بالسائر (١): الباقي، وهو: مأخوذ من السؤر الذي هو بقية الشيء (٢)، ويحتمل أن يريد به: الجميع مأخوذ من سور المدينة (٣)، وهو أنسب لهذا (٤) الموضع.
تقديره على المعنى الأول: وفضلنا بها وفيها على باقي الفرق والعصابات (٥)، وتقديره على الثاني: وفضلنا بها وفيها على جميع الفرق والعصابات.
قوله (٦): (الفرق) (٧) جمع فرقة.
وقوله: (العصابات) (٨) جمع عصابة.
والفرقة أكثر من العصابة، كأنه يقول: وفضلنا بها (٩) على الأمم الكثيرة، والأمم (١٠) القليلة.
стр. 177
قال [أبو عبد الله الزبيدي (١)] (٢) - فى مختصر العين -: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين, وكذلك العصابة. انتهى (٣).
وقال صاحب فقه اللغة في ترتيب جماعات (٤) الناس وتدريجها من القلة إلى الكثرة: نفر، ورهط, ولُمّة، وشرذمة، ثم جيل (٥) , وعصبة، وطائفة ثم ثبة، وثُلّة، وفوج، وفرقة. انتهى (٦).
فالفرقة إذًا أكثر من العصبة (٧) ومن الطائفة، فمن فسر الفرقة في كلام المؤلف بالطائفة فقد أخطأ الحقيقة، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (٨) فالفرقة أكثر من الطائفة.
стр. 178
وقوله (١): (وصلواته (٢) الطيبات الزاكيات على أفضل المخلوقات):
لما ذكر المؤلف الثناء على الله ﵎ شكرًا منه على إنعامه، أردف ذلك بالصلاة على محمد ﵇؛ لأن شأن الخطب (٣) أن يبدأ فيها بالثناء على الله تعالى (٤)، ثم يثنى فيها بالصلاة على محمد ﵇.
والصلاة على محمد ﷺ (٥) ها هنا فيها (٦) خمسة مطالب:
ما حكمها؟ و (٧) ما الأصل فيها؟ وما أقسامها؟ وما موضع استحبابها؟ وكراهيتها؟ ومن (٨) الذي يصلى عليه (٩)؟
أما حكمها ففيها (١٠) أربعة مذاهب:
قال مالك (١١): واجبة مرة في العمر، وهي سنة في الصلاة.
стр. 179
وقال الشافعي (١)، وابن المواز (٢) من أصحاب المذهب (٣): واجبة في كل صلاة.
стр. 180
وقال أبو حنيفة (١): واجبة عند كل سماع ذكره، هذه المذاهب الثلاثة مشهورة (٢).
المذهب الرابع: يجب الإكثار من الصلاة عليه من غير تحديد، ما لم تبلغه المشقة في ذلك، [هذه المذاهب ذكرها القاضي عياض في الشفا (٣)] (٤).
وأما الأصل فيها: فالكتاب والسنة والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).
والأمر ها هنا محمول (٦) على الوجوب باتفاق.
стр. 181
ودليل السنة: قوله ﵇: "البخيل ثم البخيل من ذكرت عنده فلم (١) يصل عليّ"، وفي بعضها: "البخيل ثم البخيل (٢) من سمع بذكري ولم يصل عليّ" (٣). وقوله ﵇ (٤): "رغم أنف رجل ذكرت (٥) عنده فلم يصل عليّ" (٦). [ومنه قوله ﵇ (٧): "لا صلاة لمن لم يصلِّ عليّ (٨) " (٩).
стр. 182
وقوله ﵇ (١): "كل صلاة لم يصل عليّ فيها فهي غير مقبولة" (٢)] (٣).
ومنه قوله ﵇ (٤): "أيما مجلس اجتمع (فيه) (٥) قوم ولم يصلوا عليّ إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة" (٦). وفي بعضها: "إلا كان ذلك
стр. 183
المجلس أنتن من جيفة" (١).
