Полный текст (1 216 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وإذا لم يكن إشهاد المدمِّي بالتدمية على عين المدمى عليه، وإنما قال، للشهود الذين أشهدهم بذلك: إن مصيبه بما فيه، والمأخوذ بدمه: عبد الرحمرن المعروف بابن عربي: من ساكني قرية فلانة، فلابد أن يثبت، عندك، على هذا المدعى عليه القتل: أنه عبد الرحمن المعروف بابن عربي، من ساكني القرية المذكورة، ببنية عدلية، تشهد بمعرفة ذلك، أو بإقراره به على نفسه. وحينئذ يتبحث: هل في سكان القرية المذكورة من يسمى بعبد الرحمن بن عربي سواه، أم لا؟.
وقد تضمن العقد المنتسخ آخرًا، المؤرخ بربيع الأول من عَامِنَا هذا، إقراره على نفسه بأنه عبد الرحمن بن عربي، وليس فيه من إقراره تصريح بأنه من سكان القرية، فإن كان قد ثبت عندك أنه من سكانها، أو أنه أقر بذلك على نفسه، إقرارا صحيحا، وقال الذي وجهته للبحث عن ذلك: أنه لم يجد من سكان القرية من يسمى بذلك الاسم، وينسب إلى ذلك النسب سواه، وجب لأبي المقتول وأخيه الاستفادة منه، إذ قد أعذر إليه في جميع ما ثبت عليه، فعجز عن المدفع في شيء، بعد القسامة عليه، بأن يقسمها خمسين يمينا يردد عليها يمينا يمينا: أنه هو الذي قتله، يقول الأب في يمينه، بمقطع الحق، قائما مستقبل القبلة، إثر صلاة العصر من يوم الجمعة، على ما مضى عليه عمل القضاة: " بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة لقد قتل هذا - ويشير إليه - ابني فلانا بالجرح الذي أصابه به، ومات منه، على سيبل العمد، بغير حق ". وكذا يقسم الأخ، إلا أنه يقول: " لقد قتل أخي فلانا "، فإذا استكملا خمسين يمينا، على هذه الصفة، أسْلِمَ برمته إليهما، فاستقادا منه بالسيف: قتلا مجهزا، على ما أحكمه الشرع من القصاص في القتل.
стр. 947
والله أسأله التوفيق لنا ولك، والسبيل إلى ما فيه الخلاص والنجاة. برحمته.
[٢٩٣]- خمس مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، أكرمه الله، في شهر رمضان المعظم، سنة ست عشرة، وخمس مائة، بخمس مسائل يسأل عنها، وقبل الأولى منها نسخة عقد، والسؤال الأول تحته.
[١]- إشهاد بمعرفة طريق عامة
وهذا نص جميعها، وجوابه على كل واحدة منها
" بسم الله الرحمان الرحيم، يشهد من يتسمى أسفل هذا العقد من الشهداء: أنهم يعرفون الزنقة الضيقة الحاجزة بين جنة فلان وفلان، بقرية كذا، من بلد كذا، ويعلمون هذه الزنقة مسلوكة من البحر إلى أعلاها، مسلوكة لعامة المسلمين، تجازُ بما تجازُ به الطرقات، وتحترم بحرمتها، وأول هذه الزنقة كذا، وآخرها كذا، إلى الطريق العظمى، وكذلك الساكنون بهذه الزنقة المذكورة تفضي بهم إلى الطريق المذكورة.
وعلى هذه الحالة عَرَفُوا الزنقة المذكورة، وعرَّفوها، وعلى هذه الصفة عدوها وعلموها.
شهد بذلك من علمه حسب نصه، وعينه بالوقوف إليه، وأوقع بذلك شهادته، في كذا ".
стр. 948
إزالة ضرر عام بإعادة فتح زنقة، أدخلها الخواص في ملكه
السؤال: يتأمل الفقيه الأجل أدام الله توفيقه، هذا العقد، وقد شهد فيه عدة من العدول بنصه، وحازوا الطريق المذكورة، وحدوها، بحضرة البينة، هل هو عامل تام، يجب الحكم به، وإخراج ما اقتطع بعض الجيران من هذه الطريق وأدخله جنته، حتى قطع المرور بها، وبقي أسفلها لا ينفذ إلى أعلاها؟ وهل يضطر في العقد أن يقال: " منذ عقلوا " حسبما نصه الموثقون، أم لا يقدح إسقاطه بالعقد إذ شهادتهم فيه تامة نصها في العقد عاقده؟ وهل تحتاج شهادتهم إلى ذكر المدة التي عرفوها، وطولها، أم لا يحتاج هنا، لأنهم أخبروا عن أول علمهم بهذه الطريق أنها بهذه السبيل، ولم يشهد غيرهم بخلافه، فصار كمن شهد لمن لا يصح الحوز عليه من صغير، أو سفيه، أو غائب، بتقدم ملكه لشيء يدعيه غيره، ويحتج بكونه في يده، فلا يحتاج هنا بأكثر من أن يقولوا: ما عَلْمها ملكا لفلان، أو في حوزه قبل أن تصير في يد هذا، فكانت الشهادة لمتقدم الملك أعمل، إلا أن يبطلها حوز، أو تنقل ملك.
وكذلك الشهادة بهذه الطريق، شهدوا أنهم يعلمونها أولا في حوز جماعة المسلمين، قبل أن يتعدى عليها مقتطعها، فلا يحتاجون إلى أكثر.
стр. 949
وطول حوزه، هو، لها باقتطاعه، بعد معرفتهم غير ضائر، إذ لا يحاز على الطرق.
والمسألة التي شرط فيها في كتبنا طول أمد المعرفة، قامت هناك للمطلوب يبنة أنها طريق محدثة، بلا حق، حسبما وقع في الرواية.
فهنا الشهادة للملك الأقدم، وهو ملك المدعى عليه، لإثبات شهود ملكه قبل إحداثها، فكانت أعمل، إلا أن يأتي من طول المدة ما يحاز عليه به الطريق ضد مسألتنا.
فجاوب بما تراه، مأجورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وأمدك بعونه - سؤالك هذا، والعقد المنتسخ فوقه، ووقفت على ذلك كله.
والعقد صحيح، لا يقدح فيه، ولا يوهنه، خلوه من معرفة الشهود لما تضمنه منذ عقلوا، إذ ليس بشرط في صحة شهادة الشاهد، فقد لا يعرف الشيء منذ عقل، ويعرفه بعد ذلك، فتصح له (به الشهادة). وهذا ما لا إشكال فيه.
وكذلك، أيضا، ذكر المدة فيه ليس بشرط في صِحَّةِ الشهادة في هذه المسألة، للمعاني التي ذكرتها، ولما سوى ذلك، فالحكم به واجب، والقضاء بصرف الطريق على ما كانت عليه، وهدم ما أحدث من البناء فيها، الذي قطع المرور عليها، لازم، فأنفذه من حكمك، وأمضه من قضائك معانا إن شاء الله، والسلام عليك.
стр. 950
[٢]- زوجة مدبرة تطالب تركة الزوج بالكالئ، وبالدين
وأما المسألة الثانية فهي رجل توفي وترك زوجته مدبرة، فقامت في كالئها، وقد ثبت لها، من يحلف يمين الاستبراء أهي أو مدبرها؟ وهل حكمها حكم السفيه في ذلك، على ما فيه لشيوخنا؟ وكيف إن كانت مأذونا لها؟ وكيف إن قام لها شاهد بدين عليه، وهي غير مأذون لها، من يحلف اليمين؟ وكيف إن كان إقراره في المرض، وورثته عصبة، هل تكون بمنزلة الصديق الملاطف؟.
تأمل هذه الفصول، مأجورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت السؤال، الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه في هذا على أصولهم: أنه إن كانت المدبرة مأذونا لها في التجارة، أو كان سيدها المدبر لها، قد أذن لها بقبض كالئها، حلفا جميعا، لأن الكالئ يسقط بإقرار من أَقرَّ منهما بقبضه، وإن لم تكن ثَمَّ بينة على الدفع لها.
