تساوي مع الرجحان، وهذه الحقائق التي ذكر (١) المؤلف كلها راجحة (٢) بالنسبة إلى أضدادها، ومع ثبوت الرجحان فلا تعارض.
أجيب عن هذا: بأن إطلاق التعارض ها هنا مجاز؛ لأنه باعتبار ما يؤول إليه الأمر (٣) في الاستقبال (٤)؛ وذلك أن الاحتمال المرجوح قد يعضده دليل فيعارض حينئذ الاحتمال الراجح فيحتاج إلى الترجيح، والله أعلم.
قوله: (في تعارض مقتضيات الألفاظ) يعني: مع (٥) ترجيح بعضها على بعض (٦).
قوله: (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز).
ش: ذكر المؤلف إحدى عشرة حقيقة هي كلها راجحة على أضدادها:
الحقيقة الأولى (٧) هي: حمل اللفظ [على حقيقته دون مجازه (٨)؛ لأن موضوع اللفظ] (٩) أولى به لأنه الأصل، والمجاز فرع طارئ عليه، والأصل
стр. 1157
مقدم على الفرع.
قوله أيضًا (١): (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز).
مثاله: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس، مجاز في الرجل الشجاع.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) اللمس حقيقة في المس باليد فينقض الوضوء، وهو مجاز في الجماع.
فإذا حملنا الملامسة في الآية على الملامسة باليد فيستدل (٣) بالآية على كون الملامسة تنقض الوضوء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وجمهور العلماء.
وإذا حملناه على الوطء (٤) فلا يجب الوضوء منها وهو مذهب أبي حنيفة وغيره (٥).
قوله: (وعلى العموم دون الخصوص (٦)).
ش: هذا حقيقة ثانية (٧)، إنما يحمل على العموم؛ لأن البعض داخل في الكل، ففي حمله على الكل حمله على البعض.
стр. 1158
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (١) عام (٢) في الأختين مطلقًا حرتين أو مملوكتين، فلا يجوز الجمع بينهما مطلقًا، وهو مذهب مالك، والشافعي، [وجمهور العلماء] (٣) خلافًا لمن قال: مخصوص بالحرتين (٤).
وقال ابن عباس (٥) ﵁ (٦) -: حرمتهما آية وحللتهما (٧) آية؛ فالآية المحرمة قوله تعالى (٨): ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (٩)، والآية المحللة هي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١٠).
стр. 1159
قوله: (وعلى (١) الإِفراد دون الاشتراك).
ش: هذه (٢) حقيقة ثالثة (٣).
مثاله: [قوله] (٤) تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥).
فالنكاح ها هنا المراد به معنى واحد وهو: الوطء في الفرج فهو الذي يحل المبتوتة.
стр. 1160
وقال ابن المسيب ﵁: يحلها العقد ويحلها الوطء (١)؛ لأن النكاح عنده مشترك بين الوطء والعقد.
ولكن مذهب الجمهور أولى؛ لأن الإفراد أولى من الاشتراك؛ لأن الاشتراك مجمل حالة عدم (٢) القرينة (٣) الدالة على المراد بالمشترك؛ وذلك يؤدي إلى تعطيل [الحكم الشرعي] (٤) فحمل النكاح على معنى واحد وهو: الوطء أولى من حمله على معنيين و (٥) هما العقد والوطء.
قوله: (وعلى (٦) الاستقلال دون الإِضمار).
ش: هذه (٧) حقيقة رابعة (٨)، مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٩).
стр. 1161
قال مالك (١): لا إضمار (٢) في الكلام، بل الكلام مستقل.
وقال الشافعي (٣): في الكلام إضمار، وتقديره: أن يُقتلوا إن قَتلوا، وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (٤) يعني: إن قتلوا (٥) وأخذوا المال (٦)، وقوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلافٍ﴾ يعني: إن أخذوا المال، وقوله: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِن الأَرْضِ﴾ يعني: إن أخافوا السبيل، كما قرره ابن العربي في أحكام القرآن (٧)، ولكن حمل الكلام على الاستقلال أولى من حمله على [الإضمار؛ لأن الإضمار يحتاج إلى مبين، والاستقلال لا يحتاج إلى ذلك] (٨).
وكذلك قوله ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"
فعلى رواية الرفع، فالكلام مستقل لا إضمار فيه، معناه: ذكاة الجنين هي ذكاة أمه.