والإجماع منعقد على مشروعية الصلاة على محمد ﵊ (٢).
وأما أقسامها فهي ثلاثة أقسام:
الصلاة من الله، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله (٣) على من صلى عليه معناها: الرحمة.
والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه معناها: الدعاء والاستغفار.
والصلاة من العباد (٤) على محمد ﵇ (٥): عبادة (٦).
стр. 184
ومنهم من جعل الصلاة ها هنا على أربعة أقسام:
الصلاة من الله على محمد ﵇ (١)، والصلاة من الله على غير محمد ﵇ (٢)، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله على محمد ﵇ تشريف وزيادة (٣) تكرمه.
والصلاة من الله على غير محمد ﵇: رحمة (٤).
стр. 185
والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه: دعاء واستغفار.
والصلاة من العباد على من صلوا عليه (١) عبادة.
وأما موضع استحباب الصلاة على محمد ﵇ (٢):
فقال القاضي (٣) عياض: تستحب الصلاة على النبي ﵇ في ثمانية مواضع:
في أول الدعاء، وفي آخره (٤)، وبعد البسملة، وآخر (٥) الآذان، وعند دخول المسجد، وعند ابتداء الكتاب، وعند تمامه، وفي يوم الجمعة (٦).
وقال القاضي عياض أيضًا: وتكره الصلاة على النبي ﵇ في ثمانية مواضع:
عند الذبح، وعند التعجب، وعند العثار، وعند إبراز السلع للبيع، وعند الجماع، وعند العطاس، [وعند قضاء الحاجة] (٧)، وعند إشهار السلاح (٨).
стр. 186
وأما الذي يصلى عليه ففيه أربعة أقوال:
أحدها: النبي ﵇ (١) خاصة (٢)، قاله ابن عباس (٣) ﵁، دليله قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٤).
القول الثاني: الأنبياء كلهم خاصة، قاله سفيان (٥) ﵁.
стр. 187
القول الثالث: تجوز الصلاة على كل أحد، قاله يحيى بن يحيى (١).
دليله قوله (٢): ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٣)(٤).
وقوله ﵇ (٥): "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٦).
القول الرابع: بالتفصيل بين الابتداء والاتباع، فتجوز في الاتباع ولا تجوز في الابتداء، فتجوز [الصلاة على هذا القول على غير النبي إذا كان تابعًا في الكلام للنبي، ولا تجوز على غير النبي (٧) ابتداء، وهو مذهب مالك والحنفيين (٨).
стр. 188
فنقول] (١) على هذا القول: اللهم صل على محمد وعلى آله (٢)، ولا يجوز (٣) أن نقول: اللهم صل على آل محمد أو صل على فلان أو على آل فلان.
دليله قوله ﵇: "اللهم صل على محمد وعلى آل (٤) محمد" (٥) ولم يقل: اللهم صل على آل محمد ابتداء (٦) [من غير اتباع.
وقال بعضهم: لا خلاف في جوازها على غير الأنبياء إذا كانت على وجه الاتباع، وإنما الخلاف في جوازها على الانفراد.
قال القاضي أبو الفضل عياض] (٧): الصحيح أن الصلاة خاصة بالأنبياء دون غيرهم تشريفًا لهم وتعظيمًا لهم على غيرهم، كما خُص الله بالتسبيح، وأما غير الأنبياء فليلتمس لهم (٨) الأقوال الحسنة من الرضى، والغفران، وغير ذلك (٩)
واختلف هل يدعى له (١٠) ﵇ بالرحمة أم لا؟
стр. 189
فمنعه (١) أبو عمر بن عبد البر (٢).
وأجازه ابن أبي زيد؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: "وارحم محمدًا".
[قال القاضي عياض: لم يأت ذلك في حديث صحيح (٣).
