← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يقول الشافعي: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة الحدث، والخبث ولا حدث (١) فيتعين الخبث (٢). ويقول المالكي: الطهارة لفظ مشترك في عرف اللغة بين إزالة الأقذار (٣)، والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعًا، والأصل عدم التغيير (٤)، والمشترك (٥) مجمل فيسقط الاستدلال به حتى يبين الخصم الرجحان. يقول الخصم: جعله منقولاً إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك. وهذه عشرة أمثله فيها بيان (٦) المعاني الخمسة الأولى، ذكرها المؤلف في

стр. 1227

الشرح ولم يذكر أمثلة هذه الخمسة (١) فيما بينها وبين النسخ وهي: خمسة أمثلة، ذكر (٢) بعض الشراح مثالاً واحدًا من هذه الأمثلة (٣) الباقية وهو (٤) مثال التخصيص مع النسخ. وقال: مثال تعارض التخصيص مع النسخ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٥) سواء كانت الزوجة حاملاً، أو حائلاً: فقيل: هذه الآية منسوخة (٦) بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٧). وقيل: ذلك تخصيص، والتخصيص أولى من النسخ. ...

стр. 1228

الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: في مسماه ما هو. الفصل الثاني: ورود الأمر بعد الحظر. الفصل الثالث: في عوارضه. الفصل الرابع: جواز تكليف ما لا يطاق. الفصل الخامس: فيما ليس من مقتضاه. الفصل السادس: في متعلقه. الفصل السابع: في وسيلته. الفصل الثامن: في خطاب الكفار.

стр. 1229

[الباب الرابع في الأوامر, وفيه ثمانية فصول] (١) قوله: (الأوامر) جمع أمر، وهو: مصدر، وإنما جمعه مع أن المصادر لا تثنى ولا تجمع اعتبارًا بأنواع الأمر؛ لأنه تارة يراد به الوجوب، وتارة يراد به الندب، وتارة يراد به الإباحة وتارة يراد به التهديد، وتارة يراد به غير ذلك كما سيأتي بعد هذا في ذكر موارد الأمر، فجمعه بهذا الاعتبار؛ إذ المصادر يجوز جمعها إذا قصد أنواعها، كقولهم: أحلام، وأشغال وإنما لا (٢) يثنى المصدر، ولا يجمع؛ لأنه يصدق على القليل والكثير من جنسه؛ فلأجل ذلك استغني عن تثنيته وجمعه. وقوله: (الأوامر) هذا الجمع غير معروف عند أرباب العربية (٣)، وذلك أن وزن أوامر: فواعل (٤)، والمفرد الذي يجمع على فواعل محصور عند

стр. 1230

النحاة في سبعة أوزان: أحدها: فوعل نحو: جوهر وجواهر. الثاني: فوعلة نحو صومعة، وصوامع. الثالث: فاعِلاء نحو: قاصعاء وقواصع، وهو باب من أبواب جحر اليربوع (١). الرابع: فاعَل بفتح العين، نحو: طابع، وطوابع، وقالب، وقوالب. الخامس: فاعلة نحو: فاطمة، وفواطم، وضاربة، وضوارب، ولا فرق في هذا بين كونه اسمًا أو صفة (٢). السادس: فاعل بكسر العين للمؤنث (٣) نحو: حائض، وحوائض، وطامث، وطوامثَ (٤). السابع: فاعل بكسر العين إذا لم يكن صفة لمذكر عاقل نحو: كاهل، وكواهل، صاهل (٥) وصواهل، وأما إذا كان صفة لمذكر عاقل فلا يجمع على فواعل إلا شذوذًا نحو: فارس وفوارس، ناكس (٦) ونواكس [ناسك

