← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجميلة كالعلم، والشجاعة (١)، والشكر هو: الثناء على المشكور بما فيه [من الإحسان. وحرر بعضهم الفرق بينهما بأن قال: الحمد هو الثناء على المحمود بما فيه من المدح، والشكر هو الثناء على المشكور بما] (٢) أولاك من المِنح، فالحمد على هذا من صفات الذات، والشكر من صفات الفعل. وقيل: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الحمد يقع على السراء والضراء، ويقع على مقابل النعمة، وعلى غير مقابل النعية، والشكر لا يقع إلا على السراء، ولا يقع على الضراء، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٣). ولا يقع (٤) إلا على مقابل النعمة، ولا يقع على غير مقابل النعمة. وقيل: الشكر أعم من الحمد، والحمد أخص من الشكر؛ لأن الحمد لا يكون إلا بشيء واحد وهو: القول، كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ﴾ (٥) الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٦)، [وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧)] (٨) وغير ذلك.

стр. 142

وأما الشكر فيكون بثلاثة أشياء وهي (١): القول، والفعل، والاعتقاد. مثال كونه بالقول: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢)، وقوله ﵇: "التحدث بالنعم شكر" (٣). ومثال كونه بالفعل قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٤) أي عملاً صالحًا، وقوله (٥): ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) أي تمتثلون. وقوله ﵇: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! " (٧). أي: ممتثلاً.

стр. 143

ومنه قول الشيخ أبي محمد (١) في الرسالة: "ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه" (٢). ومثال كون الشكر بالاعتقاد: قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣). وقد جمع الشاعر بين هذه الثلاثة - أعني: القول، والفعل، والاعتقاد (٤) في قوله: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا (٥)

стр. 144

القول الخامس: أن كل واحد من الشكر والحمد (١) أعم من وجه وأخص من وجه. بيان العموم في الحمد (٢): أنه يكون في (٣) السراء والضراء، ويكون في (٤) مقابل النعمة وفي غير مقابل النعمة، وأما الشكر فلا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل النعمة. وبيان الخصوص في الحمد: أنه لا يكون إلا بالقول، وأما الشكر فيكون بالثلاثة المتقدمة: القول والفعل والاعتقاد. وبيان العموم في الشكر: أنه يكون بهذه الثلاثة المذكورة (٥): الفعل، والقول (٦) والاعتقاد، وأما الحمد فلا يكون إلا بالقول. وبيان الخصوص في الشكر: أنه لا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل (٧) النعمة. وأما الفرق بين الحمد والمدح ففيه قولان: [قيل] (٨): هما مترادفان ولا فرق بينهما إلا تقديم بعض الحروف

стр. 145

وتأخيرها، نحو: الجبد والجدب. وقيل: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يكون بأوصاف موجودة وبأوصاف معدومة (١)، وأما الحمد فلا يكون إلا بأوصاف موجودة (٢). دليل هذا القول: قوله ﵇: "احثوا التراب في وجوه المداحين" (٣) معناه: خيبوهم من العطاء؛ لأنهم إلى الكذب أقرب، ولم يُروَ عنه قط أنه حثا التراب في وجوه المداحين (٤)؛ لأن أوصافه متحققة موجودة بخلاف غيره، فإن أوصافه متوهمة معدومة. وها هنا ثلاثة ألفاظ، الحمد، والمدح، والمده، ولا خلاف في (٥) أن المده بالهاء مرادف للمدح بالحاء؛ لأن الهاء مبدلة من الحاء، وإنما الخلاف فيما

стр. 146

بينهما وبين الحمد، وقد تقدم في ذلك قولان. وأما معنى الألف واللام في الحمد: فقيل: للعهد، أي الحمد المعهود المتعارف بين الناس. وقيل: لتعريف الجنس. وقيل: لاستغراق الجنس. وأما عدوله عن التنكير (١) إلى التعريف فقال: الحمد (٢) ولم يقل: حمد الله، مع أن التعبير بالأصل أولى من التعبير بالفرع، وإنما (٣) فعل ذلك لوجهين: أحدهما: الاقتداء بكتاب الله تعالى (٤). والثاني: أن التعريف عام والتنكير خاص فللأعم مزية على الأخص. وأما عدوله عن التعريف بالإضافة إلى التعريف بالألف واللام فإنما فعل ذلك لوجهين أيضاً (٥): أحدهما: الاقتداء بكتاب الله . والثاني: أن التعريف بالألف واللام أقوى من التعريف بالإضافة؛ لأن التعريف بالألف واللام يقتضي (٦) العموم والشمول