قوله] (٤): (وصلواته (٥) الطيبات الزاكيات) إنما صور (٦) المصنف (٦) ﵀ هذه الألفاظ بصورة الجمع دون صورة المفرد: مبالغة في معناها؛ لأن الجمع أبلغ في المعنى من المفرد.
وقوله: (الطيبات الزاكيات) مترادفات (٧)؛ لقوله تعالى (٨): ﴿سَلَامٌ
стр. 190
عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (١).
قال الفراء (٢): معناه (٣): زكوتم (٤).
ففسر الطيب بالزاكي، والزكاة في اللغة هي: الزيادة والنمو (٥)، يقال: زكا الشيء إذا زاد ونما.
فقوله على هذا: (وصلواته الطيبات الزاكيات) معناه: وصلوات الله التي تزيد أجورها وثوابها، على أفضل المخلوقات، ويحتمل أن يكونا متباينين؛ فتكون الطيبات بمعنى الصالحات، لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٦)
стр. 191
أي: الصالح (١)، وتكون (٢) الزاكيات [بمعنى الزيادات (٣) الناميات، فالزاكيات على هذا أبلغ من الطيبات.
وقوله: الطيبات الزاكيات (٤)] (٥) من باب الأوصاف التأكيدية، وليست (٦) من الأوصاف التقييدية، وإنما فعل ذلك مبالغة في تأكيد الصلاة على محمد ﵇ (٧).
وقوله (٨): (على أفضل المخلوقات) أي: على أجمل وأكمل وأحسن المخلوقات قولاً وفعلاً، خُلُقًا وخَلْقًا.
وقوله (٩): (المخلوقات) يقتضي العموم؛ لأنه جمع محلى بالألف واللام، فيقتضي أنه ﵇ أفضل من جميع المخلوقات، من الملائكة والأنبياء.
قال ابن عباس ﵁: إن الله فضل نبينا محمدًا ﷺ على أهل السماء (١٠) وعلى (١١) الأنبياء صلوات الله عليهم.
стр. 192
وقوله: (محمد) سُمي محمدًا، لأجل المبالغة فى حمده، إما لكثرة حمده لله تعالى، وإما لكثرة حمد الناس له، وإما لكثرة حمد الملائكة له (١)، وإما لكثرة محامده الحسنة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وإما لاجتماع (٣) ذلك كله، فهو ﵇ أحمد الحامدين وأحمد المحمودين.
وقوله: (المبعوث) أي: المرسل؛ لأن البعث هو الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (٤).
وقوله (٥): (بأفضل المناهج والبينات) أي: بعثه الله مصحوبًا بأفضل وأكمل وأجمل وأحسن المناهج والبينات.
والباء (٦) في قوله: (بأفضل) للمصاحبة، كالباء في قوله تعالى (٧). ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (٨)، وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ (٩) أي. مصحوبًا بالهدى (١٠).
وقوله: (المناهج) جمع مفرده: منهاج أو منهج (١١) , يقال للطريق
стр. 193
الواضح (١) البين الظاهر: مِنْهَاجٌ ومَنْهَجٌ، ونَهْجٌ ومَهْيَعٌ، وكلها مترادفة بمعنى واحد، وهي صفات (٢) للطَريق الواضح الظاهر، وليس كل طريق كذلك؛ إذ لا يُسَمّى الطريق كذلك (٣) إلا إذا كان واضحًا ظاهرًا مستمرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤)؛ فالشرعة والشريعة هي: الطريقة (٥) الموصلة إلى النجاة (٦) من النار (٧).
والمنهاج: هو الطريق المستمر الظاهر، قال (٨) حسان (٩) بن ثابت (١٠)
стр. 194
[الأنصاري ﵁] (١):
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق (٢) المهيع
وإذا اصطنعت (٣) صنيعة فاقصد بها ... الله أو في (٤) ذي القرابة (٥) أودع (٦)
قال صاحب العين: نهج الأمر وأنهج إذا: وضح (٧).