وعلى رواية النصب فيه إضمار تقديره: ذكاة الجنين أن يذكى مثل (٩) ذكاة أمه.
стр. 1162
قوله: (وعلى الإِطلاق دون التقييد).
ش: هذه (١) حقيقة خامسة (٢).
مثاله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣).
قال مالك: مطلق الشرك محبط للعمل (٤) بدليل قوله تعالى [: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٥).
وقال الشافعي: يقيد بالوفاة على الكفر (٦) بدليل قوله تعالى] (٧): ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكمْ عَن دِينهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النًّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٨)، فيحمل (٩) المطلق على المقيد.
وقال مالك (١٠): ليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد، وإنما هو من باب ترتيب مشروطين على شرطين، فالمشروطان هما: [الحبوط والخلود، والشرطان هما] (١١): الردة، والموت عليها، فالأول للأول، والثاني للثاني،
стр. 1163
فالحبوط للردة، والخلود للموت عليها، ولكن الإطلاق أولى؛ إذ الأصل (١) عدم التقييد (٢).
قوله: (وعلى التأصيل دون الزيادة).
ش: هذه (٣) حقيقة سادسة (٤).
مثاله قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (٥).
قيل: "لا" زائدة (٦) وأصل الكلام: أقسم بهذا البلد.
وقيل (٧): ليست بزائدة (٨)، وتقدير الكلام: لا أقسم بهذا البلد (٩) وأنت
стр. 1164
لست فيه، بل لا يعظم ولا يصلح للقسم إلا إذا كنت (١) فيه (٢).
قوله: (وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير).
ش: هذه (٣) حقيقة سابعة (٤).
[مثاله] (٥) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (٦) مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (٧).
فظاهر الآية: أن الكفارة لا تجب إلا بالوصفين (٨) المذكورين قبلها وهما: الظهار والعودة.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون لما قالوا، أي: لما كانوا عليه قبل الظهار سالمين (٩) من الإثم بسبب فعل الكفارة، فعلى هذا لا يكون العود شرطًا في كفارة (١٠)
стр. 1165
الظهار، بل تجب الكفارة على هذا القول بنفس (١) الظهار، هكذا قدره (٢) المؤلف في الشرح (٣).
وقدر (٤) المكي في مشكل الإعراب هذا القول فقال: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما قالوا، أي: لما نطقوا به من الظهار، أي للفظهم بالظهار ثم يعودون يعني للوطء، فاللام على هذا القول في قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلقة بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ (٥).
وقوله تعالى (٦): ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٧) على القول الأول، اللام متعلقة بقوله: ﴿يَعُودُونَ﴾ (٨).
وقوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ "ما" والفعل مصدر تقديره: ثم يعودون لقولهم،
стр. 1166
وهذا المصدر الذي هو القول، هو (١) في موضع المفعول كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، معناه: مضروب (٢) الأمير، فتقدير الآية: ثم يعودون للمقول فيهن الظهار، وهو (٣): الزوجات، أي ثم يعودون لوطء المقول فيه (٤) الظهار.
واختلف أصحاب مالك في المراد بالعود المذكور في الآية:
قيل (٥): العزم على الوطء.
وقيل: العزم على الإمساك.
وقيل: العزم عليهما معًا، أي: على الوطء وعلى الإمساك.
قال ابن الحاجب: والعود في الموطأ العزم على الوطء والإمساك معًا، وفي المدونة: على الوطء خاصة، وروي على الإمساك خاصة (٦).
قوله: (وعلى التأسيس (٧) دون التأكيد).
ش: هذه (٨) حقيقة ثامنة (٩).
стр. 1167
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١).
قيل: هذه الألفاظ (٢) الثلاثة (٣) مترادفة، والمراد (٤) جميعها (٥): الكفر، والفسوق (٦) والعصيان مؤكدان (٧) للكفر.
وقيل: الفسوق ما دون الكفر من الكبائر، والعصيان هو: الصغائر، فكل واحد منها (٨) مؤسس لمعنى غير الذي أسسه الآخر, فيقدم التأسيس على التأكيد؛ [لأن التأسيس يفيد زيادة معنى، والأصل في الخطاب الإفادة، وإفادة التأسيس تزيد على إفادة التأكيد] (٩).