стр. 147

والاستغراق (١) لجميع صور الحمد [ووجوهه إذ لا تُحصَّل مدائحه] (٢) جل وعلا، وفي الألف واللام (٣) إشارة إلى عدد الحامدين على اختلاف أماكنهم (٤) وتباين (٥) خلقهم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٦) فيؤجر الإنسان إذا سرت (٧) إليه النية، وانبعثت إليه الهمة؛ إذ نية المؤمن أبلغ (٨) من عمله (٩). وأما عدوله عن الفعل إلى الاسم فقال: الحمد لله، ولم يقل: أحمد الله [أو: نحمد الله، فإنما فعل] (١٠) ذلك لثلاثة أوجه: أحدها: الاقتداء بكتاب الله . والثاني: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالزمان، بخلاف الاسم فإنه لا يقتضي ذلك، بل هو [مطلق] (١١) في كل زمان. والوجه الثالث: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالمتكلم (١٢) به (١٣) دون غيره، بخلاف الاسم فإنه يقتضي الحمد مطلقًا على كل حال من الحامد وغيره.

стр. 148

وأما إضافة الحمد إلى الله دون سائر أسمائه: فقيل: لأن هذا الاسم معروف (١) عند الملائكة قبل خلق (٢) آدم وذريته. وقيل: لأن هذا الاسم معروف (٣) عند جميع الخلائق. وقيل: لأنه الاسم الذي (٤) إذا رفع من الأرض قامت الساعة؛ لقوله ﵇: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" (٥). وقيل: لأنه الاسم الذي وقع به الإعجاز (٦)؛ لأنه لا يقدر أحد من الجبابرة أن يتسمى به، لقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٧) أي: هل تعلم أحدًا (٨) يتسمى باسمه أي: هل تعلم لهذا الاسم مسمى غير الله؟ وقيل: غير ذلك، وبالله التوفيق. قوله: (الحمد لله) أي: الحمد ثابت، أو مستقر (٩)، أو كائن

стр. 149

أو واجب لله ، واللام في (الله) يحتمل: التخصيص، والاستحقاق والملك. و (١) قوله: (لله) تقديره: على معنى التخصيص: الحمد مختص بالله ، وتقديره على معنى الاستحقاق: الحمد مستحق لله ، وتقديره على معنى الملك: الحمد مملوك لله ؛ إذ هو المالك لجميع الأشياء. و (٢) قوله: (ذي الجلال) أي، صاحب الجلال، وذو يؤتى به (٣) وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، وهو لازم الإضافة إلى الاسم (٤) الظاهر لفظًا ومعنى، ولا يضاف إلى مضمر وإنما يضاف إلى اسم جنس ظاهر، كقوله (٥): رجل ذو مال، ورجلان ذوا مال، ورجال (٦) ذووا مال. قوله: (الجلال) يقال: جل يجل جلالاً وجلالة إذا عظم قدره. وقوله: (الجلال) هذه الصفة هي من الصفات الجامعة لجميع صفات الباري جل وعلا. قال شهاب الدين في القواعد السنيّة: من صفات الله ﵎ صفات جامعة لجميع صفات (٧) الله تعالى وهي: عزة الله، وجلاله وعلاؤه،

стр. 150

وعظمته وكبرياؤه، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: جل الله بكذا، وجل الله عن كذا، فقولك: جل الله بكذا يندرج فيه جميع الصفات الثبوتية، وقولك: جل الله عن كذا يندرج فيه جميع الصفات السلبية، فيقال مثلاً: جل الله بعلمه، وقدرته، وإرادته، وغير ذلك من صفاته القديمة، ويقال أيضًا. جل الله ببدائع مصنوعاته، وغرائب مخترعاته وغير ذلك من الصفات الحادثة، و (١) قولك: جل الله عن الشريك، والصاحبة، والولد، والزمان، والمكان، وغير ذلك من صفات النقصان (٢) و (٣) قوله: (ذي الجلال) أي الله الذي (٤) ثبتت له صفات الجلال، ونعوت الكمال على الإطلاق والإجمال، من صفاته الثبوتية، والسلبية، القديمة، والحادثة عمومًا وشمولاً، سبحانه . قوله: (الذي) هو اسم مبهم يؤتى به وصلة إلى اسم المعارف بالجمل؛ لأن الجمل في حكم النكرات لجريها (٥) نعتًا على النكرات كقولك: رأيت رجلاً يضر أخاه, تقديره: ضاربًا أخاه. قوله (لا تدركه الغايات) يقال: الإدراك هو اللحوق والوصول إلى الشيء؛ لأنك تقول: أدرك فلانًا حاجته إذا لحقها ووصل إليها، ويقال:

стр. 151

الإدراك بمعنى الإحاطة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) و (٢) معناه: لا تحيط بحقيقته الأبصار. والغايات (٣): جمع غاية، وغاية الشيء حده وطرفه الذي ينتهي إليه ويقف (٤) عنده، والضمير في قوله: لا تدركه الغايات عائد على الإجلال في المعنى وهو الرابط بين الصلة والموصول. فقوله (٥): (لا تدركه الغايات) تقديره على تفسير الإدراك باللحوق والوصول: جلاله (٦) لا تلحقه ولا تصل إليه الغايات، وتقديره على تفسير الإدراك بالإحاطة: جلاله لا تحيط به الغايات (٧). وقوله (٨): (لا تدركه الغايات) أي (٩): ليس [لجلاله تعالى حد] (١٠) فيلحق أو يحاط به، فإسناد الإدراك إلى الغايات مجاز في الإسناد، من إسناد المسبب إلى السبب (١١)؛ لأن الغاية هي سبب الإدراك، فإذا انتفت الغاية انتفى

стр. 152

الإدراك، ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: لا تدركه الغايات [على الله تعالى؛ لأن النظر] (١) في ذات الله ﵎ غاية لا تدرك؛ إذ لا يَعْرِفُ كيف هو إلا هو. [قال في الرسالة:] (٢) "لا يبلغ كنه صفته الواصفون" (٣). فالمراد بالصفة هنا: الذات [أي: لا يبلغ حقيقة ذاته] (٤) الواصفون. قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) [يثبت في بعض النسخ بالألف بعد الواو] (٥) المفتوحة الخفيفة على أنه اسم من أسماء الله (٦) [ومعناه: الكثير العطاء] (٧)، ذكره ابن العربي (٨) في أحكام القرآن في

стр. 153

سورة (١) الأعراف (٢). وذكره أيضًا في سراج المريدين، وقال: ورد في الأحاديث الحسان وصف الله تعالى بأنه جواد لكثرة عطائه، وهو من صفات الفعل، وفي بعض الأحاديث: "إن الله جواد (٣) يحب الجود" (٤) (٥).

стр. 154

وذكره الغزالي (١) في المقصد (٢) الأسنى (٣)، وفي [الفصل الثالث من] (٤) معراج (٥) السالكين (٦). وذكره الزجاج (٧) في تفسير (٨) سورة الحشر (٩).

стр. 155

وذكره إمام الحرمين (١) في الإرشاد (٢). فالجواد بفتح الجيم وتخفيف (٣) الواو هو: الثابت في اللغة والحديث، وأما بتشديد الواو فيصح [والله أعلم] (٤) على قول [القاضي أبي بكر (٥)] (٦) بأن

стр. 156

أسماء الله تعالى اشتقاقية، فيسمى [الله تعالى] (١) به مبالغة [في وصفه بالجود] (٢). ويثبت في بعض النسخ بضم الجيم من غير ألف بعد الواو على أنه مصدر. والجود في اللغة معناه: السيلان، يقال: جاد المطر يجود جودًا (٣). قال صاحب العين: يقال: أجاد (٤) الرجل وجود، وجاد جودًا، فهو جواد (٥). وقال أبو العباس ثعلب (٦) في باب المصادر: رجل جواد بيِّن

стр. 157

الجود (١). وقال ابن هشام (٢): الجود: الكرم (٣). ونسخة المصدر أولى من نسخة الاسم، ليتوافق (٤) التعبير في الجملتين بالمصدر، وأيضًا التعبير بالمصدر أولى من التعبير بالاسم؛ لأن المصدر جنس. و (٥) قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) (٦) هذه الجملة (٧) مكررة للتي قبلها للتأكيد؛ لأن الإدراك هو: اللحوق، والغايات هو: النهايات. قوله: (لا تلحقه) الضمير المنصوب عائد على "الذي" وهو: الرابط بين الصلة والموصول، و"الذي" نعت للجود أو للجواد على النسختين

