Полный текст (1 216 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وقد تأول بعض المتأخرين على مالك، ﵀، من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد: أن أول الوقت وآخره في الفضل عنده سواء، وهو تأويل بعيد؛ لأن مالكا، ﵀، لم ينكر حديث يحيى بن سعيد لما فيه من الدليل على أن أول الوقت أفضل من آخره، وإنما أنكره لاقتضائه العموم في ذلك، ومن مذهبه أن تأخير الصلاة في مساجد الجماعات أفضل، ليدرك الناس الصلاة، من المبادرة بها في أول أوقاتها. وقد قيل: إنه إنَّما أنكره لأنه اقتضى عنده أن المصلي يأثم بتأخير الصلاة عن أول وقتها، وهذا لا يقول به إلا أهل البدع؛ وقد قال رسول الله ﷺ ، لما بين أول الوقت وآخره: " ما بين هذين وقت ".
وهذا التأويل على مالك إنما هو فيما عدا صلاة الصبح، وصلاة المغرب، أما صلاة الصبح فالنص الوارد عنه في ذلك أن التغليس بها أفضل، بدليل مداومة النبي ﷺ ، على ذلك؛ إذ لا يصح أن يداوم النبي ﷺ ، على التغليس بها، وهو أشق على الناس إلا لما في ذلك من زيادة الفضل، إذ لو استوى الفضل في ذلك لداوم على الأيسر على الناس، لأنه إنما بعث ميسرا، ولم يبعث معسرا، وقد قالت عائشة، ﵂، " ما خير رسول الله ﷺ ، في أمرين إلا اختار أيسرهما - ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه ".
وأما المغرب فالإجماع فيها على أن أول الوقت أفضل، إذ قد قيل: إنه ليس لها إلا وقت واحد.
стр. 912
[٢]
وأما قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة في الأثر: أحسن ما سمعناه في ذلك وأعمُّه عندنا في مسح الرأس هذا " فالأظهر في ذلك، عندي، أنهما استحسنا جميع ما تضمنه الأثر من صفة الوضوء، وتكرر الغسل فيه، وعموم مسح الرأس، مع البداية لمقدمته، والرجوع إليه.
[٣]
وأما ما وقع في المدونة من إنكار مالك لما أنكره بقوله: " قطرا قطرا "، فقد تُؤُوِّلَ أنه قال، في المكان الأول، إنكارا لقول من يقول: أن المستنكح بِالْمَذْيِ وضوء عليه، إلا أن يقطر مذيه، أو يسيل، وأنه في المكان الثاني، قاله إنكارا لقول من يقول: إن الوضوء لا يجزئ
стр. 913
حتى يقطر الماء عن الوضوء من أعضاء المتوضئ.
واستدل من ذهب إلى هذا بإدخال سحنون قول عمر بن الخطاب ﵁ في المذي عقب الأول، وبإدخاله عقب الثاني، قول مالك: " وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد ".
والأظهر عندي: أنه قاله، في الموضعين جميعا، إنكارا لمن يقول: إن الوضوء لا يجزئ حتى يقطر الماء من أعضاء المتوضئ عن الوضوء، لأنها حكاية واحدة، تكررت في الموضعين؛ وقد دل على أنه أراد ذلك، أيضا، في الموضع الأول قوله فيه: " فهل حد في هذا أنه يجزئ " ما لم يقطر أو يسيل؟ فقال: ما سمعته حد في هذا حدا، ولكنه قال: يتوضأ.
[٤]
وأما ما وقع في باب الحائض فالرواية فيه: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك: أنها تقيم قدر أيام لداتها "، وذلك سواء في أنها " تقعد فيما بينها ويبن الخمس عشرة ليلة "، وانفرد علي بن زياد بالرواية عنه: " أنها تقيم قدر أيام لداتها ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 914
[٢٨٠]- خمس مسائل من بطليوس، أيضا .
وكتب إليه، ﵁، من بطليوس، أيضا، بسؤال احتوى على أسئلة، ونص ذلك كله من أوله إلى آخره:
يا سيدي الأعظم، لك الفضل في الجواب عن هذه المسائل، حسب عادتك الكريمة، وهي:
[١]- اليمين بالطلاق والظهار معا .
ما وقع في كتاب الظهار من المدونة من قول مالك في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي علي كظهر أمي "، إنه إن تزوجها وقع عليه الطلاق والظهار معا. قال ابن القاسم: والذي قدم الظهار أبين عندي ".
من أين كان أبين عنده؛ أذلك مراعاة لقول من قال: إن الواو تقتضي الترتيب، أم لا؟ وما الفرق بين من قال لامرأته: أنت طالق البتة، وأنت علي كظهر أمي. وبين من قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، لم يلزمه الظهار في المسألة الأولى، إن تزوجها بعد زوج، وألزمه ذلك في المسألة الثانية؟ وعلل ذلك بأمر لم يبد لي وجهه، فلك الفضل في إيضاحه.
[٢]- واجب المقدم للمناكح .
وفي المقدم للمناكح إذا جاءه رجل وامرأة ليعقد النكاح بينهما، ما الأشياء التي لا بد للمقدم من تحصيلها، وحينئذ يجوز له العقد؟ وهل يثبت ذلك عنده، أو عند القاضي؟ وهل يجوز له أن يأخذ الأجرة من
стр. 915
الزوجين، أو أحدهما، على تولي العقد، أم لا؟ وإذا كتب الشرك بلفظ الطوع، والعرف في البلد أنها على الشرط، هل تكون أحكامها أحكام الشرط أم لا؟.
[٣]- شريك يشرك الغير في حصة شريكه المفقود
وفي يرجل كانت بينه وبين رجل آخر أربع مائة رأس من غنم، بنصفين ففقد أحدهما، فأشركها الباقي مع غيره، فجاء المفقود والغنم قد رجعت إلى مائتين، أو تلف جميعها، كيف الحكم في ذلك؟.
[٤]- طهارة ذرق بالطير .
وفي ذرق الخطاق أنجس هو أم طاهر؟ وما حكم ذرق الطاير، الذي عيشه الذباب على قول مالك: أنه لا يؤكل الجراد وشبهه إلا بذكاة؟.
[٥]- حول كلمة من كتاب الرجم من المدونة .
وكيف صحت اللفظة التي وقعت في كتاب الرجم: " مرعوس "، أهي بالسين غير المعجمة وتسكين الراء، أم لا؟ وهل الكلمة مصروفة؟ وهل هو اسم رجل؟.
والله يعظم أجرك، ويبقي على المسلمين نفعك، برحمته، والسلام الجزيل على الفقيه الأجل، الحافظ، أبي الوليد ورحمة الله وبركاته.
فأجاب - أمتع الله المسلمين ببقائه، وزاد في رفعته وعلائه، على
стр. 916
ذلك كله بأن قال: تصفحت - أرشدنا الله وإياك - أسئلتك هذه، ووقفت عليها.
[١]
وإنما قال ابن القاسم، ﵀، في الذي يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي علي كظهر أمي: أنه إن تزوجها وقع عليه الطلاق والظهار معا، لأنه لم يجب عليه شيء بنفسه نُطْقِهِ بالطلاق والظهار، وإنما وجب عليه ما أوجب على نفسه منها بنفس تزوجه إياها، فوجب ألا يقدم أحدهما على صاحبه، وأن يقعا معا، لإيجابهما على نفسه جميعا معا، بشرط تزوجه.
ولو كانت له نية في تقديم الطلاق لزوم الظهار له أيبن، لما نواه من تقديمه على الطلاق، إذ لو نوى تقديم الطلاق عليه لم يلزمه ظهار.
