أحدها: أنه يدل على التكرار، وهو مذهب مالك، وجماعة من الفقهاء, والمتكلمين (١).
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وهو عنده للتكرار) أي: عند مالك.
القول الثاني: أنه للمرة الواحدة.
قال عبد الوهاب في الملخص (٢) وفي الإفادة أيضًا: إنه مذهب أصحاب مالك (٣).
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وخالفه أصحابه).
القول الثالث: أنه لا يقتضي شيئًا، أي (٤): لا يقتضي (٥) المرة الواحدة ولا التكرار على التعيين.
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: وقيل بالوقف.
وذهب إمام الحرمين (٦) والإمام فخر الدين (٧) وغيرهم (٨) من
стр. 1262
المحققين (١) إلى أن الأمر إنما يفيد طلب الماهية من (٢) غير إشعار بالوحدة أو التكرار (٣)، ولكن لا بد من الوحدة لتحصيل مقتضى الصيغة، وهو: إدخال ماهية المأمور به في الوجود.
هذه (٤) أربعة أقوال ذكر المؤلف منها ثلاثة وسكت عن الرابع.
واحتج القائلون بأنه (٥) للتكرار بأربعة أوجه:
أحدها (٦): أن الصديق ﵁ استدل على وجوب تكرار الزكاة على أهل الردة بقوله تعالى: ﴿وآتُوْا الْزَّكَاةَ﴾ (٧) بمحضر الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه، فكان إجماعًا سكوتيًا على أن الأمر للتكرار.
الثاني: قياس الأمر على النهي لاشتراكهما في مطلق الطلب، وإن كان الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الترك، وهو ضده؛ لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا بـ "لا" قياسًا على "إن" مع أنهما
стр. 1263
متضادان؛ لأن "لا" لتأكيد (١) النفي، و"إن" لتأكيد (٢) الإيجاب، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في مطلق التأكيد، كما قرره النحاة. قال ابن مالك في الألفية:
عمل إن اجعل للا في نكرة ... مفردة جاءتك أو مكررة
فانصب بها مضافًا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (٣)
مثال المضاف: لا طالب (٤) علم محروم (٥).
ومثال مشابه المضاف: لا طالعًا جبلاً ظاهر (٦).
الوجه الثالث: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة ولا يقتضي التكرار (٧) لامتنع ورود النسخ (٨) بعد فعله مرة واحدة؛ لأنه إذا فعل مرة واحدة خرج المكلف به عن عهدة التكليف، ولم يبق هناك ما ينسخ؛ لأن ورود النسخ بعد المرة الواحدة يدل على البداء (٩)، مع أن النسخ يجوز وروده على الأمر عند
стр. 1264
الجميع.
[الوجه الرابع: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة، ولا يقتضي التكرار لامتنع (١) ورود الاستثناء] (٢) [عليه مع أن الاستثناء يجوز ورود الأمر عليه عند الجميع] (٣).
فلو قلنا (٤): لا يقتضي التكرار، لصار الاستثناء (٥) بعد (٦) المرة الواحدة نقضًا.
أجيب عن الأول، وهو استدلال الصدِّيق (٧) بآية الزكاة على تكرار الزكاة على أهل الردة: بأن التكرار يحتمل أن يكون مستفادًا من القرائن لا من لفظ الآية.
وأجيب عن الثاني: وهو قياس الأمر على النهي: بأنه قياس في اللغة، وهو ضعيف على ما يأتي في باب القياس (٨) إن شاء الله.
وأجيب عن الثالث: وهو (٩) قولنا: لو لم يقتض (١٠) التكرار لامتنع ورود
стр. 1265
النسخ عليه بعد فعله: بأن النسخ إذا ورد عليه صار ذلك قرينة تدل على أن المراد به التكرار دون المرة الواحدة.
وأجيب عن الرابع: وهو قولنا: لو لم يقتض (١) التكرار لامتنع ورود الاستثناء عليه: بأن الاستثناء إذا ورد عليه [ففائدته] (٢): المنع من إيقاع الفعل في بعض الأوقات التي كان المكلف مخيرًا بين إيقاع الفعل [فيه] (٣) وفي غيره من الأوقات.
واحتج القائلون بأنه للمرة الواحدة: أن السيد إذا أمر عبده (٤) بفعل ففعله مرة واحدة (٥) فإنهم يسمونه ممتثلاً وفاعلاً لما أمر به لغة، فدل ذلك على أنه موضوع للمرة الواحدة.