ومثال (١٠) هذا (١١) أيضًا: قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ من أول السورة إلى آخرها.
قال المؤلف في الشرح: هو تأسيس لا تأكيد، قال. وإنما قلنا: هو تأسيس لا تأكيد؛ لأن العرب لا تزيد (١٢) في التأكيد على (١٣) أكثر من
стр. 1168
ثلاث (١) مرات، فلا تأكيد (٢) في السورة ألبتة؛ فإن قوله ﵎: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يحمل في كل موضع على الذي يليه من قبله، ويكون التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة، فلا تكرار في السورة أصلًا، فقوله تعالى (٣) مثلًا: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٤) المراد بالآلاء ها هنا: خروج اللؤلؤ والمرجان خاصة، وهكذا تقول في كل موضع من أول السورة إلى آخرها. انتهى (٥).
قال ابن قتيبة (٦) في كتاب تأويل المشكل: ومثال هذا: قولك للرجل وقد أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه نعماءك وهو في ذلك ينكرك (٧) ويكفرك:
стр. 1169
ألم أبوئك منزلاً وأنت طريد، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راجل، أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وأنت صرورة (١)؟ أفتنكر هذا؟ انتهى (٢).
قال المؤلف في الشرح: وكذلك القول في سورة ﴿والمرسلات﴾، فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذّبِينَ﴾ يرجع كل لفظ من ذلك إلى الذي يليه من قبله خاصة، فيكون الجميع تأسيسًا لا تأكيدًا (٣).
قوله: (وعلى البقاء دون النسخ).
ش: هذه (٤) حقيقة تاسعة (٥)، وإنما قدم (٦) البقاء على النسخ؛ لأن ما ثبت وجوده يجب استصحابه فلا يرفع بالنسخ إلا بدليل.
مثاله: قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلًّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٧).
فحصر المحرم في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها، ومن جملة ما
стр. 1170
عداها السباع، وقد ورد النهي عنها في (١) قوله ﵇: "نهيت عن أكل كل (٢) ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور" (٣).
فاختلف العلماء في ذلك:
فمنهم (٤) من قال: هذا الحديث (٥) ناسخ للإباحة المضمنة (٦) في الآية المذكورة.
ومنهم من قال: ليس بناسخ، فقوله في الحديث: "نهيت (٧) عن أكل كل (٨) ذي ناب من السباع"، الأكل مصدر أضيف إلى الفاعل دون المفعول،
стр. 1171
وهو الأصل في إضافة المصدر بنصر (١) النحاة، فيكون الخبر (٢) مثل: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (٣)، فيكون حكمها (٤) واحدًا، هكذا (٥) قال المؤلف في الشرح (٦).
ولكن هذا الذي قاله (٧) ضعيف في العربية؛ لأن المصدر كما يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله، كذلك يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله.
مثال إضافته إلى فاعله مع حذف مفعوله: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ (٨).
ومثال إضافته إلى مفعوله مع (٩) حذف فاعله: قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١٠) فلا ترجيح لأحد الوجهين على الآخر، وإنما محل الترجيح بين (١١) إضافته إلى الفاعل أو المفعول (١٢)، فهو إذا ذكر الفاعل والمفعول معًا فها هنا ترجيح (١٣) إضافته إلى الفاعل؛ لأن رتبة (١٤) الفاعل
стр. 1172
التقديم.
مثال إضافته إلى الفاعل: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ (١) اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ (٢).
ومثال إضافته إلى المفعول: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣).
ومنهم من قال: لا دليل في هذه الآية؛ لاحتمال أن تكون "من" بدلًا من الناس.
ومثاله (٤) مضافًا إلى المفعول قول الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانير تنقاد الصياريف (٥)
وزعم بعضهم: أن هذا القسم مخصوص بضرورة الشعر.
стр. 1173
قال المرادي: الصحيح جوازه في السعة (١)، ولكن هو قليل (٢).
واعلم أن المصدر المضاف له خمسة أوجه:
أحدها: أن يضاف إلى الفاعل ويحذف المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ (٣).
والثاني: أن يضاف إلى المفعول ويحذف الفاعل، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٤).
الثالث (٥): أن يضاف إلى الفاعل وينصب مفعوله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ (٦) اللَّهِ النَّاسَ﴾ (٧).
الرابع (٨): أن يضاف إلى مفعوله ويرفع فاعله، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٩).
