← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أن الأمر يقتضيها وهمًا، فتقدير الترجمة إذًا: الفصل الخامس: فيما يتوهم أنه من مقتضى الأمر وليس من مقتضاه. ونظير هذه الترجمة قوله في باب النسخ: الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ (١) يعني وليس بناسخ. ونظيره أيضًا: قوله في باب العمومات: الفصل الرابع: فيما ليس من المخصصات للعموم (٢). فتبين بهذا: أن المؤلف لم يترجم ها هنا إلا لمتعلق بالأمر محصور، وفي هذا الفصل خمسة مطالب: المطلب الأول: هو قوله: (لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل، بل القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي). ش: ومعنى هذه المسألة: أن الأمر إذا ورد بعبادة في وقت معين، ولم تفعل (٣) في ذلك الوقت لعذر أو لغير عذر (٤)، أو فعلت مع اختلال بعض أركانها، فهل يجب قضاء (٥) بعد ذلك الوقت بالأمر الأول؟ قاله أبو بكر الرازي من الحنفية (٦) وهو مذهب الحنابلة.

стр. 1332

أو لا يجب قضاؤها إلا بأمر آخر مجدد، قاله القاضي أبو بكر، وهو مذهب المحققين من الشافعية والمعتزلة وغيرهم (١). وهكذا الحكم في الأمر بالعبادة من غير تعيين وقت بل ورد الأمر مطلقًا من غير تقييد بوقت معين (٢)، وقلنا: الأمر للفور، فلم تفعل تلك العبادة في أول أوقات الإمكان، أو فعلت على نوع من الخلل، فهل يجب قضاؤها بذلك الأمر الأول؟ أو لا يجب إلا بأمر جديد (٣)؟ وهذا القسم داخل في القسم الأول: فالحكم (٤) فيهما (٥) واحد؛ لأن أول أوقات الإمكان على القول بالفور هو (٦) وقت معين للعبادة أيضًا، فكلام المؤلف يتناول القسمين معًا، أعني: سواء كان الوقت معينًا أو فوريًا. قوله: (عند اختلال المأمور به) يعني: عند وقوع الفساد في الفعل المأمور

стр. 1333

به (١) إما بفوات وقته وإما بفساد بعض أركانه. قوله: (عملاً بالأصل) هذا حجة القول بأن الأمر الأول لا يوجب القضاء (٢)؛ لأن الأصل عدم دلالة الأمر على القضاء، فتقدير الكلام على هذا: وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بالأصل (٣)، عدم دلالة الأمر على القضاء، ويحتمل أن يريد بالأصل: براءة الذمة. [فتقدير الكلام على هذا التأويل] (٤): وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بأن الأصل براءة الذمة، ولكن هذا التأويل فيه نظر؛ لأن (٥) للمخالف أن (٦) يقول: ارتفع براءة الذمة بدلالة الأمر على القضاء. قوله: (بل القضاء بأمر جديد) أي: يجب القضاء بأمر آخر مجدد كقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٧)، فهذا أمر ثان بقضائها، والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد؛

стр. 1334

وذلك (١) يدل على وجوب القضاء بالأمر الثاني دون الأول. و (٢) حجة القول بأن القضاء بالأمر الأول: أن القضاء لو كان بأمر جديد (٣) لما كان لتسميته قضاء فائدة؛ لأنه أداء كما هو في الأمر الأول. أجيب عنه: بأنه إنما سمي قضاء؛ لأنه وجب استدراكًا لما فات من مصلحة الأداء، فذلك هو المعني بالقضاء. قال المؤلف في الشرح: هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى: أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت. القاعدة الثانية: أن الأمر (٤) بالمركب أمر (٥) بمفرداته. فمن لاحظ القاعدة الأولى قال: الأوقات لا (٦) تتساوى (٧)، ولا تتقارب

стр. 1335

في المصالح إلا (١) بدليل، فلا قضاء إلا بأمر جديد (٢) يدل على أن الوقت الثاني فيه مصلحة لفعل (٣) المأمور به كالوقت الأول، ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: الأمر بالفعل في الوقت المعين يقتضي الأمر بشيئين وهما (٤): إيقاع الفعل، وبكونه في ذلك الوقت، فهذا أمر بمركب (٥)، فإذا تعذر أحد الجزئين وهو الوقت، بقي الجزء الآخر (٦) وهو الفعل، فيوقعه في أي وقت شاء، فيكون القضاء بالأمر الأول (٧). قوله: (وإِذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون متعلقًا (٨) بشيء من جزئياتها (٩)؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص). ش: هذه (١٠) مسألة ثانية، فهذه قاعدة عظيمة (١١) تبنى عليها فروع كثيرة من أحكام الفقه. وبيان هذه القاعدة: أنك إذا قلت مثلاً: في الدار جسم فلا يدل على أنه حيوان؛ لأن الجسم أعم من الحيوان؛ لأن الجسم يصدق على الحيوان،