فلهذا قال ابن القاسم: إن الذي قدم الظهار في اللفظ أبين، لأنه إذا قدمه في اللفظ كان الأظهر منه تقديمه له في النية، فإذا لم تكن له نية في تقديم أحدهما على الآخر، لزماه جميعا، قدم الطلاق في لفظه أو أخره، وهو، إذا أخره، أبين كما قال ابن القاسم حسْبَمَا بينَّاه.
والفرق بين أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي علي كظهر أمي، وبين أن يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر
стр. 917
أمي، هو أن الذي قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، يلزمه الطلاق لفظه به فتصير بائنة منه بتمام فراغه من قوله: أنت طالق ثلاثا، دون مهلة، فيصير قوله، عقب ذلك: وأنت علي كظهر أمي فيمن بانت منه فلا يلزمه، والذي قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي علي كظهر أمي، لا يلزمه شيء إلا بالتزويج، فيقعان عليه جميعا، إلا أن ينوي تقديم الطلاق على الظهار، فلا يلزمه الظهار، كما إذا قال: امرأتي طالق ثلاثا، وهي علي كظهر أمي.
والصحيح في النظر أنه يلزمه الظهار في قوله لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي؛ لأن الطلاق لا يقع بنفس تمام اللفظ بالطلاق، حتى يسكت بعده سكوتا يستقر فيه الطلاق، ولا يمكنه فيه تعليقه بصفة، ولا استثناء.
وهو الذي يأتي على ما كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، في الذي يقول لامرأته، قبل أن يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، ولا نية هل في أنها طالق ثلاثا، إذ لو كان الطلاق يقع عليه بنفس تمام اللفظ لما لزمته إلا طلقة واحدة، لأن التي لم يدخل بها تبين بواحدة، كما تبين التي دخل بها بالثلاث.
فعلى ما في كتاب الظهار لا يلزمه في هذه المسألة إلا طلقة واحدة، وعلى ما في كتاب الإيمان بالطلاق، يلزمه في مسألة كتاب الظهار، الظهار، إن تزوجها بعد زوج، وهو الأظهر، والله أعلم.
стр. 918
[٢]
والذي يلزم صاحب المناكح إذا سئل تزويج المرأة أن يعرف أنها أيم، غير ذات زوج، ولا في عدة منه، وأنه لأولى لها، أو أنها ليس لها إلا ولي غائب، وأن الزوج كفء لها، وأن الذي فرض لها صداق مثلها، إن كانت بكرا يتيمة، فإن فوض إليه القاضي، الذي قدمه، إثبات ذلك عنده، وإلا لم يصح له تزويجها، حتى يثبت ذلك كله عند القاضي، فيعلمه بذلك.
وإذا كان العرف في البلد في الشروط، أنها مشترطة في أصل العقد، فهي على ذلك محمولة، وإن كانت كتبت في كتاب الصداق على الطوع منه، لأن الكتاب يتساهلون في مثل هذا اللفظ، وهو خطأ ممن سمعه.
[٣]
وإذا أشرك الشريك في حصة شريكه المفقود من الغنم، ودفعها إلى المشترك، فهو ضامن لها.
[٤]
وذرق الطير طاهر على مذهب مالك، الذي يرى الأرواث والأبوال تبعا للحوم.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٥]
стр. 919
والذي قال في الحديث، الذي قال: " زنيت بمرعوس بدرهمين "، المعنى فيه: زنيت بِعَبْدٍ أسود قيمته درهمان، وقيل: على درهمين أخذتهما منه على الزنا.
والرواية فيه بالسين غير المعجمة، وتسكين الرَّاء.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢٨١]- نكاح التحليل: حول نص من المدونة .
وكتب إليه، ﵁، أيضًا، منها بهذه المسألة:
يتفضل الفقيه الإمام، القاضي - أدام الله اعتلاءه، وأمتع به - بأن يبين لي ما وقع في خامس نكاح المدونة، من قول بعضهم: " اتق الله، ولا تكن مسمار نار في كتاب الله "، ما معنى تشبيهه بمسمار نار؟ وما يريد بقوله: " في كتاب الله "؟ وبين لنا، يرحمك الله، هل يحتمل قوله: " في كتاب الله " أن يكون معناه: في حكم الله؟ فإن كان يحتمل ذلك فلخص لي معناه: وإن كان لا يحتمل ذلك: فبين لنا معناه، يأجرك الله تعالى، ويجز لك ذخرك، إن شاء الله تعالى.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك، بأن قال: تصفحت، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
стр. 920
والكلام الذي سألت عنه فيه تقديم وتأخير التبس من أجل ذلك معناه، وتقديره: اتق الله في كتاب الله، ولا تكن مسمار نار، يريد، في جهنم، أي: اتق الله في كتاب الله، فلا تخالف حده فيه بالتحليل، فتكون، إذا فعلت ذلك، سببا للجمع بينهما كالمسمار الذي يجمع بين الخشبتين، المتفرقتين، يريد: فتكون بذلك معهما في النار إلا أن يتجاوز الله عنك.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٨٢]- بيع المرابحة مع تغير سعر الصرف .
وكتب إليه، ﵁، في رجل من تجار الدكاكين، ابتاع سلعة بدينار ونصف دينار، فدفع الدينار صرفا: ستة عشر درهما، وفي نصف الدينار ثمانية دراهم، والصرف يومئذ كذلك، فأقامت السلعة عنده أشهرا، فزاد الصرف إلى أن بلغ عشرين درهما بدينار، فباع السلعة مرابحة، وبين أنه عقدها بدينار ونصف، وأنه نقد صرف ستة عشر درهما، فلم يكن عند المبتاع منه دينار، وأراد أن يعطيه دراهم، كما هو الصرف يوم البيع، عشرون درهما بدينار، وتراضيا على ذلك.
هل يطيب لبائع السلعة أن يأخذ منه دراهم أم لا، وهو إنما دفع في
стр. 921
صرف الدينار ستة عشر درهما؟ وهل يدخله شيء أم لا؟ وكيف أن نقد، أيضا، دينارا عينا، ونقد نصف الدينار ثمانية دراهم، كيف يعرِّف بالشراء، هل يقول بدينار ونصفه، أم يقول: بدينار وثمانية دراهم؟ وهل يطيب له، أيضا، أن يأخذ في نصف الدينار أكثر مما أعطى من أجل ازدياد الصرف؟.
بين لي، رضي الله عنك، كيف وجه العمل في ذلك، فإني قد سألت فيها جماعة من الفقهاء المفتين، فلم يذكر أحد منهم فيها نصا. فرغبتي أن تتفضل علي، وتجيب في هذه المسألة، وتشرح معانيها، إن شاء الله تعالى.
فجاوب: وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا تبين البائع على المشتري ما عقد عليه جاز أن يبيع منه، مرابحة على ما عقد عليه من الذهب، إن كان الصرف قد ارتفع، وعلى ما نقد من الدراهم إن كان الصرف قد اتضع، وأن يأخذ منه بالذهب دراهم، وبالدراهم ذهبا؛ وإن كان ذلك أكثر من الذي وزن أو أكثر من الذي عقد عليه، كان كل ذلك حلالا جائزا، لا فساد فيه ولا مكروه.
стр. 922
فالذي اشترى السلعة بدينار ونصف دينار فدفع في الدينار صرف ستة عشر درهما، وفي نصف الدينار ثمانية دراهم، والصرف يومئذ كذلك، ثم باعها، بعد ذلك، مرابحة، بدينار ونصف دينار، والصرف قد طلع إلى عشرين درهما، وبين للمبتاع أنه وزن فيها الدراهم من سوم ستة عشر درهما، فلم يكن عند المبتاع ذهب، فأخذ منه دراهم في المثقال، ونصف مثقال، من سوم عشرين درهما، على ما هو الصرف يومئذ، فذلك حلال جائز، طيب للبائع، لا يدخله شيء من المكروه.