الخامس (١٠): أن يضاف إلى الظرف، ويرفع فاعله، وينصب مفعوله،
стр. 1174
كقولك: عجبت من انتظار يوم الجمعة زيد عمرًا.
قوله: (وعلى الشرعي دون العقلي).
هذه (١) حقيقة عاشرة (٢).
مثاله: قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٣).
فإن حملناه على أنه (٤) حصل لهما الاجتماع فذلك معلوم بالعقل، وإن حملناه على أنهما حصل لهما فضيلة (٥) الجماعة فذلك معلوم بالشرع، فهو: حكم شرعي وهو: أولى؛ لأن رسول الله ﷺ إنما بُعث لبيان الشرعيات لا لبيان العقليات؛ لأنه (٦) يستبد العقل بإدراكها.
قوله: (وعلى العرفي دون اللغوي).
стр. 1175
ش: هذه (١) الحقيقة الحادية عشرة (٢).
إنما يقدم (٣) العرف على اللغة؛ لأن العرف ناسخ للغة، فالناسخ مقدم على المنسوخ، والعرف على ضربين:
عرف شرعي، وعرف عامي.
مثال الشرعي (٤): قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير (٥) طهور" فإن حملناه على اللغوي، الذي هو: الدعاء لزم منه توقف قبول الدعاء على الطهارة ولا قائل به، فيحمل على الصلاة في عرف الشرع، وهي: العبادة المخصوصة بركوع وسجود، فيستقيم المعنى (٦)؛ لأن رسول الله ﷺ إنما بُعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف موضوعات اللغة.
وركبوا على هذا المبنى (٧) [فروعًا (٨) وهي] (٨):
من حلف ليطأن جاريته (٩) فوطئها حائضًا ففي حنثه قولان:
من حمل الوطء على الشرعي قال: هو حانث؛ لأنه لم يأت بالوطء
стр. 1176
الشرعي (١) عاص بهذا الوطء.
ومن حمل على الوطء اللغوي، قال: هو غير حانث؛ لأنه أتى بالوطء اللغوي.
وكذلك عكس هذا الفرع: وهو إذا حلف ليطأن جاريته فوجدها حائضًا ولم يطأها ففيها (٢) قولان أيضًا (٣):
قيل: لا يحنث لعدم إمكان الوطء الشرعي (٤).
وقيل: يحنث لإمكان الوطء اللغوي، وهو لم يفعله.
و (٥) قال ابن الحاجب: ولو حلف ليطأنها فوجدها حائضًا: فقولان (٦).
ولو وطئها (٧) ففيه (٨) قولان (٩) [أيضًا:
قيل: لا يحنث لعدم إمكان الوطء الشرعي.
وقيل: يحنث لإمكان الوطء اللغوي (١٠)] (١١).
стр. 1177
ومثال العرف العامي (١): إذا قال واحد من العوام لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح همزة "أن"، فهو في عرف العامة: [تعليق] (٢)، فلا ينجز الطلاق [بدون الدخول؛ إذ لا فرق عند العوام بين فتح الهمزة وكسرها؛ لأنهم لا يلتزمون موضوعات اللغة] (٣).
وأما في عرف اللغة: فينجز الطلاق عليه؛ لأن "أنْ" بفتح (٤) الهمزة لا تعليق فيها، وإنما هو علة حصلت، ولو نطق بهذا الكلام نحوي لكان من أهل اللغة، فيحمل كلامه على المقتضى (٥) اللغوي؛ لأنه خرج عن العرف.
قوله: (إِلا أن يدل دليل (٦) على خلاف ذلك؛ لأن جميع ما ادعينا (٧) تقديمه (٨) ترجح عند العقل احتمال وقوعه على ما يقابله، والعمل بالراجح متعين).
ش: يعني أن تقديم الحقائق المتقدمة كلها على مقابلاتها [إنما ذلك إذا لم توجد قرينة حالية، أو مقالية تدل على (٩) مقابلاتها] (١٠)، أما (١١) إن كانت
стр. 1178
هنالك قرينة تدل على تقديم مقابلاتها؛ فإنها تقدم على الحقائق المحكوم عليها أولاً (١) بالتقديم.
كقولك مثلًا: رأيت أسدًا يلعب بسيفه، [فيقدم المجاز على الحقيقة في هذا الكلام؛ لوجود قرينة ترجحه (٢) على الحقيقة، والقرينة هي: قولك: يلعب بسيفه] (٣).