стр. 1336

والجماد, فلا يلزم من وجود العام وجود الخاص، وإذا قلت: في الدار حيوان فلا يدل على أنه إنسان، وإذا قلت: في الدار إنسان، فلا يدل على أنه رجل، وإذا (١) قلت: في الدار رجل، فلا يدل على أنه زيد (٢)، فقوله تعالى مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) يدل على وجود الصلاة ولا يدل على زمان مخصوص، ولا مكان مخصوص، ولا هيئة مخصوصة (٤). [قال] (٥) المؤلف في الشرح: ولأجل هذه القاعدة قلنا: إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل بمقتضى اللفظ، وإنما يملكه بمقتضى العادة، فإذا قيل له: بع (٦) سلعتي، حمل على ثمن المثل بالعادة، لا باللفظ، فلولا تقييد إطلاق الكلام بالعادة لكان للوكيل أن يبيع بثمن المثل، أو أقل منه، أو أكثر منه؛ لأن البيع حقيقة كلية مشتركة بين ثمن المثل، والزائد والناقص. انتهى نصه (٧). وبيان ذلك: أن الوكيل أمر بمطلق البيع, ومطلق البيع أعم من مثل الثمن (٨)، وأقل وأكثر (٩) , والخالص والمغشوش، والعين، والعرض (١٠)، فالدال على الأعم غير دال على الأخص، وإنما تعين ثمن المثل بدليل منفصل

стр. 1337

وهو العرف. ولأجل هذه القاعدة قال مالك والشافعي ﵄: ليس للوكيل بالبيع أن يبيع بأقل من ثمن المثل وهو الغبن [الفاحش] (١)؛ لأنه غير مأذون له فيه؛ إذ لفظ (٢) الموكل لا يدل عليه. وقال أبو حنيفة ﵁: للوكيل أن يبيع بأقل من المثل (٣) وهو الغبن الفاحش. وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الخلاف بين الأصوليين في (٤) المطلوب من الأمر بالفعل المطلق، كقول الموكل لوكيله: بع هذا الثوب. فقال (٥) الإمام فخر الدين: المطلوب به الماهية أي: ماهية البيع فلا يتناول الأمر جزئياتها (٦). وقال سيف الدين الآمدي، وجمال الدين بن الحاجب: المطلوب به هو الجزئي، أي جزئي من جزئيات الماهية، فالأمر إنما يتعلق بجزئي (٧) الماهية لا بالماهية (٨).

стр. 1338

حجة الفخر القائل: يتعلق الأمر بالماهية: أن الماهية أمر كلي، وهو قدر مشترك بين جزئياتها (١)، فلا يدل القدر المشترك على الجزئيات؛ إذ لا يدل الأعم على الأخص، فلا يدل البيع على خصوصياته من ثمن المثل، أو أقل أو أكثر، فثبت بذلك (٢): أن الوكيل بالبيع غير مأذون له في البيع بأقل من ثمن المثل، وهو الغبن الفاحش (٣) وحجة سيف الدين القائل: يتعلق الأمر بجزئي الماهية، لا بالماهية: أن (٤) الماهية أمر كلي، والكلي (٥) يستحيل وجوده في الأعيان، وإنما يوجد في الذهن، وإنما قلنا: يستحيل وجود الماهية الكلية في الأعيان؛ [لأن الماهية الموجودة في الأعيان] (٦) يلزم تشخصها، فلو (٧) وجدت الماهية الكلية في الأعيان لكانت جزئية، والمفروض أنها كلية هذا محال، فإذا لم يمكن وجود الماهية الكلية في الأعيان لم تكن مطلوبة من الأمر، وإلا لكان ذلك تكليفًا بما لا يمكن وهو: محال (٨).

стр. 1339

فتعين بذلك: أن المطلوب من الأمر أحد الجزئيات المطابقة للماهية، فيدل البيع إذًا على جزئيات الثمن من المثل (١) أو أقل، أو أكثر، فثبت بذلك: أن الوكيل بالبيع مأذون له في البيع بثمن المثل، أو الأكثر، أو الأقل (٢)، وهو الغبن الفاحش؛ وذلك أن البيع لا يدخل في الوجود إلا في بعض جزئياته، وليس في اللفظ ما يبين (٣) بعض (٤) جزئياته، فتكون نسبة اللفظ إلى جميع الجزئيات نسبة واحدة، فأي جزئي باع به الوكيل فهو مأذون له (٥) فيه، سواء باع بغبن فاحش أو بغيره (٦). فالحاصل مما قررناه: أن فخر الدين نظر إلى الحقيقة الكلية من حيث هي، فلا دلالة لها على شيء من جزئياتها، ونظر سيف الدين إليها من حيث هي متعلق الطلب، فطلب المحال ممتنع. قوله: (ولا تشترط (٧) مقارنته للمأمور، بل يتعلق (٨) في الأزل بالشخص الحادث [خلافًا لسائر الفرق (٩) , ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة] (١٠)

