← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يعني بقوله: (الجمع بين حقيقتين) أن يجمع اللفظ بين المعنيين في الإرادة. وأراد بقوله: (وكذلك الباقي): الجمع بين المجازين، والجمع بين مجاز وحقيقة في الإرادة. قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع)، هذا دليل على أن استعمال اللفظ في المسائل الثلاث (١) مجاز؛ وذلك (٢) أن اللفظ لم تضعه العرب للمجموع، أي: لم تضعه (٣) لمجموع المعاني، فإذا استعمل اللفظ في المجموع الذي لم يوضع له فهو: مجاز؛ لأنه لفظ مستعمل في غير ما وضع له. قوله: (فهو مجاز فيه) أي: فهو مجاز في المجموع. قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع): أما بالنسبة إلى الحقيقتين فلم يوضع لمجموعهما، وإنما وضع لكل واحد (٤) منهما على البدلية دون الاجتماعية، وأما بالنسبة إلى المجازين فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، ولا وضع لأحدهما، بل وضع لغيرهما. وأما بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، وإنما وضع للحقيقة دون المجاز. قوله: (فنحن والشافعي نقول بهذا المجاز وغيرنا لا يقول به).

стр. 1192

هذا تكرار لقوله: (أو لا يجوز (١) عند المالكية (٢)، والشافعي، وجماعة من أصحابه استعمال اللفظ في حقائقه ...) إلى آخره. إنما (٣) كرره المؤلف ليركب عليه الدليل على جوازه وهو قوله: (لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٤)) (٥) فقد استعمل لفظ الصلاة في هذه الآية الكريمة في مجموع المعنيين: وهما الدعاء والإحسان. قال بعضهم: لا دليل على ذلك في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يكون في الكلام إضمار تقديره: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه (٦)، فيكون هذا من باب حذف الأوائل لدلالة الأواخر (٧). ويحتمل وجه آخر في الآية وهو: أن يكون المراد بالصلاة في الآية أمرًا يشترك (٨) فيه المعنيان اللذان هما الدعاء والإحسان (٩) وهو العناية بأمر النبي ﷺ (١٠)، وإظهار شأنه، وشرفه، فيكون لفظ الصلاة على هذا متواطئًا

стр. 1193

لا مشتركًا. قال المؤلف: عادة جماعة تفسير الصلاة من الله بالرحمة وذلك مستحيل؛ لأن (١) الرحمة رقة في الطبع، وذلك مستحيل في حق الله تعالى (٢)، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ لأنه ممكن في حق الله تعالى (٣). قال بعضهم: هذا وهم من المؤلف - رحمه الله تعالى (٤) -؛ لأنه ورد الإذن في تسمية الله تعالى (٥) بالرحمن الرحيم (٦). وأيضًا الرقة في الطبع إنما تلحق من له الطبع، والله ﵎ منزه عن ذلك. ولنا دليل (٧) آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٨)، فاستعمل لفظ السجود في وضع الجبهة على الأرض وهو حقيقة

стр. 1194

و (١) في الخضوع وهو مجاز (٢). وقال بعضهم: لا دليل في هذه الآية أيضًا على جواز ذلك الاستعمال؛ لأن الآية تحتمل الإضمار تقديره: ويسجد كثير من الناس (٣). ولنا دليل آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤)، فمحاربة رسول الله ﷺ (٥) حقيقة ومحاربة الله تعالى مجاز (٦). وقال بعضهم أيضًا: لا دليل في هذه الآية على ذلك (٧)؛ لأن الآية (٨) تحتمل الإضمار تقديره: يحاربون (٩) أولياء الله، وهذه الآيات الثلاث (١٠) لا دليل فيها لوجهين: أحدهما: احتمال الإضمار كما تقدم. والثاني (١١): إرادة القدر المشترك؛ فالمراد بالصلاة في الآية الأولى: مطلق الإحسان، والمراد بالسجود في الآية الثانية: مطلق الخضوع، والمراد

стр. 1195

بالمحاربة في الآية الثالثة: مطلق المخالفة (١). ذكر المؤلف دليلين لمسألتين: [أحدهما: دليل على جواز الاستعمال وهو هذه الآية المذكورة، والدليل الآخر دليل على أن (٢) ذلك الاستعمال مجاز لا حقيقة] (٣)، وهو قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه)، ولكن لو قدم دليل الجواز [وأخر دليل المجاز (٤)] (٥) لكان أحسن؛ لأن المجاز ثان عن (٦) الجواز. قوله: (احتجوا بأنه يمتنع (٧) استعماله حقيقةً لعدم الوضع ومجازًا؛ لأن العرب (٨) لم تجزه (٩)). ش: هذه (١٠) حجة المانعين من استعمال اللفظ في حقيقتيه، أو مجازيه، أو حقيقته ومجازه. بيان (١١) هذه الحجة أن ذلك الاستعمال لا يخلو من أن يكون حقيقة، أو