[أجيب عن هذا الدليل بأنه إنما سمي ممتثلاً؛ لأنه فعل ما (٦) أمر به لإتيانه بالمرة الواحدة] (٧).
[واحتج القائلون بأن الأمر إنما يفيد] (٨) المأمور به لاستحالة دخول حقيقة
стр. 1266
الفعل المأمور به في الوجود بدون المرة الواحدة.
واحتج القائلون بأن الأمر إنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والتكرار: بأن مدلول صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرة الواحدة والتكرار أمران خارجان عن حقيقة الفعل، فلا دلالة للصيغة (١) عليهما، فلو أمر السيد عبده أن يتصدق على فقير لخرج عن العهدة بفعل المأمور به، فلو زاد على المرة الواحدة استحق اللوم.
واحتج القائلون بالوقف: بتعارض الأدلة.
قوله (٢): (لنا: قوله تعالى لإِبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٣) رتّب الذم على ترك الأمور به في الحال؛ وذلك دليل الوجوب والفور، وأما التكرار فلصحة الاستثناء في (٤) كل زمان عن (٥) الفعل).
ذكر المؤلف ﵀ أن الأمر عند مالك ﵀ يدل على الوجوب، والفور، والتكرار، أراد أن يقرر الدليل على هذه الثلاثة (٦) فقال: لنا قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٧).
стр. 1267
معناه: لنا نحن المالكية في الاستدلال على دلالة الأمر المطلق على الوجوب، و (١) على الفور هذه الآية الكريمة؛ وذلك أن الله تبارك (٢) وتعالى رتب ذم إبليس على تركه السجود، وعلى ترك مبادرته به في الحال، فإن الذم على ترك المأمور به دليل الوجوب، والذم على ترك المبادرة به دليل الفور.
قوله: (وأما التكرار فلصحة الاستثناء في كل زمان عن الفعل).
هذا دليل كون الأمر المطلق يفيد التكرار، ومعنى هذا: أن أوقات الفعل المأمور به يصح أن يستثنى [منها] (٣) بعض الأوقات، فتقول مثلاً: صلّ إلا عند الزوال، وصلّ إلا عند الغروب، أو افعل كذا إلا في وقت كذا فلا تفعل فيه، فإذا صح الاستثناء لبعض الأوقات، دلّ ذلك الاستثناء على التكرار؛ إذ لا يصح الاستثناء إلا مما يمكن تكراره.
قوله: (وأما التكرار) فمعناه (٤): وأما دليل التكرار فحذف المضاف.
قوله: (في كل زمان عن الفعل) أي: عن إيقاع الفعل؛ ففيه حذف (٥) المضاف لدلالة السياق عليه.
قوله (٦): (فإِن علق على الشرط (٧) فهو عنده وعند جمهور أصحابه والشافعية للتكرار، خلافًا للحنفية).
стр. 1268
ش: هذا الفرع من تمام المطلب الذي قبله، وذلك أنه ذكر أولاً الخلاف في الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار أم لا؟ فذكر ها هنا الخلاف في خصوصية الأمر المعلق (١) على شرط (٢)، ولكن هذا الخلاف إنما هو على القول: بأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار (٣)، وأما على القول بأن الأمر المطلق يفيد التكرار، فأولى وأحرى أن يفيد التكرار عند تعلقه بشرط؛ لأن الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرر بتكرر أسبابه (٤)، فيجتمع حينئذ موجبان للتكرار وهما: الوضع، والسببية.
وأما من قال: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فاختلفوا عند تعليقه.
стр. 1269
فمنهم من خالف أصله؛ لأجل السببية الناشئة عن التعليق وقال بإفادة التكرار.
ومنهم: من طرد أصله وقال بعدم التكرار.
قوله: (فإِن علق على شرط) يريد: أو صفة؛ إذ الحكم فيهما واحد.
مثال الشرط قولك: صلّ إذا زالت الشمس، أو صم إذا استهلّ الشهر.
ومثال الصفة قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِق وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١).
وقوله تعالى (٢): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ (٣).
قوله: (فهو عنده) أي: عند مالك ﵀.
قوله: (والشافعية) أي: وجمهور الشافعية.
قوله: (خلافًا للحنفية) أي: القائلين بعدم التكرار.
حجة القول بالتكرار: [أن التكرار] (٤) ثبت في أوامر الشرع المتعلقة بشرط أو صفة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾ (٥) , وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُبُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٦)، وقوله تعالى (٧): ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ
стр. 1270
الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (١)، وقوله تعالى (٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ (٥)، فلما ثبت التكرار في الأوامر الشرعية المعلقة دل ذلك على أن الأمر المعلق على شرط أو صفة يدل على التكرار.