والذي اشترى السلعة بدينار ونصف، وأعطى المثقال ذهبا، وأعطى في نصف المثقال ثمانية دراهم، وأراد أن يبيع مرابحة، فبين للمبتاع أنه اشتراها بدينار ونصف، وأنه دفع في النصف ثمانية دراهم، على ما كان عليه الصرف يومئذ؛ جاز أن يبيع مرابحة على الذهب، أو يأخذ منه في نصف المثقال صرفه في ذلك الوقت، وإن كان أكثر من الثمانية الدراهم التي وزن هو فيها.
وجائز أيضا، أن يبيع مرابحة على ما وزن، ويأخذ منه دينارا، وثمانية دراهم، رأس ماله الذي وزن، وما يتفقان عليه من ربح، وإن كانت الثمانية الدراهم التي أخذ أكثر من نصف المثقال الذي عقد عليه، إن كان الصرف يومئذ اثني عشر درهما بمثقال.
стр. 923
ولو اشترى سلعة بعشرين درهما، وأعطاه فيها مثقالا، على ما كان الصرف عليه يومئذ، فباع مرابحة على عشرين درهما، وبين أنه دفع في ذلك مثقالا؛ والصرف قد رجع إلى ستة عشر درهما، فلم يجد عنده دراهم، فأراد أن يأخذ منه مثقالا، بستة عشر درهما، وباقي العشرين درهما دراهم اتَّفَقَا عليه من الربح، كان ذلك حلالا جائزا، لا مكروه فيه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٨٣]- اشتراط القليب في كراء الأرض
وسئل، ﵁، عن مسألة من كراء الأرضين، وهذا نصها:
الجواب: رضي الله عنك، في رجل أكرى أرضه من رجل، في زمن القليب، لعام واحد؛ على أن يقلبها المكتري، في وقت القلب، ويزرعها في زمن الزراعة، فترك المكتري قلبها، وزرعها في زمن الزراعة.
هل لرب الأرض عليه جحة فيما ترك من قليبها، الذي اشترطه عليه، يجب له عليك لذلك حق، أم لا؟.
فجاوب: وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ومن اكترى أرضا في وقت القليب، على أن يزرعها في وقت
стр. 924
الزراعة، فمن حقه أن يقلبها ليجود بذلك زرعه، وإن لم يشترط ذلك على رب الأرض.
وقد يكون لرب الأرض في ذلك مصلحة منفعة؛ لأن الأرض تجود بذلك، إن أراد أن يزرعها في العام الذي بعده، ولم يرد أن يجمها بترك زراعتها، فإذا اشترط على المكتري أن يقلبها، ويثني عليها بالحرث عن زراعتها لما له في ذلك من المنفعة كان الكراء جائزا، والشرط لازما.
فإن ترك المكتري القليب باختياره، أو حال بينه وبينه مانع، وقد اشترط ذلك عليه، وجب أن ينظر إلى قيمة كراء الأرض في العام، على أن تقلب قبل الزراعة، وعلى ألا تقلب؛ فإن كان قيمة كراء الأرضين على أن تقلب أقل من قيمة كرائها على ألا تقلب، كان لرب الأرض على المكتري، زائدا على كرائه، ما بين الكراءين، وإن كانت قيمة كراء الأرض على أن تقلب أكثر من قيمة كرائها على ألا تقلب، وقد اشترط المكتري على رب الأرض أن يقلبها لزراعته فيها، فحال بينه ويبن قلبيه مانع من عذر أو نحوه، حط عنه من الكراء، الذي أكراها به، ما زاد فيه بشرط القليب، وذلك بأن ينظر إلى ما بين الكراءين في القيمة؛ فإن كان الخمس، أو السدس، أو العشر، حط عنه من الكراء، الذي أكراها به، ذلك الجزء، ما كان قل أو كثر.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 925
[٢٨٤]- التبعية بين الشِّرْب وأصول "السياقة "
وكتب إليه، ﵁، من مدينة مرسية، بنسخة عقد مباراة، وتحته سؤال، ونص ذلك:
عقد مباراة.
" بارأ فلان بن فلان الفلاني زوجه فلانة بنت فلان الفلاني، بعد بنائه بها، بطلقة واحدة، ملكت بها أمر نفسها، على أن وضعت جميع كالئها المكلأ لها عليه، في صداقها منه، الذي لم ينعقد بينهما سواه، وصرفت إليه جميع ما كان ساقه إليها من الأصول الثابتة بموضع كذا، على حسب ما كان ساقه إليها، حاشا الدار التي فوتها بالبيع، فإنها دفعت إليه فيها خمسة وعشرين مثقالا، ذهبا مرابطية، مرسية الضرب، والجواز، وقبضها منها، وأبرأها منها، فبرأت. شهد ".
السؤال:
تصفح - رضي الله عنك - العقد الواقع أعلى هذا الرسم، فإنه ثبت على نصه، فإن الزوج المذكور كان ساق إليها، في جملة ما ساق، شرْب ماء، ويذهب الآن إلى أخذه، وتأبى الزوجة من دفعه، وتزعم أنها إنما صالحته على العقار والأرضين.
فأفتنا، ﵁، القول قول من؟ وهل قول العاقد: " الأصول الثابتة " يدخل فيها شرب الماء أم لا؟ بين لنا، رضي الله عنك، وجه الحكم في هذه النازلة.
стр. 926
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ونسخة عقد المبارأة الواقعة فوق، ووقفت على ذلك كله.
وإن كان الشِّرب الذي ساقه إليها يسقي السياقة فهو داخل فيما صرفته إليه مما كان ساقه لها، وإن لم يكن لسقي السياقة إلا ليسقي به غير ذلك من مالها، فالقول قولها مع يمينها: أنها إنما صالحته على العقار دون الشرب، وإن ادعى الزوج عليها أنها صالحته على الجميع.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[٢٨٥]- الارتفاق بإرسال الماء من دار إلى عرصة مجاورة .
وكتب إليه، ﵁، يسأل عن عين نبعت في دار رجل، وكثر الماء في داره، حتى أراد إخراجه على عرصة جاره، هل له ذلك أم لا؟.
ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في عين نبعت في وسط دار قديمة فأمسك صاحب الدار الماء فيها، حتى أضرَّ بها، وضاق السكنى فيها، وبإزاء الدار المذكورة عرصة لرجل ثان، ونهر هذا الماء عليها، فذهب صاحب الدار أن يخرج الماء المذكور إليها، ويسرِّب له تحت الأرض، ويكون صلاحا بالفريقين، إذ ليس بالعرصة ما يفسد، وبإزاء العرصة ملك صاحب الدار، وفيه سرب قديم، لمجرى ماء العامة: وللدور التي تلي الدار المذكورة مجار إلا هذه، لسي يصاب
стр. 927
إليها من يدري لها مجرى على العرصة لعدم الشيوخ.
فأفتنا، رضي الله عنك، بوجه الحكم في هذه النازلة، واشرحها، فإنها مشكلة، أو في أي كتاب، أو من أي كتاب، تخرَّج، مأجورزا إن شاء الله تعالى.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت، رحمنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإن كانت العين نبعت في داره من غير أن يَسْتَنْبطها هو فيها، ويستخرجها، ولم يقدر على أن يغير ماءها في داره، بالتغوير له فيها، فمن حقه أن يرسله إلى هذه العرصة، إن كانت في الجهة التي إليها انصباب الماء، وليس له أن يحفر للماء تحتها سربا، إلا بإذن صاحب العرصة ورضاه.