стр. 158

المذكورتين. قال صاحب الأفعال: يقال: لحقت الشيء لحوقًا ولِحَاقًا وألحقته (١) إذا أدركته (٢). قوله (٣): (الذي (٤) أنزل الرسالة) أي: الذي (٥) أنزل القرآن العظيم، وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. وورد (٦) في القرآن أنزل ونزّل (٧) بالهمزة والتضعيف (٨)، قال الله (٩): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١٠)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (١١)، وقال أيضًا (١٢): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (١٣)، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (١٤).

стр. 159

واختلف العلماء في أنزل ونزل (١). قيل: بالترادف. وقيل: معنى أنزل: ما كان دفعة واحدة، ومعنى نزل: ما كان منجمًا مقسطًا؛ وذلك أن الله تعالى أنزله (٢) في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزله بعد ذلك [على النبي ﵇] (٣) منجمًا مقسطًا على قدر (٤) الحاجة (٥) وقوله (٦): (أنزل (٧) الرسالة) المراد بالإنزال الإدراك والإفهام، وليس المراد به الانتقال من علو إلى سفل؛ لأن نقل ذات الكلام محال لا (٨) في الكلام القديم ولا في الكلام الحادث؛ لأن الكلام القديم صفة الله ﵎، وصفاته (٩) لا تفارق ذاته، ولا يتصور النقل في الكلام الحادث، أيضًا: لأنه عرض من الأعراض، والأعراض لا يصح عليها الانتقال؛ لأن

стр. 160

الانتقال من خواص الأجسام. قال أبو المعالي في الإرشاد: المعنى بالإنزال أن جبريل ﵇ أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سموات، ثم نزل (١) إلى الأرض وأفهم الرسل ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام (٢)، فإذا قال القائل: نزلت رسالة الملك من القصر لم يرد بذلك انتقال أصواته وانتقال كلامه القائم (٣) بنفسه. انتهى (٤).

стр. 161

قوله (١): (المشتملة) (٢) أي: المحتوية على الخيرات، أي: على المصالح والمنافع العاجلة والآجلة، فمثال مصالح الدنيا: المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمنكوحات، وسائر المتمولات، ومثال مصالح الآخرة: كالصلاة، والزكاة، والصدقات، والدعوات، وسائر القربات. قوله: (الخيرات) مفرده: خيرة، وأصله: خيورة (٣) بتقديم الياء (٤) على الواو نحو ميت وهين. قاله مكي (٥) في قوله تعالى (٦): ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ (٧) [وأصله] (٨):

стр. 162

خيّرات على وزن فيعلات (١) فخفف (٢) (٣). وقوله (٤): (الدنيويات والأخرويات) هي: [جمع دنيا وأخرى. وفي] (٥) كيفية (٦) هذا النسب ثلاثة أوجه: إما قلب ألف التأنيث (٧) واوًا وهو: [المختار. وإما قلب الألف أيضًا] (٨) واوًا مع (٩) زيادة الألف قبل الواو. وإما حذف ألف التأنيث [وتباشر الكلمة ياء النسب] (١٠). قوله: (وأيدها بالمعجزات الباهرات) التأييد معناه: التقوية والنصر (١١)، والضمير (١٢) عائد على الرسالة، قال ﵎: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ

стр. 163

الْقُدُسِ﴾ (١)، وقال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٢) أي: قويته (٣) وقويتك. وقوله (٤): (بالمعجزات) جمع (٥) معجزة (٦)، وهو اسم فاعل من أعجز إعجازًا فهو: معجز، والمعجزات والآيات بمعنى واحد. وحقيقة المعجزة: عبارة عن الفعل الحادث الخارق للعادة الظاهر على يد مدعي النبوة الدال على صدق مدعيها (٧)، وسميت معجزة؛ لأنها أعجزت الخلق عن الإتيان بمثلها. [وقوله: (بالمعجزات)، أراد] (٨) بالمعجزات (٩): المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة ما في نفس القرآن من وجوه الإعجاز، والمنفصلة [هي: التي انفصلت] (١٠) عن الرسالة (١١) كانشقاق القمر (١٢)،

стр. 164

ونطق (١) العجماء (٢) وتكثير القليل (٣) ونبع الماء (٤) من بين أصابعه ﵇، وغير ذلك.

