← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فإن المثلية تصدق في اللغة بأي وصف كان من غير شمول لجميع الأوصاف، كقولنا (١) مثلًا (٢): زيد مثل الأسد، يكتفى في ذلك (٣) بالشجاعة دون سائر الأوصاف، فالمثل (٤) المذكور في الحديث إن حمل على أعلى (٥) المراتب فيحكى إلى (٦) آخر الأذان، وإن حمل على أدنى المراتب فيحكى إلى آخر التشهدين (٧) وهو مشهور المذهب المالكي (٨).

стр. 1437

ومثاله أيضًا قوله ﵇ في التفرقة (١) بين الأمة (٢) وولدها: "لا توله والدة (٣) عن (٤) ولدها" (٥). فإن هذا عام في أشخاص الولد (٦)، والقاعدة: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فهو إذًا مطلق في أحوال الولد، فإذا كان مطلقًا في الأحوال فيتناول أمرًا كليًا، فيصدق في رتبة دنيا، وهي: الإثغار (٧)، ويصدق في رتبة (٨) عليا وهي: البلوغ، فهل يقصد بهذا أعلى الرتب (٩) وهو (١٠) البلوغ؟ أو يقتصر (١١) به على أدنى الرتب، وهو الإثغار؟

стр. 1438

وهذا هو المشهور في المذهب (١) المالكي. ومثاله أيضًا: قوله ﵇ في الحضانة: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢). وهذه الأحقية (٣) أدنى مراتبها: الإثغار (٤)، وأعلاها: البلوغ، و (٥) المشهور هو (٦): البلوغ في المذهب المالكي. [ومثاله أيضًا: قوله أنت عليّ حرام، فهل (٧) يحمل على أعلى مراتب (٨) التحريم؟ وهو: الثلاث، أو يحمل على أدناها (٩) وهو الطلقة الواحدة؟] (١٠). ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١١):

стр. 1439

فقيل: يحمل على أدنى مراتب الرشد، وهو: الرشد في المال خاصة، وهو مذهب مالك ﵀ (١). أو يحمل على أعلى (٢) مراتب الرشد، وهو: الرشد في المال والدين، وهو مذهب الشافعي (٣) رحمه الله تعالى (٤). [ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٥). فهل يحمل على أدنى المراتب؟ وهو مطلق ما يسمى صعيدًا، ترابًا كان أو غيره من أنواع الأرض، وهو: مذهب مالك ﵁ (٦). أو يحمل على أعلى (٧) مراتب الصعيد، وهو: التراب، وهو مذهب الشافعي (٨) ﵁] (٩). قوله: (الأمر المعلق (١٠) على الاسم). يريد الاسم الكلي ولا يريد الاسم الكل، فالكلي يقابله الجزئي، والكل يقابله الجزء، وقد تقدم لنا في الفصل الخامس من الباب الأول بيان ذلك (١١).

стр. 1440

فالكلي هو الذي لا (١) يمنع تصوره من الشركة (٢) فيه؛ كالإنسان مثلًا؛ فإنه يصدق على جميع أشخاص الأناسي (٣). والجزئي هو الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه (٤) كسائر أشخاص الإنسان؛ كزيد، وعمرو، وهند، ودعد. ومعنى الكل هو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء الأعداد كالعشرة (٥) مثلًا. ومعنى الجزء: ما تركب مثله ومن غيره كل (٦) كالخمسة مع العشرة، فمحل الخلاف الذي ذكر المؤلف ﵀ هو: المعنى الكلي (٧) دون المعنى (٨) الكل، فإن الكلي إذا علق عليه الحكم فاختلف فيه هل يحمل على جميع جزئياته؟ أو يحمل على أدنى جزئياته؟ قولان كما تقدم في الطمأنينة وفي التدلك وغيرهما. وإنما قلنا: موضع هذا الخلاف هو: المعنى الكلي دون معنى الكل؛ لأن الكلي لا يدل على جزئياته بخلاف الكل (٩)، فإنه يدل على جزئياته (١٠).

стр. 1441

وإنما قلنا: الكلي لا يدل على جزئياته؛ لأنك إذا قلت: في الدار جسم، لا يدل على (١) أنه حيوان، وإذا قلت: فيها حيوان لا يدل على (٢) أنه إنسان، وإذا قلت: فيها إنسان لا يدل على أنه رجل، وإذا (٣) قلت: فيها رجل، لا يدل على أنه زيد فظهر لك بهذا: أن الكلي لا يدل على تعيين جزء (٤) من جزئياته. وإنما قلنا: الكل يدل على أجزائه؛ لأنك إذا قلت: عندي عشرة، فإنه يدل (٥) على خمسة، وعلى ستة، وعلى جميع أجزائه التي هي: الوحدات (٦) التي تركب منها العشرة، وإذا قلت: عندي نصاب وهو عشرون دينارًا، فإنه يدل على أن عنده (٧) عشرة دنانير، وغيرها من سائر الأجزاء التي تركب منها العشرون. فقولنا: الكلي (٨) لا يدل على جزئياته، هذه القاعدة مطردة لا تفصيل فيها؛ لأن الكلي دال على الأعم، فالدال على الأعم غير دال على الأخص.

