر لا يصح عند إعمال النظر الصحيح.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٢]- لا يجوز التحجير على المشتري فيما اشتراه .
وكتب إليه، ﵁، من مدينة شلطيش، حرسها الله، بنسخة عقد انعقد بين رجلين في بيع فاسد، وتحته سؤال يسأل فيه عما انعقد في العقد، وأحدهما قد ذهب إلى نقض الصفقة، وأخذ الأجرة في عمله.
وهذا نص العقد:
عقد بإبطال مغارسة فاسدة، وتحويلها إلى بيع يُؤَدَّى الثمن فيه خدمة.
" أشهد محمد بن خلف، وعلي بن محمد على أنفسهما شهداء هذا الكتاب، في صحتهما، وجواز أمرهما، أنهما وقفا عندما أوجبه الحق، من نقض صفقة المغارسة، التي كانت وقعت بينهما فاسدة، في الجنان الذي بقرية كذا، من إقليم كذا، لعمل كذا، حده كذا، ففسخاها لفسادها، فعادت الجنة المذكورة بأجمعها لربها، محمد المذكور، وانقطعت علقة علي بن محمد عنها، وبريء كل واحد منهما من صاحبه، وتساقطا التباعة في جميع معاني المغارسة.
стр. 878
ثم إن زعم الثواب سأل من محمد المذكور أن يتخلى لعلي بن محمد على نصف الجنان المحدود المذكور، بقيمة يوجبها على المذكور على نفسه، وفي ماله لمحمد المذكور، على وجه البيع لنصف الجنان المذكور مشاعا وذلك ستة مثاقيل من الذهب العبادية الضرب تترتب عليه حالة في ذمته، يتولى له فيها خدمة النصف المشاع الباقي على ملك محمد المذكور، مدة من سبعة أعوام أولبها تاريخ هذا الكتاب، يصل ذلك بخدمة منابع هذا، المبيع منه، مشاعا غير مقسوم.
ويحرث الجميع أربع حرثات، يقصد بها أوقات طيب الحرث، ويتحراها، ويتعاهد الجميع، ويحرسه من السوائب، ويذكر الكل، للمدة المذكورة، كلما انقضى عام انقضى بخدمته، فإذا اطلع عام غيره تولى الخدمة متصلا حسبما فسر فيه، حتى تنفذ الأعوام المذكورة أو تفرغ ذمة على من الذهب، إذ كان محمد قد رأى أن يتأدى الثمن على ما ذكر، وفيما فسر.
وصارت الجنة المذكورة بينهما على السواء والتناصف بجميع منافعها، وأشجارها، والتزم علي بن محمد، على الطوع منه، وعن غير شرط: أنه متى طلب المقاسمة في هذه الجنة، وإبراز نصيبه، في المدة المذكورة فنصيبه منها صدقة على المساكين لا حق له معهم، فيه غير ذلك.
وعرف قدر ذلك ومبلغه، كما عرفا، معا، قدر الاتِّفاق المذكور من أوله إلى آخره، وصار هذا الكتاب بينهما حجزا قاطعا عن الخلاف،
стр. 879
ونسخا بهذا المذكور بهذا الاتفاق المذكور جميع ما تقدمه من الأعمال الصحيحة والفاسدة.
شهد على إشهاد فلا وفلان ".
السؤال:
تصفح، رضي الله عنك، العقد المنصوص أعلى هذا الكتاب، وتأمل، مأجورًا، قول العاقد فيه، في الفصل الأول منه: " إن المشهدين فيه تفاسخا المغارسة لفسادها، وأن الجنة عادت بأجمعها إلى ربها، وانقطعت علقة المغارس علي، عنها، وبريء كل واحد من صاحبه، وتساقطا التباعة، في جميع معاني المغارسة " المذكورة، إلى سائر ذلك من فصول العقد المذكور إلى قوله: " ونسخا بهذا الاتفاق جميع ما تقدمه من الأعمال الصحيحة والفاسدة ". فإن العامل ذهب إلى الرجوع على رب الأرض يطلب العمل من أول نزوله في الجنة المذكورة، ورب الأرض يقول له: لا رجوع لك عليَّ، فإنك قد أشهدت على نفسك بإسقاط التباعة، والعلق فيما سلف من عملك، إلى تاريخ العقد المقَيَّدِ فوق هذا وقد بريء كل واحد منا من صاحبه.
فهل ترى، وفقك الله، للعامل رجوعا على رب الأرض، فيما سلف من عمله، أم لا؟
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه، وعلى نسخة العقد الواقعة فوقه.
وما تضمنه من تخلي محمد بن خلف عن نصف الجنة لعلي بن محمد، على أن يخدم له نصيبه، المدة الموصوفة، مشاعا غير مقسوم لا يجوز، لما في ذلك من التجحير على المبتاع فيما ابتاع.
стр. 880
والواجب في هذا أن يخير البائع محمد بن خلف بين أن يسقط الشرط، ويمضي البيع، إلى أن يقسم المبتاع متى شاء، ويفعل في نصيبه ما شاء، من بيع أو غيره، أو يفسخ البيع، والقول قوله مع يمينه فيما أدعاه المبتاع عليه من قيمة عمله في الجنة، من أول نزوله فيها، يحلف في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو، ما اتفق معه الاتفاق المذكور في نصف الجنة المذكورة إلا بعد أن أوصل إلى حقه فيما عمله في المغارسة الفاسدة، التي تساقطاها لفسادها، ولم يبق له بسببها قبله حق، إذ ليس ذلك بِبَيِّن في العقد.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[٢٧٣]- هل يلزم البكر ما أسقط أبوها عن زوجها من الصداق ؟
وسئل، ﵁، عن رجل أسقط عن زوج ابنته قطيعا من الصداق قبل الدخول، ثم دخل الزوج بها، ومكثت في عصمته أعواما، ثم توفيت، وورثها ورثتها، ثم توفي وزجها بعدها، فأرادت ابنته منها القيام فيما كان أسقط جدها عن أبيها من الصداق.
وهذا نص السؤال: للفقيه الأجل الطول في المجاوبة على ما أسأله عنه، وذلك أن مريم بنت محمد بن عيسى، كان جدها عبد الرحمان بن يزيع، والد أمها، قد أسقط عن أبيها محمد بن عيسى المذكور من نقد أمها عزيزة ابنة عبد الرحمن المذكور، أربعين مثقالا عن
стр. 881
زوجها محمد بن عيسى المذكور، حين أراد الدخول بها، رفقا به، وإحسانا إليه، وأَنَّهُ دخل بها، وهي بكر، ثم توفيت عنه، وورثها، ثم توفي هو بعدها أرادت الآن ابنتها مريم القيام فيما كان أسقطه جَدُّها المذكور لأبيها المذكور، وزعمت أن ذلك لا يجوز على أمها.
فهل يجوز هذا الإسقاط المذكور على أمها أم لا، إذ لم يرد والدها قبل وقت البناء على أمها طلاقها، ولا ذكر في صداقها جدها عند الإسقاط أكثر من قوله: " رفقا به، وإحسانا إليه "، ولم يذكر أنه إنما فعل ذلك به لعسره بالمهر، ولا خوف الطلاق، ولا لوجه ينظر فيه أكثر من اللفظة المتقدمة؟
بين لنا ذلك يعظم الله أجرك.