стр. 1196

مجازًا، وأيًا ما كان: فباطل، أما كونه لا يصح أن يكون حقيقة؛ فلأن اللفظ [لم يوضع] (١) للمجموع - كما تقدم -، وأما كونه لا يصح أن يكون مجازًا؛ فلأن العرب لم تجزه. قوله: (والجواب منع الثاني). ش: هذا جواب عن دليل المانعين المذكور (٢)، معناه: أن قولكم (٣): لم تجز (٤) العرب هذا المجاز لم يصح (٥)، بل جوزت العرب هذا المجاز. دليله: الآية المتقدمة وهي: قوله تعالى (٦): ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٧)، وقوله تعالى (٨): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٩)؛ لأن السجود في هذه الآية الكريمة قد (١٠) استعمل في وضع الجبهة على الأرض بالنسبة إلى الناس، وفي الانقياد بالنسبة إلى غيرهم (١١)؛ لأن السجود في حق الناس مخالف

стр. 1197

لسجود غير الناس. وكذلك يدل على الجواز قوله تعالى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). قوله: (الثاني (٢): إِذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملاً لا يتصرف فيه إِلا بدليل يعين أحد مسمياته (٣)، وقال الشافعي: أحمله (٤) على الجميع احتياطًا). ش: هذا هو الفرع الثاني من الفروع الأربعة المذكورة (٥)، وهذا الفرع مبني ومركب على الفرع الأول، ومعنى ذلك: أن اللفظ المشترك إذا جاز استعماله في جميع معانيه، فهل يجب حمله على جميع معانيه عند تجرده عن القرائن أم لا؟ فالفرع الأول من باب الاستعمال، والفرع الثاني من باب الحمل. قوله: (كان مجملاً لا يتصرف فيه إِلا بدليل). مثال ذلك: إذا قال القائل للمخاطب: انظر إلى العين، فالعين لفظ مشترك يطلق على الباصرة والفوارة، وعين الميزان، وعين الشمس، وعين الرحى، وعين الركبة، ونفس الشيء، وخيار الشيء، وغير ذلك، فإذا لم يكن (٦) هنالك قرينة تبين مراد المتكلم، فيجب التوقف حتى يرد البيان كسائر

стр. 1198

المجملات. وقال الشافعي (١) وكذلك القاضي الباقلاني (٢): يجب حمله على جميع معانيه، فهو من باب العمومات لا من باب المجملات، وإنما حمله على جميع معانيه احتياطًا لمراد المتكلم؛ فإنه إذا قال (٣): انظر إلى العين فنظر (٤) إلى جميع معانيه لا يشك (٥) في حصول مراد المتكلم، وأما إذا نظر إلى بعض المعاني دون البعض فربما (٦) لا يكون البعض المنظور إليه مراد المتكلم (٧). ولكن قالوا: هذا الدليل الذي هو الاحتياط ضعيف؛ لأنه (٨) كما يحصل مراد المتكلم بتحصيل جميع معانيه قد يحصل بذلك أيضًا غير مراده، كما إذا قال (٩): انظر إلى العين فنظر إلى عين امرأته (١٠)، أو نظر إلى ذهبه (١١) فربما لا

стр. 1199

يريد النظر إلى ذلك؛ لأنه قد يسوؤه ذلك ويحزنه، فراعى الشافعي ﵀ جهة الاحتياط (١)، ولم يراع جهة أخرى، فالأولى التوقف حتى يرد البيان (٢) كما قاله (٣) الجمهور, فالاحتياط هو التوقف لئلا يقع الإقدام (٤) في غير المراد (٥). قوله: (الثالث (٦): إِذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ الدابة (٧) حقيقة مرجوحة في مطلق ما دب (٨) مجاز راجح في الحمار، يحمل (٩) على الحقيقة عند أبي حنيفة ترجيحًا للحقيقة على المجاز، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف نظرًا إِلى الرجحان (١٠)، وتوقف الإِمام فخر الدين (١١) نظرًا إِلى التعارض، (١٢) والأظهر (١٣) مذهب أبي يوسف؛

стр. 1200

لأن (١) كل شيء قدم من الألفاظ، إِنما قدم لرجحانه، والتقدير: رجحان (٢) المجاز فيجب المصير إِليه). ش: مثال هذا الفرع قولك: أنت طالق إن لم تكن الدابة في الدار، من حمل الدابة على الحقيقة قال: لا تطلق إلا مع عدم كل ما اتصف بالدبيب، ومن حمله على المجاز الراجح، قال: لا تطلق إلا مع عدم الحمار خاصة. قال المؤلف في الشرح: هذه المسألة مرجعها (٣) إلى الحنفية، وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك، قالوا: المجاز مع الحقيقة لا يخلو من أربعة أقسام: إما أن يكون المجاز مرجوحًا لا يفهم إلا بقرينة. مثاله: الأسد في الرجل الشجاع، و [كالحمار] (٤) في الرجل البليد، فإن الحقيقة تقدم ها هنا إجماعًا. القسم الثاني: أن يساوي المجاز الحقيقة في الاستعمال ولا راجح ولا مرجوح، فإن الحقيقة ها هنا (٥) مقدمة أيضًا اتفاقًا بين أبي يوسف (٦) وأبي

