← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ويكون للتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). ويكون للتعجيز، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٢). ويكون للتكوين، كقوله تعالى: ﴿كُن فَيكُونُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٤). ويكون للدعاء، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥). ويكون للإنذار، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ (٦). والفرق بين التهديد والإنذار: أن التهديد يكون بفعل (٧) المهدِّد نفسه، والإنذار قد يكون بفعل الغير، فإن الرسول ﵇ منذر بعقاب الله تعالى (٨)، ولا يقال له: مهدِّد. ويكون للتعجب، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ (٩) , ومنه قولهم (١٠): أكرم بزيد.

стр. 1297

ويكون للتخيير بين شيئين (١)، كقولك: كُل السمك أو اشرب (٢) اللبن. والفرق بين التخيير والإباحة: أن لك (٣) الجمع في الإباحة دون التخيير. ويكون للتفويض، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ (٤). ويكون بمعنى الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٥). ومنه (٦) قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٧) أي: ويحمل (٨) خطاياكم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ (٩)، تقديره: إن تنفقوا، فمعناه: الشرط والجزاء. ويكون بمعنى النهي، كقوله ﵇: "وثق (١٠) بالناس رويدًا" (١١) أي: لا تثق (١٢) بالناس إلا بعد مهلة.

стр. 1298

[ويكون للتسوية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١). ويكون للتأديب، كقوله ﵇ لابن عباس ﵁: "كُل ممّا يليك" (٢). والفرق بين التأديب والندب: أن التأديب مخصص (٣) بإصلاح الأخلاق النفسية، فهو أخص من الندب؛ لأن الندب يكون في غير (٤) ذلك؛ كالأمر

стр. 1299

بالنافلة، كقوله في الحديث: "من دخل المسجد فليصل ركعتين" (١)] (٢). ويكون للتمني، كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح (٣) فيك (٤) بأمثل (٥) هذه (٦) عشرون معنى (٧).

стр. 1300

قالت المعتزلة: فلا ينصرف الأمر إلى معنى الطلب إلا بالإرادة؛ لاستعماله مترددًا (١) بين هذه المعاني المذكورة، فيحتاج إلى الإرادة في معنى الطلب. وأجيب عن هذا: بأن صيغة الأمر حقيقة في معنى الطلب مجاز في غيره، فتحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على صرفها إلى غير الحقيقة. قوله: (لنا: أنها معنى خفي يتوقف العلم بها (٢) على اللفظ، فلو توقف اللفظ عليها للزم (٣) الدور). ش: هذا دليل على أن الإرادة [غير مشروطة في صيغة الأمر، وذلك أن الإرادة] (٤) معنى خفي، أي: أمر باطن لا يعلم إلا باللفظ، أي: لا يعلم إلا بصيغة الأمر، فيتوقف (٥) العلم بها، أي: بالإرادة على اللفظ، أي: على سماع اللفظ من الأمر. فلو قلنا: تشترط الإرادة في صيغة الأمر, لكانت صيغة الأمر متوقفة على الإرادة، فذلك دور لتوقف كل واحد من الأمرين على الآخر, والتعريف الدوري تعريف جهلي. ...

стр. 1301

الفصل الثاني: ورود الأمر بعد الحظر (١) (إِذا ورد بعد الحظر اقتضى الوجوب عند الباجي ومتقدمي أصحاب (٢) الشافعي، والإِمام فخر الدين، خلافًا لبعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والإِمام (٣) في قولهم بالإِباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤) بعد قوله (٥): ﴿لا تَقْتُلُواْ الَصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦)؛ لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها). ش: ذكر المؤلف في هذا الفصل الخلاف في محمل (٧) الأمر إذا ورد بعد الحظر (٨)،

стр. 1302

هل يحمل على الوجوب، أو يحمل (١) على الإباحة، ذكر المؤلف فيه: القولين بالوجوب، والإباحة، وفيه قول ثالث بالوقف، وهو مذهب إمام الحرمين. وفيه قول رابع: بالتفصيل: فإن كان (٢) الحظر (٣) غير معلق بسبب، فإن