стр. 1231

ونواسك] (١)، هالك وهوالك، شاهد وشواهد، غائب وغوائب. فهذه الأوزان السبعة هي التي تجمع على فواعل (٢)، وأما فَعْل فلا يجمع على فواعل. فتبين بما قررناه: أن الأمر لا يجمع على أوامر، واختلف في الجواب عن هذا الجمع (٣)، فقيل (٤): هو جمع آمر (٥) على وزن "اسم الفاعل"، والمراد به المصدر؛ لأن المصدر قد يجيء على بناء فاعل، نحو قولهم: قام قائمًا، وخرج خارجًا، تقديره: قام قيامًا، وخرج خروجًا [وقعد قاعدًا (٦) أي: قعودًا (٧). قال أبو موسى الجزولي في باب مصادر (٨) الثلاثي: ويجيء على فاعل، وعلى بناء اسم المفعول، وعلى التفعال (٩) والفعيلا، إذا أريد به التكثير (١٠) والمبالغة. انتهى نصه (١١).

стр. 1232

وهكذا تقول في النواهي جمع (١) ناهٍ على وزن فاعل الذي هو مصدر] (٢). [وقيل: هو: جمع آمرة على وزن "فاعلة", والمراد به المصدر أيضًا؛ لأن فاعلة قد يكون مصدرًا نحو: العافية والطاغية، يقال: عافانا الله عافية] (٣). وقيل: هو جمع آمر على وزن "فاعل" أيضًا، ولكن المراد به اسم الفاعل الذي هو: اللفظ؛ فإن اللفظ قد يسمى آمرًا مجازًا، [فمعنى الأوامر على هذا أي: الألفاظ التي تأمر] (٤). [وقيل: هو جمع آمرة على وزن "فاعلة"، والمراد به الصيغة؛ إذ الصيغة (٥) تسمى (٦) آمرة مجازًا] (٧)؛ لأن الأمر يقع بها (٨) فمعنى الأوامر على هذا أي: الصيغ التي (٩) تأمر، وكذلك (١٠) تقول (١١) في النواهي: هي (١٢) جمع ناهية، أو جمع ناه أي: الألفاظ أو الصيغ التي تنهي.

стр. 1233

وقيل (١) [أيضًا في هذا الجمع: إنه] (٢) جمع (٣) الجمع، فهو: جمع أفعل لا أنه (٤) جمع فعل، فقولك: أمر، جمعه أأمر على وزن أفعل، وجمع أأمر، أوامر على وزن أفاعل (٥)، كقولك: كلب، وأكلب، وأكاليب، فهو جمع الجمع (٦)، فوزنه على هذا أفاعل؛ لأنه (٧) فواعل، وقلبت فيه (٨) الهمزة الثانية واوًا فصار أوامر. ولكن يعترض على هذا الجواب بالنواهي (٩)؛ إذ لا يصح فيها (١٠) هذا إلا

стр. 1234

أن يقال: هذا من باب التغليب (١) [كقولهم: غداياء (٢) وعشاياء (٣)] (٤). ...

стр. 1235

الفصل الأول في مسماه ما هو (١) قوله: (أما لفظ الأمر؛ فالصحيح أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات؛ لأنه المتبادر إِلى الذهن (٢)، هذا مذهب الجمهور وعند بعض (٣) [الفقهاء: مشترك بين] (٤) القول والفعل، وعند أبي الحسين: مشترك (٥) بينهما (٦) وبين الشيء والشأن (٧) والصفة. وقيل: موضوع (٨) للكلام النفساني (٩). وقيل: مشترك (١٠) بينهما).

стр. 1236

ش: و (١) في هذا الفصل ثمانية مطالب: ما موضوع الأمر؟ وما موضوع موضوعه؟ وهل يدل على الفور أم لا؟ وهل يدل على التكرار أم لا؟ وهل يدل على الإجزاء أم لا؟ وهل يدل على النهي أم لا؟ وهل يشترط فيه العلو والاستعلاء أم لا؟ وهل تشترط فيه الإرادة أم لا (٢)؟ قوله: (في مسماه) أي: في بيان موضوع لفظ (٣) الأمر. وقوله: (ما هو) أي: أي شيء هو مسمى الأمر؟ واعلم أن ما هو (٤) يطلب به أحد أمرين: إما شرح الاسم، وإما شرح المسمى. وقولنا (٥): شرح الاسم، أي: شرح الاسم لمن هو عارف بالمسمى، لكنه جاهل بدلالة لفظ الاسم على المسمى.