فأجاب وفَّقَهُ الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وما وضعه الأب من صداق ابنته عن زوجها عند ابتنائه بها جائز عليها، نافذ؛ لأن أمره في ذلك محمول على النظر إليها، حتى يعلم خلاف ذلك، إذ لو زوَّجَها منه ابتداء بما بقي من صداقها بعد الوضيعة لجاز ذلك عليها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٤]- هل يدخل أولاد البنات في الحبس المعقب مرتين .
وسئل، ﵁، عن مسألة حبس.
стр. 882
ونصها: جوابك، رضي الله عنك، في حبس محبس من تَحْبِيس رجل على ابنه، ورجل على ابنته، والمال مشترك إذ كانا أخوين، وشرك المحبس منهما: على الأعقاب وأعقاب الأعقاب، ذكرانهم وإناثهم في ذلك سواء، ومن توفي عن غير عقب رجع نصيبه إلى الباقي؛ فانقرض الجميع، وبقي لهم ثلاث بنات، فتوفيت واحدة، وتَرَكَتْ أولادها من غير العقب، فهل لهم دخول من الابنتين اللتين بقيتا من العقب أم لا؟.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه.
وإذا كان أحد هذين الأخوين قد حبس على ابنه، وعلى عقبه، وعقب عقبه، وحبس الآخر منهما على ابنه وعلى عقبه، وعقب عقبه، أولاد بنات ابنه، ذكورهم وإناثهم، ويدخل في حبس الذي حبس على ابنته وعلى عقبها، وعقب عقبها، أولاد بنات ابنته، ذكورهم وإناثهم، أيضا.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٥]- هل يقسم السقي المشترك على الحصص أو باعتبار الأعلى ؟
وسئل، ﵁، عن مسألة سقي.
ونصها: قوم ابتاعوا ملكا من رب واحد، في وقت واحد والملك
стр. 883
على نهر قريب منبعه؛ ثم اقتسموا الملك على قدر أشريتهم، فصار بعض المبتاعين فوق بعض، وفي حصة كل واحد منهم تمر وأرحاء، وقد نضب بعض ماء النهر، وليس يقوت الكل.
أتراهم يقتسمون الماء على قدر حصصهم، إذ رب الكل واحد، أم يكون حكم السقي وغيره للأعلى؟.
بين لنا ذلك.
فأجاب، وفقه الله، بأن قال: الأعلى فالأعلى أحق بالتبدئة بالسقي، إذا لم تكن قسمتهم على أن يكون السقي بينهم على حصصهم.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٦]- ثمانية أسئلة من القاضي أبي الفضل ابن عياض .
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل، ابن عياض وفقه الله، ورضي عنه بثمان مسائل يسأله عنها، وهي: مما نزل بين يديه، فأشكل أمرها عليه.
ونص كل مسألة على حدة، والجواب بأثرها، وذلك في سنة ست عشرة، وخمس مائة.
[١]- دعوى العاصب بالتوليج فيما وهب الأب لابنته، وفيما أقر لها به .
فأما المسألة الأولى منها فهي رجل توفي، وترك زوجة،
стр. 884
وابنة منها، وابن عم، وكان المتوفى قد وهب لابنته، في صحته وجواز أمره، رباعا: دارين وثلاثة حوانيت، وسلط عليها حكم الاعتصار، ولم يترك من الرباع حاشا دار سكناه، وترك ما لا قدر له خارجا عن المدينة؛ وأشهد لابنته المذكورة: أن أمها تصدقت على ابنتها المذكورة بمائة مثقال واحدة، وأنه تجر فيها، فربح فيها ثلاثين مثقالا، وأنه اجتمع بيده لها من غلة الربع، الذي وهبه لها، سبعون مثقالا.
ثم توفي الرجل بعد سنين، ولم يوجد له من المال سوى دار سكناه، ومن الناض سوى نحو العشرة مثاقيل، وودج له أثاث من ثياب ظهره، وغيرها لا يبلغ به ما أقر به لابنته، وترك أيضا، ثيابا، وحليا، وماعونا نحاسا، كان وهبه لها، وسلط على ذلك كله حكم الاعتصار، ووجد جميع العقود بالهبات والإقرارات في خزانته. فقام العاصب يدفع في تِلْكَ الهبات والإقرارات بحكم التوليج للبنت بها. واحتج بأن بينه وبين الميت مهاجرة.
فهل ترى له من هذا حجة، تقدح في هذه الهبات، وتكون توليجا، أم لا؟
وكذلك تأمل إقراره على نفسه بما في يده لابنته من قبل الأم،
стр. 885
وقد قامت بينه ثلاثة: أحدهم: المشرف على الطفلة، والثاني: زعم العاصب أن بينه وبينه عداوة يثبتها، والثالث: يشهد على إقراره دون معاينة المال المذكور.
هل يجتزأ بذلك على مذهب من لم يجز إقراره بذلك، أم تشترط معاينة القبض، أو يجتزأ في هذه المقالة بالشاهد الواحد، أم لا بد من شاهدين؟.
وكذلك أشهد المتوفى على نفسه أنه اجتمع بيده من غلة هذا الربع، الذي وهبه لابنته، سبعون مثقالا. ووجد في لوْحٍ مكتوب، يقال أنه خطه، ولم يثبت: أنه اجتمع بيده من غلة هذا الربع، أيضا، ثلاث وثلاثون مثقالا سوى السبعين.
وكيف إن لم يقم على الخط إلا شاهد واحد، أتحلف معه الابنة، على رأي من رأى ذلك أم لا، إن كانت بالغة، أم رأيك على ما في كتاب ابن الجلاب في الشاهد الواحد على الخط: أنه لا ينتفع به، ولا يحلف معه؟.
وهل تحاسب الابنة بنفقته عليها، في هذه الأعوام، أم لا؟ وهل يكون إقراره بما أقر لها به، وهذه الهبات على حسب ما وقع توليجا أم لا؟ وكيف إذا لم يجتزأ في المسألتين بالشاهد الواحد، أو كانت الابنة غير بالغة، ممن لا يحلف، ما الجواب على ذلك؟ وما معنى ما وقع في الرواية في مسألة إقرار الأب، من قوله: " إذا جاء بما لا يستنكر،
стр. 886
وسبب لذلك وجها يعرف "، هل هذا السبب إقامة البينة العادلة، أم اللوث أم ما يمكن؟.
وهل يكون في مسألتنا أن يعرف للأم مال، أم إقرارها وموافقتها الأب على ما قال، أم معاينة القبض؟.
بين لنا ذلك كله، متفضلا مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت، يا سيدي - أعزك الله بطاعته، وعصمك بتوفيقه - سؤالك هذا ووقفت عليه.
وما وهبه الأب لابنته، في صحته، وجواز أمره، من الرباع: الدارين والحوانيت الثلاثة جائز، نافد، ماض؛ لأنه هو الحائِزُ لها، فلا كلام للعاصب فيه بما ادعاه من أنه توليج.
وكذلك ما وهب لها في صحته من الثياب، والحلي، وما عون النحاس، يجوز وينفذ، إذا ثبتت الهبة فيه بالشهادة على عينه.
وما أشهد به على نفسه من أنه استقر لابنته بيده عنده مما اغتل لها من الربع الذي وهبه لها نافذ لها، يحكم لها به، فيما تخلفه، إذا أشبه أن يغتل لها ذلك العدد من الربع، الذي وهبه لها، من يوم وهبه لها إلى يوم إشهاده لها بذلك.