حجة القول بعدم التكرار: أن اللفظ لم يدل إلا على التعليق بالشرط، أو الصفة، والمفهوم من تعليق شيء على شيء أعم من كونه بوصف الدوام، أو المرة الواحدة، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فتبين بذلك: أن التعليق لا دلالة فيه على التكرار؛ لأنه ليس فيه إلا مجرد الربط (٦).
قال المؤلف في الشرح: حجة التكرار: أن الشرط والصفة يجريان مجرى العلة [والحكم يتكرر بتكرر علته (٧). انتهى.
وهذا الاستدلال (٨) بمحل النزاع؛ لأن الخصم يقول: لا نسلم أن الشرط والصفة يجريان مجرى العلة] (٩).
стр. 1271
هذا كله إذا اتحد لفظ الأمر، فذكر فيه المؤلف أربعة أقوال.
ثالثها: يقتضي التكرار إن علق بشرط أو صفة.
ورابعها: الوقف. [وأما إن تعدد لفظ الأمر فهو (١) مسألة أخرى، فاعلم أنه (٢)] (٣) إذا تكرر الأمر فلا يخلو:
إما أن يكون (٤) الثاني خلاف الأول.
وإما أن يكون الثاني مثل الأول.
فإن كان الثاني خلاف الأول نحو قولك: صلّ ركعتين، صم يوم الخميس، فلا خلاف أن الثاني يحمل على التأسيس ولا يحمل على التأكيد.
وإن كان الثاني مثل الأول: فإما أن تكون هناك قرينة تمنع من التأسيس أم لا:
فإن كان هناك قرينة تمنع من التأسيس، فإنه يحمل على التأكيد باتفاق أيضًا، كقولك: أعط زيدًا درهمًا، أعط زيدًا الدرهم، فإن الدرهم الثاني هو الأول؛ لأن التعريف في الثاني (٥) قرينة دالة على إحالة الثاني على الأول، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٦)، فالرسول الثاني هو الأول.
стр. 1272
وكذلك قول السيد لعبده: اسقني ماء اسقني ماء، فإن القرينة العادية تبين بأن (١) المراد بالثاني هو المراد بالأول (٢).
وإن لم يكن هناك قرينة فهو محل الخلاف، كقولك: صل ركعتين [صل ركعتين] (٣) ففيه (٤) ثلاثة أقوال (٥):
قيل: يحمل الثاني على التأسيس، فيلزمه الإتيان بأربع ركعات.
قال الباجي: وهو الظاهر من مذهب مالك (٦).
وقيل: الثاني يحمل على التأكيد للأول، وهو مذهب الصيرفي (٧)، فلا
стр. 1273
يلزمه إلا الإتيان (١) بركعتين (٢).
وقيل: بالوقف وهو مذهب أبي الحسن (٣) البصري (٤).
حجة القول بالتأسيس (٥): أن حمل الأمر الثاني على مقتضاه يفيد التأسيس، وحمله على مقتضى الأمر الأول يفيد التأكيد، والتأكيد فرع، والتأسيس أصل، والأصل أولى من الفرع.
حجة القول بالتأكيد: أن الأصل براءة الذمة، وحمله على التأسيس (٦) عمارة (٧) الذمة، وعمارة الذمة فرع، وبراءة الذمة أصل (٨)، والأصل أولى من الفرع.
حجة القول بالوقف: تعارض الأدلة.
وهذا كله إذا كان الأمر الثاني مجردًا عن حرف العطف، وأما إذا (٩) كان الأمر الثاني معطوفًا على الأول, نحو قولك (١٠): صلّ ركعتين وصلّ ركعتين
стр. 1274
[أو صل الركعتين وصل الركعتين] (١).
فإن كان هناك قرينة تبين التأسيس أو التأكيد، فيعتمد (٢) على القرينة.
وإن لم يكن (٣) هنالك قرينة فمحل الخلاف، فهل يحمل على التأسيس لأن العطف (٤) يدل على المغايرة بين المتعاطفين؛ ولأن التأسيس [هو الأصل؟ أو يحمل على التأكيد لكثرة التأكيد في كلام العرب، فقولك مثلاً: صل ركعتين وصل الركعتين (٥) في هذا المثال أمران موجبان (٦): التأسيس] (٧) وهو (٨) واو العطف، وموجب التأكيد وهو لام العهد:
فقيل: يترجح التأسيس.