وأما إن كان سيدها لم يأذن لها في التجارة، ولا في قبض كالئها، فلا تحلف هي إذ لو أقرت بقبضه، لم تصدق في ذلك، ويحلف هو: أنه ما قَبَض، ولا علم أنها قبضت لأنه لو أقر هو أنه قبضه، أو أنه يعلم أنها قد قبضته لبريء الزوج منه.
وأنا إن كان لها دين على زوجها بشاهد واحد فهي تحلف مع شاهدها: أن ما شهد لها به حق، وأنها ما قبضت، ولا وهبت، كان مأذونا لها في التجارة أو لم تكن، غير أنها إن لم تكن مأذونًا لها في
стр. 951
التجارة، فنكلت عن اليمين، كان من حق سيدها إن يحلف، إن شاء، مع الشاهد ويستحق الدين لها، وإن شاء انتزعه منها. ولا يدخل في نكولها عن اليمين إن نقلت عنه، الاختلاف الذي في نكول السيفه، إذ ليست بسيفه، وإقراره لها بدين في المرض، وورثته عصبة، كإقراره للصديق الملاطف مع العصبة، حسبما ذكرت.
وبالله تعالى التوفيق.
[٣]- إلى من يعود حظ من مات في العمرى المشتركة ؟
وأما الثالثة فهي امرأة أعمرت أبويها في دار، فمات أحدهما، فقامت المُعْمِرَة تطلب نصف الدار، هل لها ذلك، على رأي من رآه في الأجنبيين؟ وهل الأبوان والأجنبيات في ذلك سواء، أو يفترقان، لأن كل واحد من الأجنبيين إنما جعل له المنفعة بنصف الدار على الاشتراك مع الآخر، والمقصد من إعمار الأبوين نفع كل واحد منهما بالجملة؟.
بين لنا ما عندك في ذلك.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووفقت عليه.
ولا إشكال في المسألة إذا كانت المعمرة حية، كما ذكرت، في سؤالك، لأنها مصدقة فيما تزعم من أنها إنما أرادت أن يرجع إليها حظ من مات منهما، لا إلى صاحبه حتى يموتا جميعا.
وإن ادعي الباقي منهما عليها أنها نَصَّتْ في إعمارها على أن الدار تبقى على الآخر موتًا منهما، لزمتها اليمين.
стр. 952
ولو كانت قد ماتت، فلم يدر ما أرادت، لتخرَّج ذلك على الاختلاف في الذي يحبس الحبس على معينين، فيموت بعضهم، هل يرجع حظه على المحبس، أو إلى من يبقى منهم، حتى يموتوا كلهم؟ ولا فرق في هذا بين الأبوين وغيرهم.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٤]- اختلاف البينات على موقع البناء
وأما الرابعة فهي رجل بنى حائطا لجنته، في بطن واد، وقد كان حائطه دون ذلك، فشهد له قوم أنه بنى في حقه، وشهد آخرون أنه خرج عن حقه، وكيف إن ضيق به بطن الوادي والطريق فيه، وكاتن في ذلك سعة، بحيث لا يضرها بما بناه أجنبي.
برأيك في ذلك، وما يترجح عندك من القولين لأيمتنا المشهورين؟ وكيف إن كان أمامه جنة لغيره، فقال له: بتحصينك وتضييقك، يصب الوادي عليَّ، ويضرني عند حملته؟ وكيف الجواب في هذا الفصل، مع اختلاف الشهادات له، وعليه، أو مع ثبات أنه بَنَى في حقه، إذ لا خفاء بمنعه من ضرر غيره، إذا بنى في غير حقه، إن شاء الله؟.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإذا كان الحائط الذي بناه لجنته يضر بالطريق، أو بجاره فيما
стр. 953
يخاف من صب ماء الوادي عليه عند حملته فيهدم ما بناه، إلا أن تكون البينة التي شهدت أنه بناه في حقه أعدل من البينة التي شهدت أنه بناه في غير حقه، فيقر ولا يهدم.
وإن كان الحائط لا يضر بالطريق ولا بجاره، نظر إلى أعدل البينتين: فإن استوتا في العدالة لم يهدم عليه حائطه. وهذا على القول بأن من يزيد من طريق المسلمين في داره ما لا يضر بالطريق يهدم بنيانه.
والذي يترجح عندي من القولين إلا يهدم عليه بنيانه، إذ لم يضر بالطريق، لما له من الحق في البناء، وإذ من أهل العلم من يبيح له، ابتداء، وهو الذي أقول به في هذه المسألة.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٥]- أنقاض الروضات والقبب في المقارب ليست حُبُسًا
وأما الخامسة فهي نَقْصُ ما بني في الروضات، وقبب المقابر، إذا تهدمت، هل يكون حكمها حكم ما بني في الحبس، على الخلاف المعلوم، أم هي بخلافه، وتبقى على ملك صَاحِبِهَا، لأنه وإن وضع موضع الحبس، فهو حبس ممنوع في الشرع، غير مأذون فيه، لكراهة البناء عليها، فحكمه الرد، كمن حبس حبسا لا يوجبه الشرع، فإنه مردود منتقض، باق على ملك صاحبه، والله أعلم.
والسلام على شيخي ومعظمي، ورحمة الله وبركاته.
الجواب عليها: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
ونقض ما بني من الروضات لصاحبه، لا يلحق بالحبس، باتفاق،
стр. 954
ولا يدخل فيه الاختلاف في نقص ما بنى في الحبس، للمعنى الذي ذكرت من الفرق بين الموضعين فإنه صحيح.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٢٩٤]- يمين حواء بنت تاشفين .
وكتب إليه، رضي الله عرنه، الأمير أبو الطاهر. تميم بن يوسف بن تاشفين، أصلحه الله، من مدينة أشبيلية أعادها الله يسأله في يمين حلفت بها زوجه الحرة، حواء بنت تاشفين، صانها الله، إثر موت زوجها الأول قبله.
ونصها من أولها إلى آخر حرف فيها، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ما تقول، رضي الله عنك، في امرأة توفي عنها زوجها، وكان ساكنا معها، في دار الإمارة، بالبلد الذي توفي فيه؛ إذ كان أميرا فيه.
فلما وضع في نعشه، وخرج به من دارِ الإمارة إلى قبره، خرجت تتبع نعشه، فلما فرغ من دفنه، وهي على شفير قبره، قال لها قائل: قومي ارجعي إلى دارك، فقالت مجيبة له: إلى أي دار تعني؟ قال لها: إلى دارك المعروفة، التي خرجت منها. فقلت: ثلث مالي على المساكين صدقة، وصوم سنة يلزمني، ورقيقي أحرار لوجه الله لا رجعت إلى تلك الدار أبدا، أين الوجوه التي كنت أعرف فيها، وأسكنها معهم؟.
ولما كان بعد زمان، تزوجها أمير تلك البلدة، الساكن في دار
стр. 955
الإمارة بها، فجبرها على السكنى معه فيها، ولم يوسعها في ذلك عذرا، وقد كانت أخرجت الثلث من مالها، بعد هذه اليمين، لحنث آخر لزمها في يمين أخرى، قبل سكنى الدار، وزال عن ملكها من كانت تملك من الرقيق، في وقت اليمين المذكورة.
أجبنا في ذلك موفقا، مأجورا، مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فجاوب، أدام الله توفيقه وتسديده، بما هذا نصه: تصفحت السؤال الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقفت عليه.
ولا حنث على هذه المرأة الحالفة في رجوعها إلى سكنى دار الإمارة مع زوجها الأمير في ذلك البلد، لأن الظاهر من أمرها أنها إنما كرهت الرجوع إليها، على غير الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفى، وحلفت على ذلك إذ دعاها القائل إليها، حين قال لها: ارجعي إلى دارك، فلا شيء عليها في رجوعها إليها على الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفي، إذ لم تحلف على ذلك.
