كفارة اليمين بالله .
والواجب فيه مثاله: الواجب الموسع؛ كالقامة في الظهر.
والواجب به سببًا: مثاله السبب؛ كالزوال سببًا لوجوب الظهر (١) وكالإتلاف سببًا لوجوب الضمان، وكالنصاب سببًا لوجوب الزكاة.
والواجب به (٢) أداة: مثاله (٣): الماء الذي يتطهر (٤) به؛ لأنه ليس سببًا للوجوب، بل هو أداة يفعل بها الفعل (٥)، وسبب الطهارة إنما هو الحدث، وكذلك التراب في التيمم، هو: أداة وليس بسبب، وكذلك الثوب للسترة في الصلاة هو: أداة وليس بسبب.
والواجب عليه: هو: المكلف في فرض الكفاية.
والواجب عنه: مثاله: الإنسان الذي تخرج عنه زكاة الفطر كالعبد والزوجة.
والواجب عنده مثاله: الشرط كالحول بالنسبة إلى وجوب الزكاة، فإن النصاب هو الذي تجب به الزكاة، وأما دوران الحول فلا تجب به، وإما تجب عنده.
وكذلك عدم المانع كعدم الدين في الزكاة، وعدم (٦) الحيض في الصلاة،
стр. 1367
فإن الزكاة لا تجب بعدم الدين، وإنما (١) تجب عنده لا به، [وكذلك الصلاة لا تجب بعدم الحيض، وإنما تجب عنده لا به؛ لأنها إنما تجب بدخول الوقت] (٢).
وكذلك عدم الماء يجب عنده التيمم؛ لأن سبب الوجوب إنما هو الحدث لا عدم الماء.
والواجب منه: مثاله: الأجناس التي تخرج منها الزكاة من بهيمة الأنعام، والنقود، والحبوب، والثمار، والكفارات.
والواجب إليه مثاله: الغايات التي ينتهي إليها الحكم الشرعي؛ كغروب الشمس بالنسبة إلى صيام اليوم، وكشهر شوال بالنسبة إلى صوم شهر رمضان.
وكذلك (٣) أوقات العدد، والاستبراء، والإحداد.
والواجب مثله مثاله: جزاء الصيد في الحج، فإنه يجب إخراج مثل الصيد المقتول.
وكذلك إتلاف المثليات من المكيلات والموزونات، يجب إخراج مثلها كما هو المعروف في كتب الفقه.
فهذه عشرة أشياء تعلق الوجوب في جميعها بالقول (٤) المشترك، وهي
стр. 1368
كلها متعلق الوجوب (١).
ولكن لم يتعرض المؤلف ها هنا إلا لثلاثة منها، وهي: الواجب فيه، والواجب نفسه، والواجب عليه.
فإذا تقرر هذا ففي هذا الفصل تسعة مطالب:
أحدها: في (٢) الواجب الموسع.
والثاني: الواجب المخير.
والثالث: الواجب على الكفاية.
والرابع: الفرق بين هذه الثلاثة.
والخامس: هل المشترط في فرض الكفاية اليقين أو الظن؟
والسادس: في السبب الذي من أجله سقط فرض الكفاية عن (٣) تاركه بفعل فاعله.
والسابع: ما الحكمة في جعل بعض الأحكام على الأعيان وجعل بعضها على الكفاية؟
والثامن: في الفوائد الثلاث (٤) التي ذكرها المؤلف.
стр. 1369
والتاسع: في الأمر المعلق على الاسم الذي له مراتب، هل يتعلق (١) بأولها أو بآخرها؟
قوله: (فالواجب الموسع هو (٢): أن يكون زمان الفعل يسع أكثر منه).
ش: هذا هو المطلب الأول، وهو الواجب الموسع، ذكر المؤلف معناه، وأقسامه، وحكمه.
أما معناه فهو: كون زمان الفعل المأمور به يسع أكثر من الفعل المأمور به.
واعلم أن الوقت بالنسبة إلى الفعل على ثلاثة أضرب:
تارة يكون الوقت مساويًا للفعل؛ كوقت المغرب وصوم يوم.
وتارة يكون الوقت أقل من الفعل؛ كما إذا (٣) بقي من الوقت مقدار ركعة واحدة، ففي هذا ثلاثة أقوال:
قيل: الجميع أداء.
وقيل: الجميع قضاء.
وقيل: ما وقع (٤) في الوقت أداء، وما وقع خارج الوقت قضاء.
وتارة يكون الوقت أكثر من الفعل؛ كوقت الظهر والعصر، والعشاء والصبح، وهذا الضرب هو المعبر عنه (٥) بالواجب الموسع، وهو: أن يكون
стр. 1370
يكون الوقت أكثر من الفعل المأمور به كما قال المؤلف.
قوله: (وقد لا يكون محدودًا، بل مغيا بالعمر (١)، وقد يكون محدودًا كأوقات الصلاة (٢)).
ش: وهذا أقسام الواجب الموسع، قسمه (٣) المؤلف إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون وقته غير محدود.
[والثاني: أن يكون وقته محدودًا] (٤).
مثال ما وقته غير محدود: كالحج على القول بتأخيره (٥)، والعمرة، والنذر، والكفارة, وقضاء الصلوات (٦) الفائتة.
ومثال ما وقته محدود: كوقت الظهر، والعصر، والعشاء, والصبح.
قوله: (وقد لا (٧) يكون محدودًا كأوقات الصلوات).