وإن كان هو استخرج العين في داره، فليس له أن يرسل على عرصة جاره، ولا أن يحفر له تحتها سربا إلا بإذن صاحب العرصة ورضاه.
هذا هو الواجب فيما سألت عنه، على منهاج قول مالك وأصحابه، بدليل ما روي عن النبي ﷺ ، من قوله: " لا ضرر ولا ضرار "، ومن قوله: " كل ذي مال أحق بماله، وكل ذي ملك أحق بملكه ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 928
[٢٨٦]- أساس التراجع بين الركاب فيما طرح في البحر اضطرارًا .
وسئل، ﵁، عن أهل مركب، هال عليهم البحر، فطرحوا من أمتعتهم، وأرادوا أن يحاصوا أهل الناض في ذلك، هل يجب لهم ذلك أم لا؟
ونص السؤال من أوله إلى آخره.
الجواب رضي الله عنك، في أهل سفينة هال عليهم البحر، واضطرهم إلى أن يطرحوا ويخففوا مما فيها، ففعلوا ذلك، وخففوا من ثقلهم، وكان فيهم من عنده ذهب وورق لهم، ولسواهم بضائع عندهم، فأرادوا أن يحصلوا ذلك عليهم، مع جميع ما بقي في المركب، هل لهم ذلك أم لا؟
بين لنا الواجب في ذلك، مأجورا مشكورًا.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - عصمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقَفْت عليه.
ولا يجب فيما طرح في البحر من المراكب، عند شدة الخوف، عليه شيء، على ما عند الركاب فيه من الناض الذهب والورق؛ كان لهم، أو وديعة عندهم، أو بضاعة بأيديهم، وإنما يجب ذلك على الأمتاع؛ لأنها هي التي تثقل المراكب، ويخشى عليه الغرق من أجلها.
стр. 929
هذا هو الصحيح من الأقوال، الذي نذهب إليه ونعتقد صحته. فقد كان القياس أن يكون التراجع يبنهم في ذلك على ثقل الأمتاع، لا على قيمتها؛ إذ لا تأثير لغلائها ورخصها في الخوف على المراكب، ومن فيه، فإن كان ثقل ما طرح وقيمته في التمثيل مائة مثل ثقل ما لم يطرح، وقيمة ذلك ألف، أو عشرة آلاف، أو أقل، أو أكثر كان للذي طرح متاعه، وقيمته مائة، أن يرجع بخمسين على أهل الأمتعة، بقدر ثقل متاع كل واحد منهم من متاع صاحبه.
فإذا كان هو القياس، والقول بالتراجع بينهم على القيم خارج عن القياس، مبني على الاستحسان، بَعُدَ في وجه النظر أن يكون من ذلك على الناض شيء.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٨٧]- الشرط في البيع .
وسئل، ﵁، عن رجل باع قطيعا من أملاكه، وشرط على المبتاع من الوظيف أكثر مما ينوبه، هل له ذلك أم لا؟.
ونص السؤال: الجواب - رضي الله عنك - في رجل ابتاع نصف جميع أملاكه له على الإشاعة، وتبرأ إليه على ما يكتبه الموثقون، بعد كمال البيع وانعقاده، بعيب وظيف من هذه الوظائف المعلومة، والمعاون المشهورة، في النصف الذي اشتراه بقطيع ذكره.
стр. 930
مثال ذلك: أن يكون تكسير هذه القرية، المبيع فيها هذه الأملاك المذكورة، خمسين دينارا، تنفرض على ذلك مَعَاوِنُهُم، ويأخذ كل من في القرية حظه من المجعول عليها فكان قطيع جميع هذه الأملاك، المبيع نصفها، أربع دنانير من جملة القطيع المذكور، فتبرأ البائع في النصف الذي باعه بقطيع عشرين درهما، وقال: إنه واجب النصف المذكور.
ثم تبين بعد ذلك: أن قطيع الأملاك، المبيع نصفها، ديناران.
وكيف إن كان المبتاع قد علم أن قطيع القرية أربعة دنانير، فألزم نفسه من ذلك أكثر مما يلزم النصف الذي اشتراه، وقد انعقد الشرط على الطواعية حسبما يعقده الناس بعد كمال عقد البيع، على ذلك؟
وكيف به إن طال الزمان في ذلك اثني عشر عاما، أو نحوها؟ وهل يسقط عن المبتاع ما اشترطه على نفسه، أو يفسخ البيع؟.
أفتنا بالواجب.
فجاوب، وفقه الله، على هذا بأن قال: تصفحت، رحمنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا كان القطيع الذي ينوب القرية المبيع نصفها من الأصل الذي تنفرض عليه لوازمهم أربعة دنانير، فتبرأ البائع إلى المبتاع من ذلك بعشرين درهما، ولم يشترط عليه أن يحمل عنه من لوازم القرية ما ينوب أربعة دراهم الزائدة على نصف الأربعة الدنانير، فالبيع جائز، ولا يلزم المبتاع إلا نصف ما يلزم القرية.
стр. 931
وإن اشترط عليه أن يحمل عنه ما ينوب الأربعة الدراهم من لوازم القرية، فالبيع فاسد إن وقع ؤالبيعب على ذلك بشرط من المتبايعين.
وإن كان انعقد ذلك في التبايع على الطوع، حسبما جرت عادة كتاب العقود، وادعى أحدهما أن البيع انعقد بينهما على الشرط، وكذبه الآخر فالقول قول من ادعى الشرط منهما مع يمينه، لشاهد العرف له، ويفسخ البيع.
وإن اتفقا جميعا على أن المبتاع طاع بذلك بعد انعقاد البيع بينهما على شرط، صح البيع، ولزم المبتاع ما طاع به من ذلك إلى الأمد الذي يزعم أنه نواه، وأراده مع يمينه على ذلك؛ وإن مات سقط عنه ما طاع به من ذلك بموته.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٨٨]- هل يحتفظ بحق الصغار في التدمية إلى حين البلوغ ؟
مسألة تدمية العمد، النازلة بقرطبة، سنة ست عشرة وخمس مائة.
قال الفقيه الأجل، الحافظ، الإمام، القاضي العدل، أبو الوليد محمد بن رشد، شيخنا، ﵁.
سألني جماعة من طلبة العلم، الباحثين عن معانيه، مستفهمين لي عن وجه ما اتصل بهم من فتواي، فيمن ادعى على رجل بدم عمد، وله بنون صغار، وعصبة كبار، بأن ينتظر الصغار حتى يبلغوا، ولا يمكن
стр. 932
العصبة من القسامة، والقود؛ إذ البنون الصغار أحق بالقيام بالدم والقسامة فيه، والعفو عنه منهم، بخلاف الرواية المأثورة في ذلك عن مالك وعن غيره من أصحابه؛ إذ خفي عليهم المعنى في ذلك، وظنوا أنه لا يسوغ للمفتي العدول عن الرواية الموجودة في ذلك، وليس ذلك على ما ظنوا، بل لا يسوغ للمفتي تقليد الرواية والفتوى بها إلا بعد المعرفة بصحتها.
هذا ما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم، لقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، إذ بعثه إلى اليمن واليا ومعلما: " بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ وقال: أجتهد، رأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله ": فكان الذي أرضاه ﷺ ، فيما لم يجد في الكتاب ولا في السنة، الاجتهاد، لا الرجوع إلى قول عالم مثله قال قولا باجتهاده ورأيه، وما أرضى رسول الله، فقد أرضى الله ، وما أرضى الله فهو الحق عنده، الذي لا تحل مخالفته، ولا العدول عنه.