أساس الأحكام بين المالكية والحنفية.
هذا هو الذي أراه، وأقول به، في ذلك، وأتقلده؛ لأن الأيمان إنما تحمل على بسَاطِها، وعلى المعاني المَفْهومة من قصد الحالف، لا على ما تقتضيه ألفاظها في اللغة. وهو أصل مذهب مالك، ﵀، من ذلك قوله في رواية أشهب، في الذي سأله النقيب، عن امرأته إن كانت حاضرة أم لا، فحلف بالطلاق: أنها الآن في البيت؛ إذ كان تركها
стр. 956
فيه، وهي لم تكن في ذلك الحين فيه، إذ قد كانت خرجت منه إلى الحجرة، فقال: إنه لا حنث عليه؛ لأن يمينه إنما خرجت على سؤال النقيب إياه عن حضورها.
ومن ذلك، أيضا، قول ابن القاسم في الذي خرج ليشتري لأهله لحما، فوجد على المجزرة زحاما، فحلف ألا يشتري لأهله ذلك اليوم لحما، ولا عشاء، فرجع فعاتبته امرأته، على ذلك، فخرج، فوجد لحما في غير المجزرة، فاشتراه: أنه لا حنث عليه، إذ كانت يمينه لكراهة الزحام في المجزرة.
وأهل العراق يخالفون في ذلك، ويرون الحالف حانثا، بما لفظ به في يمينه، ولا يعتبرون في ذلك بنية، ولا بساط، ولا معنى. وذلك خطأ بين في الفتوى؛ لأن الأحكام إنما هي لمعاني الألفاظ المعتبرة المفهومة منها، دون ظواهرها.
ولو اتبعت ظواهرها دون معانيها، المفهومة منها، في كل موضع لعاد الإسلام كفرا والدين لعبا، قال الله : ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]. فكان في ذلك، في ظاهره، أمرا، والمراد به النهي والوعيد؛ إذ هو المفهوم منه، ومثله قوله لإبليس: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] ومن هذا المعنى قوله في قصة شعيب، وما ذكره فيها، من قول قومه له: ﴿إِنَّكَ
стр. 957
| MRV﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]؛ لأن ظاهره المدح والثناء، ومرادهم به ضد ذلك من السب والاستهزاء، ومن مثل هذا كثير في هذا القرآن، والسنن المتواترة والآثار.
وبالله تعالى التوفيق.
[٢٩٥]- خمسة عشر سؤالا من القاضي أبي الفضل ابن عياض
وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، أكرمه الله تعالى في النصف الثاني من شهر رمضان المعظم، سنة ست عشرة وخمس مائة، بخمسة عشر سؤالا، في نوازل نزلت به، فأشكلت عليه.
وهذا نصها، والجواب بأثر كل واحد منها.
[١]- هبة وإقرار للوارث، في حال المرض .
فأما الأول فرجل توفي، وأثبتت عندي زوجه صداقها، فقام الورثة، والمقدم على النظر في ثلثه، الموصى به للمساكين، بشهادة شاهد ممن قبلته، بما هذا نصه:
عقد إشهاد بوصية للزوج
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - أشهدت فاطمة بنت الفقيه فلان، وهي عليلة الجسم ثابتة العقل والذهن، حين كتبت وصيتها، وأشهدت عليها،
стр. 958
في وقت كذا: أنها وهبت لزوجها فلان كالئ مهرها، الذي مبلغه ستون مثقالا، وأن العبيدي، والتستري الأبيض والمعجزيين، والجمان، وعقدي الجوهر، جميع ذلك لا حق لي فيه ".
وزاد في شهادته: " أنه لا يعلم أن الزوج قبل هذه الهبة، وأنَّهُ استقصى حينئذ منه هذه الشهادة ".
وثبت عندي صحة المرأة بعد، من هذا المرض، وحياتها إلى الآن، وشهد عندي عدلان: أن الزوج وقف المرأة قبل موته بحضرتهما على أنها وهبته كالئها، فقالت مجيبة له من وراء الستر: بعد موتي، فسكت الزَّوْج، وشهد عندي هذان العدلان بأن الزوج أبرأ المرأة قبل موته، وفي مرضه، براءة تامة.
فتأمل - أعزك الله - ما شهد به الشاهد من الهبة في المرض، ثم طرو الصحة بعد ذلك، وهل للورثة قيام بها إذا لم تثبت على الزوج ردا لهذه الهبة، سوى ما تقيد من شهادة الشهود، حسبما تقدم؟ وهل اقتضاء الزوج الشهادة وطلبها قبول، مع كون الدين في ذمته، فقام مقام الحوز التام؟ وهل يشترط في هذا معرفة القبول وثباته، أم يغني عنه اقتضاء الشهادة مع الحوز، ويقوم مقامه؟ وهل يورث القبول كغيره، أم لا؟ وهل يلفق إقرارها للشاهدين الآخرين بالهبة مع دعواها: " بعد العين " أم لا؟ وما يجب للناظر في الثلث لغير معين
стр. 959
من ذلك؟ وهل يستحق صاحب الثلث شيئاً بيمين الورثة، مع شهادتهم إن وجب؟ وهل يشترط أن يكون القبول متصلا بالهبة، أم يبطله طول المدة في مسألتنا، وما وهب له بيده؟ وما الحكم فيما أقرت به في شهادة الشاهد من الثياب، والجوهر، وقطبعت فيه دعواها، وقد ادعى الآن الورثة أن ذلك عندها؟ وهل إبراء الزوج لها في شهادة الشاهدين إبراء من الطلب بذلك أم لا، إذ من حجة الورثة أن يقولوا: إنه أبرأها مما يدعي عليها به، وأما هذا فهي مقرة به، ولعله حين أبرأها كان ما أقر به عنده، وفي حوزه، ثم بعد ذلك صار عند الزوجة " وكيف إن قالت الزوجة: ليس يعندي شيء مما ذكر، وقد أخذ متاعه حينئذ، وفعل به ما شاء، أو قالت: ذلك عندي، وقد قطع فيه الطلب عني بإبرائي؟.
فجاوبني متفضلا، مأجورا على ذلك، فصلا فصلا، فالأمر فيه موقوف.
والسلام عليك، ورحمة الله وبركاته.
الجواب عليه: يا سيدي، وأعظم عددي، وأجل أوليائي في الله، وعمدي ومن أبقاه الله مؤيدا بتقواه، معانا على ما فيه بره ورضاه، تصفحت سؤالك الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وسكوت الزوج على قول المرأة مِنْ وراء الستر: " بعد موتي "، حين
стр. 960
وقفها على هبة الكالئ له، بحضرة الشاهدين، وتركه رد ذلك عليها، تسليم منه لقولها، وإبطال للهبة، وإذا بطلت الهبة بهذا، لم يحتج إلى التكلم فيما سألت عنه، مما يتعلق بذلك.
والقول قول المرأة مع يمينها في الثياب والعقود التي أقرت في مرضها إنها لزوجها. وإن قالت له:
إنه قد أخذها، وإنها ليست عندها، حلفت على ذلك.
وإن ادعت أن إقرارها بها له في مرضها إنما كان على وجه التوليج منها إليه صدقت في ذلك مع يمينها، وإن كانت قد صحت من مرضها؛ بدليل إبراء الزوج لها، وإقراره: أنه لا حق له عندها، مع ضعف إقرارها له، لأن أصله كان في المرض، ولم يعلم أنها تمادت عليه، بعد أن صحت من مرضها، ولا قام هو عليها في صحتها.
وقد قال جماعة من كبار أصحاب مالك المدنيين: أن إقرار الرجل في صحته بدين لوارثه لا يجوز إلا أن يقوم عليه فيه في صحته، فكيف إذا كان الأصل الإقرار في المرض. هذا بين إن شاء الله.