قوله: (بأفضل المناهج) أراد بالمناهج: الشرائع (٨).
وقوله (٩): (البينات) أراد بها (١٠) الآيات لقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ (١١).
стр. 195
قال الهروي (١): أي: بالآيات (٢) الفاصلة بين الحق والباطل (٣).
وقال المهدوي (٤): معنى البينات (٥) أي: البراهين (٦) [البينات على حذف المصوف: أي: بالبراهين الواضحات (٧).
وقوله: البراهين معناها (٨): المعجزات.
ومعنى قوله الزبر: الكتب وهو جمع زبور (٩) ويقال: زبرت أي:
стр. 196
كتبت] (١).
وقوله (٢): ( ﷺ ) أعاد الصلاة عليه ﷺ مبالغة في التأكيد للصلاة عليه، ﵇.
وقوله: (على (٣) عترته) العترة (٤) بالتاء (٥) المهملة: أقرباؤه (٦).
قال (٧) في مختصر العين في باب التاء (٨) المهملة: "عترة الرجل أقرباؤه" (٩)(١٠)، وقيل: عترته ﵇: بنو عبد المطلب.
وقيل: بنو هاشم.
وقيل: أهل بيته الأقربون والأبعدون؛ لقول أبي بكر ﵁:
стр. 197
"نحن عترة رسول الله ﷺ وبيضته تَفَقْأت (١) عنه (٢) "
قوله (٣): (وأصحابه) جمع مفرده: صاحب.
واختلف في معنى أصحابه ﵇ على ثمانية أقوال:
قيل: كل من ولد في زمانه.
وقيل: من ولد في زمانه وبلغ في زمانه.
وقيل: من رآه ولو مرة واحدة.
وقيل: من روى عنه ولو حديثًا واحدًا.
وقيل: من رآه وطالت صحبته معه.
[وقيل: من رآه وروى عنه وطالت صحبته معه (٤)] (٥).
وقيل: كل من غزا معه غزوة (٦) أو غزوتين، أو قعد معه سنة أو سنتين (٧)
стр. 198
قاله سعيد بن المسيب (١) ﵁.
وقيل: أصحابه هم الملازمون له (٢) المهتدون بهديه حتى فاضت عليهم أنواره، وظهرت عليهم بركته (٣) وأسراره ﷺ ، قاله شهاب الدين (٤).
قوله (٥): (وأزواجه) جمع (٦)، مفرده: زوج أو زوجة (٧)، ولكن الأفصح: زوج بإسقاط التاء، وهو الوارد في القرآن، قال الله تعالى (٨): ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٩)، وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (١٠).
стр. 199
قوله (١): (ومحبيه) (٢) هذا عام يندرج فيه كل ما تقدم من عترته، وأصحابه، وأزواجه، وغيرهم، وهو من باب الإتيان بالعام بعد الخاص (٣)، ويسمى عند أرباب البديع بالتعميم.
ومحبته ﷺ واجبة على كل أحد (٤)؛ لقوله ﵇: "لا يؤمن (٥) أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٦).
وعلامة محبته ﷺ : الاقتداء به (٧)، واستعمال سنته قولاً وفعلاً، والتأدب بآدابه، قال الله (٨): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩).
قوله: (١٠) (صلاة (١١) تبلغهم أفضل الدرجات) أي: صلاة توصلهم إلى أرفع الدرجات.
стр. 200
والدرجات (١) هي: الطبقات النفيسة، والمنازل الشريفة في الجنة، قال رسول الله ﷺ : "الجنة مائة درجة أعلاها الفردوس، منها تتفجر (٢) أنهار الجنة وعليها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" (٣).
قال (٤) ابن رشد (٥) في جامع البيان:
стр. 201
الاختيار (١) للداعي إذا دعا الله أن يسأله أرفع المنازل؛ لأن الله ﷻ جواد كريم.
وهكذا فعل المؤلف ها هنا.