стр. 1237

وقولنا: شرح المسمى أي: شرح المسمى لمن هو عارف بدلالة لفظ الاسم على المسمى لكنه جاهل بالمسمى. ومقصود المؤلف في هذه الترجمة أن يبين شرح المسمى، أي: أن يبين شرح مسمى لفظ (١) الأمر لمن هو عالم بدلالة لفظ الأمر على المسمى وضعًا، لكنه جاهل بالمسمى. قوله: (أما لفظ الأمر فالصحيح: أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات). هذا هو المطلب الأول وهو: موضوع الأمر (٢) أي: مسمى الأمر، فالموضوع والمسمى مترادفان. واعلم أن العلماء قد اختلفوا في الكلام وجميع أنواعه: من الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والتنبيه، والدعاء، وغير ذلك على ثلاثة مذاهب (٣).

стр. 1238

قيل: حقيقة في اللساني مجاز في النفساني، وهو مذهب الأصوليين. وقيل: حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، وهو مذهب المتكلمين. وإليه أشار المؤلف بقوله: (وقيل (١): هو موضوع للكلام النفساني دون اللساني). وقيل: هو حقيقة فيهما معًا، أي: حقيقة في اللساني والنفساني معًا، فيكون لفظًا مشتركًا بينهما، أي: بين اللساني والنفساني، وإليه أشار المؤلف بقوله: (وقيل: مشترك (٢) بينهما).

стр. 1239

قال المؤلف في الشرح: والاشتراك هو المشهور (١)، [وإن كان] (٢) المؤلف لم يذكر (٣) هذا الخلاف إلا في خصوصية (٤) الأمر، فهو عام في جميع أنواع الكلام. [وقيل: للقدر المشترك بين اللساني والنفساني، وهو: قول رابع] (٥). حجة القول بأنه حقيقة في اللساني خاصة: التبادر إلى الفهم؛ لأنك إذا سمعت أمر فلان بكذا فلا يتبادر إلى فهمك إلا خصوصية اللفظ دون غيره، والتبادر إلى الفهم دليل الحقيقة. ورد هذا: بالمجاز (٦) الراجح. حجة القول بأنه حقيقة في النفساني خاصة: بيت الأخطل وهو قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان (٧) على الفؤاد دليلاً (٨)

стр. 1240

وقال ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ (١). حجة القول بأنه حقيقة فيهما: وروده واستعماله في اللساني والنفساني، والأصل في الاستعمال الحقيقة دون المجاز. [حجة القول بأنه للقدر المشترك بين اللساني والنفساني: وروده مستعملاً فيهما] (٢). [والأصل عدم المجاز وعدم الاشتراك فوجب أن يكون مستعملاً في القدر المشترك بينهما] (٣). [وحجة أخرى: أن فيه الجمع بين الأدلة؛ إذ الجمع بينهما أولى من اطراح أحدهما (٤)] (٥). ثم إذا فرعنا على القول الذي هو حقيقة في اللساني خاصة وهو قول الأصوليين كما تقدم، فاختلفوا في حصر صفة (٦) الأمر على ثلاثة أقوال (٧):

стр. 1241

قيل: حقيقية في القول مجاز في غيره، هذا مذهب (١) الجمهور، وإليه أشار المؤلف بقوله: والصحيح (٢): أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات، هذا هو (٣) مذهب الجمهور (٤). وقيل: مشترك (٥): بين شيئين، أي (٦): بين القول والفعل، وهو مذهب الباجي (٧) وغيره. وإليه أشار المؤلف بقوله: (وعند بعض (٨) الفقهاء مشترك بين القول والفعل). حجته: أنه استعمل (٩) فيهما (١٠) معًا (١١)، والأصل الحقيقة. ورد هذا: بأن الأصل عدم الاشتراك. القول الثالث: أنه لفظ مشترك (١٢) بين خمسة أشياء: القول، والفعل،

стр. 1242

والشيء، والشأن، والصفة (١). [وإليه أشار المؤلف بقوله: وعند أبي الحسين مشترك بينهما وبين الشيء والشأن والصفة] (٢). فيكون مشتركًا بين هذه الأشياء الخمسة لورود استعمال لفظ الأمر في جميعها، والأصل الحقيقة (٣). ورد (٤): بأن الأصل عدم الاشتراك. مثال القول: قوله تعالى (٥): ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٦). ومثال الفعل: قوله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧). [أي: من فعل الله] (٨). وقولنا: كنا في أمر عظيم إذا كنا في الصلاة.