وأما ما شهد به لابنته من أن أمها تصدقت عليها بمائة مثقال، وأنه تَجِرَ لها بها، فربح فيها ثلاثين مثقالا، فلا يجوز ذلك لها، ولا ينفذ؛ لأن الصدقة بالعين على الصغير لا تصح إلا بأن يخرجها المتصدق من ماله، ويَضَعَهَا على يد من يحُوزها له، بمعاينة الشهود لذلك؛ فإذا لم يكن إلا
стр. 887
إِقْرَارُ الأب بذلك، وتصديق الأم له فيه، اتهم الأب في أن يكون أراد أن يولِّج إليها ذلك من ماله بعد وفاته، فلا يصح ذلك إلا بمعاينة البينة على الصدقة، بدفع المال إلى الأب، ليحوزه لابنته على الأم المتصدقة به عليها. وسواء في هذا كله علمت بين العاصب والمتوفى منافرة ومباعدة، أو لم تعلم.
وأما ما وجد في اللوح مكتوبا من أنه استغل لابنته من غلة الربع الموهوب، أيضا. ثلاثة وثلاثين مثقالا، سوى السبعين مثقالا فإن ثَبَتَ أنه خط يده، وكان قد مضى من المدة من يوم أقر لها بأنه تجمع عنده مما اغتل لها سبعون مثقالا إلى يوم كتب بذلك الكتاب في اللوح، ما يشبه أن يغتل من ذلك العدد المذكور نفذ، أيضا، وإن لم يشهد على الخط بذلك إلا شَاهِد واحد، رأيت أن تحلف مع شهادته، وتستحق ذلك في ماله؛ لأن الشهادة على خط المقر كالشهادة على الإقرار سواء، على القول بإجازة الشهادة على خط المقر، وهو المشهور المعروف في المذهب.
ولا تحاسب الابنة بما أُنفق عليها مما اغتله لها مما وهبها إياه، لإشهاده لها على نفسه بذلك؛ لأنه لما أشهد به لها دَلَّ على أنه لم يرد محاسبتها في ذلك بشيء من نفقته عليها، والرواية بذلك مأثورة عن مالك ﵀.
وإن كانت الابنة غير بالغة، وقف ما يجب لها الحق فيه، مع
стр. 888
الشاهد، حتى تبلغ، فتحلف إن شاءت. ولا بد في ذكر السبب الذي ترتفع به التهمة عن الأب في إقراره لابنته من معرفة ذلك السبب الذي ذكره، بما تصح به المعرفة من الشهادة التامة، لقوله في الرواية: " فإن سبب لذلك سببا يعرف جاز، وإن لم يسبِّب لها سببا يعرف لم يجز ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢]- هل تتكرر اليمين مع الشاهد، في نفس المال ؟
وأما الثانية، فهي رجل توفي، وترك ورثة كبارا، وابنة صغيرة، فقام عليه قوم بديون، من جملتهم الزوجة بصداقها، وثبت ذلك كله على ما يجب. (ووجب الأعداء على ما يملكه الميت، فأثبتوا له ملكا بشاهد واحد، ثبتت شهادته على ما يجب)، وأحلف أصحاب الدين معه، وفي جملتهم المرأة وقبضوا ديونهم، وحكم للزوجة بحقها من الميراث في الملك المذكور، وأخر قسم الميراث، رجاء ثبات شهادة أهرى، بسبب الصغيرة.
فماتت الصبية قبل ثباتها، فقامت الأم تطلب مورثها، وتقول: قد حلفت مع الشاهد على إثبات الملك، وحققت شهادته، ووجب لي بذلك ديني، وميراثي من زوجي، وأنا الآن آخذ بذلك ميراثي، من نصيب ابنتي، إذ هو ملك واحد، قد حلفت معه، وحققت شهادته، وجميع مطلبي فيه.
стр. 889
فهل تجزئها اليمين الأولى، أو تحلف الآن، يمينا ثانية، على ملك الزوج، أيضا، مع ذلك الشاهد، وحينئذ تستحق ميراثها من الابنة؟.
ما تراه في ذلك وكأنه يظهر لي أن في هذا الأصل في المذهب قولين من مسألة الغرماء، إذا قام لهم شاهد بدين لغريمهم المفلس أو الميت، فحلفوا ونكل بعضهم هل، لمن حلف، حصته فقط، أم يرجع في حصة من لم يحلف، على ما في كتاب ابن حبيب وغيره.
ويَقْوى عندي: أنه لا بد من اليمين، إذ اليمين مع الشاهد ليست لثبات حق، وإنما هي إيجاب حكم بالمال المحلوف عليه.
ومن هذا الباب، والله أعلم، وراثة المولى بشهادة السماع في الولاء عند من رأى ذلك، وأشباه هذا.
فرغبتي جوابه عن هذا كله، وهل فيه نص أم لا؟. وقد رأيت لبعض المتأخرين إيجاب اليمين فيها.
جوابه عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ويمين المرأة أن ما شهد به الشاهد حَقٌّ لتستحق بذلك حظها مما أحقته لزوجها يمينها مع الشاهد تجزئها فيما تصير إليها في ذلك الميراث عن ابنتها؛ لأنها قد حلفت على ذلك، إذ قد حلفت على
стр. 890
الجميع، حين لم يصح لها أن تبعض شهادة الشاهد، فتحلف على أنه شهد بحق، في مقدار حصتها، فتكون قد أكذبته في شهادته.
وهذا مما لا يسع عندي فيه اختلاف بوجه من الوجوه؛ لأنها، وإن كانت لم تستحق بيمينها، أولا، إلا قدر حظها، فقد حلفت على الجميع، فإذا رجع الحق إليها مِمَّا لم تستحقه بيمينها مما حلفت عليه، اكتفت باليمين الأولى.
هذا الذي يأتي على منهاج قول مالك، ﵀، وجميع أصحابه، من ذلك قوله، في المرتهن، يدعي في رهن قيمته عشرة دنانير: أنه ارتهنه بخمسة عشر دينارا ويقول الراهن: ما رهنت إياه بخمسة دنانير، أن يحلف: لقد أرتهنته منه بخمسة عشر دينارا، فيستحق، بيمينه، عشرة دنانير من الخمسة عشر دينارا التي حلف عليها، ولا يستحق بها جميعها؛ لأنه من الخمسة منها مدع على الراهن؛ القول فيها قوله، فإن نكل الراهن عن اليمين أخذها بيمينه الأولى، ولم يجب عليه أن يحلف ثانية، ليستحق الخمسة الباقية، إذ قد خلف عليها أولا، فكما يأخذ المرتهن الخمسة بيمينه الأولى، إذا رجع إليه الحق فيها بنكول الراهن، فكذلك تأخذ المرأة ما وجب لها بالميراث عن ابنتها من الدين بيمينها الأولى، إذ قد حلفت على الجميع.
وكذلك المتبايعان يختلفان في ثمن السلعة، فيقول البائع: بعتها بمائة، ويقول المشتري: اشتريتها بثمانين، يحلف البائع: لقد باعها بمائة، ولا يستحق بيمينه المائة، لأنه في العشرين منها مدع على المبتاع، يحلف المبتاع، ويسقطها عن نفسه بيمينه، فإن نكل عن اليمين استحق البائع
стр. 891
المائة كلها يبمينه الأولى، ولم يجب عليه أن يحلف ثانية، وإن رجع الحق إليه بنكول المبتاع، ومثل هذا كثير.