قوله (٢): (ونحوز بها أفضل المقامات في الحياة وبعد الممات) أي: وننال ببركتها أفضل الحالات في الحياة، وأفضل الحالات في الممات، أي: وننال ببركتها (٣) أفضل الحالات في الدنيا والآخرة (٤).
وأفضل (٥) الحالات في الدنيا: ملازمة التقوى، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٦).
وأفضل الحالات في الآخرة هي: الدرجات العُلى في الجنة، نسأل الله تعالى أن يجود علينا بالدرجات العُلى (٧) في حياتنا ومماتنا (٨) بمنه وفضله.
قوله (٩): (أما بعد): لما أثنى المؤلف (١٠) ﵀ (١١) على الله
стр. 202
تعالى (١) بما هو أهله، وصلى على رسوله ﷺ ، وأراد الشروع في مقصوده، أتى بكلمة تقتضي الاستئناف، وهي: أما بعد، وكان النبي ﵇ يستعملها في خطبه، ومواعظه، وكذلك الخطباء قبله وبعده (٢).
وها هنا خمسة مطالب، وهي:
ما معنى: أما بعد؟ وما العامل في هذا الظرف؟ ولِمَ بني؟ ولم بني على الحركة؟ ولم اختص بتلك الحركة؟
فأما معناها: فهي كلمة موضوعة للفصل بين الكلام المضاد (٣) والخوض في المراد (٤).
قيل: أول من نطق بها: داود ﵇، قالوا: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٥).
وقيل: أول من نطق بها: سحبان (٦) وائل، الذي تنسب إليه الفصاحة،
стр. 203
ويضرب به المثل في البلاغة، وهو القائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها (١)
وقيل: أول من قالها: قس بن ساعدة الإيادي (٢).
وهو: أول من كتب من فلان إلى فلان، وهو: أول من خطب بعصا، وهو أول من أقر (٣) بالبعث من غير (٤) سماع، وكان يضرب به المثل في ذكاء
стр. 204
العقل وكان في الفترة التي بين (١) عيسى ومحمد ﵉ (٢).
وفيه قال النبي (٣) ﵇: "يبعث يوم القيامة أمة وحده" (٤).
وذكر ابن سبع (٥) في كتاب الشفا في شرف النبي المصطفى (٦):
стр. 205
أنه عاش سبع مائة سنة (١).
وقد رآه النبي ﵇ قبل (٢) بعثه بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يعظ الناس وهو (٣) يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات (٤)، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحور (٥) تهور (٦)، أما بعد: فإن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا [مالي] (٧) أرى الناس يموتون ولا يرجعون (٨)، أرضوا بالإقامة فأقاموا (٩)؟ أم تركوا كما هم فناموا؟ أقسم بالله قس، قسمًا لا يخاف فيه حنثًا ولا إثمًا، أن لله دينًا أرضى من دينكم (١٠).
وأما العامل في هذا الظرف الذي هو "بعد" فهو محذوف، وهو: صفة مبتدأ محذوف تقديره: أما القول المقول بعد ما تقدم ذكره: (فإِن هذا كتاب)، وخبر هذا المبتدأ المحذوف هو: جواب "أما" الذي في قوله: (فإِن هذا
стр. 206
كتاب)؛ لأن الجواب يغني عن الخبر لقيامه مقامه.
وأما لِمَ بُني؟
فقيل: لقطعه عن الإضافة التي هي أصل الظروف.
وقيل: لخروجه عن النظائر في قطعه عن الإضافة.
وقيل: لتضمنه معنى الحرف (١) وهو لام الإضافة.
وأما لِمَ بُني على الحركة؟
فقيل: لالتقاء الساكنين.
وقيل: لأن بناءه عارض (٢) وليس بلازم؛ إذ (٣) إعرابه أكثر من بنائه؛ لأنه يعرب في ثلاثة مواضع ويبنى في موضع واحد (٤).