стр. 1243

ومثال الشيء قولك: ائتني بأمر ما، أي: بشيء ما، ومنه قولهم في المثل السائر: لأمر ما جدع قصير أنفَه (١). ومثال الشأن: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٢). قال المؤلف في الشرح: معناه: وما شأننا في إيجادنا إلا ترتيب مقدورنا على قدرتنا وإرادتنا، من غير تأخير كلمح بالبصر (٣)، أي: كخطفة (٤) البصر (٥). ومثال الصفة قول الشاعر: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود أي: لصفة ما يسود من يسود. قوله: (اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب (٦)) المراد بالصيغة: اللفظ، أي: هو اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب، أي: هو اسم لمطلق اللفظ الذي

стр. 1244

هو قدر مشترك بين جميع صيغ الأمر، يعني لفظ الأمر الذي هو: مجموع الهمزة والميم والراء، هو: اسم الصيغة (١) "افعل"، أي: [هو اسم] (٢) للفظ افعل، عبّر المؤلف أولاً باللفظ في قوله: (أما لفظ الأمر)، وعبّر ثانيًا بالصيغة في قوله: (لمطلق الصيغة) كراهة إعادة اللفظ بعينه. فقولك إذًا: أمر موضوع في اللغة العربية لقولك: افعل. قوله: (لمطلق الصيغة) أي: لمطلق القول الدال على الطلب خلافًا للمتكلمين [القائلين] (٣) بأنه الموضوع [للطلب] (٤) القائم بالنفس وهو المعنى القائم بذات الأمر، وهو: مدلول اللفظ. و (٥) قوله: (الدالة) احترازًا من الصيغة المهملة (٦). وقوله: (على الطلب) الألف واللام للحوالة على قوله أولاً في حقيقة الأمر في الفصل السادس (٧) في أسماء الألفاظ: "والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلبًا جازمًا على سبيل الاستعلاء نحو: "قم" أي: على طلب الفعل طلبًا جازمًا على سبيل الاستعلاء، والمراد بالطلب: إيجاد الشيء وإدخاله في الوجود، فيندرج فيه طلب الفعل، وطلب القول، وطلب الاعتقاد، وقد تقدم ذلك في حقيقة الأمر في الفصل السادس (٨).

стр. 1245

قوله: (من سائر اللغات) يعني: من جميع اللغات، فيندرج في هذا الحد جميع الألفاظ الدالة على الطلب بأي لغة (١) كانت؛ لأن حقيقة الأمر لا تختلف باختلاف اللغات؛ فإن التركي مثلاً يأمر وينهى كما يأمر العربي وينهى. قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر، فهو: موضوع عند مالك ﵀ وعند (٢) أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم (٣)، وعند آخرين (٤) لا يعلم حاله). ش: هذا هو المطلب الثاني، و (٥) هو: بيان موضوع الأمر، فلما بيّن المؤلف ﵀ موضوع الأمر الذي هو صيغة "افعل" أراد أن يبين موضوع صيغة (٦) "افعل" يعني الصيغة المجردة عن القرائن. قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر). ش: معناه: وأما اللفظ الذي هو موضوع الأمر ومسماه، فالموضوع والمسمى والمدلول ها هنا عند المؤلف مترادفة (٧)، عبّر المؤلف أولاً بالمسمى وعبر ها هنا بالمدلول وهما واحد، وعبّر بالصيغة أولاً، وعبر ها هنا

стр. 1246

باللفظ والصيغة واللفظ أيضًا واحد. قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول (١) الأمر) أي: أما (٢) الصيغة التي هي موضوع الأمر فهي موضوعة عند مالك ﵀ وعند أصحابه للوجوب، ذكر المؤلف ها هنا أربعة أقوال (٣) في موضوع صيغة افعل: أحدها: الوجوب وهو مذهب مالك (٤) والشافعي (٥)، وجماعة من المتكلمين (٦)، وجماعة من المعتزلة (٧).