стр. 1303

الأمر يقتضي الوجوب، وإن كان الحظر (١) معلق بسبب فإن الأمر يقتضي الإباحة؛ لارتفاع التحريم بارتفاع ذلك السبب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢)، ارتفع تحريم الاصطياد بارتفاع الإحرام، وهذا القول مختار (٣) القاضي عبد الوهاب في الملخص، وقال: هو مذهب مالك وأصحابه (٤). وهذا الخلاف الذي ذكر (٥) المؤلف إنما هو تفريع على القول بأن الأمر (٦) ابتداء يحمل على الوجوب، ثم إذا ورد بعد تقدم (٧) الحظر (٨) هل يبقى الأمر على الوجوب الذي كان عليه قبل ورود الحظر، أو يكون تقدم (٩) الحظر عليه قرينة تصرفه إلى الإباحة. قوله: (إِذا ورد بعد الحظر) معناه (١٠): إذا ورد الأمر بالفعل بعد المنع من ذلك الفعل.

стр. 1304

قوله: (اقتضى الوجوب) أي: تضمن الوجوب عند الباجي (١) [أي: من (٢) متأخرى أصحاب مالك. قوله: (ومتقدمي أصحاب مالك) أي: وعند القدماء من أصحاب مالك] (٣) قوله: (وأصحاب الشافعي) أي: وعند القدماء من أصحاب الشافعي. قوله: (والإِمام فخر الدين) أي: من متأخري أصحاب الشافعي. قوله: (خلافًا لبعض أصحابنا) أى: من متأخري أصحاب مالك كأبي الفرج (٤) وغيره (٥). قوله: (وأصحاب الشافعي) أي: من متأخري أصحاب الشافعي في قولهم بالإباحة. قوله: (كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾) هذا مثال لورود (٦) الأمر بعد الحظر؛ لأنه ورد نهي المحرم عن (٧) الاصطياد، ثم ورد بعده: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٨).

стр. 1305

ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ (١) بعد المنع من ذلك بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). [ومثاله أيضًا] (٣): قوله تعالى (٤): ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) بعد المنع بقوله (٦): ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٧). ومثاله (٨) من الحديث قوله ﷺ : "كنت (٩) نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث (١٠) من أجل (١١) الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا" (١٢).

стр. 1306

أي: من أجل جماعة الأضياف التي ترد عليكم. ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرًا" (١).

стр. 1307

ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام" (١). قوله: (بعد قوله تعالى (٢): ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾). ش: انظر (٣) ما المراد بهذه البعدية (٤) [في قول المؤلف] (٥)؟ فإن أراد البعدية (٦) في ترتيب التلاوة: فلا يصح ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٧) قبل قوله تعالى (٨): ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٩) (١٠). وإن أراد البعدية في النزول على النبي ﷺ فممكن (١١)، ولكن من أين يعلم أن قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ نزل بعد قوله (١٢): ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ

стр. 1308

وَأَنتُمْ حرُمٌ﴾. قال بعضهم: المراد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾: معناه لا لفظه؛ وذلك إشارة إلى الآية التي قبل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ هي (١) قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)؛ لأن معناها: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣)، وهذا من باب نقل الحديث بالمعنى. قوله: (اقتضى الوجوب عند الباجي) يعني: أنه يقتضي الوجوب كما كان يقتضيه دون تقدم الحظر عليه، وليس مراده: أن الحظر قرينة تصرفه إلى الوجوب، وإنما مراده: أن الحظر لا يخرجه عن الوجوب، بل المراد أنه (٤) يبقى على حاله قبل تقدم الحظر عليه (٥). قوله: (لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها). هذا دليل المؤلف على أن (٦) الأمر بعد الحظر يفيد الوجوب؛ إذ الأصل أي: إذ الراجح استعمال صيغة الأمر في موضوعها الذي هو: الوجوب، ولا يصرف إلى غيره إلا بدليل [والأصل عدم الدليل] (٧)، هذا تفريع على القول

стр. 1309

المشهور بأن مسمى الأمر هو الوجوب، كما تقدم في قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك ﵀ وعند أصحابه للوجوب)، وذلك أن كل من قال (١) بأن الحظر (٢) لا يكون قرينة تخرجه عن مسماه، قال: يبقى على مسماه قبل تقدم الحظر عليه، فمن قال: مسماه الوجوب قبل الحظر قال: هو على (٣) الوجوب (٤) بعد الحظر، [ومن قال: مسماه الندب قبل الحظر قال: مسماه الندب بعد الحظر، ومن قال بالوقوف (٥) قبل الحظر قال: بالوقف (٦) بعد الحظر] (٧) ومن قال: وروده بعد الحظر قرينة تصرفه عن مسماه قال: بالإباحة. و (٨) حجة القول بالإباحة: غلبة استعمال لفظ الأمر بعد الحظر في الإباحة نحو الآيات الثلاث (٩) المذكورة (١٠)، والأحاديث الثلاثة (١١) المذكورة؛ فإنها كلها للإباحة اتفاقًا، وقد ورد استعمال الأمر بعد الحظر في الوجوب، ولكن قليل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢) بعد