стр. 1340

خلافًا للمعتزلة، والحاصل قبل ذلك إِعلام بأنه سيصير مأمورًا؛ لأن (١) كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق لذاته (٢)، فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة بقائه (٣) محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمان (٤) الحدوث). ش: هذه مسألة ثالثة. قوله: (ولا يشترط (٥) مقارنته للمأمور) هذه المسألة وقع فيها (٦) الخلاف بين أهل السنة وأهل الاعتزال، وهي أمر المعدوم هل يجوز عقلاً أو لا يجوز (٧)؟

стр. 1341

ذهب أرباب السنة إلى جوازه، وإليه أشار المؤلف بقوله: (ولا تشترط مقارنته للمأمور) أي (١): ولا يشترط في صحة الأمر وجود المأمور، أي: ولا يشترط في تعلق الأمر بالمأمور مقارنة وجوده لوجود المأمور. قوله: (بل يتعلق في الأزل بالشخص الحادث) عطف المؤلف (٢) بحرف (بل) ها هنا تنبيهًا على انتهاء غرض واستئناف غيره؛ وذلك أنه حين انتفت شرطية مقارنة وجود الأمر لوجود المأمور: جاز تقديم الأمر على المأمور، فيتعلق الأمر في الأزل بالمأمور المعدوم الذي علم الله أنه سيوجد. قوله: (في الأزل) أي: في القدم الذي ليس له ابتداء، الأزل (٣): لفظة قديمة معربة دخيلة في لغة العرب (٤). قوله: (بل يتعلق في الأزل) يعني: يتعلق الأمر بالمأمور في الأزل تعلقًا عقليًا، وهو: كون المأمور المعدوم مأمورًا على تقدير وجوده واستجماع شروط (٥) شرائط التكليف، وليس المراد بذلك التعلق تعلق تنجيز التكليف، وهو كون المأمور المعدوم مكلفًا بالإتيان بالفعل في حالة عدمه لاستحالة

стр. 1342

ذلك، فالتعلق المراد هنا هو: التعلق العقلي لا التعلق (١) الوجودي في الخارج. قوله: (بالشخص الحادث) أي: المكلف الذي علم الله تعالى أنه سيحدث أي: سيوجد في الدنيا، فيتعلق الأمر بذلك الشخص، وهو في طي العدم (٢) على تقدير وجوده (٣) واستجماع شرائط التكليف، وذلك أن الله تبارك (٤) وتعالى أوجب الصلاة مثلاً على فلان على تقدير وجوده ووجود أسباب الوجوب (٥)، وشروط انتفاء (٦) موانعه (٧)، وكذلك تقول فيما حرمه الله عليه، وإنما قال أرباب السنة: يتعلق الأمر بالمأمور بناء منهم على ثبوت الكلام النفساني (٨)، والأمر نوع من أنواع الكلام. قوله: (خلافًا لسائر الفرق) أي: خلافًا (٩) لسائر الطوائف من أهل الاعتزال القائلين: بأن الأمر لا يتعلق بالمعدوم ولا يتعلق إلا بالموجود (١٠) بناء منهم (١١) على الكلام اللساني؛ لأنهم أنكروا الكلام النفساني.

стр. 1343

لأنهم قالوا (١): كلام الله حادث، تعالى الله عن قولهم [علوًا كبيرًا] (٢). وأما أهل السنة والحق: فكلام الله عندهم قديم؛ لأنه صفة من صفات ذاته جل وعلا (٣). والدليل على جواز تقدم (٤) الأمر على المأمور: أنا مأمورون بأوامر النبي ﵇ ونحن (٥) في زمانه [﵇ ونحن (٦)] (٧) في طي العدم. وإنما قال المؤلف: (خلافًا لسائر الفرق)؛ لأنه لم يقل بالكلام النفساني إلا نحن أهل السنة، ولذلك يتصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، وأما طوائف المعتزلة القائلين بالكلام اللساني فلا يتصور ذلك على مذهبهم.

стр. 1344

قوله: (ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة) إلى قوله (١): (زمان الحدوث). قال المؤلف في الشرح (٢): هذه (٣) المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارة عنها عسيرة الفهم (٤). قوله (٥): [(ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة)] (٦) أي: لا يكون المأمور (٧) مأمورًا إلا في حالة إمكان الملابسة، وهو: القدرة على العمل. قوله: (ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا (٨) حالة الملابسة). قال المؤلف في الشرح: مقصودنا بهذا: بيان صفة التعلق، وليس مقصودنا (٩) به أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا تعذر وجود العصيان أبدًا؛ لأن الإنسان يقول: الملابسة شرط لكوني مأمورًا، وأنا لا أتلبس (١٠) فلست مأمورًا فلا أكون عاصيًا، ومعنى قولنا: يصير مأمورًا حالة الملابسة، أي: تلك الحالة هي: الحالة التي تعلق (١١) بها الأمر،