وقيل: يترجح التأكيد.
وقيل بالوقف.
قال الإمام فخر الدين: يحمل على التغاير؛ لأن لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس (٩)، كقول السيد لعبده: اشتر لنا الخبز، أو اشتر لنا اللحم.
стр. 1275
قوله (١): (وهو (٢): يدل على الإِجزاء عند أصحابه (٣)، خلافًا لأبي هاشم).
ش: هذا هو المطلب الخامس وهو قوله (٤): (هل يدل على الإِجزاء أم لا؟)، الضمير في قوله: (هو) يعود على الأمر، والضمير في قوله: (أصحابه) يعود على مالك ﵁.
ذكر المؤلف في دلالة الأمر على الإجزاء قولين (٥):
أحدهما: أنه يدل على إجزاء الفعل (٦) المأمور به إذا فعله المكلف، وهو قول أصحاب مالك وجمهور الفقهاء (٧).
القول الثاني: أنه لا يدل على الإجزاء، وهو قول أبي هاشم وجمهور الأصوليين (٨).
стр. 1276
قوله (١): (لأنه لو بقيت الذمة مشغولة بعد (٢) الفعل لم يكن (٣) أتى بما أمر به، والمقدر خلافه، هذا (٤) خلف).
ش: هذا دليل أصحاب مالك على دلالة الأمر على إجزاء (٥) فعل المأمور به.
وبيانه: أن من أتى بما أمر به على الوجه (٦) المأمور به برئت ذمته.
والدليل على براءة ذمته: أنه لو بقيت ذمته عامرة (٧) بالتكليف بعدما فعل ما أمر به لم يكن حينئذ أتى بما أمر به.
(والمقدر خلافه) أي: والمفروض أنه أتى بما أمر له.
(هذا (٨) خَلْف) أي: هذا (٩) تناقض، بيان التناقض في كلام الخصم: أن الإتيان بالمأمور له يقتضي براءة الذمة, وشغل الذمة يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به، فهذا تناقض، ومعنى التناقض ها هنا هو (١٠): قول رديء.
قال ابن السكيت (١١): الخَلْفُ بفتح الخاء: الرديء من القول، يقال:
стр. 1277
سكت ألفًا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة، ثم تكلم بخطأ (١).
قال بعض الشراح: هذا الاستدلال لا يمس محل النزاع؛ إذ لا خلاف أن من فعل ما أمر به على الوجه المأمور به، فقد حصل له الإجزاء، وإنما الخلاف: من أين استفيد الإجزاء، هل من امتثال الأمر؟ قاله الجمهور.
أو هو مستفاد من البراءة الأصلية؟ قاله أبو هاشم وكثير من الأصوليين (٢).
وحجة أبي هاشم: أن من صلى معتقدًا للطهارة، ثم تبين له أنه صلى بغير طهارة فإنه لا يحصل له الإجزاء، بل يجب عليه القضاء مع أنه أتى بالفعل المأمور به على الوجه المأمور به، فتبين بهذا: أن امتثال الأمر لا يستلزم
стр. 1278
الإجزاء؛ لأنه وجد ها هنا امتثال الأمر دون الإجزاء (١).
وحجة ثانية: أن من أفسد (٢) حجه أو صومه يجب عليه التمادي فيهما، ويجب عليه قضاؤهما (٣)، مع أنه أتى بما أمر به على الوجه المأمور به، فدل ذلك أيضًا على أن امتثال الأمر لا يدل على الإجزاء (٤).
وحجة ثالثة: قياس الأمر على النهي لاشتراكهما (٥) في الطلب، فكما أن النهي لا يدل على الفساد فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء (٦).
أجيب عن الأول: بأن الكلام إنما هو في الفعل المستجمع للشروط (٧) في نفس الأمر لا في نفس (٨) المكلف (٩) فقط (١٠).
أجيب عن الثاني: بأن (١١) القضاء (١٢) إنما وجب استدراكًا لمصلحة ما أمر به أولاً من الحج، أو الصوم العاري (١٣) عن الفساد، وما يفعله في تماديه إنما هو
стр. 1279
مجزئ عن الأمر الوارد بالتمادي (١).
أجيب عن قياس الأمر على النهي: بأنه قياس [في] (٢) اللغة وهو: ضعيف (٣)، وإن سلّمنا صحته فنمنع كون النهي لا يدل على الفساد بل يدل عليه.
