← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الْمُنكَرِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢)، ونحو هذه النصوص، إنما مقتضى اللغة فيها غير [معين، وهو مشترك بين الطوائف. انتهى (٣). يعني: أن مقتضى العرف اللغوي يقتضي أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير] (٤) معينة، ولكن خالف الشرع مقتضى اللغة فعلق خطاب الكفاية على جميع المكلفين، وإنما خالف الشرع ها هنا عرف اللغة لتعذر (٥) خطاب المجهول كما قرره المؤلف. قوله: (المقصود بالطلب لغة) احترازًا من المقصود بالطلب شرعًا؛ لأن الشرع أوجب في فرض الكفاية خلاف ما أوجبه مقتضى اللغة. قوله: (غير أن الخطاب يتعلق بالجميع أول الأمر (٦) لتعذر خطاب المجهول). ش: يعني أن الشرع علق الخطاب في فرض الكفاية على جميع المكلفين، ولم يعلقه على بعض غير معين كما هو مقتضى اللغة لتعذر خطاب المجهول، وهو: غير المعين؛ لأنه لو علق الخطاب بغير معين لأدى ذلك إلى تعذر الامتثال فيضيع الواجب حينئذ؛ إذ لكل واحد من المكلفين أن يقول:

стр. 1402

إني (١) لم أتعين لذلك، فيضيع الواجب (٢)، فإذا أوجب (٣) ابتداءً على الجميع، فإن كل واحد يبعث (٤) إلى فعله ليخلص من العقاب. قوله: (أول الأمر) احترازًا من آخر الأمر، وهو بعد فعله؛ لأن فرض الكفاية بعد فعله من البعض غير متعلق بالجميع. قوله: (لتعذر خطاب المجهول) يعني: أن خطاب المجهول ممتنع بخلاف الخطاب بالمجهول كالخطاب المخير (٥) في خصال الكفارة في اليمين بالله تعالى فإنه جائز شرعًا؛ لأن المكلف متمكن من إيقاعه في المعين فلا يتعذر؛ كتحرير رقبة غير معينة، وكذلك شاة من أربعين، ودينار من عشرين في الزكاة، وكذلك الخطاب في المجهول فهو (٦) جائز أيضًا كصلاة الظهر في أجزاء الإقامة؛ إذ المكلف متمكن من إيقاع هذا الواجب في المعين (٧) أيضًا. فهذه ثلاثة أشياء: خطاب المجهول، والخطاب بالمجهول، والخطاب في المجهول، فالأول ممنوع والآخران جائزان. قوله: (فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف لوجود المشترك فيها).

стр. 1403

ش: أي: فلا ريب ولا محالة ولا خلاف: أن الوجوب ساقط عن جميع الطوائف إذا فعلت (١) طائفة واحدة من الطوائف. قوله: (لوجود المشترك (٢) فيها) أي: إنما سقط الوجوب عن الجميع بفعل البعض لحصول القدر المشترك وهو فعل إحدى الطوائف. واعترض قوله: (لوجود المشترك فيها) بالتناقض، وذلك أن ظاهر قوله ها هنا يقتضي أن سبب سقوطه عن غير الفاعل وجود القدر المشترك، وظاهر قوله بعد هذا أنه إنما سقط لتعذر [تحصيل مصلحة الوجوب؛ لأنه قال بعد هذا: فسبب سقوطه عن الفاعل فعله وعن غير الفاعل تعذر] (٣) تحصيل (٤) تلك المصلحة التي (٥) لأجلها وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته. أجاب بعضهم (٦) بأن قال (٧): لما كان فعل البعض سببًا لانتفاء علة الوجوب نسب السقوط إليه تجوزًا. واعترض أيضًا: بأن ما تعلق بالجميع، أي: بكل واحد ابتداء فلا يكون

стр. 1404

متعلقًا بالقدر المشترك. صوابه أن يقول: فلا جرم سقط (١) الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف؛ لانتفاء علة الوجوب من حيث حصول المقصود، فيكون حينئذ موافقًا لما قال بعد هذا. قوله: (ولا تأثم (٢) طائفة معينة إِذا غلب على الظن فعل غيرها؛ لتحقق (٣) الفعل من المشترك بينها ظنًا، ويأثم الجميع إِذا تواطئوا على الترك لتحقق تعطيل المشترك بينها (٤)) ش: إنما سقط (٥) الإثم عن (٦) التاركة بظن فعل الفاعلة؛ لأن التكليف في الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب. قوله: (لتحقق الفعل) أطلق المؤلف التحقق (٧) [بظن الفاعلة؛ لأن التكليف في الكفاية موقوف] (٨) على الظن مجازًا ليقابل به تحقق التعطيل، وتقول (٩): في الكلام حذف مضاف تقديره: لظن تحقيق (١٠) الفعل.