стр. 165

وقوله: (بالمعجزات)، أي: بالآيات والأفعال التي تعجز (١) البشر عن المعارضة والإتيان بمثلها، ونسبة الإعجاز إلى الآيات والأفعال مجاز؛ لأن المعجز (٢) هو الله ﵎؛ لأنه فاعل المعجزات وخالقها (٣). وقوله (٤): (الباهرات)، أي: الغالبات القاهرات للكفار؛ لأنهم مغلوبون بها عن معارضتها والإتيان بمثلها، يقال: بهره ويبهره (٥) إذا غلبه، يقال (٦): بهر ضوء القمر (٧) ضوء الكواكب أي: غلبه (٨). وقوله (٩): (وأيدها) (١٠) بالمعجزات الباهرات)، تقديره: وقوى الله تبارك (١١) وتعالى الرسالة التي (١٢) هي القرآن العظيم بالآيات الغالبات للكفار، كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، [وتكليم الذراع له عليه

стр. 166

السلام] (١) وغير ذلك. وقوله: (المعجزات (٢) الباهرات)، يقتضي ظاهره (٣): أن هناك (٤) معجزات (٥) غير باهرة (٦)، وليس كذلك، بل كل معجزة غالبة؛ ولأجل ذلك سميت معجزة؛ لأجل إعجازها وغلبها، فيحتمل أن يكون وصف المعجزات بالباهرات: وصف تأكيد لا وصف تقييد، فلا مفهوم له على هذا، ويحتمل: أن ينبه بقوله: (الباهرات): على أن معجزات (٧) النبي ﵇ أبهر وأغلب من سائر معجزات الأنبياء ﵈؛ لكثرة معجزات محمد ﵇ (٨)، وبقاء بعضها إلى يوم القيامة وهو القرآن العظيم؛ إذ معجزات (٩) محمد ﵇ أكثر من سائر معجزات الأنبياء ﵈ (١٠)، والقرآن العظيم من معجزاته، وهو لا يندرس إلى يوم

стр. 167

القيامة (١)، وأما معجزات سائر (٢) الأنبياء ﵈ فقد اندرست بموتهم. قوله (٣): (الباهرات) على هذا الألف واللام (٤) فيه من العهدية التي يشار بها إلى معنى (٥) مهم (٦) اختص به المذكور، كقول العرب: لقيت اليوم الخيل، ورأيت الرجال، يريدون أحق الخيل بان تسمى خيلاً، وأحق الرجال بأن يسموا رجالاً، فالاسم في حقهم حقيقي، وفي غيرهم مجازي (٧)، فمعجزات محمد (٨) ﵇ على هذا: هي (٩) أحق بأن تسمى باهرات، [وهي: أولى من أن تسمى غالبات] (١٠). [وأيد هذه المسألة قول بعضهم: المعجزات المنفصلة لم تثبت (١١) بالتواتر، والقرآن ثابت بالتواتر، فهي (١٢) أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى.

стр. 168

فهذا لا نسلمه, أما كونه لم تثبت بالتواتر والقرآن ثابت بالتواتر فهو أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى فهذا لا نسلمه، أما كونه (١) لم تثبت (٢) بالتواتر، فإنها ثبتت بالتواتر المعنوي، وأما قوله: لا يقوي الأضعف الأقوى فلا نسلمه (٣). فقد قال شهاب الدين - في شرح المحصول -: قولهم: الأضعف لا يقوي الأقوى غير متجه، بل يقوي الظن الحاصل، فالأقوى كما لو شهد أربعة ثم شهد خامس فإن الظن يقوى ويتأكد بالضرورة (٤)] (٥). قوله (٦): (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء). [قوله: وجعلنا] (٧) هذه الجملة معطوفة على قوله: (أنزل الرسالة) (٨)، ومعنى (٩) (جعلنا): صيرنا. قوله (١٠). (أهلاً) أي: مستحقين (١١).