стр. 1201

حنيفة؛ لأن الأصل (١) تقديم الحقيقة. مثاله: لو حلف رجل لأنكح، فالنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيحنث بالعقد المجازي؛ لمساواته الحقيقة، هكذا قال المؤلف في الشرح (٢). ولكن الجاري على قوله تقدم الحقيقة ألا يحنث بالوطء؛ لأنه الحقيقة، فكلامه متناقض، أوله يقتضي: أنه يحنث (٣) بالحقيقة وهو: الوطء، وآخر كلامه (٤) يقتضي: أنه يحنث بالمجاز وهو: العقد (٥). و (٦) أجيب عنه: بأن قوله: تقدم الحقيقة اتفاقًا (٧)، يعني: عند الحنفية

стр. 1202

دون غيرهم، بدليل قوله (١) في آخر كلامه: قول الحنفية تقدم الحقيقة على المجاز المساوي غير متجه، بل الحق إنما هو الوقف لأصل (٢) الإجمال. القسم الثالث: أن يكون المجاز راجحًا وتكون الحقيقة مماتة بالكلية؛ [فإن المجاز الراجح مقدم (٣) ها هنا اتفاقًا، ويرجع أبو حنيفة إلى قول أبي يوسف ها هنا. مثاله: لو حلف رجل ليأكل (٤) من هذه النخلة، فاللفظ حقيقي في] (٥) خشبتها (٦)، مجاز راجح في ثمرتها (٧)، وقد أميتت هذه الحقيقة؛ إذ لا يؤكل (٨) خشبها (٩) فلا يحنث عندهما إلا بالثمر (١٠). القسم الرابع: أن يكون المجاز راجحًا وتكون الحقيقة متعاهدة في بعض الأوقات، فهذا محل (١١) الخلاف، وهي (١٢): المراد بقول المؤلف ها هنا:

стр. 1203

الحقيقة المرجوحة: [يعني الحقيقة] (١) التي تتعاهد (٢) في بعض الأوقات وهي: الحقيقة التي قلّ استعمالها. مثاله: إذا حلف رجل: ليشربن (٣) من النهر، فالشرب بفيه من النهر حقيقة، والشرب من الأداة: مجاز راجح؛ لأنه إذا غرف بالكوز وشرب (٤)، فقد شرب من الكوز لا من النهر، لكن (٥) المجاز الراجح المتبادر إلى الذهن، والحقيقة التي هي الشرب بفيه قد تراجع في بعض الأوقات، فإن بعض الرعاة وبعض أفراد الناس قد يكرع من النهر بفيه من غير أداة، فلا يبرأ من الحنث عند أبي حنيفة حتى (٦) يشرب (٧) بفيه (٨) من غير أداة، تقديمًا للحقيقة على المجاز، ولا يبرأ (٩) عند أبي يوسف [من الحنث] (١٠) حتى يشرب (١١) من الأداة (١٢)، تقديمًا للمجاز الراجح، ولا يبرأ عنده إذا كرع بفيه (١٣).

стр. 1204

قال المؤلف في الشرح: فهذه (١) صورة المسألة، قال: وأما بيان وجه الحق فيها (٢): فالرجحان هو: الموجب للتقديم (٣)، وأما إذا تساوى الحقيقة مع المجاز فلا تقديم لعدم الرجحان، فقول الحنفية: تقدم الحقيقة على المجاز المساوي: باطل، بل يجب التوقف لأجل الإجمال؛ لأنه لما ذهب الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة، وذلك أن الحقيقة إنما تقدم من (٤) حيث تقدم، لكونها أسبق إلى الذهن، وهو معنى قولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح في الكلام الحقيقة، فإذا ذهب الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة وتعين الإجمال والتوقف (٥) حينئذ. هذا (٦) هو الحق، فقول الحنفية: تقدم الحقيقة على المجاز المساوي لها غير متجه (٧). قوله: (وتوقف الإِمام فخر الدين نظرًا للتعارض (٨)). قال الإمام فخر الدين في بيان هذا التعارض: "إن كون (٩) اللفظ حقيقة

стр. 1205

يوجب القوة، وكونه مرجوحًا (١) يوجب الضعف، وكون المجاز راجحًا يوجب القوة، وكونه مرجوحًا يوجب الضعف، فيحصل التعارض لهذا (٢) بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، فلا يتعين لأحدهما (٣) إلا بالنية" (٤). واعترض هذا (٥) التعارض بأن قيل: لا معنى (٦) لكونه قويًا إلا أنه يحمل على معناه من غير قرينة، ولا معنى لكونه ضعيفًا إلا أنه لا يحمل على معناه إلا بقرينة فلا يصح وصف الحقيقة في هذه المسألة بالقوة، ولا وصف المجاز بالضعف، بل المجاز راجح والعمل بالراجح متعين، وهذا معنى قوله: (فإِن كل شيء قدم من الألفاظ إِنما قدم لرجحانه) والتقدير: رجحان المجاز (٧) فيجب المصير إليه. قوله: (فإِن كل شيء قدم من الألفاظ) يعني: بالألفاظ الألفاظ المذكورة أول الباب في قوله: (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، والعموم (٨) دون الخصوص إِلى آخرها (٩)) يعني: وكذلك ما قدم من الأدلة