стр. 1442

وقولنا: الكل (١) يدل على أجزائه (٢)، هذه القاعدة مطردة في الإيجاب دون السلب، وإنما قلنا (٣): مطردة في الإيجاب؛ لأنك إذا قلت: عندي عشرة، فإنه يدل على أن عندك خمسة، وجميع الأجزاء التي تركب منها العشرة، وكذلك إذا قلت: عندي نصاب، فإنه يدل على أن عندك عشرة وخمسة وجميع الأجزاء التي تركب منها النصاب الذي هو العشرون (٤). وإنما قلنا: لا تطرد في السلب؛ لأنك إذا قلت: ليس عنده عشرة لا يلزم ألا يكون عنده خمسة أو تسعة، وكذلك إذا قلت: ليس عنده نصاب لا يلزم ألا يكون عنده عشرة أو تسعة عشر (٥). وإنما قلنا: دلالة الكل على أجزائه مطردة في الثبوت دون النفي؛ لأن الحقيقة لا تثبت إلا لجميع (٦) أجزائها، وتنعدم الحقيقة بعدم جزء واحد (٧) من أجزائها، فلا يثبت النصاب مثلًا إلا بجميع ثبوت (٨) العشرين دينارًا، وينعدم النصاب بعدم دينار واحد من العشرين. فإذا تقرر هذا تبين لك: أن محل الخلاف الذي ذكره المؤلف إنما هو الكلي لا الكل، فإذا قال الله تعالى مثلًا: صوموا رمضان، فهذا أمر بالكل، وهو

стр. 1443

مجموع أيام شهر رمضان، فلو حملنا الأمر على أدنى أجزائه فصمنا يومًا واحدًا مثلًا ففيه مخالفة للفظ صاحب الشرع، [ومخالفة لفظ صاحب الشرع] (١) لا تجوز، بخلاف ما إذا قال الله تعالى: اعتقوا رقبة، فعتقنا رقبة تساوي عشرة، وتركنا رقبة تساوي ألفًا، فليس هذا (٢) مخالفة للفظ صاحب الشرع (٣). فقوله (٤): (الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله)، يعني بالاسم (٥): الكلي دون الاسم الكل. قال المؤلف في الشرح: وكثير من الفقهاء غلط في تصوير هذه المسألة حتى خرج عليها (٦) ما ليس من فروعها ظنًا أنها من فروعها. فقال أبو الطاهر وغيره: التيمم إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو إلى الإبطين، ثلاثة أقوال، أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيقتصر على الكوع (٧)؟ أو بأواخرها فيصل إلى الإبطين؟ ويجعلون كل (٨) ما هو من هذا (٩) الباب مخرجًا على هذه القاعدة وهذا باطل

стр. 1444

إجماعًا. ومنشأ الغلط: إجراء أحكام [الجزئيات على الأجزاء] (١) والتسوية بينهما، ولا خلاف أن الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ (٢) ركعة عن (٣) ركعتين في الصبح، ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم (٤)، ونظائره كثيرة. انتهى نصه (٥). [فقول المؤلف: (يقتضي الاقتصار على أوله)، أي: على أول جزئياته لا أول أجزائه. والفرق بين الجزئي والجزء: أن الجزئي يستلزم الكلي، ولا يستلزم الجزء الكل؛ فلأجل ذلك أجزأ الجزئي عن الكلي، ولا يجزئ الجزء عن الكل؛ لأن أدنى رتبة الطمأنينة: طمأنينة (٦)، وأدنى رتبة (٧) التدلك: تدلك، وليست (٨) الركعة ركعتين، ولا يوم (٩) من الشهر شهرًا في الصوم. وسبب الخلاف في الحقيقة في (١٠) منتهى التيمم من اليد، هل الكوع، أو المرفق، أو الإبط، هو: الخلاف في المطلق إذا دار بين مقيدين، هل يحمل