стр. 1405

واعترض قوله: (لتحقق الفعل) من المشترك بينها (١) كالاعتراض المتقدم، صوابه أن يقول: الانتفاء علة الوجوب. واعترض قوله: (لتحقق تعطيل (٢) المشترك بينها) كما تقدم في العلة التي قبلها في قوله: (لوجود المشترك فيها)، صوابه أن يقول - والله أعلم -: ويأثم الجميع إذا تواطئوا على الترك؛ لعدم حصول المقصود. قوله: (إِذا تقرر (٣) تعلق الخطاب في الأبواب الثلاثة بالقدر المشترك فالفرق بينها: أن المشترك في الموسع هو: الواجب فيه، وفي الكفاية (٤): الواجب عليه، وفي المخير (٥): الواجب نفسه). ش: هذا هو المطلب الرابع، وهو بيان الفرق بين الواجبات الثلاثة (٦)، المراد بالأبواب الثلاثة: الواجب الموسع، والواجب على الكفاية، والواجب المخير، فالألف واللام في الأبواب للحوالة (٧). فالمشترك في الموسع هو: الواجب فيه، أي: الزمان (٨) الذي يجب فيه الفعل. والواجب في الكفاية هو: المكلف الذي يجب عليه الفعل.

стр. 1406

والواجب في (١) المخير هو: الشيء الذي يجب، أي: هو الفعل الواجب نفسه، أي: الفعل المأمور به. قوله (٢): (وفي الكفاية الواجب عليه) فيه نظر كما تقدم؛ لأن متعلق الوجوب في الكفاية هو (٣) كل واحد لا القدر المشترك؛ لأن الخطاب إذا دار بين أفراد جنس على (٤) البدلية يكون متعلقًا بالقدر المشترك بين تلك الأفراد، وليس الواجب على الكفاية كذلك؛ لأنه متعلق بالجميع على القول الصحيح. قوله: (فائدة: لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل؛ بل ظنه، فإِذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه، وإِذا غلب على ظن تلك الطائفة أن هذه فعلته (٥) سقط عنها، وإِذا غلب على ظن الطائفتين فعل كل واحدة منهما سقط عنهما). ش: هذا هو المطلب الخامس وهو قولنا: هل يشترط (٦) في فرض الكفاية اليقين أو الظن؟ قوله: (لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل).

стр. 1407

معناه: لا يشترط في سقوط فرض الكفاية عنك (١) تحقق صدور الفعل من غيرك، بل المشترط في سقوطه ظن صدور الفعل. قال فخر الدين في المحصول: التكليف في الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب (٢)؛ لأن تحصيل العلم بأن غيري هل فعل (٣) هذا أم لا؟ غير ممكن، إنما الممكن تحصيل الظن. قوله: (فإِذا غلب على ظن هذه الطائفة) إلى آخره يعني: أن هذه الحالات الثلاث كلها مبنية على الظن دون اليقين. قال المؤلف في الشرح: أصل التكليف ألا يكون إلا بالعلم [في أكثر الصور أقام الشرع الظن مقامه] (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٥). وقوله تعالى (٦): ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٧)، ولكن لما تعذر حصول (٨) العلم في أكثر الصور (٩) أقام الشرع الظن (١٠) مقامه؛ لغلبة صوابه،

стр. 1408

وندرة خطئه (١)، فنيطت به التكاليف. انتهى (٢). قوله: (فنيطت به التكاليف) يعني: أن التكليف يقع بالظن ويسقط بالظن. قال الفهري (٣) في المعالم (٤): هذا ضعيف؛ لأنه يؤدي إلى تضييع الواجب، فلا بد في هذا المسقط من التفصيل، فما يتأتى العلم بحصوله، فلا يسقط إلا بالعلم، ولا يسقط بالظن، كميت حاضر بين أيدينا، فإنا خوطبنا (٥) بتغسيله، وتكفينه، ودفنه، وما يتعذر العلم بحصوله يكفي الظن في سقوطه كما في قيام طائفة بالجهاد (٦). قال المؤلف في الشرح: فمن غلب على ظنه أن هذه امرأته جاز له وطؤها، أو غلب على ظنه أن هذه غير امرأته حرم عليه وطؤها، أو غلب على

стр. 1409

ظنه أن هذا الخمر خل جاز له شربه، أو غلب (١) على ظنه أن هذا الخل خمر حرم عليه شربه، أو غلب على ظنه أنه متطهر وهو محدث (٢) أجزأته صلاته، أو غلب على ظنه أنه محدث لم تجز (٣) صلاته، وغير ذلك من نظائره مما تعظم (٤) مشقته، فأسقطه (٥) الشارع عن الخلق (٦). قوله: (سؤال: إِذا تقرر الوجوب في فرض الكفاية على جملة الطوائف (٧) فكيف يسقط عمن لم يفعل بفعل غيره (٨)؟ مع أن الفعل البدني كصلاة الجنائز (٩)، والجهاد مثلًا لا يجزئ فيه أحد عن أحد، فكيف (١٠) يسوي الشرع بين من (١١) فعل، وبين (١٢) من لم يفعل؟). ش: هذا هو المطلب السادس في السبب الذي من أجله سقط فرض الكفاية عن (١٣) تاركه بفعل غيره.