قوله: (إِلا أن يدل دليل على خلاف ذلك) الإشارة عائدة (٤) إلى جميع الحقائق المقدمات (٥) على غيرها.
قوله: (والعمل بالراجح متعين).
يعني: أن العمل بالراجح لازم شرعًا وعقلاً وطبعًا.
أما قولنا: شرعًا فدليله: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكم مِّن رَبِكُم﴾ (٦).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٧)، فالأحسن هو (٨) الأقوى (٩) والأرجح في
стр. 1179
الاعتبار.
وأما قولنا: عقلاً فدليله (١): أنا نجد ذلك من أنفسنا (٢) مركوزًا في فطرنا (٣).
وأما قولنا: طبعًا، فدليله: أن البهائم التي لا تعقل إذا رأت ما هو مضر لها فرّت منه (٤)؛ لأن فرارها مظنة السلامة منه وثبوتها مظنة [الضرر] (٥)، ومظنة السلامة أرجح فعملت بالراجح، وبالله التوفيق بمنه.
قوله: (فروع أربعة: الأول يجوز عند المالكية والشافعي (٦)، وجماعة من أصحابه: استعمال اللفظ في حقائقه إِن كان مشتركًا، أو مجازاته، أو مجازه (٧) وحقيقته (٨)، ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه).
ش: هذا هو المطلب الثاني من مطلبي الباب.
قال المؤلف في الشرح: أريد بقولي: وجماعة من أصحابه: أصحاب (٩)
стр. 1180
مالك، وسبق (١) القلم إلى المالكية، وصوابه: يجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك (٢).
ذكر المؤلف (٣) [ثلاث] (٤) مسائل بالجواز عند مالك، والشافعي، وجماعة من أصحاب مالك:
المسألة الأولى: استعمال اللفظ المشترك في مجموع معانيه نحو: القرء في الطهر والحيض، والجون في الأسود والأبيض (٥)، ولفظ العين للباصرة (٦) والفوارة (٧)، وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: (استعمال (٨) اللفظ في حقائقه إِن كان مشتركًا).
المسألة الثانية: استعمال اللفظ في مجموع مجازاته، نحو: استعمال لفظ البحر في العالم والسخي، وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: (أو مجازاته).
المسألة الثالثة: استعمال اللفظ في مجموع حقيقته ومجازه، نحو: استعمال لفظ الغزالة في مجموع الحيوان المعلوم والمرأة الجميلة، وإلى
стр. 1181
هذه المسألة الثالثة أشار المؤلف بقوله (١): (أو مجازه وحقيقته).
قوله: (خلافًا لقوم) راجع إلى المسائل [الثلاث] (٢)، وذلك أن العلماء اختلفوا في استعمال اللفظ المشترك في معنييه الحقيقيين (٣)، أو مجازيه أو في (٤) حقيقته ومجازه معًا:
فقيل: بالجواز.
وقيل: بالمنع.
فإذا قلنا بجوازه، هل ذلك الاستعمال مجاز؟
وهو الذي نقله المؤلف هنا (٥) عن مالك، والشافعي (٦)، وجماعة من أصحاب مالك.
أو ذلك (٧) الاستعمال حقيقة، وهو مذهب القاضي الباقلاني (٨)، وجماعة
стр. 1182
من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (١)، وغيره.
وإذا قلنا بمنع استعماله:
فقيل: يمنع ولا يستعمل حقيقة (٢) ولا مجازًا، ويجوز (٣) إرادة، أي: يجوز (٤) استعماله بالنظر إلى إرادة المتكلم لا بالنظر إلى اللغة؛ لأن لكل (٥) متكلم أن يريد (٦) بلفظه ما شاء، قاله الغزالي (٧) وأبو الحسن (٨) البصري (٩).
وقيل: لا يجوز استعماله أصلاً لا حقيقة، ولا مجازًا، ولا إرادة، قاله
стр. 1183
جماعة من المالكية، وجماعة من المعتزلة.
قوله: (يجوز استعمال اللفظ في حقائقه).
قال سيف الدين (١): يشترط في هذا الاستعمال الذي هو (٢) محل الخلاف شروط:
أن يكون اللفظ من متكلم واحد في وقت واحد.