стр. 169

وقوله: (لشرف) أي: لعلو ورفعة ذلك الاقتضاء، أي: ذلك الطلب؛ لأن الاقتضاء افتعال (١) من الطلب؛ لأن الله تعالى طالبنا (٢) من هذه الرسالة بأمرين (٣): بتلاوتها (٤)، والعمل بمقتضاها. وقوله: (أهلاً) يقال: أهّلك الله للخير أي جعلك له أهلاً أي مستحقًا (٥). قوله (٦): (لشرف) الشرف (٧) معناه: العلو والرفعة، يقال: شرف الرجل شرفًا (٨) إذا علا في دين أو دنيا (٩). وقوله (١٠): (ذلك) الإشارة (١١) تعود في المعنى على الرسالة. وقوله: (الاقتضاء) (١٢) هو: نعت "لذلك" (١٣) أو بدل منه، أو عطف

стр. 170

بيان عليه. قوله (١): (لشرف ذلك الاقتضاء) هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، تقديره: وجعلنا أهلاً لذلك الاقتضاء الشريف، فالشرف: صفة للاقتضاء (٢)، والاقتضاء: موصوف. ومثال إضافة الصفة إلى موصوفها (٣) قول الشاعر: إنّا محيوكِ يا سلمى فحيينا ... وإن سَقيتِ كِرامَ القومِ فاسْقِينَا (٤) تقديره: وإن سقيت القوم الكرام. قوله (٥): (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء) (٦) سبكه: وجعلنا الله

стр. 171

مستحقين (١) للعمل بمقتضى ذلك الطلب الشريف، أي: بمقتضى الرسالة، أي: بمقتضى (٢) القرآن العظيم. و (٣) قوله: (وجميل تلك المناجاة): قال صاحب الأفعال: جمل (٤) الشيء جمالاً أي تم حسنه (٥). والمناجاة لغة هي: المساررة. قال صاحب الأفعال: يقال: نجوتُ الرجل نجوًا (٦) أي (٧): ساررته (٨). ومنه قوله تعالى (٩): ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (١٠)، وقوله (١١): ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١٢)، وقال (١٣):

стр. 172

﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ (١). فحقيقة المناجاة لغة هي: المساررة، وهي: مكالمة الرجل أخاه بما يُسِره عن غيره. وحقيقة المناجاة شرعًا: إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكر الله تعالى، وتلاوة كتابه في الصلاة، قاله عياض في الإكمال (٢). وقيل: حقيقة المناجاة شرعًا: هي القرب من الله تعالى (٣) قرب قبول ورضى ومحبة، لا قرب مسافة وجهة. وها هنا ثلاثة ألفاظ هي (٤): المناجاة، والتناجي، والنجوى. فالمناجاة معناها: المساررة بين اثنين فأكثر من غير تراجع. والتناجي معناه (٥): المساررة بين اثنين فأكثر مع التراجع (٦)

стр. 173

والنجوى معناها (١) المساررة (٢) بين اثنين فأكثر بتراجع أو بغير تراجع. فالنجوى أعم من [المناجاة والتناجي. قوله (٣): (وجميل تلك المناجاة) هي (٤) أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما تقدم في الجملة] (٥) التي قبلها، تقديره: وجعلنا أهلاً لتلك المناجاة الجميلة (٦). وقوله: (المناجاة) نعت لـ "تلك" أو بدل، أو عطف بيان، كم تقدم في الجملة التي قبلها. وقوله: (٧) (المناجاة) المراد هنا بالمناجاة: تلاوة (٨) القرآن (٩)، أي: وجعلنا أهلاً لتلك التلاوة أو القراءة (١٠) الجميلة. انظر تقديم جملة الاقتضاء على جملة المناجاة، يحتمل أن يكون المصنف فعل ذلك: تقديمًا للمقصد على الوسيلة؛ لأن التلاوة وسيلة إلى الفهم، والفهم وسيلة إلى العمل بمقتضى الخطاب.