стр. 1310

المنع من قتلهم في الأشهر الحرم؛ لأن قتل المشركين واجب؛ إذ الجهاد فرض كفاية، ولكن الحمل على الكثير الذي هو الإباحة، أولى من الحمل على القليل الذي هو الوجوب، فدل ذلك على أن المفهوم من الأمر بعد الحظر هو (١): الإباحة لا الوجوب (٢). وأجيب عن هذا: بأن الدعوى عامة، والدليل خاص، وذلك مما يبطل الدليل: كقولك (٣) مثلاً: كل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج، فكون (٤) الأمر بعد الحظر الذي (٥) يغلب استعماله في الإباحة لا يقتضي ذلك كونه للإباحة في كل موضع؛ لأنه قد يرد للوجوب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمِّ﴾ (٦) الآية. ...

стр. 1311

الفصل الثالث في عوارضه تعرض المؤلف - رحمه الله تعالى (١) - في هذا الفصل للأشياء التي تعرض للأمر أي: تطرأ عليه، وعارض الشيء هو أمر أجنبي عن (٢) حقيقته، وليس (٣) بذاتي، أي لم يوضع له لفظ الأمر، وهذه العوارض المذكورة على قسمين: أحدها: عارض لحكم الأمر، وهو النسخ. والآخر عارض للفظ الأمر، وهو الخبر. ذكر المؤلف في هذا (٤) الفصل مطلبين: أحدهما: هل يستدل بالنسخ على الجواز أم لا؟ والثاني: هل يصح ورود الأمر بمعنى الخبر أم لا (٥)؟ و (٦) بالعكس أم لا؟ قوله: (مذهب الباجي وجماعة من أصحابنا والإِمام فخر الدين:

стр. 1312

أنه إِذا نسخ احتج (١) به على الجواز؛ لأنه من لوازمه, ومنع من ذلك بعض الشافعية, وبعض أصحابنا). ش: ذكر المؤلف ها هنا العارض الأول، وهو: العارض لحكم الأمر. فذكر أن الأمر المنسوخ يجوز الاحتجاج به على جوازه, عند الباجي, ومن ذكر معه. ولا يجوز الاحتجاج به على الجواز عند بعض الشافعية: كالغزالي، وغيره من الشافعية، وعند بعض أصحابنا كالقاضي عبد الوهاب، والقاضي الباقلاني (٢).

стр. 1313

قوله (١): (إِذا نسخ) يعني: وجوب الأمر. وقوله: (يحتج به على الجواز) (٢) يستدل بذلك الأمر المنسوخ على جواز الفعل المنسوخ، وصورة ذلك: أن يرد (٣) الأمر بالوجوب ثم يقول الآمر بعد ذلك: رفعت عنكم الوجوب. قوله: (إِذا نسخ) يعني: إذا نسخ بغير التحريم، مثل أن يقول الآمر: رفعت الوجوب عنكم. وأما إن نسخ الأمر بالتحريم فلا يستدل به على الجواز؛ لثبوت تحريمه. مثل أن يقول الآمر بعد الأمر بالشيء: حرمت عليكم ذلكم (٤) الشيء، فإنه (٥) لا يستدل بذلك الأمر (٦) على جوازه. قوله: (إِذا نسخ يحتج به على الجواز). مثاله قوله تعالى: ﴿عِشْرُونَ صَابِرُون يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٧)، نسخ (٨)

стр. 1314

بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (٢). نسخ بقوله ﵇: "لا وصية لوارث" (٣). فقوله (٤): (يستدل به على الجواز)، الجواز له تفسيران:

стр. 1315

أحدهما: جواز الإقدام الذي هو أعم من الوجوب، والندب، والإباحة [وهو المباح في اصطلاح المتقدمين] (١). والتفسير الآخر: استواء الطرفين، وهو: المباح في اصطلاح المتأخرين، فالمراد (٢) من الأمرين عند المؤلف (٣) هو: المعنى الأول، وهو: جواز الإقدام؛ لأن جواز الإقدام هو: اللازم للوجوب، وأما مستوى الطرفين: فليس بلازم للوجوب، بل هو ضده. فقوله: (لأنه من لوازمه) هذا دليل القول بأنه يدل على الجواز. وتقرير هذا الدليل: أن الوجوب ماهية مركبة من جواز الفعل، ومن المنع من الترك، فإذا ارتفع المنع من الترك بالنسخ: بقي الجواز، فإن الماهية المركبة من أجزاء ترتفع بارتفاع (٤) أحد أجزائها، فلما ارتفع أحد جزئي الوجوب بالنسخ: ارتفع الوجوب، فلما ارتفع الوجوب: بقي الجواز، وهو أعم من الإباحة، أو الندب. حجة القول بأنه لا يقتضي الجواز: أن معنى الجواز مناقض لمعنى الوجوب، فاستحال أن يكون أحدهما من مقتضى الأمر (٥)؛ لأن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل، والترك (٦) على السواء، وذلك منفي عن الوجوب.

стр. 1316

قوله: (ويجوز أن يرد خبر لا طلب فيه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (١). وأن (٢) يرد (٣) الخبر بمعناه، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ وهو كثير). ش: [هذا هو المطلب الثاني] (٤). قال فخر الدين: التعبير (٥) بالأمر عن الخبر أو بالعكس مجاز، وسبب ذلك (٦): [أن] (٧) كل واحد منهما يدل على وجود الفعل، فلما اشتبها من هذا الوجه صح التجوز بأحدهما عن الآخر (٨). قوله: (وهو كثير) أي: التعبير بالخبر عن الأمر وبالعكس كثير. مثال الخبر بمعنى الأمر: قوله (٩) تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ (١٠) أي: ليرضعن أولادهن.

стр. 1317

وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٥) أي: انتهوا. وقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٦) أي: اصبروا. وقوله: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ (٧) أي: استمعوا، وقوله: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ (٨) أي: اتقوا. وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ (٩) أي: ازرعوا.

стр. 1318

وقوله (١): ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ (٢) أي: ارجعوها، يعني: الروح. ومنه قوله ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" (٣). تقديره: فيحمل (٤). [وإذا أردت أن تعرف هل الخبر على بابه، أو بمعنى الأمر فانظر: فإن صح

стр. 1319

وقوعه على خلاف مخبره فهو: أمر، وإلا فهو: خبر, كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (١) , وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ (٢) كل هذا لا يصح، أي: يصح بخلاف مخبره. وهذا القانون خاص بما جاء من ذلك في كتاب الله تعالى، أو حديث نبيه ﵇، والقانون العام أن تنظر إلى الخبر فما كان معناه الطلب فهو أمر، وإلا فهو على بابه من الخبر] (٣). ومثال لفظ الأمر بمعنى الخبر: قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٤) أي: مد له، وقوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٥) أى: ونحمل خطاياكم. [وقوله ﵇: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٦) أي: صنعت ما

стр. 1320

شئت. وقيل: هو أمر على بابه، معناه: فاصنع ما شئت إذا علمت أن ذلك الفعل لا تستحي منه إذا اطلع عليك غيرك، وإلا فلا تصنعه، ولكن هذا مخصوص بمن (١) يستحى من القبائح] (٢). [وهذان التأويلان تعارض فيهما المجاز مع التخصيص، فيقدم التخصيص على المجاز، قال الشاعر في هذا المعنى: إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... وتستحي مخلوقًا فما شئت فاصنع (٣)] (٤) [وقال المؤلف في الشرح: إن فائدة وجود الخبر بمعنى الأمر هو: أن الأمر لا يكون إلا بما فيه داعية للآمر وسبب له، فإذا عبر عنه بلفظ الأمر أشعر بالداعية. وإن فائدة ورود الأمر بمعنى الخبر: أن الخبر مستلزم ثبوت مخبره ووقوعه بخلاف مخبره، فإذا عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان آكد في اقتضاء الوقوع، حتى كأنه واقع (٥).

стр. 1321

وهذا الذي ذكره المؤلف لا تعلق له بهذا الفن، وإنما هو من علم البيان، وقد ذكر أهل هذا الفن لوقوع كل واحد منهما بمعنى الآخر، فوائد كثيرة، انظرها في كتبهم] (١). ...