ش: هذا القسم هو محل الخلاف بين العلماء.
قوله: (وهذا يعزى للشافعية منعه).
ش: الإشارة عائدة على (٨) الواجب الموسع المحدود.
стр. 1371
و (١) قوله: (يعزى) معناه: ينسب؛ لأنك تقول: عزوت كذا إلى كذا إذا نسبته إليه.
وقوله: (منعه) أي: منع الواجب الموسع المحدود، أي: منع التوسع؛ ذلك أن الواجب الموسع المحدود اختلف فيه أرباب العلم.
ذكر فيه المؤلف في القواعد السنية (٢) سبعة أقوال: قولان في جوازه، وخمسة أقوال في منعه (٣).
стр. 1372
فإذا قلنا بجوازه فهل يجب العزم على الإتيان بالفعل آخر الوقت إذا أخره أو لا يجب عليه ذلك؟ قولان.
[فهذان قولان] (١) في جوازه.
أما الأقوال الخمسة الكائنة في منعه فأحدها: منع التوسعة على الإطلاق.
وقالوا: لا يمكن أن يكون الوقت أزيد من الفعل، فالوجوب (٢) متعلق بأول الوقت، فإن فعل الفعل آخر الوقت فذلك قضاء يسد مسد الأداء، أي: يقوم مقام الأداء في سقوط الإثم (٣).
وإلى هذا القول (٤) أشار المؤلف بقوله: (هذا (٥) يعزى للشافعية (٦) منعه،
стр. 1373
بناء على تعلق (١) الوجوب بأول (٢) الوقت، والواقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء).
قال المؤلف في الشرح: الشافعية اليوم تنكر هذا المذهب، غير أنه منقول في كتب كثيرة من كتب الأصول (٣).
ومستند (٤) هذا القول: أن الأصل [ترتب المسببات على أسبابها، فوجوب الظهر مثلاً متعلق بأول الوقت وهو الزوال؛ إذ الأصل (٥)] (٦) ترتب المسبب عقيب سببه، وأيضًا الجمع بين التوسع والوجوب محال؛ لأنهما متناقضان؛ لأن التوسع يقتضي جواز الترك والوجوب يقتضي منع الترك وهما منتفيان (٧)(٨).
أجيب عن هذا: بأن جواز الترك في زمان خاص لا ينافي (٩) [الوجوب، وإنما الذي ينافي] (١٠) الوجوب هو: جواز الترك في جميع الأزمنة، ويرد على
стр. 1374
هذا المذهب: أن الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لغير عذر غير معلوم في الشريعة، وقد اتفق العلماء على جواز التأخير في الصلاة وجواز التعجيل، وأما الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لعذر فهو معلوم في الشريعة؛ كتفويت الأداء في حق المسافر فيصوم قضاء, فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه (١).
قوله: (وللحنفية (٢) منعه بناء على تعلق الوجوب بآخر الوقت والواقع قبله نفل يسد مسد الواجب).
ش: هذا هو القول الثاني، وهو قول جمهور الحنفية أن الوجوب متعلق بآخر الوقت.
ومستند (٣) هذا القول: أن الإثم إنما تعلق (٤) بآخر الوقت على تقدير ترك الفعل، ولا يتعلق الإثم بأول الوقت؛ لأنه لو كان الوجوب متعلقًا بأول الوقت لكان مأثومًا بالتأخير عن أول الوقت؛ لأنه ترك واجبًا من (٥) غير عذر ولا قائل بالتأثيم إذا أخر الفعل عن أول الوقت؛ لأن خاصية الوجوب الإثم، فإذا انتفى الإثم انتفى الوجوب؛ لأن انتفاء (٦) خاصية الشيء يقتضي انتفاؤه (٧)،
стр. 1375
وثبوت خاصية الشيء يقتضي ثبوته (١).
وهذا معنى قوله: (وللحنفية منعه) [أي: منع التوسع بناء على تعلق الوجوب بآخر الوقت، أي: ويعزى للحنفية منعه] (٢) (والواقع (٣) قبله) أي: قبل آخر الوقت، (نفل يسد مسد الواجب) أي: يقوم مقام الواجب في سقوط الإثم.
أجيب عن هذا: بأن ترتيب الإثم؛ لأجل تعطيل القدر المشترك، لا لأجل تعلق الوجوب (٤) بآخر الوقت (٥).
ويرد (٦) على هذا المذهب: أن إجزاء غير الواجب عن الواجب خلاف الأصول والقواعد, هذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه (٧).
قوله: (وللكرخي (٨) منعه؛ بناء (٩) على أن الواقع من الفعل موقوف، فإِن كان الفاعل (١٠) في آخر الوقت من المكلفين فالواقع فرض، وإِلا فهو (١١)
стр. 1376
نفل).
ش: أي: ويعزى للكرخي (١) من الحنفية منع التوسع؛ بناء على أن فعل الفاعل في أول الوقت أو وسطه.
(موقوف) أي: غير موصوف بالفرض ولا بالنفل، فإن كان الفاعل من المكلفين في آخر الوقت (٢) فالفعل الذي فعله أولاً هو فرض، وإن لم يكن من المكلفين في آخر الوقت فالفعل الذي فعله أولاً هو نفل.
ومستند هذا القول: أن الواجب هو الذي يجزي عن الواجب، والأداء هو الذي يجزي عن الأداء بخلاف القولين الأولين؛ إذ في أحدهما إجزاء النفل عن الواجب، وفي الآخر إجزاء (٣) القضاء عن الأداء، وكلاهما خلاف الأصول والقواعد.