стр. 1445

على أقيسهما أو يبقى على إطلاقه؟ فمنهم من حمل آية التيمم على آية القطع؛ لأن آية القطع قيدتها (١) السنة بالكوع فيتيمم إلى الكوعين؛ لأنه عضو أطلق النص فيه (٢) فيختص بالكوعين قياسًا على القطع في السرقة. ومنهم من حملها على آية الوضوء؛ لأن القرآن قيدها (٣) بالمرفق، وهذا أقيس لاشتراك التيمم والوضوء (٤) (٥) في جنس الطهارة، فحمل الشيء على جنسة أولى من حمله على غير جنسه. ومنهم من أبقاها على إطلاقها؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، فقال: يتيمم إلى الإبط؛ لأنه مسمى اليد لغة، فلذلك لما نزلت آية التيمم تيمم الصحابة إلى الإبط] (٦). قال المؤلف في القواعد: وبهذا يظهر بطلان من (٧) يخرج الخلاف في غسل الذكر من المذي، هل يقتصر فيه على الحشفة؟ أم (٨) لا بد من جملته على

стр. 1446

هذه القاعدة؛ لأن هذا (١) اقتصار على جزء لا على (٢) جزئي، فهذا بمنزلة الاقتصار على يوم من رمضان، فلا يصح. انتهى نصه (٣). قوله: (الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله) هذا الخلاف ليس بمطلق في جميع فروع هذه (٤) القاعدة، بل فروعها ثلاثة أقسام: قسم يجب الحمل فيه (٥) على أعلى (٦) المراتب بالإجماع، و (٧) هو: الأمر بالتوحيد، والتعظيم، والإجلال في ذات الله تعالى وصفاته (٨). وقسم يجب فيه الحمل على أدنى المراتب وهو: الأقارير (٩)، كقول المقر له: عندي دنانير؛ فإنه يحمل على أدنى المراتب في الجميع (١٠)، وهو أقل الجمع بالإجماع، فيقبل تفسيره بأقل المراتب (١١) وهو ثلاثة، وإن كان لفظه يصدق على الألف؛ لأن الأصل براءة الذمة.

стр. 1447

وليس الأصل في القسم الأول إهمال (١) جانب الربوبية، بل الأصل تعظيمها والمبالغة في إجلال الله تعالى بكل ما يمكن للعبد، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢)، وقال مع ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣). وقسم مختلف فيه، وهو: ما عدا هذين القسمين (٤) كما تقدم من أمثلته، انظر: القواعد السنية في الفرق الحادي (٥) والعشرين بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى، وقاعدة الحمل على أول أجزائه (٦)، وبالله التوفيق (٧). ...

стр. 1448

الفصل السابع في وسيلته (١) ش: وفي هذا الفصل مطلبان: أحدهما: في حكم الوسيلة. والثاني: في أقسامها. ومعنى الوسيلة: عبارة عن المقدمة التي يتوقف عليها تحصيل الشيء. والضمير في قوله: (وسيلته) يعود على الواجب (٢). [قال بعضهم: ظاهر الترجمة يقتضي: عود الضمير على الأمر لقرينة الباب، وباطن الترجمة يقتضي: عوده على الواجب] (٣) يدل عليه (٤) قوله (٥): ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، ويحتمل عوده على الأمر. وإنما أعاده المؤلف على الأمر، وإن كان عائدًا على الواجب في الحقيقة

стр. 1449

للملازمة (١) بين الأمر والواجب، تقدير (٢) الكلام: في حكم وسيلة الواجب على حذف المضاف، ومعنى ذلك: هل تجب وسيلة الواجب بالأمر الأول الذي وجب به الواجب أم لا؟ وبسط الكلام: هل تجب وسيلة الفعل المأمور به بالأمر الأول الذي وجب به الفعل المأمور به أم لا؟ قوله: (وعندنا وجمهور العلماء (٣) ما لا يتم الواجب المطلق إِلا به، وهو مقدور للمكلف فهو واجب لتوقف الواجب عليه). ش: ذكر المؤلف ﵀ ها هنا أن وسيلة الواجب تكون واجبة (٤) بشرطين: أحدهما: أن يكون الواجب مطلقًا لا مقيدًا. والشرط الثاني: أن تكون تلك الوسيلة مقدورًا للمكلف؛ أي: يمكن تحصيلها للمكلف احترازًا من المعجوز عنها. قوله: (الواجب المطلق) أي (٥): الواجب الذي أطلق إيجابه أي: لم يقيد إيجابه بسبب، ولا شرط (٦)، ولا مانع.