وبه التوفيق.
[٢]- ادعاء عاصب أن بعض التركة ملكه، وأن يد المتوفى كانت يد مرتهن
وأما السؤال الثاني فالجواب في فصل من هذه القضية المتقدمة، وهو أن عاصب الميت ادعى في بعض تركته أنها رهن عند مورثه، كان
стр. 961
أبوه في حياته رهنها في سلف لا يعرف مبلغه، ولا يثبت شيء من دعواه، وكيف إن كان مع هذا سماع وذكرٌ، وكيف إن وجد خَطُّ الاب بعدد ما جعل فيه هذا الرهن من السلف؟.
الجواب عليه: تصفحت: السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
ولا يستحق العاصب ما ادَّعاه من الرهن بالسماع ولا يكون ذلك، ولا ما وَجَدَ في خَطِّ أبيه شبهة، توجب أن يكون القول قوله فيما ادعاه من ذلك.
والذي يوجبه الحكم فيه: أن يحلف من كان من الورثة مالكا لأمر نفسه: إنه ما يعلم شيئاً من ذلك.
وبالله تعالى التوفيق.
[٣]- اختلاف بالزوجة والورثة في متاع البيت
وأما السؤال الثالث فهو ما اختلف فيه الورثة والزوجة من متاع البيت، وادعته الزوجة أنه لها، مما يملكه النساء، وفيه من الخلاف لما علمت، ما تفتي به؟ هل يترجح عندك أن تستحقه بيمين، أم بغير يمين؟ وما كان للرجل، أولهما، فصالحها عليه الورثة أو قطعوا دعواهم فيه، ما حكمها مع الناظر في الثلث إن شاء الله تعالى؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا الكتاب، ووقفت عليه.
وما ادعته الزوجة من متاع النساء أنه لها، وكذبها فيه الورثة، وادعوه ملكا لموروثهم، فلا اختلاف في وجوب اليمين عليها فيه، فإن
стр. 962
نكلت حلفوا إنه لموروثهم، واستحقوه ميراثا.
وإنما الاختلاف عندي، إذ لم يحققوا الدعوى إنه لموروثهم، وقالوا: لا ندري لعله لموروثنا. فاحلفي أنه لك، فالاختلاف المأثور في هذا جار على الاختلاف في لحوق يمين التهمة.
والذي أراه في هذا الوجه نظر الحاكم فيما يظهر إليه في ضعف التهمة أو قوتها.
وأما ما كان للرجل، أو لهما، فصالحها عليه الورثة، فالنظر في ذلك للناظر في الثلث إن رأى إمضاء الصلح نظرا أمضاه، وأخذ ثلثه للوصية، ويترك المرأة، وإن لم يره نظرا، بأن ظهر إليه أنها ترضى أن تصالح بأكثر من ذلك، أو تبرأ من الجميع، ولا تحلف، كان من حقه ألا يمضيه. فإن صالحته على يمينها عن الثلث بشيء، كان له ولم يكن للورثة فيه شيء، وإن نكلت عن اليمين غرمت له ثلث ما زادت على ما صالحت عليه الورثة، وله ثلث ما صالح عليه الورثة على كل حالٍ.
[٤]- هل تقبل شهادة الأسرى لأسير بينهم، وهم غير معروفين بالعدالة ؟
وأما السؤال الرابع فرجل مأسور جمعت له فدية من وصية وسلف، فجاء وزعم أنه افتدى ببعضها، وشهد له أسرى كانوا معه بدار الحرب بذلك، هل تقبل شهادتهم ها هنا، على التوسم، للضرورة أم لا؟
стр. 963
وإن قبلت هل يقع الحصاص بين الوصية والسلف فيما بقي منها؟.
جاوبني على ذلك مأجورا.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإجازة شهادة المأسورين مع الأسير في هذا، على التوسم، جائزة، لأن الضرورة فيه ظاهرة، أظهر منها في السفر، حيث أجازها ابن حبيب، على علمك، مراعاة لقول من يرى الشاهد مَحْمُولا على العدالة حتى تعلم جرحته، بظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁: " المسلمون عدول بعضهم على بعض، ألا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهاد زور "، وما بقي من المال، المجتمع من الوصية والسلف للأسير، بعد ما افتدى به، مفضوض بين الوجهين.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٥]- هل يضمن السمسار ما يحدث في الثوب حين التناول ؟
وأما السؤال الخامس ففيما حدث من نشر السمسار للثوب، وطيه، من تمزق، أو قطع أو جبذ مسمار، في حين تناوله، هل لا يضمنه، للإذن له فيه، ما لم يخرق في فعله، أم يضمنه؛ إذ فيه نوع تفريط كالنسيان، وبخلاف السقوط؟.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوقه هذا ووقفت عليه.
стр. 964
وما حدث في الثوب من نشر السمسار له، لا ضمان عليه فيه، إذا لم يخرق، ولا تعدى، بأن تجاوز القدر الذي أذن له فيه، فإن تجاوز القدر الذي أذن له فيه، أو قال أهل البصر: إن مثل هذا الذي حدث بالثوب لا يحدث إلا عن خرق وتعمد، ضمن.
وإن لم يعلم هل خرق وتعدى، أو فعل ما يجوز له، ولم يتعد، وقال أهل البصر: إن مثل هذا يحتمل أن يحدث بالثوب من غير خرق، وتعد في النشر، جرى ذلك على الاختلاف في الذي يفقأ عين عبده، أو امرأته، فيقول العبد والمرأة: فعل بنا ذلك عمدا، ويقول هو: كنت أؤَدبهما فأخطأ، هل هو محمول على العَدَاء حتى يعلم خلافه، أو على غير العداء حتى يعلم خلافه، والأظهر أنه محمول على العداء حتى يظهر خلافه.
وبالله التوفيق.
[٦]- لا يجوز توكيل عدو الخصم، ولا عدو وكيل الخصم .
وأما السادس ففيمن وكل وكيلا لخصومة، فوكل خصمه وكيلا آخر، بين أحد الموكلين والوكيل الآخر عداوة، هل يمنع خصمه من توكيله عليه، لعداوته لموكله، أم يباح له، إذ كلامه إنما هو مع الوكيل، فهو آمن من أذاه بقوله، أو جفاء، إلا أن يراعي الأذى بتسبب خُصومة الباطل عليه، بسبب العداوة التي بَيْنَهُمَا، والله أعلم؟
стр. 965
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه في هذا أن لا يباح لأحد توكيل عدو خصمه على الخصام، ولا عدو المخاصم عنه، لأن الضرر في الوجهين جميعا على ما ظهر إليك.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[٧]- عند توجه اليمين على الغائب، الذي له وكيل
وأما السؤال السابع فرجل غائب وكل وكيلا على القيام بعيب في سلعة اشتراها من رجل بحضرته، فوقفه الوكيل، فأنكر أن يكون باع من موكله هذه السلعة، وإنما باعها من آخر، فلزمته اليمين؛ إذ لم تكن في ذلك بينة، فذهب إلى رد اليمين على الغائب، فما الحكم فيه؟ وهل البعيد الغيبة، والقريب في ذلك سواء؟ وهل يوقف الثمن، أو يؤخذ منه جميل؟.
أجب بما عندك فيه، مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه، إذا لم يسمِّ المقوم عليه من باع منه السلعة، أو سمي رجلا غائبا، بعيد الغيبة، فتبين بذلك لدده؛ أن يؤخذ منه حميل بالثمن، إلى أن يكتب إلى الموكل في الموضع، الذي هو فيه، فيحلف، وسواء أكان قريب الغيبة، أو بعيد الغيبة.
стр. 966
ولا يدخل، في هذا، الاختلاف الذي في الوكيل الغائب على قبض الدين، يُقِرُّ بِهِ الغريم، روعى أنه قضاه؛ لأن هذا مقر للغائب بالحق، ومدع للقضاء، والمقوم عليه في مسألتنا مدعى عليه، غير مقر للغائب بشيء.