[ويرد على هذا المذهب: أن صلاة تقع في الوجود لا توصف بكونها فرضًا ولا نفلاً خلاف الأصول والقواعد] (٤).
وأيضًا: انعقد الإجماع على أن من صلى أول الوقت فمات، فهو مؤد لفرضه إجماعًا، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه (٥).
стр. 1377
فهذه الأقوال (١) المذكورة في منع التوسع ذكرها (٢) المؤلف ها هنا.
القول الرابع للحنفية أيضًا: ذكره المؤلف في الشرح، وفي القواعد: أن الوجوب متعلق بوقت الإيقاع، أي وقت كان: أوله، أو وسطه أو آخره (٣).
ومستند هذا القول: الفرار من الإشكالات الواردة على الأقوال الثلاثة المقدمة (٤)، إذ لا يلزمه شيء من الإلزامات المتقدمة.
ويرد على هذا المذهب: أن المعروف في الشريعة تعيين الوقت قبل الفعل، أما (٥) تعيين الوقت بالفعل فهو غير مقصود (٦) في الشريعة، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه (٧).
القول الخامس للحنفية أيضًا ذكره المؤلف في الشرح وفي القواعد: أن المكلف إن عجل الفعل منع تعجيله من تعلق الوجوب بآخر الوقت، فلا
стр. 1378
يجزي نفل عن فرض، ولا يكون موقوفًا، بل هو غاية (١) النفل، وإن لم يعجله كان آخر الوقت واجبًا موصوفًا بصفة الوجوب، فلا يرد عليه ما ورد على الكرخي (٢).
ويرد على هذا المذهب: أن الرسول (٣) ﷺ وأصحابه ﵃ ما صلّوا فرضًا قط؛ لأنهم كانوا يصلون أول الوقت، ولا يؤخرون إلى آخر الوقت فيفوت لهم على هذا القول أجر (٤) الواجب (٥)، وذلك في غاية البعد (٦).
ولكن هذا القول لم يظهر لي؛ لأن قولهم: تعجيل الفعل يمنع من تعلق الوجوب بآخر الوقت، ما صفة هذا التعجيل هل النفل أو الفرض أو الإبهام؟
فإن كان نفلًا فهو: قول الحنفية القائلة: بأن الفعل أول الوقت نفل، وإن كان فرضًا فهو: قول الشافعية القائلة: بأن الفعل أول الوقت فرض، وإن كان أمرًا مبهمًا (٧) فلا معنى له، والله أعلم.
فهذه مدارك (٨) هذه المذاهب وما يرد عليها من الإشكالات.
стр. 1379
قوله: (ومذهبنا جوازه (١)).
ش: أي: ومذهبنا نحن المالكية وهو قول جمهور العلماء جواز الواجب الموسع المحدود.
قوله: (والخطاب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين الحدين).
ش: معناه: والتكليف عندنا متعلق بالقدر المشترك الذي هو: مفهوم جزء الزمان وهو أمر كلي لا جزئي، وهو: معنى شائع بين أجزاء الوقت كلها لا يتعين لجزئي أولي، ولا لجزئي آخري، ولا لجزئي وسطي (٢)؛ لصدقه على كل جزء على البدلية.
ومدرك هذا المذهب الجمهوري: أن قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٣) عام لجميع أجزاء الوقت؛ لأنه يصلح (٤) لكل جزء من أجزاء الوقت للظهر، فتعيين (٥) جزء منها لإيقاع الفعل فيه تحكم، فللمكلف أن يوقع الفعل في أي جزء أراده، فالواجب الموسع في التحقيق كالواجب (٦) المخير؛ لأن للمكلف أن يخص بفعله ما شاء منها.
стр. 1380
والمراد (٨) بالحدين في قوله: (الكائنة بين الحدين) (١) أول الوقت وآخره.
قوله: (فلا جرم (٢)).
قال المهدوي في التحصيل في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٣): معنى لا جرم عند الخليل وسيبويه: حق، فـ "لا"، و"جرم" (٤) كلمة واحدة بنيتا على الفتح.
وعن الخليل أيضًا: أن معناها لا بد ولا محالة.
الكسائي معناها: لا صد ولا منع.
وقيل: معناها: لا قطع عن: ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ وأصل جرم من (٥) معنى القطع.
وقيل: المعنى: لا قطع قاطع عن ذلك، فحذف الفاعل (٦) حين كثر استعماله فصار كالمثل.
وذهب الزجّاج إلى أن لا رد لما (٧) قالوا (٨)، وجرم بمعنى (٩) كسب، أي:
стр. 1381
كسب ذلك الفعل لهم الخسران. انتهى نصه (١).
قوله: (فلا جرم: صح أول الوقت لوجود المشترك ولم يأثم بالتأخير؛ لبقاء (٢) المشترك [في آخره ويأثم إِذا (٣) فوت جملة الوقت لتعطيل المشترك] (٤) الذي هو: متعلق الوجوب).
ش: أي (٥): لا ريب ولا محالة.
[صح أول الوقت أي] (٦): صح إيقاع الفعل في أول الوقت لوجود المشترك الذي هو: مسمى الجزء، خلافًا لمن يقول: الوجوب متعلق بآخر (٧) الوقت، ولم يأثم بالتأخير لبقاء القدر المشترك الذي هو مفهوم الجزء الصالح لإيقاع الفعل فيه، خلافًا لمن يقول: الوجوب متعلق بأول الوقت، ويأثم إذا فوّت جملة الوقت لتعطيل (٨) القدر المشترك، وهو (٩): مسمى الجزء الشائع بين أجزاء العامة مثلًا بالنسبة إلى الظهر إلى آخر القامة.