стр. 1322

الفصل الرابع: جواز تكليف ما لا يطاق (١) [قوله] (٢): (يجوز تكليف ما لا يطاق، خلافًا للمعتزلة، والغزالي، وإِن كان لم يقع في الشرع خلافًا للإِمام فخر الدين). ش: ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى (٣) - في هذا (٤) الفصل ثلاثة مطالب: الأول: هل يجوز التكليف بما لا يطاق أم لا؟ الثاني: إذا قلنا بجوازه، هل هو واقع في الشرع أم لا؟ الثالث: بيان محل النزاع ما هو؟. أما المطلب الأول وهو قولنا: هل يجوز التكليف بما لا يطاق أم لا؟ فقد (٥) ذكر فيه المؤلف قولين (٦):

стр. 1323

بالجواز: وهو مذهب جمهور (١) الأشعرية. والقول الثاني: بمنع (٢) الجواز، وهو مذهب المعتزلة، والغزالي (٣). مثاله: كالجمع بين السواد والبياض في محل واحد. وكالجمع بين الحركة والسكون في محل واحد، وكجعل الجسد الواحد في مكانين في وقت واحد (٤). وسبب الخلاف: هل من شرط الفعل المكلف به أن يكون ممكن الوقوع عادة أو ليس من شرطه؟ فمن قال: من شرطه إمكان وقوعه عادة قال: لا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم شرطه الذي هو إمكان وقوعه.

стр. 1324

ومن قال: ليس من شرطه إمكان وقوعه (١) عادة، قال: يجوز التكليف به. قوله: (وإِن كان لم يقع في الشرع خلافًا للإِمام فخر الدين). ش: هذا هو المطلب الثاني وهو قولنا: إذا قلنا بجوازه هل هو (٢) واقع في الشرع أو لا (٣)، ذكر المؤلف أيضًا (٤) فيه قولين: مذهب الجمهور أنه غير واقع. ومذهب فخر الدين أنه واقع. قوله: (لنا: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٥)، فسؤال دفعه يدل على جوازه) (٦). ش: هذا حجة القول بجواز التكليف بما لا يطاق. ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة (٧): أن الدعاء بما لا يجوز حرام، فلو كان التكليف بما لا يطاق ممنوعًا لما جاز الدعاء به، فلما وجدنا الصحابة رضي الله

стр. 1325

عنهم دعوا به ها هنا، دل ذلك على أن التكليف به جائز. قال المؤلف في الشرح: ووجه الاستدلال بالآية: أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام؛ فلا يجوز: اللهم اجمع بين الضدين، ولا: اللهم اغفر للكافرين (١)، ولا غير ذلك من الممتنعات عقلاً، أو شرعًا، أو عادة، فلما سألوا دفعه، وذكر الله تعالى ذلك (٢) في سياق المدح لهم دل (٣) على أنهم لم يعصوا في دعائهم، فيكون دعاء بما يجوز، وهو المطلوب. انتهى نصه (٤). قوله: (لنا قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾). قال بعضهم: الاستدلال بهذه الآية ضعيف؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد بهذه الآية العقوبات لا التكليفات؛ لئلا تكون الآية تكرارًا للآية (٥) التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٦)؛ إذ الآية الأولى طلبوا فيها عدم التكليفات الشاقة (٧)، والآية الثانية طلبوا عدم (٨) العقوبات النازلة بمن قبلهم على تفريطهم في المحافظة على التكاليف التي كلفوها.

стр. 1326

وقوله (١): (وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٢) يدل على عدم وقوعه). ش: هذا دليل الجماعة على عدم وقوع (٣) التكليف بما لا يطاق (٤) في الشرع، وكذلك يدل عليه أيضًا (٥): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧). قال المؤلف (٨) في الشرح: وأما قول الإمام: إنه واقع، فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة الوجود: فتكون واجبة الوقوع، وإما معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف بالواجب الوقوع، أو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق. وهذا إنما يقتضي وقوع (٩) تكليف ما لا يطاق عقلاً لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي (١٠)، والنزاع ليس فيه، بل النزاع في المحال العادي فقط، فلا يحصل مطلوب الإمام. انتهى نصه (١١).