والرواية التي افتيت بخلافها للأصول عدل بها عن القياس للمعنى الذي أذكره استحسانا على ما سنبينه، فوجب العدول، عنها، بالنظر الصحيح، إلى ما هو أولى منها، لا سيما ما ذكر من أن المدعى عليه كان سكرانا إذ جرح المدعي، ومن أهل العلم من يقول:
стр. 933
إنه لا يقاد من السكران بمن قتل في حال سكره؛ وإن كنا لا نقول بقوله، فمراعاته واجبة، على أصل مذهب مالك، الذي نعتقد صحته، في مراعاة الخلاف.
والواجب في بيان صحة ما قلناه في هذه المسألة بأن نذكر أصلها من الكتاب والسنة، الذي يرد إليه، ويبني الحكم فيها عليه.
والأصل فيها، بإجماع العلماء، قول الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، أي: جحة، يقوم بها في أخذ حقه.
واختلف أهل العلم هل من حقه أن يعفو عن الدم على الدية، شاء القاتل، أو أبى، أم ليس ذلك له، على اختلافهم في تأويل قول الله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]: هل المعفو له ولي الدم، أو القاتل؟.
(١) فمن ذهب من أهل العلم إلى أن لولي الدم أن يعفو عن القاتل، على أن يأخذ الدية منه، شاء أو أبى، يوجب انتظار بني المقتول الصغار بالقسامة، على كل حال، إلى أن يبلغوا؛ إذ لا يصح على مذهبهم أن يمكن العصبة من القسامة والقود، فيبطل بذلك حق البنين الصغار فيما لهم من أخذ الدية من القاتل شاء أو أبى بقسامتهم إذا بلغوا، قياسا على ما أجمعوا عليه في الحقوق الواجبة في غير الدماء، من ذلك الشفعة إذا وجبت للصغار بشاهد واحد، لا اختلاف في أن الشفعة لا تصير إلى من هو أحق بها منهم بعدهم لصغرهم، وإنما هم على حقهم إذا كبروا، يحلفون ويستحقون الشفعة وكذلك سائر الحقوق.
стр. 934
ولو ادعى صبي على رجل أنه استهلك له عروضا، أو قتل له دابة، أو عبدا، وأقام على ذلك شاهدا واحدا، لكان على حقه إذا بلغ، وهذا قول أشهب، وأحد قولي ابن القاسم، ورواية مطرف، وابن الماجشون عن ذلك، ومذهب الشافعي، والأوزاعي من فقهاء الأمصار.
ودليلهم على ذلك من طريق الأثر: الحديث الصحيح، من رواية أبي هريرة، خرجه البخاري وغيره، أن النبي ﷺ ، قال: " من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إنا أن يؤدي، وإما أن يقاد "، وما روي عنه، ﷺ ، من أنه قال: " من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: أن يعقل، أو يعفو، ويأخذ الدية.
ومن طريق النظر: أن على القاتل استحياء نفسه بماله، فإذا لم يفعل ما عليه من ذلك أخذ به وإن ؤكره، وقال مالك، ﵀،: تؤخذ الدية منه وإن كره، لأنه لا يدرأ عن ماله، إذا لا انتفاع له بماله إذا قتل.
(٢) ومن ذهب إلى أنه ليس له أن يأخذ الدية من القاتل إلا برضاه، وهو قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، وقول جماعة من أصحابه، وأحد قولي ابن القاسم، فالقياس، أيضا على مذهبهم انتظار البنين الصغار حتى يبلغوا؛ إذ هم أحق بالقود، والعفو، وبمصالحة القاتل من العصبة، قياسا، أيضا على ما أجمعوا عليه في الحقوق، إلا أنهم رأوا، استحسانا، على غير قياس، ما أتت به الروايات عنهم من ألا ينتظر الصغار إلا أن يقرب بلوغهم. هذا معنى قولهم، إذ لا يجب
стр. 935
لهم الدية على القاتل على مذهبهم إلا برضاه، وإنما يجب لهم القود، وهو الذي تدعو إليه العصبة أو العفو من غير شيء.
ووجه الاستحسان منهم إيثار القود على العفو لما فيه من الزجر عن القتل، والانتهاء عنه به، اعتبارا بقول الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
والأظهر أن العفو أولى من القود، لقول الله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]، ومن مثل هذا في القرآن كثير، ألا ترى أن أهل العلم قد قالوا: إنه ينبغي للإمام أن يرغب أولياء في العفو قبل القسامة، فإن أبوا إلا القسامة والقود أمكنهم من ذلك.
فإذا كان العفو هو المستحب، والعفو في مسألتنا إنما هو للصغار إذا بلغوا، وجب أن ينتظروا حتى يبلغوا، فيعفوا إن أحبوا، ابتغاء الأجر والثواب، ولا يفوت عليهم، بتمكين العصبة من القود بالقسامة، الأجر الذي يكون من حقهم أن يكتسبوه إذا كبروا.
стр. 936
فإذا ثبت بما مهدناه وقررناه، وبيناه من أن المسألة ترجع إلى قولين، لا ثالث لهما:
أحدهما: أن الواجب انتظار الصغار حتى يكبروا، دون حق يكون للعصبة معهم في القسامة، والقود. في نظر ولا استحقاق.
والقول الثاني: أن لهم ذلك في الاستحسان دون النظر، وضعف الاستحسان بما يبناه من أن العفو أولى من القود، لم يبق إلا وجوب انتظار البنين الصغار حتى يكبروا.
فإن قال قائل: إن القتل أولى من العفو، فالحجة عليه ما تلوناه من الآيات في العفو.
فإن قال: معنى ذلك في غير الدم، قيل له: الدليل على أنها على عمومها في الدم وغيره: ما رُوِي عن أنس بن مالك، قال: " أتى رجل بقاتل وليه إلى النيب، ﷺ ، فقال له: اعف، فأبى، قال: خذ الأَرش، فأبى، قال: أتقتله، فإنك مثله إن قتلته؟ فخلى سبيله "، فهذا نص بين في أن العفو أفضل من القود لأن النبي ﷺ ، لا يندب إلا إلى الذي أفضل، وقد بين ذلك ﷺ ، بقوله: " فإنك مثله إن قتلته "، لأن المعنى في ذلك: أن أجره يذهب باستيفاء حقه منه، وترك العفو عنه، ويذهب عن القاتل الوزر بالقود منه، لأنه يكون كفارة له، على ما جاء من أن: " الحدود كفارات لأهلها "، فيستويان جميعا في أنه لا أجر لواحد منهما، ولا وزر عليه.
стр. 937
هذا الذي أقول به في تأويل هذا الحديث، وقد قيل فيه غير وجه واحد، لا يسلم من الاعتراض، ولو سلمنا أن القود أولى من العفو، فصح الاستحسان في أن لا ينتظر بلوغ البنين الصغار على أحد قولي مالك، وابن القاسم، ومن تابعهما على ذلك، لما صح في مسألتنا هذه، لما قد قيل: أن القاتل كان سكران حين جرح المدمِّي، إذ لا شك ولا امتراء في أن العفو عن السكران أولى من القود منه لا يجب عليه، وإذا كان العفو عنه أولى، بإجماع، حصل الإجماع على وجوب انتظار البنين الصغار، ولم يصح القول بخلافهم.