стр. 1247

قوله: (وعند أصحابه) يعني: جمهور (١) أصحاب مالك؛ [إذ من أصحاب مالك] (٢) من قال: بأن موضوعه الندب. القول الثاني: أنه موضوع حقيقة للندب، وهو مذهب أبي هاشم (٣)، وكثير من المعتزلة وكثير من المتكلمين (٤)، وبعض المالكية (٥). القول الثالث: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، أي: هو موضوع (٦) للطلب المشترك بينهما وهو رجحان الفعل على الترك؛ لأن الوجوب والندب مشتركان في مطلق الطلب، ولا دلالة له على منع الترك ولا على الإذن في الترك؛ لأن الوجوب قد امتاز (٧) بمنع (٨) ترك [الفعل، وامتاز الندب بالإذن في ترك] (٩) الفعل، وإلى هذا القول الثالث أشار المؤلف بقوله: (وللقدر المشترك بينهما عند قوم). القول الرابع: أنه حقيقة في أحدهما [من] (١٠) غير تعيين وجوب ولا ندب، [ولا يدرى بعينه فيجزم بوضعه لأحدهما ويتوقف (١١) في تعيينه، هذا

стр. 1248

ظاهر كلام المؤلف في شرحه (١). وظاهر كلام الإمام في المحصول أن هذا القول معناه: أنه حقيقة] (٢) في واحد من ثلاثة أمور: إما الوجوب، أو الندب، أو حقيقة (٣) فيهما معًا، فيكون لفظًا (٤) مشتركًا بينهما فهو حقيقة في واحد من هذه الثلاثة، ولكن لا يدرى تعيين موضوعه من هذه الثلاثة (٥). وهو مذهب الأشعري، والباقلاني, والغزالي (٦). وإلى هذا القول الرابع أشار المؤلف بقوله: وعند الآخرين لا يعلم حاله.

стр. 1249

هذه أربعة أقوال ذكرها المؤلف ها هنا، وذكر المؤلف في الشرح سبعة مذاهب ونصه: في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب, وللندب، للقدر المشترك بينهما، مشترك بينهما, لأحدهما (١) لا يعلم حاله, للإباحة, الوقف في ذلك كله, ذكر (٢) الإمام فخر الدين في المحصول (٣) والمعالم (٤) بعضها ها هنا وبعضها ها هنا. انتهى نصه (٥). وذكر قطب الدين الشيرازي قولاً ثامنًا بأنه: موضوع [بالاشتراك اللفظي بين ثلاثة أشياء: الوجوب, والندب, والإباحة. وذكر أيضًا قولاً تاسعًا بأنه موضوع] (٦) بالاشتراك المعنوي وهو: القدر المشترك، وهو مطلق الإذن بين الوجوب, والندب، والإباحة. [وذكر قولاً عاشرًا: بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء وهي: الوجوب, والندب، والإباحة] (٧) والتهديد، وهو مذهب الشيعة (٨). فهذه عشرة أقوال (٩) ذكر المؤلف منها ها هنا أربعة أقوال وهي: الوجوب،

стр. 1250

والندب، والقدر المشترك، والوضع لأحدهما لا بعينه. حجة القول بالوجوب: القرآن، والحديث، واللغة: فالقرآن: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (١). ذمه على مخالفة أمره إياه بالسجود لآدم (٢). وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٣). فذمهم على مخالفة الأمر، والذم على المخالفة دليل على وجوبه. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٤) الآية ولا يعذب إلا في ترك الواجب (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٦).