قوله (٤): (وعلى النهي عن أضداد (٥) المأمور به عند أكثر أصحابه (٦) من المعنى لا من اللفظ، خلافًا لجمهور المعتزلة وكثير من أهل (٧) السنة).
ش: هذا هو المطلب السادس, وهو قولنا: هل يدل الأمر على النهي عن أضداد المأمور به أم لا؟ ذكر المؤلف فيه (٨) قولين (٩):
стр. 1280
قيل: صيغة "افعل" تدل على إيجاد الفعل المأمور به، وتدل أيضًا على ترك كل ما يضاد الفعل المأمور به، وهو مذهب أكثر (١) أصحاب مالك.
وإليه أشار المؤلف بقوله: (عند أكثر (٢) أصحابه) أي: أصحاب مالك.
وقيل: لفظ الأمر لا يدل إلا على إيجاب الفعل، ولا يدل على المنع من أضداده.
وإليه أشار المؤلف بقوله: خلافًا لجمهور المعتزلة وكثير من أهل السنة.
وفيه قول ثالث بالتفصيل (٣) بين أمر الوجوب (٤) وأمر (٥) الندب، فأمر
стр. 1281
الوجوب يدل على النهي عن أضداده؛ [لأن أضداده] (١) مانعة من فعل الواجب، بخلاف أمر الندب فلا يدل على النهي عن أضداده.
حجة القائلين بأن الأمر يقتضي النهي:
قول (٢) المؤلف في الشرح: لأن الأمر بالشيء يدل على الوجوب، ومن لوازم الوجوب ترك جميع أضداده، والدال على الشيء دال على لوازمه، فالأمر يدل بالالتزام على ترك جميع الأضداد (٣).
وحجة القائلين بأن الأمر لا يقتضي النهي:
[قول (٤) المؤلف في الشرح] (٥): لأن الآمر بالشيء قد يكون غافلاً عن ضده، والغافل عن الشيء لا ينهى عنه (٦).
قال المؤلف في الشرح: الجواب عن هذا: أن القصد إنما يشترط (٧) في الدلالة باللفظ، وأما في دلالة اللفظ [فلا، وهذا من دلالة اللفظ] (٨)(٩).
стр. 1282
قوله: (من المعنى لا من اللفظ) معناه: أنه (١) يدل على النهي من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، أي: يدل على النهي بالالتزام لا (٢) بالمطابقة؛ لأن لفظ الأمر إنما وضع لطلب الفعل لا لطلب الترك، ولكن يدل لفظ الأمر على طلب الترك بدلالة الالتزام، وهي: المراد بقوله: (من المعنى لا من اللفظ) (٣).
قال المؤلف في الشرح: ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت، فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والمسجد، والطريق، وجميع المواضع، وإذا قال له: لا تجلس في البيت، فقد أمره بأحد (٤) المواضع، ولم يأمره بالجلوس في كلها. انتهى نصه (٥).
وإنما يكون الأمر بالشيء نهيًا عن جميع الأضداد؛ لأنه لا يمكن الإتيان بالفعل المأمور به إلا بترك جميع أضداده.
وإنما يكون النهي عن الشيء أمرًا بأحد أضداده؛ لأنه لا يمكن ترك المحرم إلا بالتلبس بضد من أضداده.
قوله: (وعلى النهي عن أضداد المأمور به (٦) ... المسألة).
стр. 1283
هذا الذي قرره المؤلف إنما هو (١) تفريع على الكلام اللساني؛ لأن مسمى الأمر عنده هو صيغة "افعل" كما تقدم أول الفصل، وأما باعتبار الكلام النفساني فاختلف العلماء في الأمر الذي هو الطلب القائم بالنفس، هل هو نهي عن أضداده أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
قيل: الأمر بالشيء هو بعينه نهي عن أضداده، معناه: أن طلب الفعل هو بعينه طلب (٢) الترك لأضداده، وهو مذهب القاضي أبي بكر (٣) في أول أقواله.
وقيل: الأمر بالشيء نهي عن أضداده؛ بمعنى أنه يستلزم عقلاً النهي عن أضداده، لا أنه عين النهي عن أضداده (٤)، وهو اختيار أبي بكر (٥) في آخر أقواله.
وقيل: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن أضداده، ولا مستلزمًا للنهي عن أضداده وهو اختيار الغزالي (٦)، وإمام الحرمين (٧).
قوله (٨): (ولا يشترط فيه علو الآمر، خلافًا للمعتزلة، واختار الباجي
стр. 1284
من المالكية، وأبو الحسين والإِمام فخر الدين (١) الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم الاستعلاء ولا العلو.