стр. 1345

وتعلقه (١) متقدم عليها بالفعل فيها (٢). قوله: (خلافًا للمعتزلة) القائلين بأنه يكون مأمورًا قبل إمكان الملابسة، وعند حدوثه. قوله: (والحاصل قبل ذلك) [أي: الأمر (٣) المتقدم (٤) قبل إمكان الملابسة، إعلام بأنه سيكون مأمورًا عند الملابسة. قوله: (لأن كلام الله تعالى قديم). هذا دليل أهل السنة القائلين: بأن الأمر يتعلق بالمأمور في الأزل، أي: لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر نوع من أنواع الكلام، فالأمر إذًا قديم أزلي، وكذلك النهي وجميع الأحكام. قوله: (والأمر متعلق (٥) لذاته (٦)) أي (٧): من ضرورة الأمر تعلقه بالمأمور (٨)؛ لأن الأمر طلب والطلب يستدعي مطلوبًا عقلاً، فلا يوجد الأمر غير متعلق بالمأمور، وذلك المأمور لا يخلو من أن يكون موجودًا، أو معدومًا، فلا مأمور موجود في الأزل، فتعين تعلقه بالمأمور المعدوم، على تقدير وجوده واستجماع شرائط التكليف.

стр. 1346

وبيان ذلك: أن الله تعالى حرم امرأة مثلاً (١) على زيد على تقدير وجود أسباب التحريم، وشرائطه، وانتفاء موانعه، فإذا وجدت هذه الأشياء كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم فيه بالشخص الحادث، وكذلك في سائر (٢) أحكام الله تعالى من الأمر، والنهي، والإباحة، فإن الحكم الشرعي هو كلام الله تعالى القديم، ومن جملة كلامه: الأمر، فالأمر قديم وتعلقه بالمأمور قديم، فإنه يستحيل وجود أمر بلا مأمور ووجود نهي بلا منهي (٣)، ووجود إباحة (٤) بلا مباح، فالمتعلق الذي هو الأمر قديم، وتعلقه الذي هو نسبه (٥) بينه وبين المأمور قديم أيضًا. وأما المتعلَّق بفتح اللام الذي هو المأمور فهو حادث، قاله المؤلف في الشرح (٦). قوله: (والأمر بالشيء حالة عدمه محال) هذا دليل لقوله: (لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة). يعني: أن الأمر بالفعل حالة عدم إمكان الفعل من المأمور، وهو قول المعتزلة يكون مأمورًا قبل إمكان في الفعل يدل على وجود (٧) إمكان

стр. 1347

الفعل، وكونه لم يكن (١) منه الفعل يدل على عدم الإمكان، وذلك جمع بين النقيضين وهما: الوجود والعدم. قوله: (وحالة بقائه) [أي: والأمر بالفعل في حالة بقائه، أي: في حالة فراغه وتمامه، وفي بعض النسخ: حالة وجوده، أي: حالة استمرار وجوده ومعناهما واحد] (٢)، أي: ذلك محال (٣)؛ لأنه طلب تحصيل الحاصل، أي: طلب فعل المفعول. قوله: (فيتعين زمان الحدوث) أي: فيتعين (٤) زمان إمكان حدوث الفعل وهو دخول الوقت. قوله: (والأمر بالأمر (٥) بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء إِلا أن ينص الآمر على ذلك، كقوله ﵇: "مروهم بالصلاة لسبع (٦)، واضربوهم عليها (٧) لعشر" (٨)).

стр. 1348

ش: معناه (١) إذا أمر الآمر فلانًا أن يأمر غيره بأن يفعل كذا، فإن ذلك الأمر لا يكون أمرًا لذلك الغير، فإذا قلت: يا زيد قل لعمرو أن يفعل كذا، فلا يكون ذلك أمرًا لعمرو (٢). قوله: (والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء) تقديره: والأمر للثاني بالأمر بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء للثالث. قال المؤلف في الشرح (٣): من أمر غيره أن يأمر شخصًا فهو كمن أمر زيدًا أن يصيح على الدابة، فإنه لا يصدق عليه أمر للدابة (٤) (٥). قوله: (إِلا أن ينص الآمر على ذلك) معناه: إلا إذا نص الآمر [على ذلك، أي: إلا أن ينص الآمر] (٦) على أن أمره أمر للثالث. مثاله: أن يقول السيد لعبده: كل ما أمرت به زيدًا فأنت مأمور به، ثم يقول لزيد (٧): مر عبدي أن يفعل كذا. [قوله: (إِلا أن ينص الآمر على ذلك) أي: إلا أن ينص الآمر على أن

стр. 1349

الأمر للثاني هو (١) أمر للثالث] (٢). قوله: (إِلا أن ينص الآمر على ذلك) يريد: أو يفهم ذلك من القرائن كقوله ﵇ لعمر بن الخطاب ﵁ في حديث ابنه عبد الله لما طلق في الحيض: "مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (٣) " (٤). لأنه فهم من قوله: "مره" أنه أمر (٥) لابن عمر، بدليل قوله: "فليراجعها". قال المؤلف في الشرح: ومتى علم أن الآمر قصد بذلك الأمر التبليغ، كان ذلك أمرًا للثالث، كقوله ﵇ لعمر بن الخطاب (٦) في حق ابنه لما