стр. 1206

والبينات وجميع موارد الشريعة، إنما قدم جميع ذلك لرجحانه على غيره (١). و (٢) قوله: (والتقدير) (٣) أي: والفرض ها هنا رجحان المجاز على الحقيقة، فيجب تقديمه على الحقيقة. قال المؤلف في الشرح: فإهمال الرجحان (٤) ها هنا ليس بجيد (٥). قوله: (وها هنا دقيقة، وهي: أن الكلام إِذا (٦) كان في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة، والطلاق يكون (٧) الكلام نصًا في نفي المجاز الراجح بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإِمام وإِن كان في سياق الإِثبات، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو نص في إِثبات الحقيقة (٨) بالضرورة فلا يتأتى توقف الإِمام، وإِنما يتأتى له ذلك إِن سلم له في نفي الحقيقة والكلام في سياق النفي، أو في (٩) إِثبات المجاز، والكلام في سياق الإِثبات، أو يكون (١٠) المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية والنجو).

стр. 1207

ش: قوله: (وها هنا دقيقة) معنى الدقيقة (١): الذي (٢) يدق في فهمه النظر. ومقصود المؤلف بهذه الدقيقة أن يقيد ما أطلقه الإمام فخر الدين في تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح؛ لأن الإمام توقف في أيهما يقدم على الآخر - كما تقدم - (٣)، ولكن إطلاقه التوقف في جميع الوجوه لا يصح بل يصح التوقف في بعض الوجوه، ولا يصح في بعض (٤) الوجوه (٥). وبيان ذلك: أن ها هنا خمسة أوجه: وجهان منهما: لا يصح فيهما التوقف، وثلاثة أوجه: يصح فيها التوقف. فأحد الوجهين اللذين لا يصح التوقف فيهما: إذا كان الكلام في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة والطلاق؛ وذلك أن لفظ الدابة حقيقة مرجوحة (٦) في مطلق ما اتصف بالدبيب، وهو: مجاز راجح في الحمار. وكذلك الطلاق (٧) هو: حقيقة مرجوحة في مطلق الانحلال؛ كالانحلال

стр. 1208

من الوثائق (١) وغيره، وهو: مجاز راجح في انحلال (٢) العصمة. مثال ذلك: في الدابة قولك: ليس في الدار دابة، فإن أراد المتكلم بالدابة المجاز الراجح الذي هو: الحمار: فقد انتفى هذا المجاز بالمطابقة، وإن أراد الحقيقة التي هي: كل ما اتصف بالدبيب: فقد انتفى المجاز الراجح أيضًا بالالتزام؛ إذ يلزم من انتفاء الأعم انتفاء الأخص، فلا يمكن توقف الإمام في هذا الوجه على التقديرين (٣) سواء (٤) قصد نفيه، أو قصد نفي الحقيقة. ومثال ذلك: في لفظ الطلاق قولك: ليست فلانة بمطلقة، فإن أراد المتكلم بهذا المجاز الراجح الذي هو: انحلال (٥) العصمة: فقد انتفى هذا المجاز بالمطابقة، وإن أراد الحقيقة التي هي الانحلال (٦): فقد انتفى هذا المجاز أيضًا بالالتزام؛ إذ يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فلا يتأتى توقف الإمام في هذا أيضًا على التقديرين (٧) سواء قصد نفيه، أو نفي الحقيقة. وهذا الوجه الذي قررناه هو معنى قول المؤلف: وهي أن الكلام، إذا كان في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة، والطلاق و (٨) يكون

стр. 1209

الكلام نصًا في نفي المجاز (١) الراجح بالضرورة فلا يتأتى توقف الإمام (٢). قوله: (وإِن كان في سياق الإِثبات والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو: نص في إِثبات الحقيقة بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإِمام). هذا هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين لا يمكن فيهما توقف الإمام، وهو إذا كان الكلام في سياق الإثبات مع كون المجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة. مثاله: قولك: في الدار دابة، فإن أراد المتكلم بالدابة الحقيقة: فقد ثبتت (٣) الحقيقة بالمطابقة، وإن أراد المجاز الراجح: كان نصًا في إثبات الحقيقة بالالتزام؛ لأنه يلزم من وجود الأخص (٤) وجود الأعم، فلا يصح توقف الإمام في هذا الوجه أيضًا؛ فإن الحقيقة ثابتة على التقديرين (٥) سواء قصد إثباتها (٦)، أو قصد إثبات المجاز الراجح (٧). قوله: (وإِنما يتأتى ذلك (٨) إِن سلم له في نفي الحقيقة والكلام في سياق النفي، أو في إِثبات المجاز والكلام في سياق الإِثبات، أو يكون المجاز