стр. 1410

ومعنى كلامه في تقرير (١) هذا السؤال أنا إذا قلنا: إن فرض الكفاية واجب على كل واحد ابتداء على القول الصحيح، فإذا فعله البعض سقط عن الغير، فكيف يسقط الوجوب عن التارك بسبب فعل الفاعل؟ مع (٢) أن القاعدة: أن الفعل البدني لا يجزئ فيه أحد عن أحد، وصلاة (٣) الجنازة والجهاد من أفعال البدن، وكذلك غيرها (٤) من فروض الكفاية كغسل الميت، وتكفينه، ودفنه، فالجاري على القواعد ألا يجزئ (٥) فيه أحد عن أحد، فكيف يسوي الشرع بين من فعل ومن لم يفعل في السقوط؟ فالجاري على القواعد: أن يسقط الوجوب عن الفاعل [دون التارك. قوله: (جوابه: أن الفاعل يساوي غير الفاعل في سقوط التكليف، واختلف (٦) السبب، فسبب سقوطه عن الفاعل] (٧): فعله، وعن غير الفاعل: تعذر تحصيل تلك المصلحة التي لأجلها وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته). ش: يعني: أن الفعل مساوٍ للتارك في سقوط الوجوب لا في الثواب؛ إذ لا يثاب إلا الفاعل، ولا يثاب التارك.

стр. 1411

ولكن اختلف سبب سقوط (١) الوجوب (٢) فسبب سقوط الوجوب عن الفاعل: فعله، وسبب سقوط الوجوب عن التارك: تعذر تحصيل تلك المصلحة التي لأجلها وجب الفعل فانتفى الوجوب لتعذر حكمته. فالسقوط في حق التارك ليس بفعل الفاعل كما ذكره السائل، وإنما السقوط من وجه آخر وهو: عدم حكمة الوجوب؛ وذلك أن الغريق في البحر مثلًا إذا شيل من البحر انتفى التكليف بعد ذلك، فنزول البحر بعد ذلك لا فائدة فيه لعدم [حكمة الوجوب. فتحصل مما قررناه (٣): أن التساوي حاصل بين الفاعل والتارك في أصل السقوط، ولا يلزم من] (٤) حصول التساوي في أصل السقوط حصول التساوي مطلقًا في الثواب وغيره، بل يمتاز الفاعل بالثواب على (٥) فعله أن فعله تقربًا، وأما غير الفاعل، فإن نوى الفعل ثم سبقه (٦) إليه غيره، فله ثواب نيته. يدل (٧) على ذلك: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٨)، يؤخذ منه أن

стр. 1412

أولي الضرر يساوونهم. ويدل عليه أيضًا قوله ﵇: "إذا شغل العبد عن عمل كان يعمله بمرض ابتلاه الله به، كتب له أجر ذلك العمل ما دام في وثاق (١) مرضه" (٢). ودليله أيضًا: قوله ﵇ [في] (٣) الحديث الصحيح ذكره (٤) البخاري (٥) عن أنس بن مالك (٦) قال: لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك

стр. 1413

فقال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم (١) العذر" (٢). قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (٣): أعطى الله تعالى للمعذور ما أعطى للقوي العامل بفضله. قال (٤): وقال بعض الناس: إنما يكون له الأجر غير مضاعف (٥)، ويضاعف للعامل المباشر، وهذا تحكم على الله تعالى، وتضييق (٦) لسعة رحمته (٧).

стр. 1414

قوله: (قاعدة: الفعل على قسمين: منه ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات (١) الخمس؛ فإن مصلحتها الخضوع لذي الجلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة (٢)، ومنه ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كإِنقاذ الغريق، فإِنه إِذا شيل (٣) من البحر فالنازل بعد ذلك إِلى البحر لا يحصل شيئًا من المصلحة، وكذلك إِطعام الجيعان (٤) وإِكساء (٥) العريان، وقتل الكفار (٦)، فالقسم الأول: جعله الشرع على الأعيان تكثيرًا للمصلحة، والقسم الثاني على الكفاية لعدم الفائدة في (٧) الأعيان). ش: هذا هو المطلب السابع، وهو قولنا: ما الحكمة في جعل بعض الأحكام على الأعيان, وجعل بعضها على الكفاية؟ قوله: (قاعدة) هذه (٨) أول القواعد الست (٩) التي أشار إليها (١٠) في مقدمة الكتاب في قوله: (مع (١١) أني زدت كثيرًا من القواعد) والمراد (١٢) بالقواعد: القوانين والضوابط.