стр. 1350

طلق في الحيض: "مره فليراجعها" الحديث المتقدم. ومقتضى القاعدة المتقدمة أن ابن عمر ﵁ لا تجب (١) عليه المراجعة؛ إذ الأمر بالأمر لا يكون أمرًا، ولكن علم من الشريعة أن كل (٢) من أمره رسول الله ﷺ بأن يأمر غيره، إنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ صار (٣) الثالث مأمورًا إجماعًا. انتهى نصه (٤). قوله: (والأمر بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء). هذا مذهب الجمهور. وقيل: يكون أمرًا، وهو مذهب الشذوذ. ودليل الجمهور: أن السيد يجوز أن يقول لعبده سالم (٥): مر غانمًا بكذا مع نهيه غانمًا عن طاعة سالم، ولا يُحْدِثُ (٦) ذلك تناقضًا، فلو كان ذلك أمرًا لغانم لكان تناقضًا (٧). ودليل القائلين بأنه أمر: أنه فهم من أمر الله تعالى (٨) رسوله ﷺ بأمرنا كوننا مأمورين.

стр. 1351

وكذلك يفهم من قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل كذا، كون فلان مأمورًا. أجيب عن الأول: بأن كوننا مأمورين لم يفهم ذلك من مجرد الصيغة، وإنما فهم ذلك من دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وأجيب عن الثاني: بأن فهم الأمر (٢) من قول الملك لوزيره [إنما هو بحصول (٣) العلم بأنه مبلغ لأمر (٤) الملك للرعية، وقد تقدم ما يراد (٥) به] (٦) إنما هو (٧) التبليغ فهو أمر بإجماع. قوله: (كقوله ﵇: "مروهم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر"). هذا مثال الأمر بالأمر (٨)؛ لأنه ﵇ أمر أولياء الصبيان بأن يأمروهم بالصلاة لسبع سنين، فلا يكون هذا الحديث أمرًا للصبيان بالصلاة، لأن الأمر بالأمر لا يكون أمرًا، وإنما فهم أمر الصبيان بالمندوبات من حديث آخر وهو حديث الخثعمية؛ لأنها أخذت بضَبْعي (٩) صبي فقالت: ألهذا

стр. 1352

حج يا رسول لله؟ قال: "نعم، ولك أجر" (١). واختلف أرباب العلم في عبادة الصبيان، هل يحصل بها الأجر أم لا؟ على ثمانية مذاهب: قيل: لا يحصل بها أجر، بل أمرهم بذلك على سبيل الاستصلاح؛ كاستصلاح البهائم عن النفار والشِّمَاس (٢)، لا أن لها أجورًا. هذا القول نقله المؤلف في شرحه (٣). وقيل: إنما يحصل الأجر للأب خاصة. وقيل: يحصل (٤) الأجر للأم خاصة. وقيل: يحصل للأب والأم معًا أنصافًا؛ لأنهما أصلان لوجوده وسببان لوجوده.

стр. 1353

ويدل عليه أن رجلاً قال لمالك (١) ﵁: أرسل إليّ أبي من السودان أن آتيه ومنعتني أمي، فقال له (٢): أطع (٣) أباك ولا تعص أمك. وقيل: يحصل الأجر للأب والأم أثلاثًا، أي (٤): ثلث للأب وثلثان للأم. وقيل: يحصل لهما الأجر (٥) أرباعًا، أي ربع للأب وثلاثة أرباع للأم. دليل (٦) هذين القولين: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال له (٧): من أبر من والديَّ (٨) يا رسول الله؟ فقال (٩) له: "أمك"، ثم (١٠) قال له: ثم من؟ قال: "أمك"، ثم قال له في الثالثة أو في الرابعة: "ثم أباك" (١١). وقيل: يحصل للأم من الأجر أكثر ما يحصل للأب من غير تحديد، وهذا

стр. 1354

القول هو الذي صححه المؤلف في القواعد السنية (١). وقيل: إنما يحصل الأجر للصبيان، قال صاحب الحلل (٢): هذا قول المحققين (٣). والدليل عليه: أن الصبيان يتفاوتون في درجات الجنة كما يتفاوتون في الأعمال الصالحة في الدنيا، كما يتفاوت الكبار في درجات الجنة و (٤) في الأعمال الصالحة في الدنيا. وأما الأقوال المتقدمة فهي ضعيفة (٥) - والله أعلم -، وإنما تصح تلك الأقوال لو قدر (٦) عدم الولد في الآخرة، وأما مع وجوده واحتياجه إلى ما يحتاج إليه الكبير فلا.