стр. 1450

قوله: (فالقيد الأول) يعني به: قوله: (المطلق) احترازًا من الواجب المقيد بأسباب الوجوب، وشروطه، وانتفاء موانعه؛ فإنها لا تجب إجماعًا مع توقف الوجوب عليها. مثاله قوله ﵇: "في عشرين دينارًا نصف دينار" (١) فالنصاب سبب، والدين مانع، فلا يجب على المكلف السعي في تحصيل النصاب (٢) لتجب عليه الزكاة، ولا السعي (٣) في نفي الدين لتجب عليه الزكاة. [ومثال الشرط: الإقامة شرط في وجوب الجمعة والصوم، فلا يجب على المكلف تحصيل الإقامة لتجب عليه الجمعة أو (٤) الصوم] (٥) وإن كان الوجوب (٦) متوقفًا على ذلك. قال المؤلف في الشرح: أجمع المسلمون أن (٧) ما يتوقف الوجوب عليه (٨) من سبب، أو شرط، أو انتفاء مانع لا يجب تحصيله؛ كالنصاب في وجوب

стр. 1451

الزكاة، فلا يجب تحصيله إجماعًا، وكالإقامة في وجوب الصيام، فلا يجب تحصيلها لذلك (١) إجماعًا، وكالدين في منع وجوب الزكاة، فلا يجب دفعه لتجب الزكاة إجماعًا. وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب: فقيل: يجب؛ لتوقف الواجب عليه. وقيل: لا يجب؛ لأن الأمر ما اقتضى إلا تحصيل المقصد، أما الوسيلة فلا؛ ولأنه إذا ترك المقصد كصلاة الجمعة، أو الحج مثلًا، فإنما (٢) يعاقب على ترك الجمعة والحج (٣)، أما المشي (٤) إلى الجمعة أو الحج فلم يدل دليل على أنه يعاقب عليه، فإذا انتفى استحقاق العقاب انتفى الوجوب؛ لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب. انتهى نصه (٥). قوله: (الواجب المطلق) يقتضي شيئين: واجب مطلق، وواجب مقيد. مثال المطلق: قول السيد لعبده: اصعد السطح، هذا محل الخلاف، هل يجب على العبد تحصيل آلة الصعود، أم لا. ومثال المقيد: قول السيد لعبده (٦): إذا نصب السلم (٧) فاصعد السطع،

стр. 1452

فلا يجب على العبد في هذا تحصيل السلم (١) إجماعًا. قوله: (فالقيد (٢) الأول: احترازًا من أسباب الوجوب وشروطه (٣)، فإنها لا تجب إِجماعًا مع التوقف (٤)). أشار بهذا الكلام إلى شروط الوجوب، وهي: الأشياء التي يتوقف عليها الوجوب، فلا يجب على المكلف تحصيلها إجماعًا كالجماعة والإمام والاستطانة لصلاة الجمعة. [قوله: (و (٥) إِنما الخلاف فيما تتوقف (٦) عليه الصحة بعد الوجوب) أشار بهذا الكلام إلى شروط الأداء، وهي: الأشياء التي تجب على المكلف بعد ورود الواجب؛ كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، والحج، وغير (٧) ذلك, فشروط (٨) الأداء إذًا هي محل الخلاف] (٩). قوله: (والقيد الثاني: احترازًا (١٠) من توقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم الله تعالى، وإِرادته وقدرته بإِيجاده، ولا يجب على المكلف

стр. 1453

تحصيل ذلك إِجماعًا). ش: أراد بالقيد الثاني قوله (١): وهو مقدور للمكلف، [أي: يمكن تحصيله للمكلف] (٢): احترازًا مما لا يمكن تحصيله للمكلف. قال المؤلف في الشرح: قولي مقدور للمكلف: احترازًا من المعجوز عنه؛ فإنه لا يجب بناء على (٣) نفي (٤) التكليف بما لا يطاق وإن كنا نجوّزه (٥). الباء الجارة في قوله: (بإِيجاده) متعلقة بتعلق. والضمير في قوله: (بإِيجاده) يعود على فعل العبد؛ لأن كل فعل وقع (٦) في الوجوب لا بد أن يتعلق بهذه الصفات الثلاث: علم الله تعالى لإيجاده، وإرادته تعالى لإيجاده، وقدرته تعالى بإيجاده. [فإن العبد من المحال أن يصلي مثلًا حتى يقدر الله تعالى له أن يصلي، ويعلم الله تعالى أنه يصلي، ويخلق الله تعالى له حركات الصلاة وسكناتها، فتعلق هذه الصفات شرط في إيقاع الواجب، ولا يمكن إيجابها على العبد لعجزه عن التصرف في صفات (٧) الله تعالى] (٨). قوله: (وقالت الواقفية: إِن كانت الوسيلة سبب المأمور به وجبت وإِلا

стр. 1454

فلا). ش: هذا قول ثالث بالتفصيل بين السبب وغيره، من شرط (١) وانتفاء مانع. ووجه هذا القول: أن المسبب (٢) لا وجود له عند انتفاء سببه (٣)، فالأمر بالمسبب أمر بالسبب؛ لأن السبب (٤) يلزم من وجوده الوجوب، ومن عدمه العدم بخلاف الشرط؛ لأنه لا يلزم من وجود (٥) الشرط وجود المشروط فلا يكون الأمر بالمشروط أمرًا بالشرط. مثال ذلك في السبب: أمر السيد لعبده بإشباع زيد، فإنه أمر بإطعامه؛ لأن الإطعام سبب الإشباع أي: علته. [ومثاله في الشرط: أمرالشارع بالصلاة، فلا يكون أمرًا بالطهارة إلا بدليل آخر يدل على وجوب الطهارة] (٦). ومثال ذلك أيضًا: الأمر بالإِيلام (٧)، فإن ذلك الأمر أمر (٨) بالضرب؛ لأن الضرب سبب للإيلام، بخلاف آلة (٩) الضرب، فلا يكون ذلك الأمر