فهذا وجه ما ذهبت إليه في المسألة، فقد بانت صحته، واتضحت حقيقته، والحمد لله، وقد كان في دون هذا البيان كفاية إلا أن المرء قد يحب معرفة وجه الصواب، وموقع الجحة، كما قال مالك، ﵀، في موطئه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٢٨٩]- كراء رَحَى:
وسئل، ﵁، عن عقد انعقد بين قوم في كراء بيت رحى دائرة، وتحت العقد السؤال.
ونص ذلك.
عقد كراء الرحى وشروط الاستغلال.
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اكترى محمد بن عبد الرحمن بن طارق الأنصاري، وعبد الصمد بن علي الأموي، ومحمد وعلي ابنا عبد الله بن
стр. 938
حرب اللخمي، بينهم على السواء والاعتدال، من أحمد بن جزي التجيبي، ومن عبد الله بن دلول، الناظرين للقريش بقرطبة جميع الرحى الدائرة، المعروفة ببيت الساقية، بقرب الخرب، على ضفة وادي بلون، من جيان، لمدة من سبعة أعوام متصلة، أولها منتصف ذي الحجة، الأَدْنَى، إلى تاريخ هذا الكتاب، بمائة مثقال واحدة، وأربعين مثقالا من الذهب المرابطية الوازنة.
يدفع منها محمد بن عبد الرحمان، وعبد الصمد، ومحمد، وعلي، ابنا عبد الله المذكورون لأحمد وعبد الله المذكورين، أو إلى من يجب له ذلك بسبب القريش، المذكورين أرباب القرية وبيت الرحى المذكورين، انقضاء كل شهر من أول الأمد المذكور، مثقالا واحدا، وثلثي مثقال، أداء متواليا، إلى تمام العدد، وانصرام الأمد؛ وعلى أن يطلق محمد بن عبد الرحمن، وعبد الصمد، والأخوان: محمد وعلي، المذكورون في البيت المذكور، أربعة أجحار طاحنة، تكون محناة، وأجحارها ثمانية، من مقطع أربظة، غلط كل جحر شبر وثلثه، وسعته أربعة أشبار ونصف، بالشبر الوسط، وتكون دواليبها من البلوط، بأعمدة الحديد، وقطب، وحلق، وصنوج، وقنوات، ومصب البيت أربع من الألواح، ويرفعون سد الرحى المذكورة بالجحارة والسلل والأوتاد، ويخرج ماؤها في ساقية الرحى، وعلى أن يقيموا، من جوفي بيت الرحى اصطبلا للدواب، سعته مثل سعة بيت الرحى، يتصل بالبيت، طوله أربع
стр. 939
ألواح، وارتفاعه ثلاث ألواح، بالطابية، غلظ الحائط شبران، بالشبر الوسط، رأسه بالحجر والطين، وعدته بالجوز، وغطاؤه وغطاء بيت الرحى بالقراميد، ويشركون البيت المتصل ببيت الرحى المذكورة، من ناحية الغرب، بالجص.
وتواصفوا ذلك كله، صفة أقاموها مقام العيان.
فإذا انقضت المدة المذكورة، ترك محمد بن عبد الرحمان، وعبد الصمد، والأخوان: محمد، وعلي، المذكورون، الأربعة الأحجار المذكورة طاحنة، بآلاتها كلها، مستقيمة في جريتها في البيت المذكور للقريش المذكورين، أرباب القرية المذكورة.
وطاع محمد، وعبد الصمد، والأخوان: محمد، وعلي: المذكورون، بعد تمام الاكتراء المذكور، طوعا صحيحا، دون شرط: أن يطحن عبد الله وأحمد بن جزي المذكوران في الرحى المذكورة، في كل شهر من أشهر الأعوام المذكورة، فقيزين من القمح، بكيل جيان، دون أجر.
وعرفوا قدر ذلك، شهد عليهم بذلك من أشهدوه به، في صحتهم، وجواز أمورهم، في شعبان من سنة تسع وخمس مائة ".
نسخة السؤال:
يتصفح الفقيه الأجل الإمام الأفضل، وصل الله توفيقه وتسديده، العقد الواقع في أعلى بطن هذه الورقة، أهو عامل أم لا؟ وهل ترى أن الكراء جائز لازم، ولا يعلم المتكارون بماذا انعقد الكراء، بالبنيان والإنشاء، أم بالذهب المذكورة؟ وهل ترى أن وصف البنيان قائم تام، أم لا؟ وإن كان عقد الكراء صحيحا، كيف ترى أن يترك
стр. 940
العاملون هذه الرحى، أببقية الأحجار، وإن كانت الأيام قد أذهبت قوتها، بتغيير البنيان وفناء الآلات، أم يحددون ذلك كله على الوصف الأول، أم يعالجه بالرم بعض معالجة؟ أم كيف ترى ذلك، إذ لم يجعل في ذلك في العقد حد؟ أم كيف ترى وجه الحكم في ذلك؟.
بين لنا وجه العلم، وطريق الحكم في ذلك كله، معانا موفقا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب - وفقه الله، على ذلك وأدام تسديده - بأن قال:
العقد عامل، والكراء، على ما تضمنه، جائز، ولأرباب الرحى، إذ صح الكراء عليهم بما يجب من تفويضهم ذلك إلى من عقده عليهم، أخذ رحاهم إذا انقضى أمد الكراء مبنية قائمة، طاحنة، ولا حجة لهم على المكترين في بلاء البنيان، وما انتقص من الأحجار، إذا لم يقصروا في شيء من ذلك كله، على الصفة التي اشترطت عليهم وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢٩٠]- هل يدخل الأبناء مع الآباء، وبنو الأخ مع الأعمام، في الحبس المؤبد ؟
وكتب إليه، رضي الله عرنه، من أغرناطة، حرسها الله، يسأل عن مسألة حبس، وهذا نصها:
الجواب، رضي الله عنك، في رجل أوصى، في عهده الذي لم ينسخه بغيره، إلى أن توفي، بأن يحبس عنه على أمي ولده: سرية، وهناء
стр. 941
العيش، جميع أملاكه بقرى سماها في عهده المذكور سواء بينهما، ومن انقرض منهما رجع نصيبها إلى صاحبتها، فإن انقرضتا، رجع الحبس المذكور على أحمد والحسن ابني عم المحبس، سواء بينهما، ثم على أعقابهما، وأعقاب أعقابهما، ومن انقرض منهما رجع نصيبه إلى عقبه، ومن انقرض منهما من غير عقب رجع نصيبه إلى أخيه، فإن انقرضا، ولم يعقبا، أو انقرض عقبهما، رجع الحبس المذكور إلى فخذثان من بني عم المحبس، وعلى أعقابهم، وأعقاب أعقابهم، فإن انقرضوا ولم يعقبوا، رجع الحبس إلى فخذ ثالث، من بني عم المحبس، فإن انقرضوا ولم يعقبوا رجع الحبس المذكور على الفقراء والمساكين بحضرة أغرناطة وألبيرة، وشرط في حبسه المذكور أن يكون منه للذكر من أعقاب من أعقاب من ذكر مثل حظ الأنثيين.
فنفذ العهد المذكور لسرية وهناء العيش، المذكورتين، ثم توفيت هناء العيش المذكورة، وصار الحبس المذكور بجملته إلى صاحبتها سرية، ثم توفي، في حياة سرية أحمد المذكور عن غير عقب، وورثه أخوه الحسن، ثم توفي الحسن المذكور، عن بنين ذكرانا وإناثاً، ثم توفي بعض بني الحسن المذكور عن ابن ذكر، ثم توفيت بعد ذلك سرية المذكورة في حياة بعض بني الحسن المذكور، وأحفاده، بني من أدرك موت سرية المذكورة، وابن ولد الحسن الذي لم يدرك موتها، ثم مات بعض ولد الحسن المذكور عن بنين، وذكران وإناث.