стр. 1251

والحديث (١) قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢). وليس هناك ما ينفي إلا الوجوب لثبوت الندب إلى السواك فلا (٣) يصح نفيه مع ثبوته. ودليل (٤) اللغة: أن السيد إذا أمر عبده (٥) بفعل (٦) فلم (٧) يفعل استحق الذم والتوبيخ، فدل على الوجوب. وحجة القول بالندب: قوله ﵇: "إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٨).

стр. 1252

ففوض فيه الأمر إلى مشيئتنا، وذلك دليل الندب. أجيب (١) عن هذا الدليل: بأنه لم يرده (٢) إلى مشيئتنا [وإنما رده (٣) إلى استطاعتنا، فلو رده (٤) إلى المشيئة لقال: فأتوا منه ما شئتم] (٥)، والرد إلى الاستطاعة (٦) ليس من خواص المندوب؛ لأن كل واجب مردود إلى الاستطاعة (٧) لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٨). وحجة القول بأنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب أن الأمر ورد مستعملاً في الوجوب (٩)، ومستعملاً في الندب (١٠)، والأصل عدم

стр. 1253

الاشتراك، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب (١) بالفعل (٢). وحجة القول بأنه [لواحد من] (٣) الوجوب أو الندب (٤) من غير تعيين: أنه ورد مستعملاً في الوجوب ومستعملاً في الندب، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل دليل على تعيين أحدهما فيجزم بالوضع [له] (٥) ويتوقف في التعيين. وحجة القول بالإباحة: أن الوجوب، والندب، والإباحة، هذه الأقسام الثلاثة كلها مشتركة في معنى واحد وهو: جواز الإقدام على الفعل، فوجب حمله (٦) على ذلك (٧) المعنى، والأصل عدم اعتبار الخصوصية (٨) (٩).

стр. 1254

وحجة القول بأنه مشترك بين الوجوب والندب: أنه ورد مستعملاً في كل واحد منهما والأصل الحقيقة، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله حقيقة في كل واحد من الثلاثة (١) فيكون لفظًا مشتركًا. [وحجة القول بأنه مشترك بين الثلاثة: الوجوب، والندب، والإباحة بالاشتراك اللفظي: أنه مستعمل في الثلاثة، والأصل الحقيقة وعدم المجاز: فوجب جعله حقيقة (٢) في كل واحد من الثلاثة، فيكون لفظًا مشتركًا] (٣). وحجة القول بأنه للقدر المشترك (٤) بين الثلاثة: الوجوب، والندب، والإباحة، والمراد بالقدر المشترك بينهما مطلق (٥) الإذن: أن (٦) هذه الأقسام الثلاثة مشتركة بالاشتراك المعنوي في معنى واحد، وهو: مطلق الإذن فوجب جعله لذلك المعنى. وحجة القول بأنه مشترك بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء: الوجوب، والندب، والإباحة, والتهديد: أنه ورد استعمال الأمر في كل واحد من الأربعة، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله لفظًا (٧) مشتركًا بين المعاني الأربعة. قوله: (وهو عنده أيضًا للفور وعند الحنفية، خلافًا لأصحابنا (٨) المغاربة

стр. 1255

والشافعية، وقيل: بالوقف". ش: هذا هو المطلب الثالث وهو قولنا: هل يدل الأمر على الفور أم لا (١)؟ ومعنى هذا: هل يجب تعجيل [الفعل] (٢) المأمور به في أول أزمنة الإمكان أم لا؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى (٣) في ذلك ثلاثة أقوال (٤):

стр. 1256

الأول: وجوب المبادرة إلى الفعل أول (١) أوقات إمكانه، وإليه أشار المؤلف - رحمه الله تعالى - بقوله: (وهو عنده أيضًا للفور وعند الحنفية) أي: ومدلول صيغة افعل عند مالك والحنفية (٢) [عند عدم القرينة] (٣) موضوع للفور (٤)، أي: مقتضٍ للفور، أي: مقتض للتعجيل والمبادرة دون تراخ (٥)،

стр. 1257

وهو مذهب البغداديين (١) من أصحاب مالك. قال (٢) القاضي عبد الوهاب في الملخص: الذي (٣) ينصره أصحابنا أنه على الفور، وأخذوا ذلك (٤) من أمر مالك بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، وغير ذلك من عدة مسائل في مذهبه (٥). القول الثاني: أنه يقتضي التراخي، وهو: جواز التأخير، لا وجوب التأخير، أي: يقتضي الأمر المطلق [المجرد من القرائن] (٦) جواز التأخير (٧) للفعل المأمور به، ولا يقتضي الفور، أي: ولا يقتضي تعجيل الفعل المأمور به.