ولا يوجد في شيء من المسائل أن أحدا يحلف مرتين على شيء واحد.
ولا يقوم من الاختلاف الذي ذكرت في حصة من نكل من الغرماء عن اليمين مع الشاهد هل يرجع إلى من حلف منهم أو لا يرجع إليهم، اختلاف في تكرير اليمين على الزوجة فيما ورثته من ذلك عن ابنتها؛ إذ لا يقول مَنْ يوجب لمن حلف من الغرماء حظ من نكل منهم عن اليمين، أنهم يحلفون ثانية، وحينئذ يستحقون ذلك، ولا العلة عند من قال: إنه لا يجب لهم حظ من نكل عن اليمين منهم أن أيمانهم إنما وقعت على ما يجب لهم من ذلك؛ إذ لو كانت العلة عندهم في ذلك هذا، لقالوا: إنهم يحلفون ثانية، ويستحقون أنْصِبَاءَهُمْ وذلك ما لا يصح أن يقال، وإنما قال من قال: إن الحالفين يستحقون حصص الناكلين عن اليمين؛ لأنه رأى أنهم بنكولهم عن اليمين قد رضوا بترك محاصتهم في ذلك الدين.
وقال من قال: إن حصص الناكلين لا ترجع إلى الحالفين من أجل أن الورثة لما نكلوا عن اليمين مع الشاهد صار الحق في ذلك للغرماء؛ فمن حلف منهم استحق حقه، ومن نكل عن اليمين، رجعت اليمين في حظه على الغريم الذي عليه الدين، فحلف على تكذيب الشاهد، وبطل ذلك عنه، وقد قيل: إن لمن نكل منهم حظه في الدين، بيمين من حلف أن ما شهد به الشاهد حق، وذلك نحو ما روي عن مالك ﵀، في الحبس المعقب يشهد به شاهد واحد: أنه يحلف الجل من أهل الحبس، أو الواحد منهم، على اختلاف الرواية في ذلك،
стр. 892
فيستحق الحبس لنفسه، ولجميع أهله، ولمن يأتي منهم باليمين مع الشاهد.
ويأتي على طرد قياس هذا القول في مسألتنا: أن البنت تستحق حقها، وإن نكلت عن اليمين، إذا بلغت؛ بحَلِفِ أمها مع الشاهد، إذ قد أحقت بيمينها المال للمتوفى، وهذا يدل على سقوط الاختلاف في يمين الأم مرة أخرى، لأنه يبعد أن يقال: إن الأم لا تجزئها يمينها الأولى فيما صار إليها من حظ ابنتها، مع أن من أهل العلم من يرى أنها تجزئ ابنتها.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[٣]- هل يسقط التعزير القسامة ؟.
وأما الثالثة فهي رجل ادعى عليه بقتل، وقام عليه لوث، أدى اجتهاده فيه إلى التعزير المبرح، وبعد ذلك قام للمقتول أولياء يطلبون القسامة باللوث، ولم يكن يعلم بهم.
ما تراه في ذلك؟.
الجواب عليها، تصفحت - وفقنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه.
ولا يسقط حق الأولياء في القسامة باللوث الذي يوجبها لهم ما تقدم من تعزير المدعى عليه القتل.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 893
[٤]- القصاص في إسقاط الثنايا .
وأما الرابعة فهي رجلان أتى أحدهما متعلقا بالثاني، وقد سقطت ثناياه، فادعى أنه ضربه بجحر، فسئل المطلوب، فقال: رماني، فرميته، فوقع الحجر، الذي رميته به، في الأرض، ثم ارتفع إلى فَمِهِ، ولم يزد على هذا.
ثم قال بعد ذلك، وقد استفسر: أن ذلك كله كان على وجه اللعب، وأنكر المضروب، وقال: بل تعمدني بذلك.
وكيف أن ادعى المضروب أن بعض ثناياه سقطت في جوفه لمغاصفة الضربة، وأنه يجد من ذلك ألما يخشى عقباه.
الجواب عليها: تصفحت - وفقنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه في هذا، وأقول به فيه، أن يكون للذي أسقطت ثناياه القصاص من الذي أقر بالجناية عليه، بعد يمينه في مقطع الحق: أنه رماه تعمدا، على غير وجه اللعب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 894
[٥]- هل تعزل المرأة عن الوصاية لابنتها بمجرد الزَّواج ؟
وأما الخامسة، فامرأة قدَّمَهَا القاضي وصيا على ابن لها، يتيم، ابن ستة أعوام، أو نحوها، وشرط عليها في التقديم مشاورة ابن عم الصبي في بيع الأصول خاصة، فأرادت المرأة الزواج، فادعى المشرف، أن هذا هو السبب لِتَلَفِ مال الصبي، وذهب إلى عزلها، بمجرد الزواج، وجعل يشتكي من ذلك، والمرأة صالحة الحال، وافرة المال، ظاهرة السداد، حسنة النظر لابنها.
بين لنا هل يجب عزلها بمجرد التزويج؟ وكيف إن ثبت أن المشرف مطالب لها، معاند لقولها من قبل الزواج؟.
الجواب عليها: تصفحت - أكرمك الله بطاعته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا علم أن حال المرأة وافر، على ما وصفت من صلاح حالها، ووفور مالها، وظهور سدادها، وحسن نظرها، أقرَّت على حالها، بعد أن يحصن أمر المال عندها بالإشهاد عليه.
وإن جهل حالها أشرك معها في النظر من يكون المال عنده، كما قال مالك ﵀.
ولا تعزل بالتزويج عن الإيصاء إلا أن يثبت عليها ما يوجب ذلك.
وبالله تعالى التوفيق. لا شريك له.
стр. 895
[٦]- هل تجوز شهادة المشرف والوصي لليتيم الذي تحت نظرهما ؟
وأما السادسة فالمشرف المستشار في الوصية هل تَجوز شهادته لمن يشرف عليه، إذ ليس في يده قبض مال، ولا تصرف فيه أم لا يجوز، لما في ذلك من سبب، كالوصي؟ وكيف إن أشهد الوصي بِعَزْلِ نفسه من الوصية لتصح شهادته، ومتى يصح انعزاله لذلك؟.
بينه لنا مأجورا مشكورا.
الجواب: تصفحت - أعزك الله تعالى بطاعته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وشهادة المشرف جائزة، إذ لا تهمة عليه في شهادته، وأما الوصي فلا تجوز شهادته لمن في نظره، وإن أشهد بعزل نفسه عن الوصية، إذ ليس ذلك إليه، بعد التزامه النظر.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[٧]- هل يمضي بيع وارث لنصيبه من التركة، وعليها دين ؟
وأما السابعة، فهي يميت مات، وترك ديونا ومالا يفي بها، ويفضل، فقام بعض ورثته فباع من بعض رباعها نصيبه منها لو لم يكن دين، وانعقد البيع على ذلك النصيب، المعلوم له من الربع، مثل أن يكون له النصف، فأشهد أنه باع نصيبه من الدار، وهو النصف، وذلك قبل إخراج الدين.
стр. 896
هل يجوز هذا البيع؟ وهل يجوز أن يبيع بعض الورثة لنفسه، وثَمَّ دين، أم يبيع وحده للدين؟.
بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله به. وبه التوفيق.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإن سلم له سائر الورثة بيع نصيبه من الدار، وأَدَّوْا الدين من بقية التركة، جاز ذلك على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك خلاف رواية أشهب عنه، في أن البيع لا يجوز على حال.
وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أظهر عندي، إذ قد اختلف في فساد البيع إذا طابقه النهي، على علمك، وليس هذا بمطابق للنهي حقيقة، فبه أقول.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٨]- إقرار الزوج بدين لزوجته في المرض .
وأما الثامنة فهي رجل مريض، أقر في مرضه بدين لزوجه، وهي حامل، ويعرف منه إليها ميل، وانقطاع أَيَكُونُ الحمل مقام الولد الظاهر، أم هو أضعف؟.
بينه لنا مأجورا.
الجواب عليه: إذا عرف منه انقطاع إليها وميل، فلا يجوز إقراره لها في مرضه، الذي توفي منه، بالدين، وإن لم يورث بولد.
стр. 897
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٧]- هل تنقض قسمة المسارح المشتركة بين أهل القرى ؟
وكتب إليه، ﵁، من العدوة بمسألة من القسمة، يسأل الجواب عليها.
ونصها من أولها إلى آخر حرف فيها.
الجواب رضي الله عنك، في أهل قرى أسلموا عليها، وتداولوها وراثة بين بنيهم، وبني بنيهم من بعدهم، مع مرور الأعوام، وكانت لهم بين تلك القرى مسارح لا فضل لواحد منهم على سائر أرباب تلك القرى فيها.
ثم إن من توارث تلك الأرضين من بنيهم اتفق ملوءهم، واجتمع رأْيُهُم على قسمه تلك المسارح عن تضامن جميعهم بحسب حصصهم وحضر تلك القسمة بينهم قاضي بلدهم، وأنفذها، وصار حظ كل واحد من أرباب تلك القرى معينا معلوما.
بين لنا، يرحمك الله، إن كانت تلك القسمة جائزة، نافذة، أم لا؟ وكيف إن ذهب أحد من أرباب تلك القرى إلى نقض القسمة فيها؟.
فسر لنا ذلك يعظم الله أجرك، ويجزل ثوابك برحمته.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت، رحمنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
стр. 898
وإذا كانت تلك المسارح التي اقتسموها في داخل قراهم غير خارجة عنها، ينفردون بالسرح فيها، ولا يصل أحد من غيرهم إلى السرح فيها، إلا بالدخول إليها على قراهم فالقسمة فيما بينبهم جائزة نافذة، على ما تقارروا عليه من أنها ملك لهم، ليس أحد منهم جحة في نقضها لرضاه بها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٧٨]- سبع مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض .
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، وفقه الله، بسبع مسائل، يسأل عنها، وهذا جميعها، وجوابه على كل مسألة يتلوها.
[١]- لا تثبت أولوية المرتهن على الرهن إلا بحيازته
فأما الأولى فهي: أطال الله بقاء معظمي، وسيدي الأعلى، موفقا لما يرضاه، مختوما له بحسناه، مصنوعا له ما يتمناه، نزلت بين يدي - أعزك الله - نازلت أردت استطلاع رأيك العلي فيها.
وهو أن مديانا فلس بين يدي، فقام بعض غرمائه بعقد تضمن رهنه لدار سكناه، عند الغريم المذكور، في دينه، قبل تفليسه، فشهد عندي من أثبت به العقد. بتحويز المديان الراهن للغريم المرتهن الدار المذكورة، ومشاهدتهم إياه خالية من السكان، والأثاث وغلق الراهن
стр. 899
للدار المرتهنة، ودفعه مفتاحها للغريم المرتهن بحضرتهم.
فقام سائر الغرماء يزعمون أن المديان لم يزل عنها ولا فارقها، وأنه الآن ساكن بها، وأن ذلك كله تحبل لإبطال حقهم، وشهد لهم جماعة الجيران، وفيهم من يُقْبَلُ: بأن المديان المذكور لم يفارق الدار المذكورة، في تلك المدة، إلى حين تفليسه، والقيام عليه، ودخول من وجهته لكشف الأمر، فوجدوا الدار مشغولة بأهله ومتاعه.
فوفقت المرتهن على ذلك، فقال: لا علم لي بشيء من هذا، بل حزت رهني بحضرة بينتي، وأخذت مفتاح رهني، وأكريت الدار من مكتر، ليحلها من أول المهل، منذ أيام، وأثبت عندي كراءه المذكور؛ قال: وإن كان المديان رجع إليها، فقد افتات علي، ولم أعلم به.
وجهالته، وفقك ؤالله، بذلك تبعده من طريق الظن، وصورة الحال، والأمر مستراب لاستغراق المذكور في الديون منذ مدة.
وقام الغرماء بشهادة قوم من الجيران، لم تثبت عندي شهادتهم، بما يقتضي أن الغريم المرتهن عالم بكون المديان في الدار، من قوله (واجتماعهما به في الدار، ونحو هذا)، وأتوا إليَّ ببعض يمن شهد في الحوز، ممن قَبِلْتُه، فذكر أنه كان رأى في الدار، وهي خالية حينئذ، قصاريا بجلود للدباغ قليلة، وقرروا بقية الشهود: كذا شاهد تم جنبة اليبت والغرف خالية؟ فقالوا: لم نبحث على ذلك، ولكنا رأينا الدار والمجلس فارغين بحضرتنا، ودفع مفتاحها إليه.
стр. 900
فرأيك - أعزك الله - في هذه الشبهة، وصورة هذه الشهادة، هل تقدح الحوز أم لا، مع ما في الأصل من خلاف؟
بينه مأجورا مشكورا إن شاء الله تعالى.
جوابها: سيدي - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته، ولا أخلاك من توفيقه وتسديده، - تصفحت سؤالك الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وما ذكرته فيه موهن للحيازة، وقادح فيها، ومؤثر في صحتها، وقد قال الله : " فرهان مقبوضة " [البقرة: ٢٨٣]، فلا ينبغي أن ينفذ الرهن إلا بحيازة صحيحة، لا علة فيها، توهنها، لا سيما وقد قال مالك، ﵀، على علمك، في أحد أقواله: " إن رهن من أحاط الدين بماله لا يجوز "، ومراعاة الخلاف أصل من أصول مالك، ﵀.
فإذا حكمت بإبطال رهن هذه الدار، وقضيت بمحاصة جميع الغرماء، فيها، كنت أخذت بالثقة، ولم تحكم بالشك، ووافقت الحقَّ، إن شاء الله .
وبه التوفيق.
[٢]- إنكار الزوج لما يطلبه الورثة من شوار الزوجة المتوفاة
وأما الثانية فهي امرأة توفيت وتركت زوجا وورثة، فقاموا يطلبون الزوج بجهازها، الذي جهزها به أبوها، وأورده بيت بناء الزوج المذكور، فأنكر الزوج أن يكون أورد بيت بنائه فاسترعوا بينة ببعض أشياء منها، فتقيد عليه إنكارها، ثم قوله: لا أدري وصلت
стр. 901
أم لا؟ فهل إنكاره يضره ويلزمه إحضار كل ما شهد به أنه وصل بيت بنائه، أم لا يلزمه شيء من ذلك، ولا يضره إنكاره؟؛ إذ لو أقر بوصوله لم يلزمه سوى اليمين: أنه ما غاب على شيء منه، ما لم يشهد عليه بالضمان، حسبما نصه أهل العلم، وهو الذي يظهر لي؛ لأنها بينة قامت في قضية لو أقر بها لم تلزمه، فكذلك إذا أنكرها، بخلاف من أنكر حقا طلب به، ثم لما ثبت عليه ادعى البراءة منه؛ لأن ذلك ليس بنفس الثبات قبل الإنكار أو بعده، يحكم عليه بالأداء، وهذا لا يحكم عليه بالأداء، وإن ثبت عليه.