стр. 1455

أمرًا بتحصيل آلة الضرب؛ لأن ذلك شرط لا سبب. وهناك قول رابع: بين الشرعي (١) فيجب دون العقلي، والعادي فلا يجبان، هذا (٢) القول مختار (٣) ابن الحاجب. فهي إذًا أربعة أقوال: يجب، لا يجب، يجب السبب دون غيره، يجب الشرعي دون غيره (٤).

стр. 1456

قوله: (ثم الوسيلة إِما (١) أن يتوقف عليها القصد في ذاته أو لا يتوقف). ش: هذا هو المطلب الثاني في أقسام الوسيلة، قسمها المؤلف أولًا على قسمين، ثم قسمها آخرًا على: خمسة أقسام. وذلك (٢) أنه قسم الوسيلة التي يتوقف (٣) عليها المقصد في ذاته على ثلاثة أقسام وهي: الشرعي، والعرفي، والعقلي. وقسم الوسيلة التي يتوقف عليها بواسطة (٤) على قسمين: وسيلة بسبب الاشتباه. ووسيلة بسبب تيقن الاستيفاء (٥). قوله: (إِما أن يتوقف عليها المقصد في ذاته). ش: أي أحد القسمين وسيلة يتوقف عليها المقصد، في ذات المقصد أي: في نفس المقصد لا (٦) لأمر خارج عن ذات المقصد (٧)، أي: يتوقف عليها المقصد (٨) بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى خارج (٩) عن ذات المقصد (٨).

стр. 1457

وقوله: (أو لا يتوقف) أي: والقسم الآخر: وسيلة لا يتوقف عليها المقصد في (١) ذاته (٢)، بل يتوقف عليها المقصد (٣) لأمر آخر خارج عن ذات المقصد (٤). قوله: (فالأول (٥): إِما شرعي كالصلاة على الطهارة). أي: تتوقف صحة الصلاة على حصول (٦) الطهارة شرعًا، لقوله (٧) ﵇: "لا صلاة (٨) إلا بطهور (٩) " هذا توقف شرعي. قال المؤلف في الشرح: أريد بهذا التوقف الشرعي كما قاله إمام الحرمين (١٠): أنه إذا تقرر: أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، ثم ورد الأمر بعد ذلك بصلاة ركعتين، فإنه تجب (١١) الطهارة، أما من غير هذا الوجه فلا،

стр. 1458

فلو قال الله تعالى: صلوا ابتداء، صلينا بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة. انتهى نصه (١). قوله: (أو عرفي؛ كنصب السلم لصعود السطح). هذا مثال الوسيلة التي يتوقف عليها المقصد في العرف والعادة (٢)؛ لأن صعود السطح لا يمكن إلا بوجود السلم بمقتضى العادة والعرف، و (٣) هذا توقف عرفي. قوله: (أو عقلي؛ كترك الاستدبار لفعل الاستقبال). هذا مثال الوسيلة التي يتوقف عليها المقصد في العقل؛ لأن فعل استقبال القبلة لا يمكن في العقل إلا بفعل الاستدبار؛ لأجل المضادة بين الاستقبال والاستدبار؛ لأنه لا يمكن فعل ضد إلا بترك ضده عقلًا، هذا توقف عقلي. قوله: (والثاني: جعله (٤) وسيلة إِما بسبب الاشتباه نحو: إِيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية (٥)، وكاختلاط (٦) النجس بالطاهر، والمذكاة بالميتة، والمنكوحة بالأجنبية (٧)، أو لتيقن الاستيفاء؛ كغسل

стр. 1459

جزء من الرأس مع الوجه، أو إِمساك جزء من (١) الليل مع نهار الصوم). ش: هذا بيان القسم الثاني من أول الكلام وهو: الوسيلة التي لا يتوقف عليها المقصد في ذاته، بل يتوقف المقصد عليها (٢) بواسطة. والواسطة شيئان: واسطة الاشتباه. وواسطة تيقن الاستيفاء. أما الوسيلة بواسطة الاشتباه فقد مثّله المؤلف بأربعة أمثلة. ومعنى الاشتباه هو (٣): الالتباس، والاختلاط، تقول: اشتبه الأمر، إذا التبس واختلط. وقوله: (نحو إِيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية). وذلك: أن من نسي صلاة ولم يدر عينها: فإنه يجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس ليتوصل بذلك [إلى] (٤) تحصيل الصلاة المجهولة العين، [فالصلاة المجهولة العين] (٥)، لا تتوقف في ذاتها على الأربع الصلوات التي تضاف إليها، بل تتوقف عليها بعلة الاشتباه وطلب اليقين. قال ابن الحاجب في مختصر (٦) الجواهر: ويعتبر في الفوائت يقين براءة