стр. 1258

وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (خلافًا لأصحابنا المغاربة والشافعية) يعني: القائلين بالتراخي، وهو مذهب القاضي (١) الباجي (٢) والقاضي أبي بكر (٣) الباقلاني (٤). القول (٥) الثالث: أنه لا يتعين له وقت لا بتقديم ولا بتأخير، أي: لا يقتضي الفور ولا التراخي. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: وهو مذهب قوم من أصحابنا المتكلمين. وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وقيل بالوقف). وهذا الخلاف كله إنما هو على القول: بأن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يقتصي إلا مرة واحدة، وأما على القول بأن الأمر يقتضي التكرار فإنه يقتضي الفور باتفاق؛ لأن تعجيل المأمور به (٦) في أول أزمنة الإمكان مع تكراره (٧) يقتضي استقرار جميع الأزمنة حتى الزمان الفوري، ومسألة الفور هي من فروع مسألة التكرار, فينبغي أن تقدم مسألة التكرار (٨) على مسألة الفور؛ إذ

стр. 1259

الفرع يؤخر أصله، ولكن قدم المؤلف ﵀ مسألة الفور لاجتماعها مع مسألة حمل الأمر على الوجوب في الدليل الواحد كما سيأتي بيان (١) دليلها. حجة القول بأنه على الفور: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٢) فلو لم يكن الأمر للفور لكان من حجة إبليس أن يقول: أمرتني بالسجود ولم توجب عليّ تعجيله. وردّ بعضهم هذا الدليل بأن قال: الاستدلال لا يمس محل النزاع؛ لأن محل النزاع هو الأمر المجرد عن القرائن، وأما هذا (٣) الدليل فقد اقترنت به قرينة لفظية تصرفه إلى الفور وهي (٤) قوله (٥): ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٦)؛ لأن الله تعالى رتّب السجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب، فهو يقتضي السجود عقيبها على الفور من غير تراخ (٧).

стр. 1260

وحجة القول بجواز التراخي: أن الذي يقتضيه الأمر هو وجوب الفعل، وليس في صيغته ما يدل على الوقت لا بتقديم ولا بتأخير، فوجب ألا يحمل على الفور إلا بدليل منفصل. حجة (١) القول بالوقف: تعارض الأدلة. قوله: (وهو عنده (٢) للتكرار، قاله ابن القصار من استقراء كلامه، وخالفه أصحابه (٣)، وقيل بالوقف). ش: هذا هو المطلب الرابع وهو قولنا: هل يدل على التكرار أم لا؟ معناه: هل يدل الأمر (٤) على تكرار الفعل المأمور به أو لا يدل إلا على المرة الواحدة؟ [وهذا أيضًا إذا تجرد عن القرينة] (٥). ذكر المؤلف ﵀ (٦) في ذلك ثلاثة أقوال (٧):

стр. 1261

أحدها: أنه يدل على التكرار، وهو مذهب مالك، وجماعة من الفقهاء, والمتكلمين (١). وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وهو عنده للتكرار) أي: عند مالك. القول الثاني: أنه للمرة الواحدة. قال عبد الوهاب في الملخص (٢) وفي الإفادة أيضًا: إنه مذهب أصحاب مالك (٣). وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وخالفه أصحابه). القول الثالث: أنه لا يقتضي شيئًا، أي (٤): لا يقتضي (٥) المرة الواحدة ولا التكرار على التعيين. وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: وقيل بالوقف. وذهب إمام الحرمين (٦) والإمام فخر الدين (٧) وغيرهم (٨) من