стр. 1210

الراجح: ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية، والنجو). ذكر المؤلف [﵀] (١) ها هنا الثلاثة الأوجه (٢) التي يمكن فيها توقف الإمام: أحد الأوجه: نفي الحقيقة مع كون الكلام في سياق النفي. مثاله قولك: ليس في الدار دابة، فإن أراد المتكلم نفي المجاز الراجح: فلا يلزم من نفي (٣) المجاز الراجح نفي الحقيقة؛ إذ لا يلزم (٤) من نفي (٥) الأخص نفي الأعم، الذي هو: الحقيقة، فيكون الأعم إذًا يحتمل نفيه، ويحتمل ثبوته، فيمكن توقف الإمام إن سلم له التوقف، وأما إن لم يسلم له التوقف فيقال له: لا يصح التوقف لأجل رجحان المجاز. وإلى هذا الوجه أشار المؤلف بقوله: (وإِنما يتأتى له (٦) ذلك إِن سلم له في نفي الحقيقة، والكلام في سياق النفي). قوله: (أو في إِثبات المجاز والكلام في سياق الإِثبات)، هذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي يمكن فيها التوقف، وهو: ثبوت المجاز مع كون الكلام في سياق الإثبات. مثاله: قولك: في الدار دابة، فإن أراد المتكلم مطلق الدابة الذي هو:

стр. 1211

الحقيقة فلا يلزم من ثبوت مطلق الدابة ثبوت المجاز الراجح، الذي هو: الحمار (١)؛ إذ لا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص، فيصح فيه توقف الإمام، فيكون المجاز الراجح إذًا يحتمل ثبوته، ويحتمل نفيه. وإلى هذا الوجه الثاني أشار المؤلف بقوله: (أو في إِثبات المجاز، والكلام في سياق الإِثبات). قوله: (أو يكون (٢) المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية والنجو). هذا هو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي يمكن توقف الإمام (٣) فيها، وهو: إذا كان المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة. مثاله قولك: في الدار راوية (٤)، أو ليس في الدار راوية, أو في الدار نجو أو ليس في الدار نجو، فالراوية حقيقة هو (٥): الجمل، أو الناقة، وسميت (٦) بذلك؛ لأنها تروي القوم بلبنها وبولها ومائها. ويسمى الدلو راوية (٧) مجازًا راجحًا، من باب تسمية الشيء بما يلازمه،

стр. 1212

فإذا سمع لفظ الراوية فهل يحمل على الناقة، أو على الدلو، فهو (١) محتمل، فيمكن (٢) توقف الإمام فيه؛ إذ لا يلزم من وجود الناقة وجود الدلو، ولا يلزم من عدمها عدمه؛ لأن المجاز أجنبي عن الحقيقة، فليس الدلو ببعض أفراد الحقيقة (٣)، فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ولا من عدمه عدمه (٤). وهكذا تقول (٥) في النجو، فالنجو حقيقة هو: المكان المرتفع (٦)، وهو مجاز راجح في فضلات الغذاء (٧). فإذا سمع لفظ النجو فهل يحمل على الحقيقة؟ أو على المجاز (٨) الراجح؟ فهو (٩) محتمل يمكن فيه توقف (١٠) الإمام؛ إذ لا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه؛ لأن الفضلات المستقذرة (١١) ليست ببعض المكان المرتفع، وإنما سميت الفضلات المستقذرات نجوًا مجازًا راجحًا (١٢) من باب

стр. 1213

تسمية الحال باسم المحل. قوله: (الرابع (١) إِذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين: فيقدم التخصيص، والمجاز والإِضمار، والنقل، والاشتراك على النسخ، والأربعة الأولى على الاشتراك، والثلاثة الأولى على النقل، والأولان على الإِضمار، والأول على الثاني؛ لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلاً (٢) فتكون مقدماته (٣) أكثر، فيكون مرجوحًا فتقدم لرجحانه عليه، والاشتراك مجمل حالة عدم (٤) القرينة بخلاف الأربعة، والنقل يحتاج إِلى اتفاق على إِبطال وإِنشاء وضع بعد وضع، والثلاثة يكفي (٥) فيها مجرد القرينة فتقدم عليه (٦)، ولأن الإِضمار أقل فيكون مرجوحًا، ولأن (٧) التخصيص في (٨) بعض الحقيقة بخلاف المجاز). ش: هذه الأمور الستة (٩) المذكورة في هذا الفرع هي مرجوحة