والاستعلاء: هيئة (٢) في الأمر من الترفع وإِظهار القهر.
والعلو: يرجع إِلى هيئة الآمر من شرفه (٣) وعلو منزلته بالنسبة إِلى المأمور).
ش: هذا هو المطلب السابع (٤) وهو قولنا: هل يشترط فيه العلو والاستعلاء أم لا؟ ذكر المؤلف في هذا الفرع ثلاثة أقوال:
أحدها: اشتراط العلو خاصة دون الاستعلاء (٥).
القول الثاني: عكسه، وهو اشتراط الاستعلاء خاصة دون العلو (٦).
القول الثالث: لا يشترط واحد منهما، لا علو ولا استعلاء (٧).
стр. 1285
ومعنى العلو: أن يكون (١) الآمر أعلى رتبة من المأمور، كأمر الله (٢) تعالى (٣) لعباده، وأمر النبي ﵇ لأمته، وأمر الملك لرعيته، وأمر السيد لعبده، وأمر الزوج لزوجته.
ومعنى الاستعلاء: أن يكون في لفظ الأمر ما (٤) يدل على الغلبة، والقهر؛ لأن الاستعلاء معناه الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ (٥) أي: غلب (٦) وقهر.
و (٧) أما القول باشتراط العلو فهو (٨) مختار القاضي عبد الوهاب في الملخص.
стр. 1286
قال (١) في الملخص: وهو القول (٢) الذي عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم (٣).
فحجة (٤) هذا القول: أن أرباب اللغة فرقوا بين الأمر والسؤال والالتماس بعلو المرتبة، فقالوا: إذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وإن كان الطلب من الأدنى إلى الأعلى فهو سؤال، وإن كان الطلب من المساوي إلى مساويه فهو التماس.
قال أبو عبد الله الخونجي في الجمل (٥): واللفظ المركب إن دل بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرًا، ومع الخضوع سؤالاً، ومع التساوي التماسًا، وإلا كان تنبيهًا إن لم يحتمل الصدق والكذب، وإن احتملهما كان خبرًا وقضية. انتهى نصه (٦).
فتبين بهذا التقرير (٧): أن علو المرتبة يشترط في الأمر.
واعترض هذا القول: بأنه ورد الطلب (٨) من الأدنى إلى الأعلى وسمي أمرًا، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٩)، مع أن رتبة
стр. 1287
قومه أخفض من رتبة فرعون، فسمي خطابهم إياه (١) أمرًا.
وكذلك قول عمرو بن العاص (٢) لمعاوية (٣) ﵄:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل (٤) ابن هاشم (٥)
стр. 1288
مع أن رتبة عمرو بن العاص أخفض من رتبة معاوية، فدل ذلك على عدم اشتراط العلو.
أجيب عن هذا: أن هذا من باب المشورة، فالمستشير يعتقد أن رتبة المستشار في صواب الرأي أعلى من رتبته.
وأما القول باشتراط الاستعلاء فحجته: أن من قال لغيره: "افعل" على جهة التضرع [لا يقال (١) له: أمره، وإن كان أعلى رتبة منه، وإذا قال له: افعل، على سبيل الاستعلاء في اللفظ] (٢) يقال له: أمره، وإن كان الآمر أخفض رتبة من المأمور، ولأجل ذلك يصفون من فعل ذلك بالجهل والحمق، ويقولون للعبد: أتأمر سيدك (٣)، إذا استعلى في لفظه، وأما إذا لم يستعل في لفظه فلا يقولون له ذلك، فدل على أن الاستعلاء شرط في الأمر.
واعترض (٤): بأنه ورد في كتاب الله الطلب من الله عباده بالامتثال (٥) لما أوجبه عليهم وخاطبهم بأحسن خطاب، وألين خطاب
стр. 1289
من غير (١) استعلاء في الكلام، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وغير ذلك من التذكير بجميل نعمه وجزيل إحسانه، ومعلوم أن هذا [ضد] (٥) الاستعلاء، مع أن ذلك كله يسمى أمرًا إجماعًا، فدل هذا على أن الاستعلاء لا يشترط في الأمر.
أجيب عن هذا: بأن قيل: أوامر الله ﵎ تقتضي (٦) التخويف وإن كانت (٧) بأحسن خطاب، ولا معنى للاستعلاء إلا ذلك.
وأما القول بعدم اشتراط العلو والاستعلاء، قال فخر الدين: وهذا القول هو الذي عليه المتكلمون (٨).