هل يدخل في هذا الحبس المذكور الأبناء مع الآباء، وبنو الأخ مع الأعمام، أم لا؟ وإن دخلوا معهم كيف يقتسمونه؟ وهل تنتقض القسمة
стр. 942
بينهم بموت من مات منهم، أو ولادة أحد فيهم؟ وهل يدخل فيهم بنو بنات المحبس وبنو بنات بنيه، أم لا؟
بين لنا ذلك كله، وواجب الحق والحكم فيه، موفقا مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا ووقفت عليه.
وإذا كان الحبس على نص ما ذكرته فالواجب أن يدخل فيه الأبناء مع الآباء، وبنو الأخ مع الأعمام، ويقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، على ما شرطه المحبس، ويدخله بنو بنات الحسن، لقوله: " ثم على أعقابهما، وأعقاب بأعقابهما " لأن بنت الحسن من عقبه، فولدها من عقب عقبة. ولا يدخل فيه بنو بنات بنيه، لأن بني بنات بنيه إنما هم عقب عقب عقبه، لا عقب عقبه، وإنما هو حبس على عقب الحسن، وعلى عقب عقبه، فلا يدخل في حبسه إلا من يرجع نسبه إلى الحسن. والى ولد الحسن، ذكرًا كان ولده أو أنثى.
وإن كان الحبس مما ينقسم، فاقتسموه بينهم للسكنى، وإن كان مما يسكن، أو للازدراع إن كان مما يزدرع، قسمة متعة، انتقضت القسمة بموت من مات منهم، وبولادة ولد يولد لأحد منهم، وقد قيل: إن القسمة لا تنتقض بموت من مات منهم، إن كان نصيبه ينقسم على من بقي منهم دون ضرر.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 943
[٢٩١]- عقوبة من يسب الله .
وكتب إليه، ﵁، بعض الحكام من بعض بلاد الأندلس بنسخة عقد ثبت عنده على رجل تكلم بكلام سوء في حين خرج.
وهذا نصه:
عقد إشهاد على من سب الله .
" يشهد من يضع اسمه أسفل هذا الرسم من شهدائه أنهم يعرفون عبد الله بن محمد المغراوي والمنبوز بالكلبوس بعينه واسمه، وأنهم حضروا مجلسا يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر سنة ست عشرة، وخمس مائة، وقد تشاجر مع علي بن مالك، فسبه عبد الله المذكور، وسب أبويه، وزاد إلى ذلك أن قال لَهْ: " الفعال الذي خلقك "، وهو في نهاية من الحرج والغضب، لما وقع بينه وبين علي المذكور.
شهد بذلك كله من حضر ذلك حسب نصه، واستوعب مقال عبد الله المذكور، وتحققه وعرف عينا واسما وبحال صحة، وجواز أمر، وقيد به شهادته في التاريخ المؤرخ فوق هذا ".
وتحت نسخة العقد هذا السؤال، ونصه:
يتصفح الفقيه الأجل، الإمام الحافظ، المشاور، الأكمل، أبو الوليد بن رشد أدام الله توفيقه، العقد المسطر فوق هذا، فإن رجلا من المسلمين قام به عندي بالحسبة وأثبته عندي بشهادة من قبلت وأجزت من العدول على عين عبد الله المذكور فيه، بواجب الثبت ومقتضاه، فاستحضرت عبد الله المذكور، ووقفت عليه، وأعلمته كيف ثبت وبمن ثبت، فأنكر ذلك، وتبرأ منه، وأعذرت إليه على واجب
стр. 944
الإعذار، وصيرته مسجونا. موثقا بالحديد، وأجلته آجالا، وسَّعْتُ عليه فيها، وتلومت عليه تلوما تاما متقصيا. ثم استحضرته وسألته: هل له حجة، أو بيده شيء، ليسقط به شيئاً مما شهد عليه به من ذلك، فلم تكن له حجة في شيء غير التمادي على الإنكار، فعجزته لعجزه، وتعين سؤالك في أمره، وما يجب من الحكم عليه، لتراجع متطولا، مأجورا، موفقا بما تتقلده في ذلك، لأعمل به، إن شاء الله تعالى.
فأجاب أدام الله توفيقه، على ذلك بأن قال: تصفحت - أعزك الله بطاعته وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والواجب على هذا المشهود عليه بما شهد به عليه، مما تضمنه العقد: الأدب الموجع، إذ لم يقصد، على ما تضمنه، العقد العقد، إلى سَبِّ الله تعالى، وإنما قصد إلى سب المنازع له، فجرى على لسانه بالحرج ما لم يعتقده، والله أعلم.
ولو قصد أن سب الله تعالى، بما تضمنه العقد لوجب، عليه القتل.
والحد في الأدب له مصروف إلى اجتهادك، فيكون على قدر حاله، وما يعرف من استهتاره، أو اعتدال أحواله.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 945
[٢٩٢]- التدمية على شخص بأوصافه دون عينه
وكتب إليه، ﵁، قاضي كورة جيان، أكرمه الله، بنسخ عقود ثبتت عنده في تدمية على رجل، وتحت ذلك كله سؤال.
وهذا نص الجميع على اختصار: رجل جرح جرحا مات منه، فدمي على رجل آخر، وقال، في تدميته عليه: أن مصيبة بالجرح، الذي به، على سبيل العمد، الذي فيه القصاص، عبد الر حمن المعروف بابن عربي، من ساكني قرية كانبش السفلى من قرى جيان، وثبتت التدمية على نصها عند موت المُدَمِّي من جراحه المذكورة، ووراثته، وأن أحق الناس بالقيام بدمه أبويه وأخوه شقيقه.
وأقر المدعى عليه القتل أنه عبد الرحمن بن عربي، وأنكر القتل، وقال القاضي: أنه أعذر إليه في جميع ما ثبت فعجز عن المدفع في شيء منه، وأنه وجه من وثق به إلى القرية المذكورة، يبحث ويكشف هل بها من يسمى باسمه، وينسب بنسبه، فما وجد أخدا غيره.
فجاوب أدام الله توفيقه وحراسته، على ذلك بأن قال: تصفحت يا سيدي، أعزك الله بطاعته وأمدك بتوفيقه ومعونته، سؤالك هذا، ونسخ العقود الواقعة فوقه، الثابتة أصولها عندك على ما ذكرته، ووقفت على ذلك كله.
стр. 946
وإذا لم يكن إشهاد المدمِّي بالتدمية على عين المدمى عليه، وإنما قال، للشهود الذين أشهدهم بذلك: إن مصيبه بما فيه، والمأخوذ بدمه: عبد الرحمرن المعروف بابن عربي: من ساكني قرية فلانة، فلابد أن يثبت، عندك، على هذا المدعى عليه القتل: أنه عبد الرحمن المعروف بابن عربي، من ساكني القرية المذكورة، ببنية عدلية، تشهد بمعرفة ذلك، أو بإقراره به على نفسه. وحينئذ يتبحث: هل في سكان القرية المذكورة من يسمى بعبد الرحمن بن عربي سواه، أم لا؟.