стр. 1214

بالنسبة (١) إلى أضدادها المتقدمة في أول الباب (٢) في قوله: يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، وعلى العموم دون التخصيص (٣) إلى آخره، إلا أنه لم يذكر ضد النقل [فيما تقدم ولكن] (٤) وإن (٥) لم يذكره فهو فرع مرجوح بالنسبة إلى عدم النقل؛ إذ الأصل (٦) عدم النقل. فتكلم المؤلف ﵀ ها هنا على هذه الأمور الستة المرجوحة فيما بينها (٧)؛ إذ فقد (٨) الراجح من أضدادها المذكورة أول الباب، فإن انفرد واحد من هذه المرجوحات الستة: يحمل (٩) اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم (١٠) يتعذر الجمع: حمل اللفظ عليها إن دل على الجمع (١١) قرينة، وإلا اقتصر على واحد منها تقليلاً (١٢) للمخالفة (١٣) بحسب الإمكان، فالأولى

стр. 1215

بالتقديم من هذه الأمور هو: التخصيص ثم المجاز ثم الإضمار ثم النقل ثم الاشتراك ثم النسخ (١). وأسباب الترجيح بين (٢) هذه الأمور الستة ذكرها المؤلف بقوله: (لأن (٣) النسخ يحتاط فيه أكثر) (٤). هذا سبب تقدم الخمسة الأولى على السادس الذي هو: النسخ، وذلك (٥) أن النسخ يحتاج إلى شروط كثيرة بخلاف الخمسة المذكورة، أي: لأن النسخ يحتاط فيه أكثر من غيره، لكونه يصير الحكم باطلاً (٦) بعد إرادته فتكون مقدماته أي شروطه أكثر من شروط غيره؛ لأنه يشترط في النسخ أن يكون الناسخ (٧) مساويًا للمنسوخ في السند أو أقوى منه، بخلاف التخصيص وغيره (٨) كما سيأتي تفصيله في باب النسخ إن شاء الله تعالى.

стр. 1216

وسبب تقدم الأربعة التي هي: التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، على الاشتراك بينه المؤلف بقوله: (والاشتراك مجمل حالة عدم القرينة) معناه: إن فقدت القرينة بقي اللفظ معطلاً بخلاف الأربعة، فإن اللفظ معها لا يعطل؛ ولأجل هذا كان الاشتراك مرجوحًا بالنسبة إلى الأربعة. وسبب تقديم الثلاثة التي هي: التخصيص، والمجاز، والإضمار على النقل: بينه المؤلف بقوله: (والنقل يحتاج إِلى اتفاق على إِبطال وإِنشاء وضع بعد وضع) يعني: أن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول، وإنشاء وضع آخر، وذلك متعذر (١) أو متعسر بخلاف الثلاثة التي هي التخصيص، والمجاز، والإضمار، فإنها يكتفى فيها بمجرد القرينة، فلأجل هذا تقدم هذه الثلاثة على النقل. وسبب تقديم الأولين اللذين هما: التخصيص، والمجاز على الإضمار: بينه (٢) المؤلف بقوله: (ولأن الإِضمار أقل فيكون مرجوحًا). يعني: أن الإضمار أقل في كلام العرب من التخصيص والمجاز، فالأكثر راجح، والأقل مرجوح، فيقدمان على الإضمار، فنص (٣) المؤلف ها هنا على (٤) أن المجاز يقدم على الإضمار، هو (٥): نص الإمام فخر الدين في المعالم (٦).

стр. 1217

ونص الإمام فخر الدين في المحصول أن المجاز والإضمار سواء؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة (١). فاختلف كلامه في كتابيه. وسبب تقديم التخصيص على المجاز: بيّنه المؤلف بقوله: (ولأن التخصيص في بعض الحقيقة بخلاف المجاز) يعني: أن التخصيص يخرج به (٢) بعض أفراد الحقيقة ويبقى اللفظ في البعض الآخر، كلفظ المشركين (٣) مثلاً إذا خصص بغير (٤) الحربيين بقي اللفظ في الحربيين وهم: بعض المشركين (٥) فهو: مجاز أقرب إلى الحقيقة، وبقي اللفظ مع ذلك مستصحبًا في الباقي، فلا يحتاج إلى قرينة، وهذا لا يوجد في غير التخصيص؛ فلأجل هذا يقدم التخصيص على غيره. فإذا تقرر هذا فاعلم أن التعارض فيما بين هذه الأمور الستة يحتاج إلى

стр. 1218

خمسة عشر مثالًا (١)، ولكن (٢) لم يذكر المؤلف في الشرح إلا عشرة أمثلة، ولم يذكر مثالاً لمعارضة الخمسة الأول للسادس الذي هو: النسخ، وذلك (٣) خمسة أمثلة، فأنا أذكر العشرة الأمثلة التي ذكرها (٤) المؤلف فأقول بحول الله وقوته: مثال تعارض التخصيص والمجاز: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّه﴾ (٥): يقول الشافعي: هذا أمر [بوجوب] (٦) الحج والعمرة ابتداء، فتكون العمرة واجبة (٧)، ولكن يلزمه المجاز، وهو: استعمال الإتمام في الابتداء. ويقول المالكي: هذا النص مخصوص بالحج والعمرة المشروع فيهما (٨) (٩)، بدليل قوله: ﴿أَتِمُّوا﴾؛ لأن الإتمام إنما [يستعمل] (١٠) في شيء مشروع فيه؛ إذ لا تجب العمرة عند مالك ابتداءً (١١)، ولكن يلزمه التخصيص بالمشروع فيه، والتخصيص أولى من المجاز.