ووقع فيها بين أصحابنا نزاع، ورأيي ما ذكرته، فأردت معرفة رأيك العلي في ذلك.
الجواب عليها: تصفحت - أغرك الله بطاعته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والذي ظهر إليك هو الذي أراه، ولا يصح عندي سواه، فلا يلزم الزوج سوى اليمين: أنه ما أخذ من مالها شيئاً، في حياتها، ولا بعد وفاتها، ولا غاب على شيء من تركتها، ووجد لها سوى ما أحضره منها، لاحتمال أن تكون هي قد أتلفت ما جهزت به إليه، أو تلف من غير فعلها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣]- لا تجوز مصالحة الوكيل على الغائب إلا بتفويض
وأما الثالثة فالمصالحة على الغائب، هل أجازها أحد؟ فقد رأيت
стр. 902
لبعض من لا يعتد به من الموثقين أجازتها، إذا شهد فيها بالسداد للغائب، مثل أن يثبت عليه حق، فتلزم مثبته يمين الاستبراء، فيدعو إلى المصالحة عنها بما يشهد فيها بالسداد.
والفرق يبنه وبين المحجور، الذي يتفق على جواز الصلح عنه، بين؛ إذ المصالحة مبايعة ومعاوضة، وذلك سائغ عن المحجور دون الغائب.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ولا يجوز لوكيل الغائب المصالحة عليه، إذا لم يفوض ذلك إليه في توكيله إياه.
هذا هو المنصوص عليه في الروايات، على علمك، ومن خالف ذلك من الموثقين برأيه فقد أخطأ.
ومصالحة الوصي على المحجور عليه بخلاف ذلك، كما ذكرت.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[٤]- هل تتكرر يمين الاستبراء إذا بَعُدَ مَا بَيْن اليمين والاقتضاء ؟
وأما الرابعة فقوله: يقع في البال - أدام الله عز معظمي - نتائج، وسؤالات، ومباحث تحقيقية، إن استقصي النظر فيها، خولف ما جرى عليه رسم الفتيا والحكم، وإن تغوفل عنها، بقيت في النفس حزة منها، وقد تقدم بي سؤال، أو سؤالان، من هذا الباب.
стр. 903
ومن ذلك - أعزك الله - ما جرى به الرسم في القضاء لمن أثبت حقا على غائب، أو ميت أو محجور، وشبهه من إحلافه يمين الاستبراء المعلومة، وهي موضوعة على تقدير دعاوى المحكوم عليه لو كان حاضرا، أو تسويغ حججه، فإذا حلف حكم للقائم بما أثبته.
وقد يكون بين وقت الحكم له وبين تأتي القبض مدة طويلة من جميع مال المحكوم عليه، أو بيع عقاره، أو المخاصمة فيما ثبت له من ديون، وتقدير الدعاوى في هذه المدة ممكنة، وفرض حجج المحكوم عليه سائغة غير مستحيلة ولا ممتنعة، كحالها أولا من إسقاط الدين المذكور، أو توجيه الغائب إليه به، كما لو كان حاضرا، فقام المطلوب بحجة من تلك الحجج، فلزم المدعى عليه بها، الذي هو الطالب، اليمين عليها، فحلف، ثم كسرنا مال المطلوب، وبعنا ربعه، وطال الأمد في ذلك، فقام المطلوب حينئذ يدعي أنه قضى خصمه أثناء ذلك من وجه وجهه، أو أن الطالب وهبه، أو أخذه، أو استحال بدينه، لكانت دعوى توجب اليمين.
فإن اتبعنا القياس في المسألة الأولى لم يكن فرق، ووجب تجديد اليمين حين قبض الدين، والناس على خلافه، فما وجه هذا عندك؟.
وكيف إن كان الدين، الذي ثبت، لغائب، نجوما، فأحلف يمين الاستبراء عند قيامه لأول نجم، هل يلزمه تكرار اليمين للنجم الآخر؛ لأنه إنما حلف أولا لما اقتضاه وحاز، أم تجزئة اليمين الأولى للجميع كما قالوا، فيمن حلف مع شاهده في حق، ثم ظهر أن له في شهادة ذلك
стр. 904
الشاهد حقا آخر، مما ينفع فيه الشاهد واليمين: أن اليمين الأولى تجزئه؟.
فرغبتي تأمل هذا الفصل، وتدبر هذا السؤال، والجواب عليه بما تؤجر وتحمد عليه، إن شاء الله تعالى، والسلام.
جوابها: تصفحت يا سيدي، أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته، ونفعك باجتهادك وتهممك، وبحثك عن حقائق الأشياء بحسن تدبرك، وأداك الإمتاع بك، وأنام أعين الحوادث عنك، برحمته.
وما ذكرته - أعزك الله - من أن يمين الحكم فيمن أثبت دينا على غائب وشبهه، إذا كان موضوعها استيفاء الحق للغائب فيما عسى أن يدعيه، فيلزم على قياس ذلك إذا استحلف، ثم تأخر القضاء: أن تعاد عليه، إذ لو كان حاضرا، فادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك، أو وهبه، لكان له أن يستحلفه، والناس على خلاف ذلك.
فالجواب عليه: أن ما الناس عليه من أن اليمين لا تعاد هو الصواب، إذ لو أعيدت اليمين عليه ثانية عند القضاء، لذلك الاحتمال الذي ذكرت، من أن يكون حقه قد وصل إليه في خلال تلك المدة، لوجب أن تعاد عليه كلما حلف، وجاء ليقبض يحقه، لاحتمال أن يكون قد وصل إليه حقه مع من بعث إليه به معه في طريقه من المسجد الجامع إلى دار القاضي، إلى ما لا نهاية له، وذلك ما لا خفاء في بطلانه.
واليمين الأولى التي استحلف بها، لا نص على وجوبها، لعدم الدعوى
стр. 905
عليه بما يوجبها، إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للغائب، وحياطة عليه، وحفظا على ماله، للشك في بقاء الدين عليه، أو سقوطه عنه فإذا حلف مرة، وتأخر القضاء، لم يصح أن يحلف ثانية، بالتوهم المحتمل.
ولا يشبه ذلك، إذا كان صاحبه حاضرا، فادعى عليه أنه قد قضاه بعد ذلك، أو وهبه إياه؛ لأن اليمين عليه واجبة في هذا الموضع بنص قول النبي ﷺ : " البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر ".
ولو تأخر القضاء بعد يمينه، إلى أن جاء الغائب، فأقام معه مدة، ثم غاب، لوجب ألا يقضي حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك ها هنا حاصل، كما كان أول مرة، وكذلك الدين المنجم لا يجب عليه فيه أن يحلف عن كل نجم إلا أن يقدم الغائب في خلالها، أو تبعد النجوم، بحيث يمكن أن يكون بعد أن قبض النجم الأول قد مضى، فاقتضى النجم الثاني، أو وكل من اقتضاه.