وقد تضمن العقد المنتسخ آخرًا، المؤرخ بربيع الأول من عَامِنَا هذا، إقراره على نفسه بأنه عبد الرحمن بن عربي، وليس فيه من إقراره تصريح بأنه من سكان القرية، فإن كان قد ثبت عندك أنه من سكانها، أو أنه أقر بذلك على نفسه، إقرارا صحيحا، وقال الذي وجهته للبحث عن ذلك: أنه لم يجد من سكان القرية من يسمى بذلك الاسم، وينسب إلى ذلك النسب سواه، وجب لأبي المقتول وأخيه الاستفادة منه، إذ قد أعذر إليه في جميع ما ثبت عليه، فعجز عن المدفع في شيء، بعد القسامة عليه، بأن يقسمها خمسين يمينا يردد عليها يمينا يمينا: أنه هو الذي قتله، يقول الأب في يمينه، بمقطع الحق، قائما مستقبل القبلة، إثر صلاة العصر من يوم الجمعة، على ما مضى عليه عمل القضاة: " بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة لقد قتل هذا - ويشير إليه - ابني فلانا بالجرح الذي أصابه به، ومات منه، على سيبل العمد، بغير حق ". وكذا يقسم الأخ، إلا أنه يقول: " لقد قتل أخي فلانا "، فإذا استكملا خمسين يمينا، على هذه الصفة، أسْلِمَ برمته إليهما، فاستقادا منه بالسيف: قتلا مجهزا، على ما أحكمه الشرع من القصاص في القتل.
стр. 947
والله أسأله التوفيق لنا ولك، والسبيل إلى ما فيه الخلاص والنجاة. برحمته.
[٢٩٣]- خمس مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، أكرمه الله، في شهر رمضان المعظم، سنة ست عشرة، وخمس مائة، بخمس مسائل يسأل عنها، وقبل الأولى منها نسخة عقد، والسؤال الأول تحته.
[١]- إشهاد بمعرفة طريق عامة
وهذا نص جميعها، وجوابه على كل واحدة منها
" بسم الله الرحمان الرحيم، يشهد من يتسمى أسفل هذا العقد من الشهداء: أنهم يعرفون الزنقة الضيقة الحاجزة بين جنة فلان وفلان، بقرية كذا، من بلد كذا، ويعلمون هذه الزنقة مسلوكة من البحر إلى أعلاها، مسلوكة لعامة المسلمين، تجازُ بما تجازُ به الطرقات، وتحترم بحرمتها، وأول هذه الزنقة كذا، وآخرها كذا، إلى الطريق العظمى، وكذلك الساكنون بهذه الزنقة المذكورة تفضي بهم إلى الطريق المذكورة.
وعلى هذه الحالة عَرَفُوا الزنقة المذكورة، وعرَّفوها، وعلى هذه الصفة عدوها وعلموها.
شهد بذلك من علمه حسب نصه، وعينه بالوقوف إليه، وأوقع بذلك شهادته، في كذا ".
стр. 948
إزالة ضرر عام بإعادة فتح زنقة، أدخلها الخواص في ملكه
السؤال: يتأمل الفقيه الأجل أدام الله توفيقه، هذا العقد، وقد شهد فيه عدة من العدول بنصه، وحازوا الطريق المذكورة، وحدوها، بحضرة البينة، هل هو عامل تام، يجب الحكم به، وإخراج ما اقتطع بعض الجيران من هذه الطريق وأدخله جنته، حتى قطع المرور بها، وبقي أسفلها لا ينفذ إلى أعلاها؟ وهل يضطر في العقد أن يقال: " منذ عقلوا " حسبما نصه الموثقون، أم لا يقدح إسقاطه بالعقد إذ شهادتهم فيه تامة نصها في العقد عاقده؟ وهل تحتاج شهادتهم إلى ذكر المدة التي عرفوها، وطولها، أم لا يحتاج هنا، لأنهم أخبروا عن أول علمهم بهذه الطريق أنها بهذه السبيل، ولم يشهد غيرهم بخلافه، فصار كمن شهد لمن لا يصح الحوز عليه من صغير، أو سفيه، أو غائب، بتقدم ملكه لشيء يدعيه غيره، ويحتج بكونه في يده، فلا يحتاج هنا بأكثر من أن يقولوا: ما عَلْمها ملكا لفلان، أو في حوزه قبل أن تصير في يد هذا، فكانت الشهادة لمتقدم الملك أعمل، إلا أن يبطلها حوز، أو تنقل ملك.
وكذلك الشهادة بهذه الطريق، شهدوا أنهم يعلمونها أولا في حوز جماعة المسلمين، قبل أن يتعدى عليها مقتطعها، فلا يحتاجون إلى أكثر.
стр. 949
وطول حوزه، هو، لها باقتطاعه، بعد معرفتهم غير ضائر، إذ لا يحاز على الطرق.
والمسألة التي شرط فيها في كتبنا طول أمد المعرفة، قامت هناك للمطلوب يبنة أنها طريق محدثة، بلا حق، حسبما وقع في الرواية.
فهنا الشهادة للملك الأقدم، وهو ملك المدعى عليه، لإثبات شهود ملكه قبل إحداثها، فكانت أعمل، إلا أن يأتي من طول المدة ما يحاز عليه به الطريق ضد مسألتنا.
فجاوب بما تراه، مأجورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وأمدك بعونه - سؤالك هذا، والعقد المنتسخ فوقه، ووقفت على ذلك كله.
والعقد صحيح، لا يقدح فيه، ولا يوهنه، خلوه من معرفة الشهود لما تضمنه منذ عقلوا، إذ ليس بشرط في صحة شهادة الشاهد، فقد لا يعرف الشيء منذ عقل، ويعرفه بعد ذلك، فتصح له (به الشهادة). وهذا ما لا إشكال فيه.
وكذلك، أيضا، ذكر المدة فيه ليس بشرط في صِحَّةِ الشهادة في هذه المسألة، للمعاني التي ذكرتها، ولما سوى ذلك، فالحكم به واجب، والقضاء بصرف الطريق على ما كانت عليه، وهدم ما أحدث من البناء فيها، الذي قطع المرور عليها، لازم، فأنفذه من حكمك، وأمضه من قضائك معانا إن شاء الله، والسلام عليك.
стр. 950
[٢]- زوجة مدبرة تطالب تركة الزوج بالكالئ، وبالدين
وأما المسألة الثانية فهي رجل توفي وترك زوجته مدبرة، فقامت في كالئها، وقد ثبت لها، من يحلف يمين الاستبراء أهي أو مدبرها؟ وهل حكمها حكم السفيه في ذلك، على ما فيه لشيوخنا؟ وكيف إن كانت مأذونا لها؟ وكيف إن قام لها شاهد بدين عليه، وهي غير مأذون لها، من يحلف اليمين؟ وكيف إن كان إقراره في المرض، وورثته عصبة، هل تكون بمنزلة الصديق الملاطف؟.
تأمل هذه الفصول، مأجورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت السؤال، الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه في هذا على أصولهم: أنه إن كانت المدبرة مأذونا لها في التجارة، أو كان سيدها المدبر لها، قد أذن لها بقبض كالئها، حلفا جميعا، لأن الكالئ يسقط بإقرار من أَقرَّ منهما بقبضه، وإن لم تكن ثَمَّ بينة على الدفع لها.
وأما إن كان سيدها لم يأذن لها في التجارة، ولا في قبض كالئها، فلا تحلف هي إذ لو أقرت بقبضه، لم تصدق في ذلك، ويحلف هو: أنه ما قَبَض، ولا علم أنها قبضت لأنه لو أقر هو أنه قبضه، أو أنه يعلم أنها قد قبضته لبريء الزوج منه.
وأنا إن كان لها دين على زوجها بشاهد واحد فهي تحلف مع شاهدها: أن ما شهد لها به حق، وأنها ما قبضت، ولا وهبت، كان مأذونا لها في التجارة أو لم تكن، غير أنها إن لم تكن مأذونًا لها في
следующие страницы →