стр. 1219

ومثال تعارض التخصيص، والإضمار: قوله ﵇: "الإسلام (١) يجبُّ ما قبله" (٢). يقول المالكي: لا يقضي المرتد الصلاة إذا أسلم (٣) بدليل هذا الحديث، ولكن يلزمه التخصيص بالديون إجماعًا. ويقول المخالف: في الكلام إضمار صونًا له عن التخصيص، تقديره: الإسلام يجبُّ إثم ما قبله، فلا تسقط الصلاة عنه (٤)، والتخصيص أولى من الإضمار (٥). ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٦): يقول المالكي: فم (٧) الكلب طاهر فلا يجب غسله، ولكن يلزمه

стр. 1220

التخصيص مما (١) أمسكه الكلب بعد القدرة على ذكاته (٢). ويقول (٣) الشافعي: في الكلام إضمار تقديره: فكلوا من حلال ما أمسكن عليكم (٤). ومثال تعارض التخصيص والنقل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذيِنَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ﴾ (٥): يقول المالكي: يلزم الظهار من الأمة وأم الولد؛ لأنهما من النساء (٦)، ولكن يلزمه (٧): التخصيص بذوات المحارم فإنهن من (٨) النساء (٩)، ولا يلزم فيهن ظهار (١٠). ويقول الشافعي: لفظ النساء صار منقولاً في العرف للحرائر فوجب ألا

стр. 1221

يتناول محل النزاع فيلزمه النقل، ولكن التخصيص أولى من النقل (١). ومثال تعارض التخصيص والاشتراك قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢): يقول المالكي: يجوز للعبد أن يتزوج أربعًا؛ لأن الطيب معناه: ميل النفس، وقد تميل نفسه إلى أربع نسوة، ولكن يلزمه: التخصيص بالنساء المحرمات (٣) كزوجة الغير (٤) مع أنها محرمة إجماعًا مع أنها قد (٥) تميل إليها نفسه. ويقول (٦) الشافعي: بل المراد بالطيب الحلال. ويقول المالكي: الطيب حقيقة في ميل النفس؛ لأنه المتبادر إلى الفهم، فلو كان حقيقة أيضًا في غيره للزم الاشتراك، والتخصيص أولى من الاشتراك (٧). ومثال تعارض المجاز والإضمار قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٨):

стр. 1222

يقول المالكي والشافعي: في الكلام إضمار لولاه لوجب الأمر بالطهارة بعد الصلاة تقدير هذا الإضمار: إذا قمتم محدثين (١). ويقول المخالف (٢): يزول هذا المحذور بأن يجعل القيام في الآية مجازًا عبر به عن إرادته (٣)، من باب إطلاق المسبب على السبب (٤) تقديره: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وقد اختلف في المجاز مع الإضمار: قيل: المجاز أولى كما قال المؤلف (٥)؛ لأنه أكثر منه في لسان العرب. وقيل: الإضمار أولى (٦)؛ لأن قرينته لا تزايله. وقيل: هما سواء لتوقفهما على القرينة مع إمكان حقائقها (٧). ومثال تعارض المجاز والنقل: قوله ﵇: "بين العبد والكفر ترك الصلاة" (٨).

стр. 1223

يقول الحنبلي (١): تارك الصلاة المعترف بوجوبها كافر بدليل هذا الحديث؛ لأن الصلاة منقولة في عرف الشرع إلى هذه العبادة المخصوصة بالركوع والسجود، فمن تركها فهو كافر. ويقول المالكي والشافعي (٢): الصلاة ها هنا معناها الدعاء والطلب؛ لأن ذلك هو معناها لغة, فمن أعرض (٣) عن طلب الله، واستغنى عنه فهو كافر، واستعمل (٤) لفظ الصلاة في هذه العبادة المخصوصة بالركوع والسجود على سبيل المجاز؛ لأجل اشتمالها على الدعاء، والمجاز أولى من النقل (٥). ومثال تعارض المجاز والاشتراك: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦): يقول المالكي: لا تحل المبتوتة (٧) إلا بالوطء؛ لأن النكاح حقيقة في الوطء

стр. 1224

مجاز في العقد، والأصل عدم المجاز (١). ويقول سعيد بن المسيب: لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد؛ لأنه مستعمل فيها، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيكون مجملاً فيسقط الاستدلال به (٢). ولكن المجاز أولى من الاشتراك. ومثال تعارض الإضمار والنقل: قوله ﵇: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (٣): يقول الشافعي: يجوز لصائم التطوع إبطال صومه لغير عذر؛ لأنه ﵇ وكله إلى مشيئته فلا يحرم عليه فطره، فالصوم منقول من معناه اللغوي وهو: مطلق الإمساك إلى الإمساك المخصوص؛ لأنه المتبادر إلى الفهم (٤). ويقول المالكي: لا نقول: إنه منقول من مسماه اللغوي، بل هو مستعمل في مسماه (٥) اللغوي، وفي الكلام إضمار، ومعنى الكلام: الممسك الذي من (٦) شأنه أن يتطوع أمير نفسه في كل يوم، وسماه متطوعًا (٧) باعتبار ما يؤول