وأن (٣) يمكن الجمع بين المعنيين وإن (٤) لم تكن الفائدة فيهما واحدة (٥).
فقولنا (٦) في القيد الأول: أن يكون المتكلم واحدًا: احترازًا من المتكلمين؛ فإنه يجوز لأحدهما أن يستعمل المشترك في أحد معنييه (٧)، ويستعمله الآخر في المعنى الآخر بإجماع.
وقولنا: في وقت واحد (٨): احترازًا [مما] (٩) إذا (١٠) استعمل (١١) المتكلم
стр. 1184
اللفظ المشترك في أحد معنييه (١) في وقت، ثم استعمله (٢) في وقت آخر في معنى آخر فإنه يجوز بإجماع (٣).
قال المؤلف في الشرح: وبهذا يظهر لك بطلان استدلال الحنفية على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤): الحيض بقوله ﵇: "اتركي (٥) الصلاة أيام أقرائك"؛ إذ معناه: أيام حيضك (٦) باتفاق (٧).
ولا دليل لهم في هذا على أن (٨) المراد بالآية (٩) المذكورة: الحيض (١٠)؛ لعدم
стр. 1185
اتحاد (١) المتكلم ولعدم اتحاد الوقت، لأن المتكلم بالآية هو: الله تعالى، والمتكلم بالحديث المذكور هو: النبي ﷺ ، وذلك أيضًا ورد في وقتين، وإنما قلنا: لا دليل لهم على تفسير الآية بالحديث المذكور؛ لأن المتكلم الأول قد يريد الطهر، والمتكلم الثاني قد (٢) يريد الحيض (٣) [ولم تكن الفائدة فيهما واحدة] (٤).
[وقولنا: في القيد الثالث (٥): يمكن الجمع بينهما، احترازًا من استعمال المشترك مثلاً في معاني لا يمكن الجمع بينها، كاستعمال لفظ الأمر نحو: افعل، في الإيجاب والندب معًا، لا يجوز (٦) إجماعًا؛ لأنه جمع (٧) بين الضدين.
مثال ما يمكن الجمع بين معنييه: كما إذا حمل النكاح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٨) على عقد الأب ووطئه معًا.
وقولنا في القيد الرابع: ولم تكن الفائدة فيهما واحدة احترازًا من اللفظ المشترك إذا أريد به أمر مشترك بين معنييه.
стр. 1186
مثاله: إذا أريد بلفظ: "القرء" معنى الجمع، أو الوقت، أو الانتقال، دون غيره فإنه جائز إجماعًا، وإنما الخلاف فيما (١) إذا أريد خصوص كل واحد من المعنيين (٢)] (٣).
قوله: (ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه).
ش: أي: لا بد في هذا الاستعمال من دليل من (٤) اللغة يدل على وجود هذا الاستعمال في اللغة، وهذا الدليل ذكره المؤلف في قوله: [لنا قوله] (٥) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٦).
قوله: (وهذا الفرع مبني على قاعدة، وهي: أن المجاز على (٧) ثلاثة أقسام: جائز (٨) إِجماعًا وهو: ما اتحد محمله وقربت علاقته, وممتنع إِجماعًا، وهو: مجاز التعقيد, وهو: ما افتقر إِلى علاقات كثيرة نحو قول القائل: تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة، معتمدًا على أن النكاح (٩) ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه، ومجاز مختلف فيه وهو الجمع بين حقيقتين أو مجازين، أو
стр. 1187
مجاز وحقيقة, فإِن الجمع بين حقيقتين مجاز وكذلك الباقي (١)؛ لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه، فنحن والشافعي (٢) نقول بهذا المجاز وغيرنا لا يقول به).
ش: قوله: (وهذا الفرع مبني على قاعدة) معناه: وهذا الفرع الذي هو محل الخلاف يظهر من هذه القاعدة التي هي تنويع المجاز إلى ثلاثة أقسام وهي:
جائز باتفاق.
وممنوع باتفاق.
ومختلف فيه.
فالمجاز الذي هو جائز باتفاق فسره المؤلف بقوله: (وهو ما اتحد محمله وقربت علاقته (٣)).
قوله: (ما اتحد محمله) أي: اتحد مدلوله، أي لم يتعدد مدلوله؛ كالأسد للرجل الشجاع، احترازًا من القسم الثالث؛ لأن مدلوله متعدد لا متحد، وهو: استعمال اللفظ في حقائقه, أو في (٤) مجازاته أو في حقيقته ومجازه، وهو: القسم (٥) الثالث المختلف فيه.