стр. 1460

الذمة، فإن شك، أوقع أعدادًا تحيط بجهات الشكوك، فلو نسي صلاة لا (١) بعينها: صلى خمسًا (٢). قوله: (نحو: إِيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية) فالمقصد (٣) ها هنا تحصيل صلاة واحدة وهي: المنسية، والوسيلة: تحصيل (٤) أربع صلوات غيرها، فيتوقف المقصد على الوسيلة بواسطة الالتباس، والاختلاط. قوله: (وكاختلاط (٥) النجس بالطاهر). هذا مثال ثان للوسيلة التي توقف (٦) المقصد عليها بواسطة الالتباس، والاختلاط، يعني: إذا كان هناك إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس ولم يعلم الطاهر منهما فالمقصد ها هنا (٧): ترك النجس، والوسيلة: ترك الطاهر، فيتوقف ترك النجس على ترك الطاهر بواسطة (٨) الاختلاط، والالتباس أيضًا. قوله: (أو كاختلاط النجس بالطاهر).

стр. 1461

[يحتمل أن يريد الإناء] (١)، و (٢) يحتمل أن يريد الثوب، ولكن هذا التمثيل في الاحتمالين إنما يجري على القول بترك (٣) الجميع، وأما على القول باستعمال الجميع، أو باستعمال (٤) البعض بالتحري فلا يجري عليه (٥)؛ وذلك أن اختلاط الإناء الطاهر بالإناء النجس، وكذلك اختلاط الثوب الطاهر بالثوب النجس مختلف في ذلك كله. قال الشيخ ابن الحاجب: وإذا اشتبهت الأواني: قال سحنون: يتيمم ويتركها. وقال مع ابن الماجشون: يتوضأ ويصلي حتى تفرغ. وزاد ابن مسلمة (٦): ويغسل أعضاءه مما قبله (٧). ابن المواز وابن سحنون: يتحرى كالقبلة.

стр. 1462

ابن القصار: مثلهما إن كثر، ومثل ابن مسلمة إن قلّت (١). فإن تغير اجتهاده بعلم عمل عليه، وبظن: قولان كالقبلة. وإذا اختلف اجتهاد رجلين في ذلك: لم يجز أن يؤم أحدهما الآخر ويتحرى في الثياب. وقال ابن الماجشون: يصلي بعدد النجس وزيادة ثوب (٢). انتهى نصه (٣). ذكر (٤) ابن الحاجب في الأواني المشتبهة (٥) خمسة أقوال، وسكت عن قول سادس، وهو: التطهر بعدد النجس وزيادة إناء، كما قيل في الثياب المشتبهة (٦). قال ابن عبد السلام: وهذا القول هو الأولى؛ لأنه يمكن التوصل به (٧) إلى يقين الطهارة (٨). قوله: (والمذكاة بالميتة). هذا مثال ثالث للوسيلة التي توقف (٩) المقصد عليها بواسطة الالتباس

стр. 1463

والاختلاط، فالمقصد ها هنا: ترك الميتة، والوسيلة: ترك المذكاة (١)، فيتوقف ترك الميتة على ترك المذكاة بواسطة الالتباس والاختلاط أيضًا. قوله: (والمنكوحة بالأجنبية). هذا مثال رابع للوسيلة التي توقف (٢) المقصد عليها بواسطة الالتباس والاختلاط، فالمقصد ها هنا: ترك الأجنبية (٣)، والوسيلة ترك: المنكوحة، وهي (٤): الزوجة، فتوقف (٥) ترك الأجنبية على ترك المنكوحة بواسطة الالتباس والاختلاط أيضًا. قال الإمام فخر الدين: ذهب قوم (٦) إلى أن المنكوحة حلال، والأجنبية هي: الحرام. قال: وهذا باطل؛ لأن المراد بالحل (٧) رفع الحرج، والجمع بينه وبين التحريم متناقض. قال: فالحق أنهما حرامان: إحداهما بعلة كونها أجنبية، والأخرى بعلة الاشتباه بالأجنبية (٨).