وأما إذا حلف مع شاهده في حق، ثم طرأ له في شهادته حق آخر، فليس عليه أن يحلف ثانية، كما ذكرت، ولا اختلاف في هذا، وقد تقدم جوابي إليك في مثله.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٥]- إقرار المفلس بدين وعليه ديون أخرى ثابتة بالبينة
وأما الخامسة فهي قوله: وجوابه، وفقه الله، في مسألة المديان الأول، وبعض الغرماء لهم دين ثابت، وأكثرهم أقر له به، حين قاموا
стр. 906
عليه في المجلس، وأخذ به يذكر كل ما عليه من دين، حسبما يجب في السنة، وهو قد ألقى بيده، واعترف بعجزه، وفي المسألة من الخلاف ما لعلمت، فما الذي تعتمد في الفتيا عليه من ذلك؟ وهل يتأكد إقراره لمن عرف بمعاملته، وتقاضيه، حسبما وقع في كتاب محمد وغيره، وليس بيده ما يقوم بمن له بينة منهم؟.
والجواب عليها: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
والذي أراه، وأقول به: أن ما أقر به المديان على نفسه من الديون في مجلسك، حيث رفعه الغرماء إليك، في أول أمره، قبل أن يسجن، فهو جائز لمن أقر له به، ممن لا يتهم عليه، وإن لم تعرف مداينته له، وهو فيمن عرفت مداينته له أجوز، إذ قد روي عن مالك: أن إقرار المفلس جائز لمن يعرف منه إليه تقاض في مداينته، وخُلْطَة مع يمينه، ويحاص من له بينة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٦]- ادعاء أحد الغرماء أن ما بيده من متاع المفلس هو رهن عنده
وأما السادسة فهي في فصل مِن المسألة المذكورة، وهو أنه وجد بيد بعض الغرماء متاع، زعم أنه رهن عنده للمفلس، ووافقه عليه، وليس له به بينة، ونازعه الغرماء، وقالوا: هو مال مفلسنا، فسألهم: على
стр. 907
أي وجه هو عنده؟ وقالوا: لا يلزمنا، أو قالوا: لا ندري.
هل حكم الغرماء ها هنا حكم صاحب السلعة، إذا ناكر الغريم في أنها ليست برهن وأنه مصدق له، إذا قال: لا أدري، أم الغرماء بخلافه؟ وكيف إن ادعى عليهم علم الرهن، وفيهم من لا يظن به العلم؟ وكيف إن خاصمه بعضهم في الرهن، فقالوا: حتى يجتمعوا أيحلف له، أم حتى يجتمع جميعهم، وإن حلف لواحد، هل تجزئ يمينه لغيره؟.
جوابها: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
ولا يصدق المفلس، بعد التفليس، في تصديقه للذي عنده المتاع في أنه عنده رهن، رهنه إياه قبل التفليس، ويحاص فيه جميع الغرماء، وإن قالوا: لا ندري ما يدعي من أنه رهن عنده بخلاف صاحب السلعة يقول ذلك، إلا أن يقوم على ارتهانه إياه قبل التفليس يبينة ؤ، وإن ادعى عليهم معرفة ذلك لحقتهم اليمين، ولا يجتزئ بعضهم بيمين بعض، ومن حلف منهم أخذ ما وجب له منه بِالْمحَاصَّةِ، ومن نكل منهم عن اليمين رجع حظه منه إليه بعد يمينه.
وبالله التوفيق.
[٧] دعوى الضرر بعد السكوت عنه خمسة أعوام
وأما السابعة فهي رجل له جنة، فيها عين ماء، نصب عليها رحا، وطحنت له مدة، وله صهر يجاوره في جنة أخرى، استنبط فيها عينا، بينها وبين عين الأول أزيد من خمسين ذراعا، عرضا، فضعفت عين
стр. 908
الأول، وتعطل طحنه، وتشكى من فعل صهره، وزعم أن ماءه هو الذي عنده، إلا أنه لم يخاصمه، ثم نصب هذا الآخر رَحَا على الماء الذي خرج عنده وطحنت نحو الستة أعوام والأول حاضر عالم، إلا أنه منكر غير مخاصم، ثم قام بعد ذلك يطلب المخاصمة في مائه.
فهل بناؤه ونفقته، بمحضره، حوز، يقطع دعواه، كما وقع لابن القاسم، لاسيما وهو لم يخاصم، وإنما تشكى وقد علمت ما حكى ابن سحنون عن أبيه فيمن خاصم، ثم ترك أنه لا يدفع الحوز إلا أن يقولوا: لم يزل يخاصم ويطلب، أم لا ترى في هذه المسألة من الحيازة المعلومة في غيرها؟.
بينه مأجورا.
الجواب عليها: تصفحت، وفقنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه فيما سألت عنه: أن يحلف صاحب العين الأول في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو، ما رضي بإسقاط حقه فيما أضر به صهره فيه، بانتقاص ماء عينه، باستنباط العين في جنته، ولا سكت طول هذه المدة إلا على أن يقوم بحقه متى شاء، فإن حلف على ذلك كان له أن يقوم عليه بردم العين التي استخرج في جنته، إن قال أهل المعرفة والبصر: أنه اجتَرَّ بها ماء عين صهره، وأضربه في ذلك ضررا بينا، لا يشكون فيه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 909
[٢٧٩]- أربع أسئلة من بطليوس .
وكتب إليه، ﵁، من مدينة بطليموس بسؤال احتوى على جملة أسئلة. ونصه من أوله إلى آخر حرف فيه.
[١]- الصلاة أول الوقت
الجواب - رضي الله عنك - في هذه المسألة، وهي: الصلاة في أول الوقت أفضل عند مالك أم لا؟ فإن كان ذلك مذهبه، فلِمَ لمْ يعجبه ما جاء " أن الرجل ليصلي الصلاة ولما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم؟.
[٢]- استحسان مالك لكيفية من كيفيات الوضوء
وعما وقع في أول كتاب الوضوء من المدونة، من قول مالك، وعبد العزيز: " هذا أحسن ما سمعناه في ذلك، وأعمه عندنا في مسح الرأس "، ما يريد بقوله: " في ذلك ": أجميع ما ذكره من صفة الوضوء، أم مسح الرأس وحده، كما يريد: (بأعمه)؟.
[٣]- ربط نص في المدونة حول المذي
وهل ما وقع في هذا الكتاب من قوله: " قطراً قطراً "، أذلك: في مسألة واحدة أم الأول في المذي، والثاني في الوضوء؟.
стр. 910
[٤]- حول نص المدونة: " الحائض تَقْعُدُ أيام لداتها ".
وفيما وقع في باب الحائض: " وقد روى علي بن زياد عن مالك: تقعد أيام لداتها " أهكذا الرواية فيه، أم: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك "، وتكون كرواية ابن القاسم، أم: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك. وقال علي: إنها تقيم مقدار أيام لداتها ".
والله يعظم أجرك، ويجزل ذخرك، برجمته.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليها.
[١]
والصلاة عند مالك ﵀، في أول الوقت أفضل، في جميع الصلوات إلا في مسجد الجماعات، فإن التأخير فيها شيئاً من أول الوقت أفضل ليدرك الناس الصلاة.