стр. 1382
ويرد (١) على مذهبنا أن قالوا: التوسعة والوجوب لا يمكن اجتماعهما؛ لأن التوسعة يقتضي جواز الترك، والوجوب يقتضي منع الترك.
والجواب عنه: أنّا لا نقول بجواز الترك [مطلقًا، بل نقول بجواز الترك] (٢) إلى غاية، وهي (٣) قوله: (ويأثم إِذا فوّت جملة الوقت).
قوله: (فلا يرد علينا مخالفة قاعدة ألبتة، بخلاف غيرنا).
ش: لأن من قال بتعيين أول الوقت وما بعده قضاء يسد (٤) مسد الأداء: يلزمه مخالفة القواعد (٥) وهو كون القضاء كالأداء، ومن قال بتعيين آخر الوقت [وما قبله] (٦) نفل يسد مسد (٧) الواجب: يلزمه مخالفة القواعد وهو كون النفل كالواجب.
ومن قال بأن الفعل موقوف: يلزمه مخالفة القواعد وهو [كون الفعل لا يوجد موصوفًا بالواجب ولا بالنفل.
ومن قال بأن الفعل موقوف بإيقاع الفعل: فيلزمه (٨) مخالفة القواعد وهو] (٩): تعيين (١٠) الوقت بالفعل - كما تقدم ذلك -، وإلى هذا أشار المؤلف
стр. 1383
بقوله: (فلا يرد علينا مخالفة قاعدة ألبتة) أي: قطعًا؛ لأن ألبتة لغة معناه: القطع (١).
وهذا المذهب الذي هو مذهبنا (٢) نحن المالكية، وهو ثبوت الواجب الموسع اختلف (٣) هل يشترط فيه العزم (٤) على الفعل بعد أول الوقت؟ قولان (٥):
قيل: يشترط فيه العزم وهو المشهور في المذهب؛ لأن من لم يفعل ولا عزم على الفعل يعد معرضًا (٦) عن الأمر.
وقيل: ليس بشرط؛ لأن اللفظ لم يدل مثلًا إلا على الصلاة، ولم يدل على العزم.
وفيه قول ثالث: اختاره الغزالي ﵁ (٧)، ذكره المؤلف [في القواعد وهو: الفرق بين الغافل والذاكر:
فمن غفل عن الفعل والترك فلا يجب عليه العزم] (٨).
стр. 1384
وأما الذاكر وهو: الذي خطر (١) بباله الفعل والترك فهذا إن لم يعزم على الفعل عزم على الترك لغير ضرورة، فيجب عليه العزم على الفعل، وهي (٢): طريقة حسنة، قاله المؤلف في القواعد (٣).
ها هنا فرع مرتب على القول بالتوسعة، هل يشترط سلامة العاقبة مع التأخير؟ فإذ مات قبل الفعل فقد أخّر مختارًا فيأثم, وهو قول الشافعية.
أو لا يأثم؛ لأن الشارع قد أذن له في التأخير، ومن فعل ما أذن له فيه فلا إثم عليه مع أن الأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح من جهة النظر. انتهى (٤).
فالواجب الموسع إذا أخره الإنسان فإن غلب على ظنه أنه يموت قبل فعله في وقته: فإنه مأثوم بالتأخير.
ثم إن (٥) لم يمت ففعله في وقته هل ذلك أداء؟ قاله الغزالي والجمهور.
أو هو (٦) قضاء؟ قاله أبو بكر (٧).
وإن غلب على ظنه أنه لا يموت قبل فعله في وقته فأخّره: فهو غير مأثوم في الموسع المحدود كالظهر (٨) مثلًا، وهو مأثوم في الموسع غير المحدود
стр. 1385
كالحج (١).
قال ابن الحاجب في كتاب (٢) الأصول: مسألة [من أخر] (٣) مع ظن الموت قبل الفعل عصى اتفاقًا.
فإن لم يمت ثم فعله في وقته:
فالجمهور أداء.
وقال القاضي: قضاء.
فإن أراد وجوب نية القضاء فبعيد، ويلزمه لو اعتقد انقضاء الوقت قبل الموت (٤) فيعصي بالتأخير.
ومن أخر مع ظن السلامة فمات فجأة، فالتحقيق: لا يعصي، بخلاف ما وقته العمر (٥). انتهى نصّه (٦).
قوله: (وكذلك الواجب المخير).
стр. 1386
ش: هذا هو المطلب الثاني وهو الواجب المخير، وهو الواجب نفسه.
والإشارة بقوله (١): (وكذلك) راجعة إلى الواجب الموسع (٢) والتشبيه راجع إلى القدر المشترك، تقديره على هذا (٣): والواجب المخير كالواجب الموسع [في تعلقه بالقدر المشترك، ولكن يكون تكرارًا لقوله: بعد: والمخير عندنا كالموسع.
ويحتمل أن يكون التشبيه في مطلق الخلاف، تقديره: على هذا والواجب المخير (٤) كالواجب الموسع] (٥) في كونه مختلفًا فيه، ولكن ليس الخلاف كالخلاف لا (٦) في عدده ولا في كيفيته؛ لأن عدد الخلاف في الواجب الموسع أربعة أقوال، وعدد (٧) الخلاف في الواجب المخير ثلاثة أقوال، وكيفية الخلاف في الواجب الموسع مخالفة لكيفيته في الواجب المخير.