стр. 1415

ومعنى القاعدة: صورة (١) كلية تتبين لها جميع جزئياتها. قال المؤلف في الشرح: هذه القاعدة هي: سر (٢) ما يشرع على الكفاية، وما يشرع في الأعيان، وهو تكرار (٣) المصلحة وعدم تكررها، فمن علم ذلك علم ما هو على الكفاية (٤) وما هو على الأعيان في الشريعة، غير أنه يشكل على هذه القاعدة صلاة الجنازة؛ فإنها ينبغي ألا تكون على الكفاية وأن تشرع إعادتها وتكررها كما قاله الشافعي (٥) ﵁ فإن مصلحتها المغفرة للميت ولم يعلم حصولها، فينبغي أن يصلى عليه أبدًا وتكون على الأعيان، مع أنهم جعلوها على الكفاية، بخلاف إنقاذ الغريق وشبهه، فإن مصلحته قد حصلت فلا فائدة في تكريره. والجواب: أن مصلحة صلاة الجنازة: حصول المغفرة ظنًا، وقد حصلت المغفرة ظنًا بالطائفة الأولى؛ لأن الدعاء مظنة الإجابة، لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦). و (٧) لأن العلم بحصول المغفرة متعذر؛ فيتعين (٨) الظن (٩)، فاندرجت

стр. 1416

صلاة (١) الجنازة في فرض الكفاية، وامتنعت الإعادة كما قاله (٢) مالك ﵁. وسبب الخلاف بين مالك والشافعي في تكرير (٣) الصلاة على الجنازة حصول المصلحة، وعدم حصولها: فمالك قال: حصلت المصلحة وهي: المغفرة اعتمادًا على الظن فلا تكرر الصلاة على الجنازة. والشافعي قال: لم تحصل المصلحة وهي: المغفرة اعتمادًا على العلم فتكرر الصلاة على الجنازة. قال بعض الشراح (٤): [مصلحة صلاة الجنازة هي: الاستغفار، وهو: طلب المغفرة لا نفس المغفرة، فهذه المصلحة] (٥) قد حصلت قطعًا لا ظنًا كما زعمه الشهاب (٦). وهذا الذي قاله هذا الشارح ضعيف؛ لأن الاستغفار الذي هو: طلب الدعاء وسيلة، والمقصود هو: حصول المغفرة نفسها لا طلبها، وإنما الخلاف: هل المطلوب ظن حصولها كما قال مالك؟ أو علم حصولها كما قاله

стр. 1417

الشافعي ﵄ (١). فإذا قلنا: المطلوب ظن حصول المغفرة: فقد (٢) حصل ظنها بالمرة الأولى فلا تعاد. وإذا قلنا: المطلوب علم حصولها: فلم يحصل علمها فتعاد. قوله (٣): (فوائد (٤) [ثلاث] (٥): الأولى: الكفاية والأعيان (٦) كما يتصوران في الواجبات يتصوران في المندوبات، كالأذان، والإِقامة (٧)، والتسليم، والتشميت، وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه (٨) على الكفاية، وعلى الأعيان: كالوتر، والفجر، وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين (٩)، والطواف (١٠) في غير النسك، والصدقات). ش: هذا هو المطلب الثامن، وهو الفوائد الثلاث التي ذكرها المؤلف. قوله: (الأولى: الكفاية والأعيان) إلى آخره. ومقصود المؤلف بهذه الفائدة التنبيه: على أن الندب يوصف بالكفاية

стр. 1418

والأعيان (١) كما يوصف به الفرض؛ لأن أكثر الناس إنما يتخيلون ذلك في الفرض خاصة دون النفل (٢). قوله: (كالأذان) أي (٣): إذا كان سنة، وهو إذا لم يقصد به إظهار شعائر الإِسلام، وإنما قصد به الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه إذا قصد به إظهار الإِسلام يكون (٤) فرضًا، وإذا قصد به الإعلام بدخول الوقت (٥) كان (٦) سنة (٧).