وأما أخذ الثمن منه، فلا أراه، إذ لم يثبت عليه بعد شيء.
وبالله تعالى التوفيق.
[٨]- اعتبار البساط والنية في اليمين بالطلاق .
وأما السؤال الثامن، فرجل طلبت منه زوجته مخالعتها على صداقها، فقال له بعض من حضر: اقبل منها، وطلقها تطليقة تملكها بها نفسها، فقال الزوج ما أطلقها إلا ثلاثا، فقيل له، ما قلت؟ فقال: اكتب لها طلقة بائنة، فحضر عندي، فسألته عن مراده بقوله الأول، فقال: ما أدري، ما كنت في عقلي، وربما قال: لم أرد بالطلاق إلا واحدة، وقال الشاهد الحاضر: إنه لم ينفهم لي منه الحال في الطلاق بل الاستقبال. وأما هو فيقول: لم أرد إلا واحدة، فإذا قيل له: ما أردت بقولك: نطلقها ثلاثا؟ قال: ما أدري، لم أكن في عقلي.
стр. 967
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والظاهر من الأمر: أنه إنما أراد بقوله: " ما نطلقها إلا ثلاثا " الأخبار بما يعزم على فعله، جوابا على قول القائل له: اقبل منها، وطلقها تطليقة تملك بها أمر نفسها، لا إيجاب الطلاق على نفسه ثلاثا، فيحمل قوله على ذلك، سواء أقال: لم أرد إلا واحدة، أو قال: لم تكن لي بذلك نية، ولا كنت في عقلي، ولا تلزمه إلا طلقة المباراة، التي أمر بعد ذلك بكتابتها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٩]- الالتزام بالنفقة لمدى الحياة يسقط بموت الملتزم
وأما السؤال التاسع فهو فيمن تطوع بالنفقة على آخر حياته، أو مدة ما، ثم توفي المتطوع، فقام الآخر يطلب النفقة في تركته، وهل إن كان هذا سفيها، أو جائز الأمر في يطلب النفقة، سواء؟ أو هل تعرف فيها خلافا في المذهب؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإذا مات المتطوع بالإنفاق، فقد سقط عنه ما بقي من المدة، لأنها هبة لم تقبض، تسقط بالموت، ولا خلاف في هذا احفظه في المذهب، وسواء أكان المتطوع عليه بالإنفاق سفيها، أو جائز الأمر.
وبالله التوفيق لا شريك له.
стр. 968
[١٠]- أداء دين الدينار دراهم، مع التأخير
وأما السؤال العاشر فهو من له على رجل مثقال ذهب، قائم، فنجمه عليه أثلاثا، أو أرباعا، يأخذ منه، في كل نجم، صرف ذلك الجزء.
ما رأيك فيه، وفتياك، وقد علمت ما وقع فيه من الخلاف، في أصولنا، عند محمد وغيره؟.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإذا كان نجَّم عليه الدينار، على أن يأخذ منه في كل نجم صرف ذلك الجزء، لم يجز باتفاق، سمَّى الصرف أو لم يسمه، لأنه أخره بالدينار، الذي له عليه، على أن يأخذ منه به دراهم، والصرف المتأخر لا يجوز باتفاق.
وإن كان نجَّمه عليه وسكت، فلم يشترط بأن يأخذ منه في كل نجم صرف ذلك الجزء فذكر في ذلك، في كتاب محمد، قولين، والاختلاف فيه من قول مالك، وابن القاسم قائم من العتبية. ووجه هذا الاختلاف: أن الثابت له في الذمة من أجزاء الدينار ذهب، والذي يوجبه الحكم فيها عند القضاء دراهم، بصرف يوم القضاء؛ إذ لا يتبعض الدينار، فأجيز ذلك مرة، على مراعاة ما ثبت في الذمة، ولم يجزه مرة على مراعاة ما يوجبه الحكم؛ لأنه يأتي على مراعاة ما يوجبه الحكم، الصرف المتأخر.
فهذا وجه ما سألت عنه، والأظهر ألا يجوز، وذلك لو كانت عليه أثلاث دينار منجمة، فأراد أن يعجل له بها دينارا، لجرى ذلك على هذا الخلاف.
стр. 969
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
[١١]- هل يتدخل القضاء، إزاء المقدم المفوض، لتنفيذ وصية ؟
وأما الحادي عشر فالمقدم على تنفيذ ثلث ميت، إذا أراد مقاربة الورثة، ومسامحتهم وقد جعل له في التقديم؛ إنه لا اعتراض عليه من حاكم، أو غيره، بوجه من الوجوه، هل للحاكم النظر في تحصيل الثلث، والحَوْطة عليه، ثم، يفوض نظره إليه، إذ التفويض إليه إنما هو في التفريق وحده، أم لا سبيل للحاكم إليه؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
ولا يجوز للمقدم على تنفيذ الثلث مقاربة الورثة في تقديم مال المتوفى، ولا مسامحتهم في ذلك. وإن اتهمه القاضي بذلك شرك معه من يثق به في تحصيل الثلث، ثم يكل تنفيذه إليه في الوجوه التي جعل إليه تنفيذها فيه، أو فيما يراه باجتهاده، إن كان فوض إليه النظر في ذلك بقول الموصي، ولا اعتراض عليه من حاكم أو غيره.
وهذا في الوصي المأمون وأما غير المأمون، الذي يخشى عليه إن يتقبض على الوصية ولا ينفذها، فيكلفه إقامة البينة على تنفيذها، على معنى ما وقع في سماع أشهب في كتاب الوصايا؛ فإن لم يأت بالبينة على ذلك ضمن، إن كان مارقا معلنا، وإن كان متهما، ولم يكن بهذه
стр. 970
الصفة، استحلف، ولم يضمن، إلا أن ينكل عن اليمين، وإن كان مأمونا لم تكن عليه يمين، وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١٢]- هدم من بيده الأمر للقبب والروضات في المقابر
وأما الثاني عشر ففيما ابتدع من بناء السقائف، والقبب، والروضات، على مقابر الموتى: وخولفت فيه السنة، فقام بعض من بيده أمر في هدمها وتغييرها، وحط سقفها، وما عولي من حيطانها، إلى حد ما.
فهل يلزم أن يترك من جدرانها ما يدفع دخول الدواب فيها، أم لا، قطعا للذريعة، ولا يترك منها إلا ما أباحه أهل العلم من الجدار اليسير: لتتميز به قبور الأهلين، والعشائر، للتدافن؟ وكيف إن قال بعضهم: لبقاء جداري منفعة لصيانة ميتي؛ لئلا يتطرق إليه بالحدث عليه، لا سيما ما كان منها بقرب العمران؟ وهل هذا عذر يوجب أن يترك عليها من الجدران أقل ما يمنع هذا، أم لا؟ لأن الضرر العام بظهور البدعة في بنائها وتعليتها أعظم وأشد، مع أنه لا يؤمن استتار أهل الشر والفساد فيها في بعض الأحيان، وذلك أضر بالحي والميت من الحدث عليه، ومراعاة أشد الضررين وأخفهما مشروع؟
стр. 971
بينه وجاوب عليه، مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وما بني من السقائف والقبب والروضات في مقابر المسلمين هدمها واجب، ولا يجب أن يترك من حيطانها إلا قدر ما يحتاز به الرجل قبور قرابته، وعشريته من قبور سواه؛ لئلا يأتي من يريد الدفن في ذلك الموضع، فينبش قبول أوليائه، والحد في ذلك ما يمكن دخوله من كل ناحية، ولا يفتقر فيه إلى باب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[١٣]- أنقاض ما يهدم من هذه الأضرحة ليست على حكم الحبس
وأما الثالث عشر ففي نقض ما هدم من هذه الأبنية المذكورة فوق هذا، هل يكون لعامة المسلمين، إذ بناها بانيها في الحبس، وبمعناه، وقد علمت ما وقع في هذا الأصل من الخلاف، أم يرجع إلى ملك صاحبها، وهو الأشبه، والصحيح، إن شاء الله؛ لأنه وإن قلنا بذلك الأصل، فهذا حبس غير مأذون فيه، ولا مشروع، بل هو محظور، منهي عنه فهو رد؟
فأردت جوابك في هذا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
والنقض لأربابه الذين بنوه، لا يكون حبسا كالمقبرة التي جاعل فيها،
стр. 972
ولا يدخل في ذلك الاختلاف في نقص ما بني في الحبس، للمعنى الذي ذكرت من الفرق بين الوجهين.