стр. 1188
ومعنى (١) قوله: (وقربت علاقته) أي: قرب فهم علاقته، أي (٢) فهمت (٣) ملازمته ومناسبته، احترازًا من القسم الثاني؛ لأن علاقته بعدت عن الفهم.
مثال هذا القسم: الأسد للرجل الشجاع؛ لأن مدلوله واحد (٤) وهو الرجل الشجاع، وعلاقته مفهومة (٥) فلا خلاف في جواز هذا القسم.
قوله: (وممتنع إِجماعًا) هذا (٦) القسم الثاني يسمى عندهم بمجاز التعقيد [لكثرة عقداته وعلاقاته (٧)، وهو ما تعدد محمله وبعدت علاقاته (٨)، وسمي بمجاز التعقيد] (٩)، مأخوذ من العقد، وهو الربط؛ لأنه يصعب فهمه كما يصعب حل (١٠) المعقود (١١) و (١٢) المربوط في المحسوسات.
وفسره المؤلف بقوله: (وهو ما افتقر إِلى علاقات كثيرة نحو قول
стр. 1189
القائل: تزوجت بنت الأمير).
ش: معناه: رأيت والد العاقد للأنكحة، فأطلق التزويج على الرؤية، وأطلق البنت على الوالد، وأطلق الأمير على العاقد، فالعلاقة بين التزويج والرؤية: الملابسة، لأن الزوج لا بد أن يلابس الزوجة كما أن الرائي (١) يلابس المرئي، والعلاقة بين البنت والوالد: الولادة، والعلاقة بين الأمير والعاقد: الولاية، فهذه ثلاث (٢) علاقات أي ثلاث (٣) ملازمات كلها بعيدة عن الفهم وليست بقريبة.
قوله: (ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة) أي: يفسر (٤) معنى تزويجه لبنت الأمير برؤيته واجتماعه مع والد المقدم من جهة الأمير، كالقاضي مثلاً على عقد الأنكحة بالمدينة.
قوله: (معتمدًا على أن النكاح (٥) ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه).
معناه: معتمدًا في إطلاق هذا المجاز على أن نكاح بنت الأمير ملازم للعقد؛ إذ العقد من لوازم (٦) النكاح؛ لأنه [سببه] (٧) المبيح له، والعقد ملازم
стр. 1190
للعاقد (١)؛ لأن العقد من لوازم العاقد؛ لأنه فاعله، والعاقد ملازم لأبيه؛ لأن أباه مولده (٢)، فقد رأى الأب واجتمع معه، فقد تجوز هذا الناطق بهذا الكلام بإطلاق التزويج على الرؤية، واعتمد في هذا التجوز (٣) على نسبة مركبة من ثلاث علاقات، والعرب لا تجيز (٤) مثل هذا، وإنما منع (٥) هذا (٦) لبُعد (٧) علاقته؛ إذ من شرط العلاقة: [أن يكون لها] (٨) اختصاص وشهرة، ولا يكفي (٩) فيها مجرد (١٠) الارتباط كيفما كان؛ ولأجل ذلك قال المؤلف: هو (١١) ممتنع إجماعًا.
قوله: (ومجاز مختلف فيه) هذا هو القسم الثالث وهو: ما تعدد محمله وقربت علاقته.
قوله: (وهو: الجمع بين حقيقتين, أو مجازين، أو مجاز وحقيقة، فإِن الجمع بين حقيقتين مجاز، وكذلك الباقي؛ لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو: مجاز فيه).
стр. 1191
يعني بقوله: (الجمع بين حقيقتين) أن يجمع اللفظ بين المعنيين في الإرادة.
وأراد بقوله: (وكذلك الباقي): الجمع بين المجازين، والجمع بين مجاز وحقيقة في الإرادة.
قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع)، هذا دليل على أن استعمال اللفظ في المسائل الثلاث (١) مجاز؛ وذلك (٢) أن اللفظ لم تضعه العرب للمجموع، أي: لم تضعه (٣) لمجموع المعاني، فإذا استعمل اللفظ في المجموع الذي لم يوضع له فهو: مجاز؛ لأنه لفظ مستعمل في غير ما وضع له.