ومعنى الواجب المخير هو: الأمر بواحد من أحد (٨) الخصال على التخيير من غير تعيين.
مثاله: قوله تعالى في كفارة اليمين بالله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
стр. 1387
مَسَاكِينَ﴾ (١) الآية.
لأن الله تعالى خيّر المكلف بين هذه الخصال الثلاث (٢) وهي: الإطعام، والكسوة، والإعتاق، من غير تعيين (٣) واحدة منها، فاختلف العلماء في ذلك على (٤) ثلاثة أقوال (٥).
قوله: (قالت المعتزلة: الوجوب (٦) متعلق بجملة الخصال).
ش: هذا أحد الأقوال وهو قول المعتزلة، معناه: أن المعتزلة يقولون
стр. 1388
بوجوب الجميع على التخيير، أي: لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان (١) بجميعها.
قال المؤلف في الشرح: وقول المعتزلة أنه متعلق (٢) بالجميع معناه: بالجميع على وجه تبرأ ذمته بفعل البعض فلا يكون خلافًا للمذهب الآخر.
وعند التحقيق (٣) تستوي (٤) المذاهب في هذه المسألة، وتبقى لا خلاف فيها (٥)، فإن المذهب الآخر ينكرونه. انتهى نصه (٦).
قوله: (وعندنا وعند بقية (٧) أهل السنة بواحد لا بعينه).
ش: هذا قول ثان، وهو قول الفقهاء: أن (٨) الوجوب عندنا نحن المالكية، وعند بقية أهل السنة وهم، الشافعية، والحنفية، والحنبلية (٩)، متعلق بفرد واحد من حيث هو واحد، أي. تعلق الوجوب بخصلة واحدة من تلك الخصال من حيث هي: خصلة ولا يتعلق بخصوصية الخصلة (١٠).
وانظر هذا الخلاف المذكور بين المعتزلة والفقهاء ما ثمرته؟
قالوا: الخلاف بين الفريقين لفظي لا معنوي؛ لأن الفريقين قد اتفقوا على
стр. 1389
أنه لا يجوز ترك جميع الخصال, ولا يجب فعل جميع الخصال (١).
[واتفقوا على أنه إذا فعل خصلة واحدة أجزأه.
واتفقوا على أن للمكلف أن يختار (٢) أي خصلة من الخصال شاء] (٣).
فلا خلاف إذًا بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في اللفظ؛ لأن المعتزلة يقولون بوجوب الجميع على التخيير، والفقهاء يقولون بوجوب واحد من حيث هو أحدها.
والمعتزلة أيضًا (٤) يطلقون (٥) الواجب على كل فرد بالحقيقة، ويطلقونه على القدر المشترك بالمجاز (٦).
[والفقهاء يقولون بعكس ذلك؛ لأنهم يطلقون الواجب على القدر المشترك بالحقيقة ويطلقونه على كل فرد بالمجاز (٧)] (٨).
стр. 1390
قوله: (ويحكى عن المعتزلة أيضًا: أنه متعلق بواحد معين عند الله تعالى، وهو ما علم أن المكلف سيوقعه، وهم ينقلون أيضًا هذا المذهب عنا).
ش: [هذا قول ثالث وهو (١): أن الوجوب بواحد (٢) معلوم عند الله تعالى، وهو مجهول عندنا، وذلك الواحد الذي تعلق به الواجب هو الذي علم الله تعالى في أزله أن المكلف سيفعله] (٣).
وهذا القول ينقله (٤) أهل السنة عن المعتزلة، وينقله المعتزلة (٥) عن أهل السنة، فكل واحد من الفريقين ينسبه إلى الآخر (٦)، واتفق الفريقان على بطلانه؛ لأن هذا القول يستلزم التخيير بين الواجب المعين، وما ليس بواجب، وذلك (٧) محال؛ لأن التخيير يستلزم جواز ترك كل واحد منها على
стр. 1391
الخصوص، والتعيين يستلزم عدم جواز ترك المعين مع أن التخيير ثابت فيقتضي (١) التعيين (٢).
قوله: (والمخير عندنا كالموسع).
ش: يعني: أن الواجب المخير عندنا نحن المالكية بمنزلة الواجب الموسع [في كونه متعلقًا بالقدر المشترك؛ لأن الواجب الموسع] (٣) كالقامة في الظهر مثلًا (٤) تعلق الوجوب فيها بجزء شائع بين أجزاء الوقت من غير تعيين جزء من الأجزاء، وكذلك الواجب المخير تعلق الوجوب فيها (٥) بخصلة (٦) شائعة بين الخصال من غير تعيين خصلة من الخصال.
قوله: (والوجوب (٧) فيه متعلق بمفهوم أحد (٨) الخصال الذي هو (٩) قدر مشترك بينها وخصوصيتها (١٠) متعلق التخيير (١١)، فما هو واجب لا تخيير فيه، وما هو مخير لا وجوب (١٢) فيه).
стр. 1392
ش: يعني: أن الوجوب في الواجب المخير متعلق بالقدر المشترك بين الخصال، وهو: أحدها من حيث هو أحدها، فالواجب هو: أحد الخصال وهو القدر المشترك بينها (١) لصدقه (٢) على كل واحد منها، والصادق على أشياء هو مشترك (٣) بينها (٤)، فالواجب إذًا هو القدر المشترك.