وبالله تعالى التوفيق.
[١٤]- يجب هدم ما يبنى في المقابر
وأما الرابع عشر ففي قبر أعلي بناؤه نحو العشرة أشبار، أو أزيد، هل يجب هدمه وتغيير بدعته؟ وكيف إن شكا بعض جيرانه بضرره، من ستره باب فندقه عن بعض الواردين بارتفاع سمكه، أو منعه مسرح النظر للجلاس في أسطوانه، هل صاحب الفندق في هذا جحة؛ إذ يقول: منعني منفعة بغير منفعة له، بل بما لا يجوز؟ وهل لأولياء صاحب القبر حجة لحوزهم بناء القبر عليه، أم لا حجة لهم فيه، لحوزهم غير منفعة، ولا أمر مباح؟ وكيف إن كان بناء القبر قبل بناء الفندق، إذ من حجة صاحب الفندق أن يقول: لي في زوال هذا البناء منفعة، والشرع يوجب إزالته؟.
فتأمل، وجاوب عنه، مشكورا مأجورا إن شاء الله، وهل يباح التخاصم في مثل هذه المنكرات؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وإن كان البناء على نفس القبر فلا يجوز، ويهدم، وإن لم يكن إلا حواليه، كالبيت بني عليه، فإن كان في ملك الرجل وحقه، فلا يهدم
стр. 973
عليه، لشيء مما ذكرت من حجة صاحب الفندق المواجه، وإن كان في مقابر المسلمين، فقد تقدم في المسألة التي قلبها: إنَّ هَدْمَه واجب.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[١٥]- منع ضرر الكشف على الجيران من صومعة الجامع
وأما السؤال الخامس عشر، وهو آخرها: فإنه في صومعة أحدثت في مسجد، فشكا منها بعض الجيران الكشف عليه، هل له في ذلك مقال، وقد أباح أئمتنا، لمن في داره شجرة، الصعود فيها لجمع ثمرها، مع الإنذار لطلوعه، وأوقات الطلوع للأذان معلومة، وفي مدة قصيرة، وأنها يتولاها في الغالب أهل الصلاح ومن لا يقصد مضرة، إن شاء الله؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا، ووفقت عليه.
وليست الصومعة في المسجد كالشجرة في دار الرجل، لأن الطلوع لجني الثمر نادر، والصعود في الصومعة للأذان يتكرر مرارا في كل يوم من الأيام.
والرواية في سماع أشهب عن مالك، بالمنع من الصعود فيها، والرقي عليها، منصوصة على عملك، والمعنى فيها صحيح، فبها أقول: فإن كان يطلع منها على الدور، من بعض نواحيها دون بعض، فيمنع من الوصول منها إلى الجهة التي يطلع منها، بحاجز يبنى من تلك الجهة وغيرها من الجهات. وهذا عندنا بقرطبة، في كثير من صمعها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 974
[٢٩٦]- أحكام الإقالة في كراء الرواحل والدواب من المدونة
تلخيص مسائل الإقالة في الكراء المضمون والمعين، الواقعة في كتاب كراء الرواحل والدواب من المدونة، إملاء ابن رشد، ﵁.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال الفقيه الأجل، الإمام الحافظ، القاضي العدل أبو الوليد ابن رشد شيخنا، ﵁، وقرأت ذلك عليه، في منزله بقرطبة، في ذي القعدة، سنة ست عشرة، وخمس مائة.
سألني بعض أصحابنا أن أملي عليه ما أوردته عليهم في مجلس المذاكرة، من تلخيص مسائل الإقالة في الكراء المضمون والمعين، الواقع في كتاب كراء الرواحل والدواب من المدونة، وتحصيلها، بالتقسيم لها إلى ما لا زيادة عليه، وما يجوز منها مما لا يجوز، وما يدخل ما يجوز منها من المكروه.
أ- في كراء الرواحل
فقلت، بعد حمد الله، ، والرغبة إليه في التوفيق، في القول والعمل، والعصمة من الخطأ والزلل.
في الكراء المضمون
الإقالة في الكراء المضمون، كالإقالة في السلم الثابت في الذمة، يعتبر فيها الفساد في وجهين:
أحدهما: أن يكون الفساد في الإقالة بمجردها.
стр. 975
والثاني ألا يكون الفساد في الإقالة إلا بإضافتها إلى الصفقة الأولى، فيتهمان على القصد لذلك، والعمل عليه، فيمنعان من ذلك، من باب حماية الذرائع.
في الكراء المعين
وأما الكراء المعين فاختلف فيه، قيل: إنه يعتبر فيه الفساد، في الوجهين جميعا كالمضمون، وقيل: لا يعتبر الفساد فيه، إلا في صفقة الإقالة خاصة كالسلع المعينات.
أربع وعشرون صورة في إقالة الكراء المضمون بزيادة
فصل، وبيان هذه الجملة أن الرجل إذا اكترى كراء مضمونا، ثم استقال أحدهما صاحبه، بزيادة، فإن الزيادة لا تخلو أن تكون من المكري، أو من المكتري.
فإن كانت من المكتري فإنها تنقسم على وجهين:
أحدهما: أن يكون استقاله بزيادة قبل أن ينقد.
والثاني: أن يكون استقاله بزيادة بعد أن ينقد، غاب المكري على النقد، أو لم يغب، إذ لا فرق في زيادة المكتري بين أن يغيب المكري على النقد أو لا يغيب، وفي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل، إذ لا يخلو من أن يستقبله، على أن يزيد دنانير، أو دراهم، أو عروضا، نقدا، فهذه ثلاث مسائل، أو تكون مؤجلة، فهذه ثلاث أخر، تتمة ست مسائل، وإن كان قد نقده فلا يخلو الأمر من أن يستقيله بزيادة دنانير، أو دراهم، أو عروض، نقدا أو إلى أجل، فهذه ست مسائل أخر.
стр. 976
وإن كانت الزيادة من المكري، فإنها تنقسم، أيضا، على وجهين:
أحد الوجهين: أن يكون استقاله بزيادة، قبل أن ينقد، أو بعد أن نقد، قبل أن يغيب على النقد؛ إذ لا فرق في هذا الوجه بين أن ينقد أو لا ينقد، إذا لم يغب المكري على النقد.
والوجه الثاني: أن يكون استقاله بعد أن نقده، وغاب على النقد، وفي كل وجه من هذين الوجهين، أيضا، ست مسائل؛ إذ لا يخلو من أن يستقيله على أن يزيده دنانير أو دراهم، أو عروضا، نقدا، أو دنانير، أو دراهم، أو عروضا، إلى أجل.
فصل، تنحصر مسائل الإقالة في الكراء المضمون، على التقسيم الذي قسمناه، إلى أربع وعشرين مسألة، لا زيادة فيها، اثنتا عشرة مسألة في استقالة المكنزي بزيادة، واثنتا عشرة مسألة في استقالة المكري بلا زيادة.
الثلاث مسائل التي في استقالة المكتري، بزيادة مؤجلة، قبل النقد.