стр. 1419

قوله: (والإِقامة) أي: إقامة الصلاة. يعني: إقامة الصلاة في حق الجماعة، وأما إقامة الصلاة في حق المنفرد فهي سنة على الأعيان. قوله: (والتسليم) أي: التحية بين الناس، وهو (١) السلام عليكم، أو سلام عليكم، يعني الابتداء به؛ [لأن الابتداء بالسلام سنة على الكفاية على المشهور. وقيل: فرض كفاية] (٢). وأما رده (٣) فهو: فرض كفاية على المشهور. وقيل: هو (٤) فرض عين. [وقال ابن أبي زيد في رسالته: ورد السلام واجب، والابتداء به سنة مرغّب فيها، وقال: و (٥) إذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وكذلك إن

стр. 1420

رد واحد منهم (١)] (٢). قوله: (والتشميت) أي: تشميت (٣) العاطس، وهو: أن يقول له من سمع حمده (٤): يرحمك الله. ويقال: تشميت العاطس، وتسميت العاطس بالشين المعجمة، وبالسين (٥) المهملة. ومعناه بالمعجمة (٦): أبعد الله عنك الشماتة وجنّبك ما [يشمت به عليك (٧)، والعرب تقول] (٨): شمت به شماتة إذا سر ببلاء نزل به (٩). وفي الحديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك" (١٠).

стр. 1421

ومعناه بالمهملة: جعلك الله على سمة حسنة. وهي: الرجوع إلى حالته التي كان عليها قبل العطاس (١). قوله: (والتشميت) أي: على القول بسنيته (٢)؛ إذ فيه قولان: سنة، وفرض. وفي كل واحد من (٣) هذين القولين قولان (٤): قيل: على الأعيان. وقيل: على الكفاية (٥).

стр. 1422

قوله: (وما يفعل بالأموات من المندوبات) كتلقين المحتضر، وتوجيهه إلى القبلة (١) وإغماضه، وتحنيطه، وأما غسله، وكفنه، وحمله ودفنه (٢) فذلك كله واجب. قوله: (فهذه على الكفاية) أي: هذه الأمور الخمسة كلها مندوب إليها على الكفاية، أي: يكفي فيها من قام بها. قوله: (وعلى الأعيان) أي (٣): وأما المندوبات على الأعيان كالوتر، والفجر، وصيام الأيام الفاضلة. قال بعضهم: الأيام الفاضلة هي سبعة أيام في السنة. وقال بعضهم: هي عشرة أيام. وقال بعضهم: هي ثلاثة عشر يومًا. من قال: هي سبعة أيام جمعت (٤) في هذه الأبيات، وهي هذه (٥): والجيم والياء من المحرم ... جيم رجب أيضًا وزك تفهم ويه بشعبان وهك بالقعدة ... سابعها التاسع من ذي الحجة

стр. 1423

صيامها ما دمت (١) بالحياة ... بادر وحاذ منهج الثقات (٢) ومن قال: هي عشرة أيام، أو ثلاثة عشر، فهي مجموعة في هذه الأبيات، وهي هذه: وثالث وعاشر المحرم ... جيم وزك من رجب المعظم والخامس عشر من شعبان ... ثم هك من قعدة الأمان وأول وسابع وثامن ... وتاسع من حجة يا فاطن والصوم في الثلاثة الأيام ... من كل شهر كصيام العام فهذه الأيام بالصيام ... تخص (٣) عند فقها الأنام (٤) قوله: (والطواف في غير النسك) أي: في غير الحج والعمرة الواجبين، معناه: الطواف غير الواجب، وكذلك صلاة الاستسقاء، وصلاة (٥) الكسوف (٦)، والخسوف (٧)، وتحية المسجد، وصلاة الضحى (٨)،

стр. 1424

وقيام الليل، وغير ذلك، فهذه المندوبات كلها على الأعيان. قوله: (الثانية: نقل صاحب الطراز وغيره: أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط عنه الفرض (١): يقع فعله فرضًا بعدما لم يكن واجبًا عليه، وطرده (٢) غيره من العلماء في سائر فروض الكفاية، كمن يلتحق بمجهز (٣) الأموات من الأحياء أو (٤) بالساعين (٥) في تحصيل العلم من العلماء، فإِن ذلك الطالب للعلم يقع فعله واجبًا معللًا لذلك؛ فإِن (٦) مصلحة الوجوب لم تتحقق (٧) بعد (٨) ولم تحصل إِلا بفعل الجميع، فوجب (٩): أن يكون فعل الجميع واجبًا ويختلف ثوابهم بحسب (١٠) مساعيهم). ش: قوله: (وطرده بعضهم) أي: عممه. قوله: (مجهز (١١) الأموات) أي: فيما هو فرض من التجهيز؛ كالغسل والتكفين (١٢) والصلاة، والدفن.