وأما الخصوصيات التي هي: الإطعام، والكسوة، والإعتاق: فلا تجب؛ إذ هي متعلق التخيير، فالمشترك هو متعلق الوجوب من غير تخيير [والخصوصيات هي: متعلق التخيير من غير إيجاب] (٥).
قوله: (فما هو واجب لا تخيير (٦) فيه، وما هو مخير لا وجوب فيه) معناه: فالقدر (٧) المشترك الذي هو: واجب لا تخيير فيه للمكلف لامتناع (٨) تركه، والخصوصيات التي هي: محل التخيير لا وجوب فيها (٩)؛ لعدم تعيين الشارع كل واحدة (١٠) منها بالوجوب، فالواجب واجب من غير تخيير، والمخير فيه (١١) مخير فيه غير وجوب.
стр. 1393
وذلك: أن الله تعالى لم يخير المكلف بين فعل أحد الخصال، وبين ترك هذا إلا حد (١) المفهوم، فإن ترك هذا المفهوم إنما هو بترك جميعها، وإنما خيره (٢) بين الخصوصيات، أعني: الإطعام، والكسوة، والإعتاق (٣).
فإن قلت، قولكم: الواجب المخير، يقتضي أن الواجب هو (٤): المخير، وأن المخير هو: الواجب، وذلك ممنوع؛ لأنه (٥) يقتضي: اجتماع (٦) الوجوب والتخيير وهما متناقضان (٧)؛ لأن الوجوب يقتضي منع الترك، والتخيير يقتضي جواز الترك، والجمع بينهما محال.
قلنا: معناه: الواجب (٨) الذي خير المكلف في أفراده؛ لأن المشترك الذي هو الواجب لا تخيير فيه لامتناع تركه، والمخير فيه الذي [هو الخصوصيات لا تجب لعدم تعيينها بالوجوب.
فإن قلت: قولكم: الواجب أحد الخصال، ممنوع؛ لأنه يؤدي إلى التخيير بين الواجب وغير الواجب، فذلك] (٩) يؤدي إلى ترك الواجب إذا اختار مكلف غير الواجب وهو خلاف الإجماع.
قلنا: جوابه ما ذكر المؤلف وهو: أن محل الوجوب غير محل التخيير.
стр. 1394
قوله: (فلا جرم يجزيه كل معين منها) لتضمنه القدر المشترك وفاعل الأخص فاعل الأعم، ولا يأثم بترك بعضها إذا فعل البعض؛ لأنه تارك للخصوص (١) المباح فاعل للمشترك الواجب، ويأثم بترك الجميع لتعطيله المشترك بينها.
قوله: (فلا جرم يجزيه كل معين منها) أي: فلا ريب ولا محالة أن كلما عينه المكلف من الخصال بفعله (٢) أجزأه؛ لأجل تضمن المفعول منها القدر المشترك؛ لأن القدر المشترك الذي هو أحد الخصال يصدق على كل واحد (٣) من الخصال، وهو أعم منها؛ إذ هو أعم من كل واحدة من الخصال، وكل واحدة من الخصال أخص من القدر المشترك الذي هو: مفهوم (٤) أحد الخصال، فإذا عين المكلف واحدة من الخصال ففعلها أجزأه؛ لأنه فعل الأخص، فمن فعل الأخص فقد فعل الأعم؛ لأنه يلزم من وجود [الأخص وجود] (٥) الأعم (٦)؛ لأن الأخص جزئي والأعم كلي.
قوله: (ولا يأثم بترك بعضها إِذا فعل البعض) (٧)؛ لأن خصوصيات
стр. 1395
الخصال لا مدخل فيها في الوجوب؛ لأن الشارع لم يوجب علينا أن نكفر بعين خصلة مخصوصة، ومن ترك غير الواجب فلا إثم عليه، فمن (١) ترك الإطعام وأعتق مثلًا فلا إثم عليه؛ لأنه (٢) تارك للخصوص المباح، فاعل للمشترك الواجب، وإنما يلزمه الإثم إذا ترك جميع الخصال؛ لأجل تعطيله (٣) فعل القدر المشترك لا لأجل ترك الخصوصات (٤).
قال المؤلف في الشرح: القدر المشترك بين الخصال المخير بينها متعلق بخمسة (٥) أحكام: الوجوب, والثواب، والعقاب، وبراءة الذمة، [والنية، فلا يجب] (٦) إلا القدر (٧) المشترك ولا يثاب إلا على القدر المشترك [إذا فعل، ولا يعاقب إلا على القدر المشترك إذا ترك، ولا تبرأ الذمة إلا بالقدر المشترك إذا فعل، ولا ينوي أداء الواجب إلا بالقدر المشترك (٨)] (٩).
قال المؤلف في القواعد: فإن قيل: القدر المشترك كلي، والكلي لا يقع في الخارج، وما لا يقع في الخارج لا يجب فعله في الخارج، وما لا يجب فعله لا يتعلق به (١٠) وجوب (١١)، ولا ثواب، ولا عقاب، ولا براءة ذمة، ولا نية،
стр. 1396
فكيف تتعلق هذه الأحكام الخمسة المذكورة بالقدر المشترك بين الخصال؟ إذ الكلي لا وجود له في الأعيان، وإنما وجوده في الأذهان، والذي يحصل في الخارج هو الجزئي لا الكلي؟
قلنا: إن الكلي في ضمن الجزئي، فإذا حصل الجزئي حصل الكلي بالضرورة، فمن أعتق رقبة معينة فقد أعتق مطلق الرقبة، وكذلك من أخرج شاة معينة في الزكاة فقد أخرج مطلق الشاة، وكذلك من أعطى دينارًا معينًا في الزكاة فقد أعطى مطلق الدينار (١).