فصل، فأما إذا استقال المكتري المكري في الكراء المضمون، قبل النقد، بزيادة، فإن كانت الزيادة مؤجلة، فلا تجوز باتفاق، كانت الزيادة دنانير، والكراء دنانير، أو كانت دراهم أو عروضا، لأن الكري تحول من الكراء الذي وجب له على المكتري إلى الركوب الذي عليه، وإلى الزيادة المؤجلة؛ فيدخله، إن كانت الزيادة عروضا، فسخ الدين في يالدين، وإن كانت دنانير، والكراء دنانير، بيع ذهب
стр. 977
بذهب إلى أجل، وعرض، وإن كانت الزيادة دراهم، دخله الصرف المتأخر.
الثلاث الأخرى الزيادة المعجلة
وإن كانت الزيادة دنانير معجلة، والكراء بدنانير أو عروض معجلين، جاز ذلك على مذهب ابن القاسم، الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها؛ لأن الزيادة إن كانت دنانير، فقد أخذ بعض حقه، وتحول بالباقي منه إلى الركوب الذي عليه، وهو في حكم المعجل لبراءة ذمته منه، بالإقالة على مذهبه فجاز.
وإن كانت عروضا فقد تحول من الكراء، الذي كان له، إلى الركوب الذي عليه، وهو في حكم المعجل، على ما ذكرناه من مذهبه، ولا يجوز شيء من ذلك على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها، لأنه يكون قد تحول من الكراء الذي وجب له على المكتري إلى الركوب الذي عليه وهو في حكم المؤجل، فيدخله، عنده، فسخ الدين في الدين.
وإن كانت الزيادة دراهم معجلة، والكراء بدنانير، لم يجز ذلك على مذهب ابن القاسم إلا أن يكون أقل من صرف دينار؛ وقيل: إن ذلك جائز، وإن كان أكثر من صرف دينار، وذلك يأتي على مذهب من يجيز البيع والصرف، ويرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها. وقيل: إن ذلك لا يجوز، وإن كان أقل من صرف دينار، وذلك يأتي على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها، وهو قول أشهب، وابن نافع، فيدخله الصرف المتأخر. وذهب الفضل إلى أن الصرف المتأخر لا يدخله على
стр. 978
مذهبهما، إلا أن يكون الكراء مؤجلا، لم يحل، ولا فرق عندي في الكراء المضمون بين أن يحل، في هذا، لأنه، وإن حل، فلا يمكن المكتري قبضه، إلا شيئاً فشيئا.
وذهب ابن لبابة إلى أن الإقالة في الكراء المضمون قبل النقد لا تجوز على حال، لا بزيادة، ولا بغير زيادة، وشبه ذلك بالإقالة من السلعة الغائبة، قبل النقد، وقوله على قياس من القول بأن انحلال الذمم بمنزلة انعقادها.
الست مسائل التي في استقالة المكتري بزيادة، بعد النقد
فصل، وإن كان استقاله بزيادة بعد النقد، قبل أن يغيب عليه، أو بعد أن غاب عليه، وكانت الزيادة ذهبا، والكراء بذهب فلا يجوز، إلا أن تكون مقاصة من الكراء الذي نَقَدَ، على ما نص عليه في المدونة.
وإن كانت دراهم فعلى الثلاثة الأقوال التي تقدمت إذا لم ينقد: الجواز، والمنع، والفرق بين أن تكون الدراهم أقل من صرف دينار، أو أكثر.
وإن كانت عروضا جاز أن تكون معجلة ومؤجلة باتفاق؛ لأن المكتري باع الركوب الذي وجب له، والعرض الذي دفع معجلا، أو مؤخرا، بالكراء الذي يسترجعه، وذلك جائز.
فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة، التي في استقالة المكتري بزيادة.
стр. 979
الست مسائل التي في استقالة المكري بزيادة قبل الغيبة على النقد
فصل، وأما إن كان المكري هو المستقيل بزيادة، ولم ينقد، أو انتقد، ولم يغب على النقد، فذلك جائز، إن كانت الزيادة معجلة، دنانير كانت، أو دراهم، أو عروضا؛ لأن المكتري باع الركوب الذي له على المكري، بالزيادة التي أخذها معجلة وبالكراء الذي استرجعه من الكري، إن كان قد نقده إياه، أو سقط من ذمته، إن كان لم ينقده، فلا وجه في ذلك من المكروه.
وإن كانت الزيادة مؤجلة لم تجز باتفاق، على حال، كانت دنانير، أو دراهم، أو عروضا؛ لأن المكتري تحول، من الركوب الذي الذي له على المكري، إلى الزيادة المؤجلة، وإلى الكراء الذي يسترجعه من الكري، إن كان نقده إياه، أو يسقط عن ذمته إن كان لم ينقده إياه، فيدخله فسخ الدين في الدين.
الست مسائل التي في استقالة المكري، بزيادة، بعد الغيبة على النقد.
وأما إذا كان المكري هو المستقيل بزيادة، بعد أن انتقد، وغاب على النقد، فلا يجوز على كل حلا، كانت الزيادة معجلة أو مؤجلة، ما كانت، وتدخل الزيادة في السلف، لأنهما يتهمان على إظهار الكراء والإقالة، ليجيزا بينهما السلف على زيادة، إلا أن يكون قد سار في الطريق ما يرفع التهمة عنهما في ذلك، فيجوز إن كانت الزيادة نقدا، ولا يجوز إن كانت إلى أجل، لأنه يكون من الدين
стр. 980
بالدين؛ ألا ترى المكتري تحول من الركوب، الذي له على المكتري، في ذمته، إلى زيادة مؤجلة.
فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة، التي في استقالة الكري بزيادة.
ثلاث تأويلات لنص من المدونة
وما قاله في المدونة من أن الإقالة في الكراء بخلاف البيوع يحتمل وجوها من التأويل.
(١) أحدهما: أن الكراء المضمون بخلاف السلم الثابت في الذمة (في جواز الإقالة في الكراء بعد الركوب، بزيادة معجلة، يزيدها المكبري بعد أن غاب على النقد، بخلاف السلم الثابت في الذمة)؛ إذ لا تجوز الإقالة فيه، بزيادة يزيدها المُسْلَمْ إليه، بعد أن غاب عن النقد، وإن كان قد قبض بعض السلم، خلاف مذهب أشهب في مساواته في هذا بين الكراء والبيوع؛ لأنه يمنع من الإقالة بزيادة الكري بعد أن غاب على النقد قبل الركوب وبعده، كما يمنع من الإقالة في السلم بزيادة المُسْلَمِ إليه، بعيد أن غاب على رأس المال قبل قبض شيء من السلم، وبعده.
(٢) ويحتمل أن يريد: أن الكراء المُعيَّن بخلاف بيع السلع المعينات، في أن الإقالة بزيادة الكري بعد أن غاب على النقد، لا تجوز، كانت الزيادة معجلة أو مؤجلة، بخلاف الإقالة في السلع المعينات
стр. 981
بزيادة البائع بعد الغيبة على الثمن، زيادة معجلة، أو مؤجلة، إن لم يكن أهل العينة، أو معجلة إن كان من أهل العينة؛ لأن أهل العينة يتهمون، وإن كانت السلعة الأولى، بالنقد إذا كانت الثانية إلى أجل؛ وهذا على القول الذي حكم فيه للكراء المعين بحكم الكراء المضمون.
[٣]- ويحتمل أن يريد: أن الحكم للكراء المضمون الثابت في الذمة بخلاف البيع في السلع المعينات في أنه لا يجوز لمن أكرى كراء مَضْمونا، أن يستقيل، بعد النقد، بزيادة معجلة، ولا مؤجلة، إلا أن يكون قد سار من الطريق ما يرفع التهمة عنهما، فيجوز بزيادة معجلة.
ويجوز لمن باع سلعة معينة أن يستقيل، بعد أن غاب على الثمن، بزيادة مؤخرة ومعجلة إن لم يكن من أهل العينة، أو مؤجلة إن كان من أهل العينة.