قوله: (فهو مجاز فيه) أي: فهو مجاز في المجموع.
قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع):
أما بالنسبة إلى الحقيقتين فلم يوضع لمجموعهما، وإنما وضع لكل واحد (٤) منهما على البدلية دون الاجتماعية، وأما بالنسبة إلى المجازين فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، ولا وضع لأحدهما، بل وضع لغيرهما.
وأما بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، وإنما وضع للحقيقة دون المجاز.
قوله: (فنحن والشافعي نقول بهذا المجاز وغيرنا لا يقول به).
стр. 1192
هذا تكرار لقوله: (أو لا يجوز (١) عند المالكية (٢)، والشافعي، وجماعة من أصحابه استعمال اللفظ في حقائقه ...) إلى آخره.
إنما (٣) كرره المؤلف ليركب عليه الدليل على جوازه وهو قوله: (لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٤)) (٥) فقد استعمل لفظ الصلاة في هذه الآية الكريمة في مجموع المعنيين: وهما الدعاء والإحسان.
قال بعضهم: لا دليل على ذلك في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يكون في الكلام إضمار تقديره: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه (٦)، فيكون هذا من باب حذف الأوائل لدلالة الأواخر (٧).
ويحتمل وجه آخر في الآية وهو: أن يكون المراد بالصلاة في الآية أمرًا يشترك (٨) فيه المعنيان اللذان هما الدعاء والإحسان (٩) وهو العناية بأمر النبي ﷺ (١٠)، وإظهار شأنه، وشرفه، فيكون لفظ الصلاة على هذا متواطئًا
стр. 1193
لا مشتركًا.
قال المؤلف: عادة جماعة تفسير الصلاة من الله بالرحمة وذلك مستحيل؛ لأن (١) الرحمة رقة في الطبع، وذلك مستحيل في حق الله تعالى (٢)، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ لأنه ممكن في حق الله تعالى (٣).
قال بعضهم: هذا وهم من المؤلف - رحمه الله تعالى (٤) -؛ لأنه ورد الإذن في تسمية الله تعالى (٥) بالرحمن الرحيم (٦).
وأيضًا الرقة في الطبع إنما تلحق من له الطبع، والله ﵎ منزه عن ذلك.
ولنا دليل (٧) آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٨)، فاستعمل لفظ السجود في وضع الجبهة على الأرض وهو حقيقة
стр. 1194
و (١) في الخضوع وهو مجاز (٢).
وقال بعضهم: لا دليل في هذه الآية أيضًا على جواز ذلك الاستعمال؛ لأن الآية تحتمل الإضمار تقديره: ويسجد كثير من الناس (٣).
ولنا دليل آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤)، فمحاربة رسول الله ﷺ (٥) حقيقة ومحاربة الله تعالى مجاز (٦).
وقال بعضهم أيضًا: لا دليل في هذه الآية على ذلك (٧)؛ لأن الآية (٨) تحتمل الإضمار تقديره: يحاربون (٩) أولياء الله، وهذه الآيات الثلاث (١٠) لا دليل فيها لوجهين:
أحدهما: احتمال الإضمار كما تقدم.
والثاني (١١): إرادة القدر المشترك؛ فالمراد بالصلاة في الآية الأولى: مطلق الإحسان، والمراد بالسجود في الآية الثانية: مطلق الخضوع، والمراد
стр. 1195
بالمحاربة في الآية الثالثة: مطلق المخالفة (١).
ذكر المؤلف دليلين لمسألتين: [أحدهما: دليل على جواز الاستعمال وهو هذه الآية المذكورة، والدليل الآخر دليل على أن (٢) ذلك الاستعمال مجاز لا حقيقة] (٣)، وهو قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه)، ولكن لو قدم دليل الجواز [وأخر دليل المجاز (٤)] (٥) لكان أحسن؛ لأن المجاز ثان عن (٦) الجواز.
قوله: (احتجوا بأنه يمتنع (٧) استعماله حقيقةً لعدم الوضع ومجازًا؛ لأن العرب (٨) لم تجزه (٩)).
ش: هذه (١٠) حجة المانعين من استعمال اللفظ في حقيقتيه، أو مجازيه، أو حقيقته ومجازه.
بيان (١١) هذه الحجة أن ذلك الاستعمال لا يخلو من أن يكون حقيقة، أو