فحجته: أن صيغة افعل موضوعة لمعنى، فتصح مع العلو والاستعلاء وأضدادهما، كالخبر، والاستفهام، والترجي، والتمني، فإنها تصدق مع العلو، والدنو، والاستعلاء، والتواضع، ولا يختلف الحال بحسب اختلاف
стр. 1290
المتكلمين (١)(٢).
واعترض هذا القول بأن قيل: قولهم: وضع لمعنى محل النزاع، لأنا نقول: لا دلالة له على ذلك المعنى إلا مع العلو والاستعلاء، والله أعلم.
وأيضًا (٣) قولهم: كالخبر والاستفهام، والترجي، والتمني، هو (٤): قياس في اللغة، ونحن (٥) نمنعه.
قوله: (والاستعلاء هيئة في الأمر) أي: صفة في لفظ الأمر، أي: صفة في نفس اللفظ.
قوله: (من الترفع وإِظهار القهر) هذا بيان تلك الصفة، وهي: إظهار ترفع الآمر على المأمور في لفظه، وإظهار قهر الآمر للمأمور، فالترفع وإظهار القهر بمعنى واحد.
مثاله: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٦).
قوله: (والعلو يرجع إِلى هيئة الآمر من شرفه (٧) وعلو منزلته بالنسبة إِلى المأمور).
стр. 1291
فالفرق بين العلو والاستعلاء على هذا: أن الاستعلاء صفة قائمة باللفظ، والعلو صفة قائمة باللافظ (١) وهو الآمر.
قوله (٢): (ولا يشترط فيه إِرادة المأمور به، ولا إِرادة الطلب، خلافًا لأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة).
ش: هذا هو المطلب الثامن وهو قولنا: هل تشترط الإرادة في الأمر أم لا؟
ذكر المؤلف ﵀ ها هنا مسألتين، اختلف فيهما أهل السنة, وأهل الاعتزال:
المسألة (٣) الأولى: هل يشترط في صيغة الأمر إرادة الفعل المأمور به أو لا تشترط (٤) إرادته:
قالت المعتزلة: الإرادة شرط.
وقال أهل السنة: الإرادة غير مشروطة (٥).
стр. 1292
فسبب (١) الخلاف بين الفريقين:
[هل بين] (٢) الأمر والإرادة ملازمة، أو لا ملازمة بينهما؟
قالت المعتزلة: بين الأمر والإرادة ملازمة أي: ربط عقلي.
قالوا: وذلك أن العقل يقتضي ارتباط الأمر بالإرادة وارتباط النهي بعدم الإرادة.
فاستدلوا بالعقل. قالوا (٣): وذلك أن الله تعالى أمر بالطاعة؛ لأنه أرادها، ولو لم يردها ما أمر بها، ونهى عن المعصية؛ لأنه لم يردها، ولو أرادها لما نهى عنها (٤).
وقال أهل السنة (٥): ليس بين الأمر والإرادة ملازمة، أي: ليس بين الأمر والإرادة ربط عقلي؛ لأنه قد يوجد الأمر بدون الإرادة، فإن الله تعالى يأمر بما يريد ويأمر بما لا يريد، فيأمر بما يريد في حق الطائع، ويأمر بما لا يريد في حق العاصي.
والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم مع أنه لم يرد منه السجود؛ إذ لو أراد منه السجود لسجد؛ إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع
стр. 1293
في ملكه (١).
وكذلك أيضًا (٢): أمر الله تعالى الكافر بالإيمان، مع أنه لم يرد منه الإيمان؛ إذ لو أراد منه الإيمان لآمن؛ إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع، فتبين بما قررناه: عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وهكذا أيضًا نقول في النهي؛ أي لا ملازمة (٣) بين النهي والإرادة، فإن الله تعالى ينهى عن شيء وهو (٤) يريد وقوعه.
والدليل على ذلك: أن الله تعالى نهى آدم ﵇ عن أكل الشجرة مع أن الله تعالى أراد منه الأكل؛ إذ لو لم يرد منه الأكل لما أكل منها؛ إذ خلاف مراد الله تعالي (٥) لا يقع، وكذلك أيضًا نهي الله تعالى العاصي عن المعصية، مع أن الله أراد منه المعصية [إذ لو لم يرد منه المعصية] (٦) لما عصى، إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع (٧).
стр. 1294
فتبين بهذا التقرير (١): عدم الملازمة أيضًا (٢) بين النهي والإرادة، هذا بيان المسألة الأولى، وإليها أشار المؤلف بقوله: (ولا يشترط فيه إِرادة المأمور به).