стр. 1355

ويدل عليه حديث الخثعمية؛ لأنها أخذت (١) بضبعي صبي (٢) فقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ فقال: "نعم، ولك أجر" (٣). ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (٤). فإذا قلنا بأن ما يحصل للأم (٥) من الأجر أكثر مما يحصل للأب فما سبب ذلك؟ قالوا (٦): سبب ذلك التفاوت: أن قيام الأم بالولد أكثر من قيام الأب به؛ لأن الأم اختصت بثلاثة أشياء: الحمل، والرضاع، والتربية. وقد روي (٧) أن أبا الأسود الدؤلي (٨) ﵁ أراد أن

стр. 1356

ينتزع (١) ولده من زوجته، فدعته زوجته إلى زياد بن أبي سفيان (٢) والي (٣) البصرة، فقالت له: يا أمير المؤمنين بطني له وعاء، و (٤) ثديي له سقاء، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، صبرت على ذلك سبعة أعوام، فلما كمل فصاله، وتم فعاله، أرجو نفعه، وأطلب دفعه، أراد نزعه مني، فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين (٥) حملته قبلها (٦)، ووضعته مثلها، فقالت: يا أمير المؤمنين، حمله خفيفًا (٧)، ووضعه بشهوة (٨)، وحملته ثقيلاً ووضعته بمشقة، فقال أمير

стр. 1357

المؤمنين: دعها من سجعك وأعطها ولدها. قوله: (وليس من شرطه (١) تحقق العقاب على الترك (٢) عند القاضي أبي بكر، والإِمام (٣) , خلافًا للغزالي، لقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٤)). ش: وهذه (٥) مسألة خامسة أي: وليس من شرط تمييز الأمر بالوجوب عن الأمر بالندب استحقاق العقاب على الترك، أي: على ترك المأمور (٦) عند القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني (٧) , وعند الإمام فخر الدين (٨). خلافًا لأبي حامد الغزالي القائل: باشتراط استحقاق [العقاب في أمر الوجوب، قال: إذ بذلك يتميز (٩) أمر الوجوب وأمر (١٠) الندب (١١).

стр. 1358

قوله: (وليس من شرطه تحقيق العقاب على الترك) (١). أي: ولا يشترط في حقيقة الأمر استحقاق] (٢) العقاب على تركه، بل قد يوجد الأمر بدون العقاب على تركه (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٤). ولأجل هذا قالوا: مَن حدّ الواجب لقوله: ما يعاقب على تركه، فحدّه باطل؛ لأنه غير جامع؛ لأنه قد يوجد الواجب بدون العقوبة على تركه، [ولا يخرجه ذلك عن كونه واجبًا. فمذهب القاضي والإمام: أن الأمر لا يقتضي إلا الطلب الجازم، ولا يقتضي العقاب على الترك] (٥)، والذي يقتضي العقاب على الترك هو: دليل آخر لا مجرد الأمر. ومذهب الإمام (٦) الغزالي: أن الأمر يقتضي (٧) الطلب الجازم، واستحقاق العقاب على الترك، قال: إذ بذلك يمتاز أمر الوجوب عن أمر

стр. 1359

الندب (١). قال ابن العربي (٢) في أحكام القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣): إن الأمر إذا ورد لا يقتضي أكثر من اقتضاء الفعل، فأما العقاب عند الترك، فلا يؤخذ من نفس الأمر ولا يقتضيه (٤) الاقتضاء، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه، وهو قوله (٥): إن لم تفعل كذا عذبتك (٦) كما ورد في هذه الآية (٧). قوله: (وليس من شرطه تحقق العقاب ...) إلى آخره. ظاهر الكلام يقتضي أن الخلاف في إنفاذ العقاب على ترك (٨) المأمور به، هل ينفذ فيه العقاب أم لا؟

стр. 1360

وليس الأمر كذلك؛ إذ لا خلاف بين أرباب السنة والإسلام، أنه لا يشترط في الأمر إنفاذ العقاب في تاركه، لقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١). والذين يقولون: لا بد من إنفاذ (٢) الوعيد هم المعتزلة (٣) الضُلال (٤). وقد مر أبو عمرو بن العلاء رضى الله عنه برجل من أهل (٥) البصرة يتكلم في الوعيد وأنه لا بد من إنفاذه من الله تعالى, فقال له أبو عمرو بن العلاء: من العجمة (٦) أوتيتم، أما علمتم (٧) أن الكريم إذا وعد وفا، وإذا توعد (٨) عفا، ثم أنشد يقول (٩): وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

стр. 1361

قوله: (وليس من شرطه تحقق العقاب (١)) إلى آخره. قال المؤلف في الشرح: هذ المسألة ليست على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي بهذه العبارة، ولا الغزالي أيضًا، بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال: إذا أوجب (٢) الله علينا شيئًا وجب، ولا يشترط في تحقيق الوجوب استحقاق العقاب على الترك، بل يكفي في (٣) الوجوب الطلب الجازم. وقال غيره: الوجوب والندب اشتركا في رجحان الفعل، ولم يتميز الوجوب إلا باستحقاق العقاب, فإذا أسقطناه عن الاعتبار لم يبق فرق ألبتة، والحق ما قاله القاضي، [فإنا إذا] (٤) دعونا وقلنا: اللهم توفنا مسلمين، فإنا نجد أنفسنا جازمة بهذا الطلب من غير رخصة في تركه، وإذا قلنا: اللهم أعطنا عشرة آلاف دينار، فإنا نجد رخصة في أنها لو كانت خمسة لم نتألم لذلك، فالطلب ها هنا غير جازم بخلاف الأول، وقد تصورنا الطلب (٥) هنا في حق الله جازمًا، وغير جازم مع استحالة استحقاق الذم ونحوه، فإذا تصورنا الطلب الجازم بدون استحقاق الذم: صح ما قاله القاضي. والغزالي لم (٦) يخاف في لزوم العقاب، بل الغزالي وكل مُنْتَمٍ إلى