стр. 1464

قوله: (أو تيقن (١) الاستيفاء؛ كغسل جزء من الرأس مع الوجه، أو إِمساك جزء من الليل مع نهار الصوم). هذا بيان الوسيلة التي توقف (٢) عليها المقصد بواسطة تيقن الاستيفاء، مثله المؤلف بمثالين: أحدهما: غسل جزء من الرأس مع غسل الوجه؛ فالمقصد (٣) ها هنا هو (٤): غسل الوجه، والوسيلة هي: غسل جزء من الرأس، فيتوقف غسل (٥) الوجه على غسل جزء من الرأس بواسطة الاستيفاء. قال الغزالي في المستصفى: وهذا الجزء (٦) غير مقدر، ويكفي منه أقل ما ينطلق (٧) عليه الاسم (٨). ومثال ذلك أيضًا: مسح جزء من الوجه مع مسح الرأس؛ لأنه لا يتوصل

стр. 1465

إلى مسح جميع الرأس إلا بأخذ جزء من الوجه، وكذلك إمساك جزء من الليل مع نهار الصوم، فالمقصد (١) إنما (٢) هو: إمساك النهار، والوسيلة: إمساك جزء من الليل؛ وذلك قبل طلوع الفجر وبعد غروب الشمس، فيتوقف صوم النهار على صوم جزء من الليل بواسطة الاستيفاء، وهو: استيفاء الواجب، وبالله التوفيق (٣). ...

стр. 1466

الفصل الثامن في خطاب الكفار (١) ش: وفي هذا الفصل مطلبان: أحدهما: محل الخلاف. والثاني (٢): فائدة الخلاف. قوله: (أجمعت (٣) الأمة على أنهم مخاطبون بالإِيمان، واختلفوا في خطابهم بالفروع). ش: هذا هو المطلب (٤) الأول وهو: أن محل الخلاف هو الفروع دون الأصول، وهي: الإيمان. قوله: (مخاطبون بالإِيمان) (٥) أي: مخاطبون بالتصديق بالله وبالرسل (٦)

стр. 1467

وبما جاءت به الرسل؛ وذلك أن الله أوجب توحيده على كل مكلف، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) أي: ليوحدوني؛ وذلك يقتضي التصديق بالله وبرسله (٢) وبما جاءت به رسله ﵈. قوله: (واختلفوا في خطابهم بالفروع). ش: المراد بالفروع: ما عدا الأصول، فالأصول هي (٣): وظيفة القلوب، والفروع هي (٤): وظيفة الجوارح؛ كالصلاة والصيام (٥) وغير ذلك. وسبب الخلاف (٦) في خطابهم بالفروع: هل يتوقف الخطاب بالفروع على حصول الإيمان؛ لأن الإيمان شرط في صحة الفروع؟ أو لا (٧) يتوقف الخطاب بالفروع على حصول الإيمان؟ فمن قال: لا يتوقف الخطاب بالفروع على حصول الإيمان، قال: هم مخاطبون بالفروع؛ لأن (٨) معنى الخطاب بها إزالة الكفر بالإيمان وإيقاع العبادة.

стр. 1468

ومن قال: يتوقف الخطاب بالفروع على حصول الإيمان قال: هم غير مخاطبين بالفروع لعدم شرط صحتها، وهو: حصول الإيمان. قوله: (قال الباجي: وظاهر مذهب مالك خطابهم بها خلافًا لجمهور الحنفية، وأبي حامد الإِسفراني (١)، لقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٢)، ولأن العمومات تتناولهم، وقيل: مخاطبون (٣) بالنواهي دون الأوامر (٤)). ش: قوله (٥): (قال الباجي: وظاهر مذهب مالك خطابهم بها) قاله الباجي في الفصول (٦). وهو (٧) أيضًا: مذهب جمهور الشافعية، وجمهور المعتزلة. [قال المؤلف في شرح المحصول (٨): وإليه ذهب جمهور المالكية

стр. 1469

والشافعية والحنابلة (١)) (٢). وقوله (٣): (خلافًا لجمهور الحنفية وأبي حامد الإِسفراني). يعني: من الشافعية، وإليه ذهب ابن خويز منداد (٤) من المالكية. فهذان قولان متقابلان. القول الثالث (٥) الفرق بين النواهي فيخاطبون بها، وبين الأوامر فلا

стр. 1470

يخاطبون بها (١). وهناك قول رابع ذكره القاضي عبد الوهاب في الملخص بالتفصيل بين المرتد فيخاطب بالفروع دون الكافر الأصلي فلا يخاطب بها (٢). فجملة الأقوال إذًا أربعة أقوال: اثنان متقابلان في الخطاب (٣) وعدمه، واثنان متقابلان في التفصيل فصَّل أحدهما في الخطاب، وفصَّل الآخر في الكفر. ونقل المؤلف في الشرح قولًا خامسًا وهو: الخطاب بغير الجهاد لعدم

стр. 1471

حصول مصلحته من الكافر (١). قال (٢) في الشرح: وقد مرّ بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن الجهاد خاص بالمؤمنين، ولم يخاطب الله (٣) بوجوب الجهاد كافرًا، وهو متجه لعدم حصول مصلحته (٤) من الكافر (٥) (٦). أجيب عن دليله بعدم حصول مصلحته من الكافر (٧): بأنا لا نكلفه بالجهاد وهو كافر، بل كلف بأن يسلم ثم يجاهد (٨)، كالتكليف بالصلاة حالة الحدث (٩). قوله: (لقوله (١٠) تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (١١) و (١٢) لأن العمومات تتناولهم).