وأما المسألة الثانية وهي قوله: (ولا إِرادة (٣) الطلب)؛ وذلك (٤) أن الخلاف واقع (٥) بين أهل السنة والمعتزلة، هل يشترط في صيغة الأمر إرادة الطلب به (٦) أم لا؟
معناه: هل يشترط إرادة استعمال لفظ الأمر للوجوب أم لا؟
قال أهل السنة: صيغة الأمر موضوعة للطلب، فتدل (٧) على الطلب بمجرد الوضع فلا يحتاج (٨) إلى إرادة (٩) أخرى كسائر الألفاظ المفيدة لمعانيها
стр. 1295
بمجرد وضعها، فلا تحتاج في إفادتها لمعناها إلى النية، وإنما المحتاج إلى النية هو المجاز.
وقال أهل الاعتزال: صيغة الأمر تستعمل لعشرين معنى، فلا تنصرف إلى الطلب إلا بالإرادة.
وبيان ذلك: أن (١) الأمر يكون للوجوب، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).
ويكون للندب، كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣).
ويكون للإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤).
ويكون للإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥).
ويكون للامتنان، كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (٦).
ويكون للإكرام، كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ (٧).
ويكون للإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٨).
стр. 1296
ويكون للتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١).
ويكون للتعجيز، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٢).
ويكون للتكوين، كقوله تعالى: ﴿كُن فَيكُونُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٤).
ويكون للدعاء، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥).
ويكون للإنذار، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ (٦).
والفرق بين التهديد والإنذار: أن التهديد يكون بفعل (٧) المهدِّد نفسه، والإنذار قد يكون بفعل الغير، فإن الرسول ﵇ منذر بعقاب الله تعالى (٨)، ولا يقال له: مهدِّد.
ويكون للتعجب، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ (٩) , ومنه قولهم (١٠): أكرم بزيد.
стр. 1297
ويكون للتخيير بين شيئين (١)، كقولك: كُل السمك أو اشرب (٢) اللبن.
والفرق بين التخيير والإباحة: أن لك (٣) الجمع في الإباحة دون التخيير.
ويكون للتفويض، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ (٤).
ويكون بمعنى الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٥).
ومنه (٦) قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٧) أي: ويحمل (٨) خطاياكم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ (٩)، تقديره: إن تنفقوا، فمعناه: الشرط والجزاء.
ويكون بمعنى النهي، كقوله ﵇: "وثق (١٠) بالناس رويدًا" (١١) أي: لا تثق (١٢) بالناس إلا بعد مهلة.
стр. 1298
[ويكون للتسوية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
ويكون للتأديب، كقوله ﵇ لابن عباس ﵁: "كُل ممّا يليك" (٢).
والفرق بين التأديب والندب: أن التأديب مخصص (٣) بإصلاح الأخلاق النفسية، فهو أخص من الندب؛ لأن الندب يكون في غير (٤) ذلك؛ كالأمر
стр. 1299
بالنافلة، كقوله في الحديث: "من دخل المسجد فليصل ركعتين" (١)] (٢).
ويكون للتمني، كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح (٣) فيك (٤) بأمثل (٥)
هذه (٦) عشرون معنى (٧).
стр. 1300
قالت المعتزلة: فلا ينصرف الأمر إلى معنى الطلب إلا بالإرادة؛ لاستعماله مترددًا (١) بين هذه المعاني المذكورة، فيحتاج إلى الإرادة في معنى الطلب.
وأجيب عن هذا: بأن صيغة الأمر حقيقة في معنى الطلب مجاز في غيره، فتحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على صرفها إلى غير الحقيقة.
قوله: (لنا: أنها معنى خفي يتوقف العلم بها (٢) على اللفظ، فلو توقف اللفظ عليها للزم (٣) الدور).
ش: هذا دليل على أن الإرادة [غير مشروطة في صيغة الأمر، وذلك أن الإرادة] (٤) معنى خفي، أي: أمر باطن لا يعلم إلا باللفظ، أي: لا يعلم إلا بصيغة الأمر، فيتوقف (٥) العلم بها، أي: بالإرادة على اللفظ، أي: على سماع اللفظ من الأمر.
فلو قلنا: تشترط الإرادة في صيغة الأمر, لكانت صيغة الأمر متوقفة على الإرادة، فذلك دور لتوقف كل واحد من الأمرين على الآخر, والتعريف الدوري تعريف جهلي.
...