стр. 1362

شريعة الإسلام يقول بجواز العفو ولو بعد التوبة، لأن عدم (١) الغفران مطلقًا (٢) لم (٣) يقل به أحد. انتهى نصه (٤). ولا يقول الغزالي ﵁ (٥) - ولا كل مسلم بتحقق العقاب ولزومه؛ لجواز العفو, فعبارة الإمام في هذا غير سديدة. والصواب: أن يقول: وليس من شرطه تحقق (٦) استحقاق العقاب على الترك فإن الاستحقاق معناه: الأهلية، أي هو أهل لذلك, وأما التحقق (٧) فمعناه: اللزوم والثبوت، أي: لا انفكاك عنه (٨)، فالاستحقاق خلاف التحقق (٩). ...

стр. 1363

الفصل السادس في متعلقه ش: شرع المؤلف - رحمه الله تعالى - (١) في هذا الفصل في بيان متعلق الوجوب (٢)، فالضمير في قوله: متعلقه يعود على الوجوب، يريد في متعلق الوجوب بالنسبة إلى الواجب فيه، والواجب نفسه، والواجب عليه. فالواجب فيه هو: الواجب الموسع، والواجب نفسه هو: الواجب المخير، والواجب عليه هو: الواجب على الكفاية. وذلك أن الوجوب (٣) ينقسم بحسب وقته إلى: موسع، ومضيق، وينقسم بحسب المأمور به إلى: معين، ومخير، وينقسم بحسب المأمور إلى: عين، وكفاية. قوله: (في متعلقه). قال بعضهم: يعود الضمير على الأمر، فمتعلقه ثلاثة وهي: المأمور،

стр. 1364

والمأمور به، والمأمور فيه، فالمأمور هو: المكلف، والمأمور به هو: الفعل، والمأمور فيه هو: الوقت، وفي كل واحد قسمان: [فالمأمور ينقسم إلى: عين وكفاية] (١)، والمأمور به ينقسم (٢) إلى: معين (٣)، ومخير, والمأمور (٤) ينقسم إلى: موسع، ومضيق (٥)، فهذه ستة أقسام. و (٦) التأويلان المذكوران في معود (٧) الضمير راجعان إلى معنى واحد. فمثال الواجب الموسع: وقت الظهر مثلاً وغيرها من الأوقات المتوسعة (٨) للعبادة. ومثال الواجب الضيق: وقت المغرب. ومثال الواجب المعين: التوجه إلى الكعبة المعظمة. ومثال الواجب المخير: أحد الخصال الثلاث في كفارة اليمين بالله . ومثال الواجب على العين: الصلوات الخمس. ومثال الواجب على الكفاية: جهاد الكفار، وطلب العلم.

стр. 1365

فالحاصل مما ذكرنا أن متعلق الوجوب ثلاثة وهي (١): المأمور, والمأمور به، والمأمور فيه. فالمأمور هو: المكلف, وفيه قسمان: وهما (٢): إما عين، وإما كفاية. والمأمور به هو: الفعل، وفيه قسمان: إما معين، وإما مخير. والمأمور فيه: هو: الوقت، وفيه قسمان: وهما (٣): إما موسع، وإما مضيق. فهي ستة أقسام، وهي التي تعرض المؤلف لبيانها في هذا الفصل. قال شهاب الدين في القواعد السنية (٤): إن (٥) الواجب الكلي مخصوص (٦) في عشرة أصناف وهي: الواجب نفسه، والواجب فيه، والواجب به سببًا، والواجب به أداة، والواجب عليه، والواجب عنه، والواجب عنده, والواجب منه، والواجب إليه، والواجب مثله. فالواجب نفسه: هو: الواجب المخير, مثاله: أحد الخصال الثلاث (٧) في