стр. 1262

المحققين (١) إلى أن الأمر إنما يفيد طلب الماهية من (٢) غير إشعار بالوحدة أو التكرار (٣)، ولكن لا بد من الوحدة لتحصيل مقتضى الصيغة، وهو: إدخال ماهية المأمور به في الوجود. هذه (٤) أربعة أقوال ذكر المؤلف منها ثلاثة وسكت عن الرابع. واحتج القائلون بأنه (٥) للتكرار بأربعة أوجه: أحدها (٦): أن الصديق ﵁ استدل على وجوب تكرار الزكاة على أهل الردة بقوله تعالى: ﴿وآتُوْا الْزَّكَاةَ﴾ (٧) بمحضر الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه، فكان إجماعًا سكوتيًا على أن الأمر للتكرار. الثاني: قياس الأمر على النهي لاشتراكهما في مطلق الطلب، وإن كان الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الترك، وهو ضده؛ لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا بـ "لا" قياسًا على "إن" مع أنهما

стр. 1263

متضادان؛ لأن "لا" لتأكيد (١) النفي، و"إن" لتأكيد (٢) الإيجاب، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في مطلق التأكيد، كما قرره النحاة. قال ابن مالك في الألفية: عمل إن اجعل للا في نكرة ... مفردة جاءتك أو مكررة فانصب بها مضافًا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (٣) مثال المضاف: لا طالب (٤) علم محروم (٥). ومثال مشابه المضاف: لا طالعًا جبلاً ظاهر (٦). الوجه الثالث: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة ولا يقتضي التكرار (٧) لامتنع ورود النسخ (٨) بعد فعله مرة واحدة؛ لأنه إذا فعل مرة واحدة خرج المكلف به عن عهدة التكليف، ولم يبق هناك ما ينسخ؛ لأن ورود النسخ بعد المرة الواحدة يدل على البداء (٩)، مع أن النسخ يجوز وروده على الأمر عند

стр. 1264

الجميع. [الوجه الرابع: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة، ولا يقتضي التكرار لامتنع (١) ورود الاستثناء] (٢) [عليه مع أن الاستثناء يجوز ورود الأمر عليه عند الجميع] (٣). فلو قلنا (٤): لا يقتضي التكرار، لصار الاستثناء (٥) بعد (٦) المرة الواحدة نقضًا. أجيب عن الأول، وهو استدلال الصدِّيق (٧) بآية الزكاة على تكرار الزكاة على أهل الردة: بأن التكرار يحتمل أن يكون مستفادًا من القرائن لا من لفظ الآية. وأجيب عن الثاني: وهو قياس الأمر على النهي: بأنه قياس في اللغة، وهو ضعيف على ما يأتي في باب القياس (٨) إن شاء الله. وأجيب عن الثالث: وهو (٩) قولنا: لو لم يقتض (١٠) التكرار لامتنع ورود

стр. 1265

النسخ عليه بعد فعله: بأن النسخ إذا ورد عليه صار ذلك قرينة تدل على أن المراد به التكرار دون المرة الواحدة. وأجيب عن الرابع: وهو قولنا: لو لم يقتض (١) التكرار لامتنع ورود الاستثناء عليه: بأن الاستثناء إذا ورد عليه [ففائدته] (٢): المنع من إيقاع الفعل في بعض الأوقات التي كان المكلف مخيرًا بين إيقاع الفعل [فيه] (٣) وفي غيره من الأوقات. واحتج القائلون بأنه للمرة الواحدة: أن السيد إذا أمر عبده (٤) بفعل ففعله مرة واحدة (٥) فإنهم يسمونه ممتثلاً وفاعلاً لما أمر به لغة، فدل ذلك على أنه موضوع للمرة الواحدة. [أجيب عن هذا الدليل بأنه إنما سمي ممتثلاً؛ لأنه فعل ما (٦) أمر به لإتيانه بالمرة الواحدة] (٧). [واحتج القائلون بأن الأمر إنما يفيد] (٨) المأمور به لاستحالة دخول حقيقة
следующие страницы →