стр. 1225

إليه، وهذا الإضمار أولى من النقل (١). ومثال تعارض الإضمار والاشتراك: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢): يقول الشافعي: يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس؛ لأن الباء مشترك بين الإلصاق في الفعل القاصر، وبين التبعيض في الفعل المتعدي، فيكون (٣) ها هنا للتبعيض؛ لأنه فعل متعد، فلو قال: امسحوا (٤) رؤوسكم (٥) صح (٦). ويقول المالكي: ها هنا مضمر تقديره: وامسحوا بلل أيديكم برؤوسكم، فالرأس ممسوح به، والفعل لا يتعدى إلى الآلة بغير باء فيكون الباء للتعدية (٧). ومثال تعارض النقل والاشتراك: قوله ﵇: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (٨):

стр. 1226

يقول الشافعي: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة الحدث، والخبث ولا حدث (١) فيتعين الخبث (٢). ويقول المالكي: الطهارة لفظ مشترك في عرف اللغة بين إزالة الأقذار (٣)، والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعًا، والأصل عدم التغيير (٤)، والمشترك (٥) مجمل فيسقط الاستدلال به حتى يبين الخصم الرجحان. يقول الخصم: جعله منقولاً إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك. وهذه عشرة أمثله فيها بيان (٦) المعاني الخمسة الأولى، ذكرها المؤلف في

стр. 1227

الشرح ولم يذكر أمثلة هذه الخمسة (١) فيما بينها وبين النسخ وهي: خمسة أمثلة، ذكر (٢) بعض الشراح مثالاً واحدًا من هذه الأمثلة (٣) الباقية وهو (٤) مثال التخصيص مع النسخ. وقال: مثال تعارض التخصيص مع النسخ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٥) سواء كانت الزوجة حاملاً، أو حائلاً: فقيل: هذه الآية منسوخة (٦) بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٧). وقيل: ذلك تخصيص، والتخصيص أولى من النسخ. ...

стр. 1228

الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: في مسماه ما هو. الفصل الثاني: ورود الأمر بعد الحظر. الفصل الثالث: في عوارضه. الفصل الرابع: جواز تكليف ما لا يطاق. الفصل الخامس: فيما ليس من مقتضاه. الفصل السادس: في متعلقه. الفصل السابع: في وسيلته. الفصل الثامن: في خطاب الكفار.

стр. 1229

[الباب الرابع في الأوامر, وفيه ثمانية فصول] (١) قوله: (الأوامر) جمع أمر، وهو: مصدر، وإنما جمعه مع أن المصادر لا تثنى ولا تجمع اعتبارًا بأنواع الأمر؛ لأنه تارة يراد به الوجوب، وتارة يراد به الندب، وتارة يراد به الإباحة وتارة يراد به التهديد، وتارة يراد به غير ذلك كما سيأتي بعد هذا في ذكر موارد الأمر، فجمعه بهذا الاعتبار؛ إذ المصادر يجوز جمعها إذا قصد أنواعها، كقولهم: أحلام، وأشغال وإنما لا (٢) يثنى المصدر، ولا يجمع؛ لأنه يصدق على القليل والكثير من جنسه؛ فلأجل ذلك استغني عن تثنيته وجمعه. وقوله: (الأوامر) هذا الجمع غير معروف عند أرباب العربية (٣)، وذلك أن وزن أوامر: فواعل (٤)، والمفرد الذي يجمع على فواعل محصور عند

стр. 1230

النحاة في سبعة أوزان: أحدها: فوعل نحو: جوهر وجواهر. الثاني: فوعلة نحو صومعة، وصوامع. الثالث: فاعِلاء نحو: قاصعاء وقواصع، وهو باب من أبواب جحر اليربوع (١). الرابع: فاعَل بفتح العين، نحو: طابع، وطوابع، وقالب، وقوالب. الخامس: فاعلة نحو: فاطمة، وفواطم، وضاربة، وضوارب، ولا فرق في هذا بين كونه اسمًا أو صفة (٢). السادس: فاعل بكسر العين للمؤنث (٣) نحو: حائض، وحوائض، وطامث، وطوامثَ (٤). السابع: فاعل بكسر العين إذا لم يكن صفة لمذكر عاقل نحو: كاهل، وكواهل، صاهل (٥) وصواهل، وأما إذا كان صفة لمذكر عاقل فلا يجمع على فواعل إلا شذوذًا نحو: فارس وفوارس، ناكس (٦) ونواكس [ناسك
следующие страницы →