стр. 1366

كفارة اليمين بالله . والواجب فيه مثاله: الواجب الموسع؛ كالقامة في الظهر. والواجب به سببًا: مثاله السبب؛ كالزوال سببًا لوجوب الظهر (١) وكالإتلاف سببًا لوجوب الضمان، وكالنصاب سببًا لوجوب الزكاة. والواجب به (٢) أداة: مثاله (٣): الماء الذي يتطهر (٤) به؛ لأنه ليس سببًا للوجوب، بل هو أداة يفعل بها الفعل (٥)، وسبب الطهارة إنما هو الحدث، وكذلك التراب في التيمم، هو: أداة وليس بسبب، وكذلك الثوب للسترة في الصلاة هو: أداة وليس بسبب. والواجب عليه: هو: المكلف في فرض الكفاية. والواجب عنه: مثاله: الإنسان الذي تخرج عنه زكاة الفطر كالعبد والزوجة. والواجب عنده مثاله: الشرط كالحول بالنسبة إلى وجوب الزكاة، فإن النصاب هو الذي تجب به الزكاة، وأما دوران الحول فلا تجب به، وإما تجب عنده. وكذلك عدم المانع كعدم الدين في الزكاة، وعدم (٦) الحيض في الصلاة،

стр. 1367

فإن الزكاة لا تجب بعدم الدين، وإنما (١) تجب عنده لا به، [وكذلك الصلاة لا تجب بعدم الحيض، وإنما تجب عنده لا به؛ لأنها إنما تجب بدخول الوقت] (٢). وكذلك عدم الماء يجب عنده التيمم؛ لأن سبب الوجوب إنما هو الحدث لا عدم الماء. والواجب منه: مثاله: الأجناس التي تخرج منها الزكاة من بهيمة الأنعام، والنقود، والحبوب، والثمار، والكفارات. والواجب إليه مثاله: الغايات التي ينتهي إليها الحكم الشرعي؛ كغروب الشمس بالنسبة إلى صيام اليوم، وكشهر شوال بالنسبة إلى صوم شهر رمضان. وكذلك (٣) أوقات العدد، والاستبراء، والإحداد. والواجب مثله مثاله: جزاء الصيد في الحج، فإنه يجب إخراج مثل الصيد المقتول. وكذلك إتلاف المثليات من المكيلات والموزونات، يجب إخراج مثلها كما هو المعروف في كتب الفقه. فهذه عشرة أشياء تعلق الوجوب في جميعها بالقول (٤) المشترك، وهي

стр. 1368

كلها متعلق الوجوب (١). ولكن لم يتعرض المؤلف ها هنا إلا لثلاثة منها، وهي: الواجب فيه، والواجب نفسه، والواجب عليه. فإذا تقرر هذا ففي هذا الفصل تسعة مطالب: أحدها: في (٢) الواجب الموسع. والثاني: الواجب المخير. والثالث: الواجب على الكفاية. والرابع: الفرق بين هذه الثلاثة. والخامس: هل المشترط في فرض الكفاية اليقين أو الظن؟ والسادس: في السبب الذي من أجله سقط فرض الكفاية عن (٣) تاركه بفعل فاعله. والسابع: ما الحكمة في جعل بعض الأحكام على الأعيان وجعل بعضها على الكفاية؟ والثامن: في الفوائد الثلاث (٤) التي ذكرها المؤلف.

стр. 1369

والتاسع: في الأمر المعلق على الاسم الذي له مراتب، هل يتعلق (١) بأولها أو بآخرها؟ قوله: (فالواجب الموسع هو (٢): أن يكون زمان الفعل يسع أكثر منه). ش: هذا هو المطلب الأول، وهو الواجب الموسع، ذكر المؤلف معناه، وأقسامه، وحكمه. أما معناه فهو: كون زمان الفعل المأمور به يسع أكثر من الفعل المأمور به. واعلم أن الوقت بالنسبة إلى الفعل على ثلاثة أضرب: تارة يكون الوقت مساويًا للفعل؛ كوقت المغرب وصوم يوم. وتارة يكون الوقت أقل من الفعل؛ كما إذا (٣) بقي من الوقت مقدار ركعة واحدة، ففي هذا ثلاثة أقوال: قيل: الجميع أداء. وقيل: الجميع قضاء. وقيل: ما وقع (٤) في الوقت أداء، وما وقع خارج الوقت قضاء. وتارة يكون الوقت أكثر من الفعل؛ كوقت الظهر والعصر، والعشاء والصبح، وهذا الضرب هو المعبر عنه (٥) بالواجب الموسع، وهو: أن يكون

стр. 1370

يكون الوقت أكثر من الفعل المأمور به كما قال المؤلف. قوله: (وقد لا يكون محدودًا، بل مغيا بالعمر (١)، وقد يكون محدودًا كأوقات الصلاة (٢)). ش: وهذا أقسام الواجب الموسع، قسمه (٣) المؤلف إلى قسمين: أحدهما: أن يكون وقته غير محدود. [والثاني: أن يكون وقته محدودًا] (٤). مثال ما وقته غير محدود: كالحج على القول بتأخيره (٥)، والعمرة، والنذر، والكفارة, وقضاء الصلوات (٦) الفائتة. ومثال ما وقته محدود: كوقت الظهر، والعصر، والعشاء, والصبح. قوله: (وقد لا (٧) يكون محدودًا كأوقات الصلوات). ش: هذا القسم هو محل الخلاف بين العلماء. قوله: (وهذا يعزى للشافعية منعه). ش: الإشارة عائدة على (٨) الواجب الموسع المحدود.
следующие страницы →