стр. 1425

قوله: (فإِن ذلك الطالب (١)) يعني به: اللاحق. قوله: (معللًا) أي: محتجًا، وهو حال من الغير أو من صاحب الطراز (٢). قوله: (لذلك الحكم) أي (٣): الذي هو مساواة اللاحق والسابق (٤). قوله: (لم تتحقق بعد) أي: لم تحصل بعد وصول اللاحق. قوله: (بفعل الجميع) يعني: اللاحق والسابق. قال المؤلف في الشرح: الوجوب يتبع المصلحة، فإذا لم تحصل المصلحة بقي الخطاب بالوجوب، فمن أوقع مصلحة الوجوب استحق ثواب الواجب، والجميع موقع لمصلحة الوجوب [فوجب اشتراكهم في ثواب الواجب، والكلام حيث لم تتحقق المصلحة] (٥)، أما من جاء بعد تحقيقها (٦) فلا.

стр. 1426

انتهى نصّه (١). قال المؤلف في القواعد: يرد على حد الواجب: بأن هذا اللاحق بالمجاهدين أو بغيرهم (٢) كان له الترك إجماعًا من غير ذم، ومع ذلك فقد وصف فعله بالوجوب، وعدم الذم على تركه، وذلك مناقض لحد الواجب. والجواب: أن الوجوب في هذه الصورة مشروط بالاتصال، [والاجتماع مع الفاعلين، فإن ترك مع الاجتماع أثم، والترك (٣)] (٤) مع الاجتماع لا يتصور إلا بترك الجميع، والعقاب حينئذ متحقق، والقاعدة: أن الوجوب المشروط بشرط ينتفي (٥) عند انتفاء ذلك الشرط، فإذا كان منفردًا عنهم (٦) فشرط الوجوب مفقود: فينتفي الوجوب (٧). قوله: (الثالثة: الأشياء المأمور بها على الترتيب، أو على البدل قد يحرم الجمع بينها (٨)؛ كالمباح، والميتة من المرتبات، وتزويج المرأة من أحد (٩) الكفأين من المشروع على سبيل البدل، وقد يباح كالوضوء، والتيمم

стр. 1427

من المرتبات، والسترة من (١) أحد الثوبين من باب البدل، وقد يستحب (٢) كخصال الكفارة في الظهار (٣) من المرتبات (٤)، وخصال كفارة الحنث (٥) مما شرع (٦) على البدل). ش: ذكر المؤلف في هذه الفائدة الثالثة (٧): أحكام المأمورات المرتبات، والمخيرات. ومعنى المرتبات: هي الأشياء التي لا يجوز فعل الثاني منها إلا عند تعذر الأول، حسًا، أو شرعًا. ومعنى المخيرات: هي الأشياء التي يتخير المكلف بينها. فذكر المؤلف أن هذه المأمورات بجملتها (٨)، أعني: ذوات الترتيب، وذوات التخيير - لها ثلاثة أحكام بالنسبة إلى جمعها، وهي: تحريم جمعها، وإباحة جمعها، واستحباب جمعها. مثال تحريم جمعها في المرتبات: كأكل المباح، وأكل الميتة؛ فلا يجوز الجمع بينهما؛ إذ لا يجوز الإقدام على أكل الميتة إلا عند تعذر أكل المباح.

стр. 1428

وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: (كالمباح والميتة من المرتب) (١). ومثال تحريم جمعها في المخيرات (٢): تزويج المرأة من أحد الكفأين؛ فإن الولي يتخير في تزويج وليته ممن شاء من الكفأين، ولا يجوز أن يزوجها (٣) منهما معًا؛ إذ لا يجوز في الشريعة المحمدية أن يتزوج رجلان امرأة واحدة. وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: (وتزويج المرأة (٤) من أحد الكفأين من المشروع على سبيل البدل)، أي: على سبيل التخيير، أي: يتخير في (٥) أيهما شاء. ومثال إباحة الجمع بينهما في المرتبات: الوضوء والتيمم؛ [فيجوز الجمع بين الوضوء والتيمم] (٦). قال المؤلف في الشرح: إباحة التيمم مع الوضوء معناه: صورة التيمم، أما التيمم الشرعي المبيح للصلاة فلا تتصور حقيقته (٧) مع الوضوء؛ لأنه حينئذ غير مشروع طهارة، وإن أبيحت صورته (٨).

стр. 1429

فإباحة التيمم في (١) الوضوء إذًا إنما هو من حيث الصورة لا من حيث المشروعية (٢). وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وقد يباح، يعني: الجمع كالوضوء والتيمم من المرتبات. ومثال إباحة الجمع في المخيرات: التستر (٣) بأحد الثوبين الطاهرين في الصلاة، فإن المصلي يباح له أن يجمع بين الثوبين فيصلي بهما معًا، كما يجوز له أن يصلي بواحد منهما. وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: والسترة (٤) بأحد الثوبين من باب البدل، أي: من باب التخيير. ومثال استحباب الجمع [بينها] (٥) في المرتبات: خصال الكفارة في الظهار؛ فإن المظاهر إن كان موسرًا ففرضه العتق، وإن كان (٦) معسرًا (٧) ففرضه الصيام، وإن كان عاجزًا ففرضه الإطعام، فإن المظاهر يستحب له أن يجمع بين الخصال الثلاثة (٨). وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وقد يستحب لخصال الكفارة في الظهار من