والدليل على صحة مذهبه ما روي أن رسول الله ﷺ ، سئل عن أفضل الأعمال، فقال: الصلاة لأول ميقاتها. وما روي عنه من أنه ﷺ قال: " الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي وسطه رحمة الله، وفي آخره عفو الله ". فكان أبو بكر الصديق، ﵁، يقول: " رضوان الله أحب إلي من عفو الله " وقد قال الله : " والسابقون السابقون أولئك المقربون " [الواقعة: ١٠] فلا يكون من بادر إلى فعل الطاعة كمن تأنى فيها، ولم يبادر إليها.
стр. 911
وقد تأول بعض المتأخرين على مالك، ﵀، من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد: أن أول الوقت وآخره في الفضل عنده سواء، وهو تأويل بعيد؛ لأن مالكا، ﵀، لم ينكر حديث يحيى بن سعيد لما فيه من الدليل على أن أول الوقت أفضل من آخره، وإنما أنكره لاقتضائه العموم في ذلك، ومن مذهبه أن تأخير الصلاة في مساجد الجماعات أفضل، ليدرك الناس الصلاة، من المبادرة بها في أول أوقاتها. وقد قيل: إنه إنَّما أنكره لأنه اقتضى عنده أن المصلي يأثم بتأخير الصلاة عن أول وقتها، وهذا لا يقول به إلا أهل البدع؛ وقد قال رسول الله ﷺ ، لما بين أول الوقت وآخره: " ما بين هذين وقت ".
وهذا التأويل على مالك إنما هو فيما عدا صلاة الصبح، وصلاة المغرب، أما صلاة الصبح فالنص الوارد عنه في ذلك أن التغليس بها أفضل، بدليل مداومة النبي ﷺ ، على ذلك؛ إذ لا يصح أن يداوم النبي ﷺ ، على التغليس بها، وهو أشق على الناس إلا لما في ذلك من زيادة الفضل، إذ لو استوى الفضل في ذلك لداوم على الأيسر على الناس، لأنه إنما بعث ميسرا، ولم يبعث معسرا، وقد قالت عائشة، ﵂، " ما خير رسول الله ﷺ ، في أمرين إلا اختار أيسرهما - ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه ".
وأما المغرب فالإجماع فيها على أن أول الوقت أفضل، إذ قد قيل: إنه ليس لها إلا وقت واحد.
стр. 912
[٢]
وأما قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة في الأثر: أحسن ما سمعناه في ذلك وأعمُّه عندنا في مسح الرأس هذا " فالأظهر في ذلك، عندي، أنهما استحسنا جميع ما تضمنه الأثر من صفة الوضوء، وتكرر الغسل فيه، وعموم مسح الرأس، مع البداية لمقدمته، والرجوع إليه.
[٣]
وأما ما وقع في المدونة من إنكار مالك لما أنكره بقوله: " قطرا قطرا "، فقد تُؤُوِّلَ أنه قال، في المكان الأول، إنكارا لقول من يقول: أن المستنكح بِالْمَذْيِ وضوء عليه، إلا أن يقطر مذيه، أو يسيل، وأنه في المكان الثاني، قاله إنكارا لقول من يقول: إن الوضوء لا يجزئ
стр. 913
حتى يقطر الماء عن الوضوء من أعضاء المتوضئ.
واستدل من ذهب إلى هذا بإدخال سحنون قول عمر بن الخطاب ﵁ في المذي عقب الأول، وبإدخاله عقب الثاني، قول مالك: " وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد ".
والأظهر عندي: أنه قاله، في الموضعين جميعا، إنكارا لمن يقول: إن الوضوء لا يجزئ حتى يقطر الماء من أعضاء المتوضئ عن الوضوء، لأنها حكاية واحدة، تكررت في الموضعين؛ وقد دل على أنه أراد ذلك، أيضا، في الموضع الأول قوله فيه: " فهل حد في هذا أنه يجزئ " ما لم يقطر أو يسيل؟ فقال: ما سمعته حد في هذا حدا، ولكنه قال: يتوضأ.
[٤]
وأما ما وقع في باب الحائض فالرواية فيه: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك: أنها تقيم قدر أيام لداتها "، وذلك سواء في أنها " تقعد فيما بينها ويبن الخمس عشرة ليلة "، وانفرد علي بن زياد بالرواية عنه: " أنها تقيم قدر أيام لداتها ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 914
[٢٨٠]- خمس مسائل من بطليوس، أيضا .
وكتب إليه، ﵁، من بطليوس، أيضا، بسؤال احتوى على أسئلة، ونص ذلك كله من أوله إلى آخره:
يا سيدي الأعظم، لك الفضل في الجواب عن هذه المسائل، حسب عادتك الكريمة، وهي:
[١]- اليمين بالطلاق والظهار معا .
ما وقع في كتاب الظهار من المدونة من قول مالك في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي علي كظهر أمي "، إنه إن تزوجها وقع عليه الطلاق والظهار معا. قال ابن القاسم: والذي قدم الظهار أبين عندي ".
من أين كان أبين عنده؛ أذلك مراعاة لقول من قال: إن الواو تقتضي الترتيب، أم لا؟ وما الفرق بين من قال لامرأته: أنت طالق البتة، وأنت علي كظهر أمي. وبين من قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، لم يلزمه الظهار في المسألة الأولى، إن تزوجها بعد زوج، وألزمه ذلك في المسألة الثانية؟ وعلل ذلك بأمر لم يبد لي وجهه، فلك الفضل في إيضاحه.
[٢]- واجب المقدم للمناكح .
وفي المقدم للمناكح إذا جاءه رجل وامرأة ليعقد النكاح بينهما، ما الأشياء التي لا بد للمقدم من تحصيلها، وحينئذ يجوز له العقد؟ وهل يثبت ذلك عنده، أو عند القاضي؟ وهل يجوز له أن يأخذ الأجرة من
стр. 915
الزوجين، أو أحدهما، على تولي العقد، أم لا؟ وإذا كتب الشرك بلفظ الطوع، والعرف في البلد أنها على الشرط، هل تكون أحكامها أحكام الشرط أم لا؟.
[٣]- شريك يشرك الغير في حصة شريكه المفقود
وفي يرجل كانت بينه وبين رجل آخر أربع مائة رأس من غنم، بنصفين ففقد أحدهما، فأشركها الباقي مع غيره، فجاء المفقود والغنم قد رجعت إلى مائتين، أو تلف جميعها، كيف الحكم في ذلك؟.
[٤]- طهارة ذرق بالطير .
وفي ذرق الخطاق أنجس هو أم طاهر؟ وما حكم ذرق الطاير، الذي عيشه الذباب على قول مالك: أنه لا يؤكل الجراد وشبهه إلا بذكاة؟.
[٥]- حول كلمة من كتاب الرجم من المدونة .
وكيف صحت اللفظة التي وقعت في كتاب الرجم: " مرعوس "، أهي بالسين غير المعجمة وتسكين الراء، أم لا؟ وهل الكلمة مصروفة؟ وهل هو اسم رجل؟.
والله يعظم أجرك، ويبقي على المسلمين نفعك، برحمته، والسلام الجزيل على الفقيه الأجل، الحافظ، أبي الوليد ورحمة الله وبركاته.
فأجاب - أمتع الله المسلمين ببقائه، وزاد في رفعته وعلائه، على
следующие страницы →