стр. 174

[قوله (١): (وفضلنا بها وفيها على سائر الفرق والعصابات): معنى قوله: (وفضلنا بها) أي: وفضلنا بخطاب (٢) الرسالة، أي: بالمخاطبة بها، أي: بالمطالبة بالعمل بما فيها. وقوله (٣): (وفيها) أي: وفضلنا أيضًا فيها، أي: في الرسالة، أي: ذكر الله تعالى تفضيلنا في الرسالة، وذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) فنص الله ﵎ في هذه الآية الكريمة على تفضيلنا على سائر الأمم. قال المؤلف في الشرح (٥): فلو (٦) لم ينزل الله تبارك (٧) وتعالى هذه الآية في القرآن لكنا مفضلين بها لا فيها (٨)] (٩). قوله (١٠): (وفضلنا بها وفيها) (١١) هو (١٢): تكرار في المعنى

стр. 175

لقوله: (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء). وقوله (١): (فيها) إشارة إلى قوله (٢) تعالى (٣): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) هذا على القول بأن المراد بالأمة في الآية: جميع أمة محمد ﵇، وأما القول بأن المراد بالأمة: أمة معينة، وهم: الصحابة رضوان الله عليهم فلا يتجه الاستدلال (٥). فإذا قلنا: المراد (٦) بالأمة جميع (٧) أمة محمد ﵇ (٨)، فاختلف في "كان" مِنْ (٩) قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾: قيل: المراد بها كان التي تقتضي الدوام، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٠) أي: لم يزل الله غفورًا رحيمًا. وقيل: المراد بها أصلها الذي هو: اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، معناه: كنتم في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ خيرَ الأمم. قوله (١١): (على سائر الفرق والعصابات) (١٢) يحتمل أن يريد

стр. 176

بالسائر (١): الباقي، وهو: مأخوذ من السؤر الذي هو بقية الشيء (٢)، ويحتمل أن يريد به: الجميع مأخوذ من سور المدينة (٣)، وهو أنسب لهذا (٤) الموضع. تقديره على المعنى الأول: وفضلنا بها وفيها على باقي الفرق والعصابات (٥)، وتقديره على الثاني: وفضلنا بها وفيها على جميع الفرق والعصابات. قوله (٦): (الفرق) (٧) جمع فرقة. وقوله: (العصابات) (٨) جمع عصابة. والفرقة أكثر من العصابة، كأنه يقول: وفضلنا بها (٩) على الأمم الكثيرة، والأمم (١٠) القليلة.

стр. 177

قال [أبو عبد الله الزبيدي (١)] (٢) - فى مختصر العين -: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين, وكذلك العصابة. انتهى (٣). وقال صاحب فقه اللغة في ترتيب جماعات (٤) الناس وتدريجها من القلة إلى الكثرة: نفر، ورهط, ولُمّة، وشرذمة، ثم جيل (٥) , وعصبة، وطائفة ثم ثبة، وثُلّة، وفوج، وفرقة. انتهى (٦). فالفرقة إذًا أكثر من العصبة (٧) ومن الطائفة، فمن فسر الفرقة في كلام المؤلف بالطائفة فقد أخطأ الحقيقة، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (٨) فالفرقة أكثر من الطائفة.

стр. 178

وقوله (١): (وصلواته (٢) الطيبات الزاكيات على أفضل المخلوقات): لما ذكر المؤلف الثناء على الله ﵎ شكرًا منه على إنعامه، أردف ذلك بالصلاة على محمد ﵇؛ لأن شأن الخطب (٣) أن يبدأ فيها بالثناء على الله تعالى (٤)، ثم يثنى فيها بالصلاة على محمد ﵇. والصلاة على محمد ﷺ (٥) ها هنا فيها (٦) خمسة مطالب: ما حكمها؟ و (٧) ما الأصل فيها؟ وما أقسامها؟ وما موضع استحبابها؟ وكراهيتها؟ ومن (٨) الذي يصلى عليه (٩)؟ أما حكمها ففيها (١٠) أربعة مذاهب: قال مالك (١١): واجبة مرة في العمر، وهي سنة في الصلاة.

стр. 179

وقال الشافعي (١)، وابن المواز (٢) من أصحاب المذهب (٣): واجبة في كل صلاة.

стр. 180

وقال أبو حنيفة (١): واجبة عند كل سماع ذكره، هذه المذاهب الثلاثة مشهورة (٢). المذهب الرابع: يجب الإكثار من الصلاة عليه من غير تحديد، ما لم تبلغه المشقة في ذلك، [هذه المذاهب ذكرها القاضي عياض في الشفا (٣)] (٤). وأما الأصل فيها: فالكتاب والسنة والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥). والأمر ها هنا محمول (٦) على الوجوب باتفاق.
следующие страницы →