стр. 1430

المرتبات، وإنما يستحب له الجمع بينها؛ لأنها كلها مصالح وقربات. قال أبو إسحاق الشيرازي - في مختصره في الأصول -: فإن جمع (١) من فرضه العتق بين الجميع (٢): سقط الفرض عنه بالعتق، وما عداه تطوع، وإن جمع من فرضه الصيام بين الجميع: ففرضه أحد (٣) الأمرين من العتق، أو الصيام، والإطعام، تطوع، وإذ جمع من فرضه الإطعام بين الجميع: ففرضه واحد من الثلاثة كالكفارة المخيرة (٤). ومثال استحباب الجمع بينها في المخيرات (٥): خصال كفارة الحنث في اليمين بالله تعالى؛ لأن كفارة اليمين مخيرة، فيتخير الحانث فيها بين العتق، والكسوة، والإطعام. وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وخصال كفارة الحنث مما شرع [على البدل أي] (٦): على التخيير بين تلك الأشياء. قال القاضي (٧) أبو الوليد الباجي - في الفصول -: إن فعل المكلف واحدًا من خصال كفارة اليمين: كان هو الواجب، وإن فعلها كلها، فإن نوى بأداء فرضه واحدًا منها: كان هو الواجب دون غيره (٨)، وإن نوى جميعها: كان

стр. 1431

الواجب أعلاها وأكثرها ثوابًا، وأما إذا لم يفعل منها شيئًا (١): فقيل: إن العقاب يكون على ترك أدناها؛ لأنه لو فعله لبرئت (٢) الذمة (٣). قال المؤلف في الشرح: كفارة الظهار مرتبة، وكفارة اليمين بالله تعالى (٤) مخيرة، والكل يستحب الجمع (٥) بين خصالها من العتق، والكسوة، والطعام، والصيام؛ لأنها مصالح وقربات تكثر وتجتمع (٦)، وإن كان بعضها إذا انفرد لا يجزئ في المرتبات (٧). قوله: (فرع: اختار القاضي عبد الوهاب: أن (٨) الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إِما مندوب، أو (٩) ساقط). ش: هذا هو المطلب التاسع في الأمر المعلق على الاسم الذي له مراتب، هل يتعلق (١٠) بأولها (١١) أو بآخرها؟

стр. 1432

هذه المسألة مشهورة بالأخذ (١) بأوائل الأسماء، أو بأواخرها (٢) , ففي ذلك قولان للعلماء. ومعنى هذه المسألة: أن الحكم إذا علق على معنى كلي له محال كثيرة، وجزئيات متباينة في العلو، والسفل، والكثرة، والقلة (٣)، هل يقتصر (٤) بذلك الحكم على أدنى المراتب لتحقق المسمى بجملته فيه؟ أو يسلك (٥) به طريق الاحتياط فيقصد في ذلك المعنى الكلي أعلى المراتب؟ ففي ذلك قولان: والمختار عند القاضي عبد الوهاب في كتابه الملخص: أن يقتصر به على أقل مراتبه (٦). مثال ذلك قوله ﵇: "إذا ركعت فاطمئن راكعًا" (٧).

стр. 1433

فهذا أمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه الطمأنينة؟ أو يقصد أعلاها؟ قولان للعلماء. ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "خللوا الشعر وأنقوا البشر (١)، فإن تحت كل شعرة جنابة" (٢). فهذا أمر بالتدلك فهل يقصر على أدنى رتبة التدلك؟ أو يقصد أعلاها (٣)؟ قولان للعلماء.

стр. 1434

قوله: (والزائد على ذلك إِما مندوب، أو ساقط). فالمندوب كزيادة الطمأنينة، والساقط (١) كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك كما ندب لزيادة الطمأنينة (٢). [فرع (٣): الطمأنينة. والتدلك. وحكاية الأذان. والتفرقة في الأم وولدها. وحضانة الولد. والحلف بالحرام. قيل: الطلاق الثلاث. وقيل: الطلقة الواحدة. وكذلك الشك في عدد الطلاق. ومن ذلك: الرشد في اليتامى. قيل: الرشد في المال خاصة، قاله مالك. وقيل: الرشد في المال والدين، قاله الشافعي.