قسمان للكراء المعين.
فصل: وإما إن كان الكراء في دابة معينة فإن ذلك ينقسم على قسمين؛ أحدهما: أن يكون الكراء مؤخرا بشرط، أو عرف، أو حكم، والثاني: أن يكون الكراء نقدًا بشرط أو عرف:
[١] اثنتا عشرة صورة للكراء المؤخر
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الكراء مؤخرا، فلا يخلو من وجهين، أحدهما: أن يكون المكري هو المستقيل، بزيادة، والثاني: أن يكون المكري هو المستقيل بزيادة وفي كل وجه من هذين الوجهين
стр. 982
ست مسائل؛ إذ لا تخلو الزيادة التي يزيدها كل واحد منهما من أن تكون دنانير أو دراهم، أو عروضا (معجلة، أو دنانير، أو دراهم أو عروضا) مؤجلة.
الست مسائل التي في استقالة المكتري بزيادة.
فأما إذا كان المكتري هو المستقيل بزيادة، وكانت الزيادة عرضا، جاز ذلك نقدا ولم يجز إلى أجل، لأنه يدخله فسخ الدين (في الدين)؛ لأن الكري تحول من الكراء الذي له على المكتري إلى الزيادة المؤجلة، وإلى الركوب الذي عليه.
وإن كانت الزيادة ذهبا، والكراء بذهب، لم يجز إلا إلى محل أجل الكراء، على المقاصة، ولا يجوز نقدا، لأنه يدخله: " ضع وتعجل ". ولا إلى أجل سوى محل أجل الكراء، لأنه إن كان إلى أجل أبعد من أجل الكراء، دخله " البيع والسلف"، لأنه أخره ببعض ما كان له عليه من الكراء، على أن أخذ منه بالباقي الركوب الذي عليه وإن كان إلى أجل أقرب من محل أجل الكراء دخله ما لم يدخل إذا كان نقدا، وهو: " ضع وتعجل ".
وإذا كانت الزيادة دراهم لم تجز نقدا، ولا إلى أجل؛ لأنه يدخله الصرف المتأخر.
وهذا كله على مذهب ابن القاسم، الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وأما على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها، ويقول ابن القاسم: إن من كان له دين على رجل لا يجوز له أن يحوله في
стр. 983
ركوب دابة بعينها، فلا تجوز الإقالة على حال؛ لأن المكري تحول من الكراء الواجب على المكتري في ركوب لا يتنجز قبضه على مذهبه، فيدخله فسخ الدين في الدين.
الست مسائل التي في استقالة المكري بزيادة.
وأما إن كان المكري هو المستقيل بزيادة، فإن كانت الزيادة عرضا، جاز إن كان معجلا ولم يجز إن كان مؤجلا، لأنه يدخله فسخ الدين في الدين؛ وكذلك إن كانت الزيادة ذهبا، والكراء بذهب إن كانت مؤؤجلة، لأن إن كانت معجلة فالمكتري تحوَّل من الركوب، الذي له على المكتري، إلى الكراء الذي عليه، وإلى الذهب الذي يزيده إياه المكري معجلة، فلم يكن بذلك بأس، وإن كانت الزيادة من الذهب مؤجلة دخله فسخ الدين في الدين؛ لأن المكتري تحول من الركوب، الذي على المكتري، إلى الكراء الذي عليه، وإلى الزيادة المؤجلة التي يزيده إياها.
هذا كله على مذهب ابن القاسم، الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وأما على مذهب من يرى انحلال الذمم كانعقادها، ويقول بقول ابن القاسم، إن من كان له على رجل دين فلا يجوز أن يحوله في ركوب دابة بعينها، فلا يجيز الإقالة بحال، وإن لم يزد أحدهما صاحبه شيئاً، لأن كل واحد منهما يتحول مما له على صاحبه، في شيء لا يتنجز قبضه.
[٢]- أربعة وعشرون صورة للكراء بالنقد
فصل، وأما القسم الثاني، وهو أن يكون الكراء نقدا، بشرط، أو عرف، فإنه ينقسم على وجهين، أحدهما: أن يكون (لم ينقد، والثاني:
стр. 984
أن يكون قد نقد، غاب على النقد أو لم يغب، وإن كان المكتري هو المستقيل بزيادة.
وإن كان البائع هو المستقيل بزيادة قلت فيه: إنه ينقسم على وجهين، أحدهما: أن يكون لم ينقد، أو نقد، ولم يغب على النقد، والثاني: أن يكون قد نقد وغاب على النقد.
وتتفرع هذه الأربعة الوجوه إلى أربع وعشرين سؤالا، ستة أسئلة في كل وجه، على التقسيم الذي قسمناه في الكراء المضمون، وشرحنا وجوهه؛ فما كان منها لا يجوز لفسخ الكراء في زيادة مؤجلة، يزيدها المكتري للكري، فلا يجوز، أيضا، في الكراء المعين، وما كان منها لا يجوز لفسخ الركوب المضمون في زيادة مؤجلة يزيدها الكري للمكتري، قبل النقد أو لا، يجوز لزيادة يزيدها الكري للمكتري معجلة أو مؤجلة، بعد الغيبة على النقد، فيتخرَّج ذلك على قولين، حسبما أصلناه في أول كلامنا، وأحكمناه.
وبالله تعالى التوفيق.
ب- في كراء الدور
فصل، وحكم الإقالة في كراء الدور كحكم الإقالة في كراء الراحلة المعينة في جميع الوجود، حاشا وجه واحد، سأذكره إن شاء الله.
فإذا اكترى الرجل الدار، ثم استقال منها، أو أقاله بزيادة ما كانت، أو ممن كانت، فعلى القول بأن كراء الدار كالسلم الثابت في الذمة المضمونة، لاقتضاء المنافع شيئاً فشيئا، يعتبر الفساد في ذلك
стр. 985
باجتماع الصفقتين من طريق التهمة، حماية للذرائع كبيوع الآجال، وفي الإقالة بمجردها.
وعلى القول بأن ذلك كالسلع المعينات لا يعتبر الفساد في ذلك إلا في الإقالة بمجردها: أن تنعقد على ما لا يجوز من فسخ الدين في الدين، أو الصرف المتأخر، أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز في البيوع.
ست وثلاثون مسألة في كراء الدور
وبيان هذه الجملة أن الرجل إذا اكترى الدار، ثم تقايل مع صاحبه على زيادة فلا تخلو الزيادة من أن تكون من المكتري، أو من المكري.
فإن كانت من المكتري فلا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الكراء مؤجلا والثاني: أن يكون ؤالكراء بنقد ولم ينقد، والثالث: أن يكون بنقد، وقد نقد وغاب على النقد، أو لم يغب، ذلك سواء، وفي كل وجه من هذه الأوجه الثلاثة ست مسائل، إذ لا تخلو الزيادة من أن تكون ذهبا، أو وَرِقا، أو عروضا معجلة، فهذه ثلاث مسائل، أو تكون مؤجلة: فهذه ثلاث مسائل أخرى تتمة ست مسائل. فيتحصل في زيادة المكتري على هذا التفريع، ثمان عشرة مسألة.
وفي زيادة المكري مثلها، أيضا؛ لأن ذَلِكَ لا يخلو من ثلاث أوجه، أحدها: أن يكون الكراء مؤجلا، والثاني: أن يكون نقدا، ولم ينقد، أوْ نَقَد، ولم يغب على النقد، والثالث أن يكون قد نقد وغاب على النقد، وفي كل وجه منها ست مسائل، أيضا، حسبما ذكرناه في زيادة المكتري.
الست مسائل التي في استقالة المكتري بزيادة، والكراء مؤجل
فأما إن كانت الزيادة من المكتري، والكراء مؤجلا بدنانير، فلا يجوز أن يزيد دنانير نقدا، ولا إلى دون الأجل، لأنه: " ضع وتعجل "،
следующие страницы →