стр. 1327

قوله: (وها هنا دقيقة، وهي: أن كلما (١) لا يطاق قد يكون عاديًا فقط نحو (٢): الطيران في الهواء، أو عقلاً (٣) فقط كإِيمان الكافر الذي علم الله (٤) أنه لا يؤمن، أو عاديًا وعقليًا (٥) كالجمع بين الضدين، فالأول (٦)، والثالث، هما المرادان (٧) دون الثاني (٨)). ش: هذا بيان (٩) المطلب الثالث، وهو بيان محل النزاع المذكور. قوله: (دقيقة) الدقيقة عبارة عن المعنى الذي يدق في فهمه النظر، تقدير الكلام: وها هنا قاعدة دقيقة المعنى (١٠)، والفهم. فذكر المؤلف: أن محل النزاع المذكور إنما هو فيما لا يطاق عادة نحو: الطيران في الهواء، وفيما لا يطاق عادة وعقلاً (١١) نحو: الجمع (١٢) بين الضدين، كالجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد؛ وذلك أن الطيران في

стр. 1328

الهواء تحيله (١) العادة، وأما العقل فيجيزه، فهذا المحال عادي فقط. أما (٢) الجمع بين الضدين فهو محال عادة وعقلاً معًا، فإن العادة تحيله، وكذلك (٣) العقل يحيله أيضًا، فهذا المحال عادي، وعقلي. فهذان القسمان هما محل النزاع بيننا وبين المعتزلة، فنحن نجيزه، والمعتزلة تمنعه. وأما القسم الذي هو محل الاتفاق بيننا وبين المعتزلة، وهو المشار إليه بقول المؤلف: (دون الثاني) فهو المحال عقلاً خاصة، أي دون العادة، نحو: إيمان الكافر الذي علم الله أنه (٤) لا يؤمن، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز التكليف به، وفي وقوعه، فإن الله تعالى كلفه (٥) بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، وخلاف (٦) معلوم الله تعالى لا يقع، فهذا (٧) المحال هو عقلي لا عادي؛ لأن العقل هو الذي يحيله دون العادة، فإن أهل العادة إذا سئلوا عنه جوزوه، فهو: عقلي فقط. وإنما ذكر المؤلف هذه الدقيقة ليبين أن قول الإمام فخر الدين: "تكليف ما

стр. 1329

لا يطاق واقع" (١) في الشرع (٢) خارج عن محل النزاع؛ لأن الذي وقع في الشرع هو القسم المحال عقلاً لا عادة، وليس محل النزاع، بل يجوز التكليف به اتفاقًا. قال بعضهم: يلزم الإمام فخر الدين أن جميع التكاليف تكليف بما لا يطاق، وذلك باطل بالإجماع. ...

стр. 1330

الفصل الخامس فيما ليس من (١) مقتضاه (٢) ش: ترجم المؤلف ﵀ ها هنا للأشياء (٣) التي لا يقتضيها الأمر، أي: لا يدل عليها الأمر (٤). [اعترض هذا بأن قيل: ما لا يقتضيه الأمر لا تعلق له بالأمر، فلا معنى لذكره في مسائل الأمر] (٥)؛ لعدم تعلقه به، وأيضًا ما لا تعلق له بالأمر غير محصور، وكل ما تشتمل عليه هذه الترجمة محصور، فهذا تناقض، كأنه ترجم لغير محصور وهو محصور. أجيب عن ذلك: بأن المسائل الخمس التي ذكر المؤلف في هذا الفصل قد اختلف فيها كلها، هل هي من مقتضيات (٦) الأمر أم لا؟ فلما كان الصحيح عند المؤلف أن الأمر لا (٧) يقتضيها لصحة مستندها عنده، كان مستند من زعم

стр. 1331

أن الأمر يقتضيها وهمًا، فتقدير الترجمة إذًا: الفصل الخامس: فيما يتوهم أنه من مقتضى الأمر وليس من مقتضاه. ونظير هذه الترجمة قوله في باب النسخ: الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ (١) يعني وليس بناسخ. ونظيره أيضًا: قوله في باب العمومات: الفصل الرابع: فيما ليس من المخصصات للعموم (٢). فتبين بهذا: أن المؤلف لم يترجم ها هنا إلا لمتعلق بالأمر محصور، وفي هذا الفصل خمسة مطالب: المطلب الأول: هو قوله: (لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل، بل القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي). ش: ومعنى هذه المسألة: أن الأمر إذا ورد بعبادة في وقت معين، ولم تفعل (٣) في ذلك الوقت لعذر أو لغير عذر (٤)، أو فعلت مع اختلال بعض أركانها، فهل يجب قضاء (٥) بعد ذلك الوقت بالأمر الأول؟ قاله أبو بكر الرازي من الحنفية (٦) وهو مذهب الحنابلة.