стр. 1435

ومن أمثلة هذه القاعدة أيضًا: الأمة المتواضعة للاستبراء: قيل: يعد الاستبراء بأول دخولها في الحيض. وقيل: بخروجها من الحيضة. ومنه أيضًا: من اشترى نخلًا فأثمرت عنده، ثم ردت النخلة بعيب أو استحقاق، أو شفعة، أو فساد البيع، أو بغير ذلك، ففي كل ذلك قولان: قيل: الغلة للمشتري بالطيب. وقيل: بالجذاذ. وقال بعض المدنيين: الغلة للمشتري بالأبار. قوله: (والزائد على ذلك)] (١). قال المؤلف في الشرح: [ووجه الاقتصار على أول المراتب (٢) جمعًا بين الدال على الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة، كما أنه لو وجب (٣) عتق رقبة واقتصرنا على مسمى الرقبة أجزأ، وإن كانت أدنى الرقاب (٤). ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "إذا سمعتم المؤذن (٥) فقولوا مثل ما يقول المؤذن (٦) " (٧).

стр. 1436

فإن المثلية تصدق في اللغة بأي وصف كان من غير شمول لجميع الأوصاف، كقولنا (١) مثلًا (٢): زيد مثل الأسد، يكتفى في ذلك (٣) بالشجاعة دون سائر الأوصاف، فالمثل (٤) المذكور في الحديث إن حمل على أعلى (٥) المراتب فيحكى إلى (٦) آخر الأذان، وإن حمل على أدنى المراتب فيحكى إلى آخر التشهدين (٧) وهو مشهور المذهب المالكي (٨).

стр. 1437

ومثاله أيضًا قوله ﵇ في التفرقة (١) بين الأمة (٢) وولدها: "لا توله والدة (٣) عن (٤) ولدها" (٥). فإن هذا عام في أشخاص الولد (٦)، والقاعدة: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فهو إذًا مطلق في أحوال الولد، فإذا كان مطلقًا في الأحوال فيتناول أمرًا كليًا، فيصدق في رتبة دنيا، وهي: الإثغار (٧)، ويصدق في رتبة (٨) عليا وهي: البلوغ، فهل يقصد بهذا أعلى الرتب (٩) وهو (١٠) البلوغ؟ أو يقتصر (١١) به على أدنى الرتب، وهو الإثغار؟

стр. 1438

وهذا هو المشهور في المذهب (١) المالكي. ومثاله أيضًا: قوله ﵇ في الحضانة: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢). وهذه الأحقية (٣) أدنى مراتبها: الإثغار (٤)، وأعلاها: البلوغ، و (٥) المشهور هو (٦): البلوغ في المذهب المالكي. [ومثاله أيضًا: قوله أنت عليّ حرام، فهل (٧) يحمل على أعلى مراتب (٨) التحريم؟ وهو: الثلاث، أو يحمل على أدناها (٩) وهو الطلقة الواحدة؟] (١٠). ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١١):

стр. 1439

فقيل: يحمل على أدنى مراتب الرشد، وهو: الرشد في المال خاصة، وهو مذهب مالك ﵀ (١). أو يحمل على أعلى (٢) مراتب الرشد، وهو: الرشد في المال والدين، وهو مذهب الشافعي (٣) رحمه الله تعالى (٤). [ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٥). فهل يحمل على أدنى المراتب؟ وهو مطلق ما يسمى صعيدًا، ترابًا كان أو غيره من أنواع الأرض، وهو: مذهب مالك ﵁ (٦). أو يحمل على أعلى (٧) مراتب الصعيد، وهو: التراب، وهو مذهب الشافعي (٨) ﵁] (٩). قوله: (الأمر المعلق (١٠) على الاسم). يريد الاسم الكلي ولا يريد الاسم الكل، فالكلي يقابله الجزئي، والكل يقابله الجزء، وقد تقدم لنا في الفصل الخامس من الباب الأول بيان ذلك (١١).

стр. 1440

فالكلي هو الذي لا (١) يمنع تصوره من الشركة (٢) فيه؛ كالإنسان مثلًا؛ فإنه يصدق على جميع أشخاص الأناسي (٣). والجزئي هو الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه (٤) كسائر أشخاص الإنسان؛ كزيد، وعمرو، وهند، ودعد. ومعنى الكل هو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء الأعداد كالعشرة (٥) مثلًا. ومعنى الجزء: ما تركب مثله ومن غيره كل (٦) كالخمسة مع العشرة، فمحل الخلاف الذي ذكر المؤلف ﵀ هو: المعنى الكلي (٧) دون المعنى (٨) الكل، فإن الكلي إذا علق عليه الحكم فاختلف فيه هل يحمل على جميع جزئياته؟ أو يحمل على أدنى جزئياته؟ قولان كما تقدم في الطمأنينة وفي التدلك وغيرهما. وإنما قلنا: موضع هذا الخلاف هو: المعنى الكلي دون معنى الكل؛ لأن الكلي لا يدل على جزئياته بخلاف الكل (٩)، فإنه يدل على جزئياته (١٠).
следующие страницы →