ومعنى قولهم: الكلي لا يقع في الخارج، معناه: لا يقع في الخارج مجردًا عن شخص متعين (٢).
فإن قلت: يلزم ما تقدم (٣): أن تكون الشاة المأخوذة في الزكاة من أربعين واجبًا مخيرًا، وكذلك الدينار المأخوذ من عشرين، ولا قائل بأنه يسمى واجبًا مخيرًا، مع أن الله تعالى لم يوجب علينا خصوص شاة، ولا خصوص دينار، بل (٤) أوجب علينا مفهوم الشاة، ومفهوم الدينار (٥) من غير تعيين.
قلنا: الجواب عنه: أن القدر المشترك على قسمين: تارة يكون بين أجناس
стр. 1397
مختلفة الحقائق كالعتق (١)، والإطعام، والكسوة، وتارة يكون بين (٢) أفراد جنس متحد الحقيقة، فاصطلح العلماء على تسمية الأول: بالواجب المخير دون الثاني (٣).
قال المؤلف في الشرح: تعلق الخطاب بالقدر المشترك: تارة يكون بين أجناس مختلفة بالحقيقة (٤) كالإطعام، والكسوة، والإعتاق، وتارة يكون بين أفراد جنس متحد الحقيقة كالشاة، والدينار في الزكاة، فاصطلح العلماء على أن الأول يسمى واجبًا مخيرًا دون الثاني (٥).
قوله: (وكذلك فرض (٦) الكفاية).
ش: هذا هو المطلب الثالث، و (٧) هو: الواجب على الكفاية، وهو: الواجب عليه، يسمى (٨) فرض الكفاية؛ لأن البعض يكفي في القيام به.
ولأجل ذلك يقال في معناه: هو الواجب الذي يسقط عن المكلف بفعل (٩) غيره، وسمي فرض العين بفرض (١٠) العين لتعلقه بكل عين ولا يكفي
стр. 1398
يكفي فيه البعض عن البعض.
قوله (١): (وكذلك فرض الكفاية) الإشارة تعود على الواجب الموسع (٢)، أو الواجب المخير (٣).
والتشبيه يحتمل أن يكون في التعلق بالقدر المشترك تقديره [على هذا: كما تعلق (٤) الواجب الموسع أو الواجب المخير بالقدر المشترك، كذلك] (٥) فرض الكفاية (٦) هو (٧): متعلق بالقدر المشترك.
ويحتمل: أن يكون التشبيه في مطلق الخلاف تقديره على هذا: اختلف في متعلق فرض الكفاية، كما اختلف في متعلق الواجب المخير، أو الواجب الموسع، ولكن ليس الخلاف كالخلاف.
واختلف الأصوليون في متعلق خطاب (٨) الكفاية (٩):
стр. 1399
قيل: واجب على جميع المكلفين، ولكن سقط (١) بفعل البعض، وهو مذهب المحققين.
وقيل: واجب على طائفة غير متعينة (٢).
قال ابن العربي: تعينهم السعادة (٣) والمبادرة (٤).
حجة القول بوجوبه على الجميع: أنهم يأثمون كلهم إذا تركوه، ولا يأثم المكلف إلا على (٥) ترك ما وجب عليه.
حجة القول بوجوبه على البعض: أنه يسقط بفعل البعض، فلو كان واجبًا على الجميع لما سقط عن (٦) البعض؛ إذ لا يسقط عن (٧) المكلف ما وجب
стр. 1400
عليه بفعل غيره.
أجيب عن هذا: أنه إنما سقط (١) بفعل البعض وإن كان واجبًا على الجميع لاستلزام فعل البعض انتفاء علة الوجوب على الجميع.
قوله: (المقصود بالطلب لغة (٢): إِنما هو أحد الطوائف التي هي (٣) قدر مشترك بينها).
ش: يعني أن المعني بالطلب في فرض الكفاية في عرف اللغة هو: مطلق الطائفة الذي هو قدر مشترك بين الطوائف.
قال المؤلف في الشرح: إنما قلت: إن الخطاب يتعلق في الكفاية بالمشترك؛ لأن المطلوب فعل إحدى (٤) الطوائف، ومفهوم إحدى (٥) الطوائف قدر مشترك بينها (٦) لصدقه على كل طائفة، والصادق على أشياء مشترك بينها كصدق الحيوان على جميع أنواعه.
واللغة لم تقتض (٧) إلا ذلك في النصوص الواردة بفرض الكفاية، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 1401
الْمُنكَرِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢)، ونحو هذه النصوص، إنما مقتضى اللغة فيها غير [معين، وهو مشترك بين الطوائف. انتهى (٣).
يعني: أن مقتضى العرف اللغوي يقتضي أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير] (٤) معينة، ولكن خالف الشرع مقتضى اللغة فعلق خطاب الكفاية على جميع المكلفين، وإنما خالف الشرع ها هنا عرف اللغة لتعذر (٥) خطاب المجهول كما قرره المؤلف.
قوله: (المقصود بالطلب لغة) احترازًا من المقصود بالطلب شرعًا؛ لأن الشرع أوجب في فرض الكفاية خلاف ما أوجبه مقتضى اللغة.