стр. 1472

ش: هذا دليل القول (١) بالخطاب لأن قولهم: لم نك من المصلين، يدل على أنهم يعاقبون على ترك الصلاة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٢) يدل على أنهم يعاقبون على ترك الزكاة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). فقوله: (ومن يفعل ذلك) يتناول جميع ما تقدم فيعاقبون على القتل، والزنا، كما يعاقبون على دعوى الإله (٤) مع الله تعالى: قوله: (ولأن العمومات تتناولهم). كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٥). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٦). وقوله تعالى (٧): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٨).

стр. 1473

لأن هذا عام يتناول (١) الأمر بالحج الكافر، فإذا تناوله الأمر تناوله النهي؛ لأن كل من قال بالأمر قال بالنهي بخلاف العكس. وحجة القول بعدم الخطاب: أن الكافر لو أمر بالفروع لأمر بها: إما حالة الكفر، وإما بعد الكفر، وكلا الأمرين خلاف الإجماع. وذلك: أنه إذا قلنا: هو (٢) مأمور بالفروع في (٣) حالة كفره فذلك خلاف الإجماع؛ لأن الأمة مجمعة (٤) على أنه لا يقال: صل، وأنت كافر. وإذا قلنا: مأمور بها بعد الكفر (٥) فهو خلاف الإجماع أيضًا، لقوله ﵇: "الإِسلام يجبّ ما قبله" (٦) وأجمعت الأمة على ذلك أيضًا (٧). أجيب عن هذا: بأنه أُمر حالة الكفر بأن يسلم ويفعل العبادات (٨) كما خوطب المحدث حالة الحدث بالصلاة، فمعنى ذلك: أنه يؤمر بأن يتطهر ويصلي، فزمان الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع الفعل المكلف، كما أن زمان الحدث ظرف للمخاطب (٩) بالصلاة؛ لأنه (١٠) ظرف لوقوع الصلاة، فلا

стр. 1474

تقول (١) له: صل وأنت محدث، بل تقول له: يجب عليك أن تزيل (٢) الحدث وتصلي فأنت الآن مكلف بذلك، فكذلك نقول للكافر: أنت (٣) الآن مكلف بإزالة الكفر وإيقاع الفروع، لا أنك مكلف بإيقاع الفروع (٤) في زمان الكفر (٥)، فهذا الجواب يرد ما قالوا (٦) من أنه لا يصح (٧) خطاب الكافر في حال كفره. وأما قولهم: لا يصح خطاب الكافر بعد كفره لقوله ﵇: "الإِسلام يجبّ ما قبله". فيستدل على بطلانه بهذا الحديث بعينه، وذلك: أن الجبّ معناه: القطع، وإنما يقطع ما هو متصل فيدل هذا الحديث على أن الخطاب بالتكليف قد اتصل، فلولا القاطع (٨) لاتصل التكليف وبقي مستمرًا. وحجة الخطاب بالنواهي دون الأوامر: أن النواهي يخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يقصد إليها، وأما الأمر فلا يخرج من عهدته (٩) حتى يعتقد وجوبه، وذلك: أن المأمور به يتوقف على النية والاعتقاد، وذلك

стр. 1475

لا يصح من الكافر، فلا يؤمر بما لا يصح منه، وأما المنهي (١) عنه فيخرج الإنسان عن عهدته بدون نية واعتقاد (٢). [ورد هذا: بأنه يلزمه أن يخاطب بالمأمور الذي لا يحتاج إلى نية كزوال النجاسة] (٣). حجة خطاب المرتد دون الأصلي: أن المرتد قد تقدمت له (٤) حالة (٥) التكليف فوجب استصحابها بخلاف الأصلي؛ لأن الأصل استصحاب الحال (٦). قوله: (وفائدة الخلاف: ترجع إِلى مضاعفة العذاب (٧) في الآخرة، وعينه الإِمام، أو إِلى (٨) غير ذلك، وبسطه في (٩) غير هذا الكتاب). ش: هذا هو المطلب الثاني: وهو ثمرة الخلاف. قال الإمام فخر الدين في المحصول: لا فائدة للتكليف (١٠) إلا مضاعفة
следующие страницы →