стр. 1332

أو لا يجب قضاؤها إلا بأمر آخر مجدد، قاله القاضي أبو بكر، وهو مذهب المحققين من الشافعية والمعتزلة وغيرهم (١). وهكذا الحكم في الأمر بالعبادة من غير تعيين وقت بل ورد الأمر مطلقًا من غير تقييد بوقت معين (٢)، وقلنا: الأمر للفور، فلم تفعل تلك العبادة في أول أوقات الإمكان، أو فعلت على نوع من الخلل، فهل يجب قضاؤها بذلك الأمر الأول؟ أو لا يجب إلا بأمر جديد (٣)؟ وهذا القسم داخل في القسم الأول: فالحكم (٤) فيهما (٥) واحد؛ لأن أول أوقات الإمكان على القول بالفور هو (٦) وقت معين للعبادة أيضًا، فكلام المؤلف يتناول القسمين معًا، أعني: سواء كان الوقت معينًا أو فوريًا. قوله: (عند اختلال المأمور به) يعني: عند وقوع الفساد في الفعل المأمور

стр. 1333

به (١) إما بفوات وقته وإما بفساد بعض أركانه. قوله: (عملاً بالأصل) هذا حجة القول بأن الأمر الأول لا يوجب القضاء (٢)؛ لأن الأصل عدم دلالة الأمر على القضاء، فتقدير الكلام على هذا: وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بالأصل (٣)، عدم دلالة الأمر على القضاء، ويحتمل أن يريد بالأصل: براءة الذمة. [فتقدير الكلام على هذا التأويل] (٤): وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بأن الأصل براءة الذمة، ولكن هذا التأويل فيه نظر؛ لأن (٥) للمخالف أن (٦) يقول: ارتفع براءة الذمة بدلالة الأمر على القضاء. قوله: (بل القضاء بأمر جديد) أي: يجب القضاء بأمر آخر مجدد كقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٧)، فهذا أمر ثان بقضائها، والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد؛

стр. 1334

وذلك (١) يدل على وجوب القضاء بالأمر الثاني دون الأول. و (٢) حجة القول بأن القضاء بالأمر الأول: أن القضاء لو كان بأمر جديد (٣) لما كان لتسميته قضاء فائدة؛ لأنه أداء كما هو في الأمر الأول. أجيب عنه: بأنه إنما سمي قضاء؛ لأنه وجب استدراكًا لما فات من مصلحة الأداء، فذلك هو المعني بالقضاء. قال المؤلف في الشرح: هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى: أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت. القاعدة الثانية: أن الأمر (٤) بالمركب أمر (٥) بمفرداته. فمن لاحظ القاعدة الأولى قال: الأوقات لا (٦) تتساوى (٧)، ولا تتقارب

стр. 1335

في المصالح إلا (١) بدليل، فلا قضاء إلا بأمر جديد (٢) يدل على أن الوقت الثاني فيه مصلحة لفعل (٣) المأمور به كالوقت الأول، ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: الأمر بالفعل في الوقت المعين يقتضي الأمر بشيئين وهما (٤): إيقاع الفعل، وبكونه في ذلك الوقت، فهذا أمر بمركب (٥)، فإذا تعذر أحد الجزئين وهو الوقت، بقي الجزء الآخر (٦) وهو الفعل، فيوقعه في أي وقت شاء، فيكون القضاء بالأمر الأول (٧). قوله: (وإِذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون متعلقًا (٨) بشيء من جزئياتها (٩)؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص). ش: هذه (١٠) مسألة ثانية، فهذه قاعدة عظيمة (١١) تبنى عليها فروع كثيرة من أحكام الفقه. وبيان هذه القاعدة: أنك إذا قلت مثلاً: في الدار جسم فلا يدل على أنه حيوان؛ لأن الجسم أعم من الحيوان؛ لأن الجسم يصدق على الحيوان،
следующие страницы →