قوله: (غير أن الخطاب يتعلق بالجميع أول الأمر (٦) لتعذر خطاب المجهول).
ش: يعني أن الشرع علق الخطاب في فرض الكفاية على جميع المكلفين، ولم يعلقه على بعض غير معين كما هو مقتضى اللغة لتعذر خطاب المجهول، وهو: غير المعين؛ لأنه لو علق الخطاب بغير معين لأدى ذلك إلى تعذر الامتثال فيضيع الواجب حينئذ؛ إذ لكل واحد من المكلفين أن يقول:
стр. 1402
إني (١) لم أتعين لذلك، فيضيع الواجب (٢)، فإذا أوجب (٣) ابتداءً على الجميع، فإن كل واحد يبعث (٤) إلى فعله ليخلص من العقاب.
قوله: (أول الأمر) احترازًا من آخر الأمر، وهو بعد فعله؛ لأن فرض الكفاية بعد فعله من البعض غير متعلق بالجميع.
قوله: (لتعذر خطاب المجهول) يعني: أن خطاب المجهول ممتنع بخلاف الخطاب بالمجهول كالخطاب المخير (٥) في خصال الكفارة في اليمين بالله تعالى فإنه جائز شرعًا؛ لأن المكلف متمكن من إيقاعه في المعين فلا يتعذر؛ كتحرير رقبة غير معينة، وكذلك شاة من أربعين، ودينار من عشرين في الزكاة، وكذلك الخطاب في المجهول فهو (٦) جائز أيضًا كصلاة الظهر في أجزاء الإقامة؛ إذ المكلف متمكن من إيقاع هذا الواجب في المعين (٧) أيضًا.
فهذه ثلاثة أشياء:
خطاب المجهول، والخطاب بالمجهول، والخطاب في المجهول، فالأول ممنوع والآخران جائزان.
قوله: (فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف لوجود المشترك فيها).
стр. 1403
ش: أي: فلا ريب ولا محالة ولا خلاف: أن الوجوب ساقط عن جميع الطوائف إذا فعلت (١) طائفة واحدة من الطوائف.
قوله: (لوجود المشترك (٢) فيها) أي: إنما سقط الوجوب عن الجميع بفعل البعض لحصول القدر المشترك وهو فعل إحدى الطوائف.
واعترض قوله: (لوجود المشترك فيها) بالتناقض، وذلك أن ظاهر قوله ها هنا يقتضي أن سبب سقوطه عن غير الفاعل وجود القدر المشترك، وظاهر قوله بعد هذا أنه إنما سقط لتعذر [تحصيل مصلحة الوجوب؛ لأنه قال بعد هذا: فسبب سقوطه عن الفاعل فعله وعن غير الفاعل تعذر] (٣) تحصيل (٤) تلك المصلحة التي (٥) لأجلها وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته.
أجاب بعضهم (٦) بأن قال (٧): لما كان فعل البعض سببًا لانتفاء علة الوجوب نسب السقوط إليه تجوزًا.
واعترض أيضًا: بأن ما تعلق بالجميع، أي: بكل واحد ابتداء فلا يكون
стр. 1404
متعلقًا بالقدر المشترك.
صوابه أن يقول: فلا جرم سقط (١) الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف؛ لانتفاء علة الوجوب من حيث حصول المقصود، فيكون حينئذ موافقًا لما قال بعد هذا.
قوله: (ولا تأثم (٢) طائفة معينة إِذا غلب على الظن فعل غيرها؛ لتحقق (٣) الفعل من المشترك بينها ظنًا، ويأثم الجميع إِذا تواطئوا على الترك لتحقق تعطيل المشترك بينها (٤))
ش: إنما سقط (٥) الإثم عن (٦) التاركة بظن فعل الفاعلة؛ لأن التكليف في الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب.
قوله: (لتحقق الفعل) أطلق المؤلف التحقق (٧) [بظن الفاعلة؛ لأن التكليف في الكفاية موقوف] (٨) على الظن مجازًا ليقابل به تحقق التعطيل، وتقول (٩): في الكلام حذف مضاف تقديره: لظن تحقيق (١٠) الفعل.
стр. 1405
واعترض قوله: (لتحقق الفعل) من المشترك بينها (١) كالاعتراض المتقدم، صوابه أن يقول: الانتفاء علة الوجوب.
واعترض قوله: (لتحقق تعطيل (٢) المشترك بينها) كما تقدم في العلة التي قبلها في قوله: (لوجود المشترك فيها)، صوابه أن يقول - والله أعلم -: ويأثم الجميع إذا تواطئوا على الترك؛ لعدم حصول المقصود.
قوله: (إِذا تقرر (٣) تعلق الخطاب في الأبواب الثلاثة بالقدر المشترك فالفرق بينها: أن المشترك في الموسع هو: الواجب فيه، وفي الكفاية (٤): الواجب عليه، وفي المخير (٥): الواجب نفسه).
ش: هذا هو المطلب الرابع، وهو بيان الفرق بين الواجبات الثلاثة (٦)، المراد بالأبواب الثلاثة: الواجب الموسع، والواجب على الكفاية، والواجب المخير، فالألف واللام في الأبواب للحوالة (٧).
فالمشترك في الموسع هو: الواجب فيه، أي: الزمان (٨) الذي يجب فيه الفعل.
والواجب في الكفاية هو: المكلف الذي يجب عليه الفعل.