فالثلاثة التي يعرب فيها:
أحدها: إذا صُرح بالمضاف إليه.
الثاني: إذا لم يصرح بالمضاف إليه [ونُوي (٥) لفظه ومعناه.
الثالث: إذا لم يُصرح بالمضاف إليه، ولم ينو أصلًا لا لفظه ولا معناه.
стр. 207
والموضع (١) الذي بُني فيه: إذا لم يصرح بالمضاف إليه] (٢) ونوى معناه، فهذا هو (٣) الذي بني (٤) على الضم، كما فعل المؤلف ها هنا في قوله: (أما بعد)، فبناه على الضم؛ لأنه قطعه عن المضاف إليه (٥) ونوى معناه: لأن تقديره: أما بعد الحمد لله والصلاة على محمَّد ﵇.
وأما لم اختص بتلك الحركة؟
فقيل (٦): لأنها (٧) حركة لا تكون للكلمة في حال إعرابها.
وقيل: لتخالف حركة بنائه حركتي إعرابه.
وقوله (٨): (فإِن هذا (٩) كتاب (١٠)) الإشارة في قوله: (هذا) تعود على هذا الكتاب المسمى بالتنقيح.
وهذه الإشارة تقتضي أن المصنف - رحمه الله تعالى - وضع هذه الخطبة بعد الفراغ من التأليف، وذلك أن المصنف ﵀ جعل هذا الكتاب المصنف في الأصول مقدمة كتاب الذخيرة المؤلَّف في الفروع، ليخرِّج بذلك الفروع على الأصول؛ إذ كل فرع لم يخرّج على أصل فليس بشيء، ولم يذكر
стр. 208
المصنف (١) ﵀ (٢) لهذه المقدمة في الذخيرة خطبة خاصة بها.
قال المصنف (٣) في الشرح: لما رأيت جماعة رغبوا في إفراد هذا الكتاب عن (٤) الذخيرة واشتغلوا به، فلما رأيت كثرة المشتغلين (٥) به، رأيت أن أضع لهم شرحًا يكون عونًا لهم على فهمه وتحصيله، وأبين فيه مقاصد لا تكاد (٦) تعلم إلا من جهتي؛ لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها غموض، وأوشح (٧) ذلك (٨) إن شاء الله بقواعد جليلة [وفوائد جميلة (٩).
قوله] (١٠): (فإِن (١١) هذا كتاب جمعت فيه مسائل المحصول) (١٢):
معناه: فإن هذا الكتاب المفروغ منه المسمى بالتنقيح: كتاب مجموع فيه المسائل المذكورة في الكتاب (١٣) المسمى بالمحصول، وهو تصنيف: الإمام فخر الدين،
стр. 209
واسمه: محمَّد بن عمر الرازي (١)، وله تفسير للقرآن العظيم (٢) في خمسين سفرًا.
قوله (٣): (وأضفت (٤) إِليه مسائل كتاب (٥) الإِفادة للقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب المالكي):
الضمير (٦) في قوله: (إليه) عائد إلى (٧) المحصول، أي: فأضفت (٨) إلى (٩)
стр. 210
ما جمعت من المحصول المذكور مسائل الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (١)، تصنيف القاضي (٢) عبد الوهاب البغدادي (٣) المالكي (٤) ﵁.
قوله (٥): (وهو مجلدان) أي: وهذا الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (٦) هو: مجلدان (٧)، أي: سفران، وفي بعض النسخ (٨) وهما (٩): مجلدان، بتثنية الضمير باعتبار (١٠) السفرين (١١).
قوله: (وكتاب الإِشارة للباجي) أي: وأضفت إليه أيضًا (١٢): كتاب
стр. 211
الإشارة (١) أي: الكتاب المسمى بكتاب الإشارة (٢)، تصنيف (٣) الشيخ (٤) أبي الوليد الباجي (٥)، وهو كتاب صغير صنفه لابنه ﵁.
قوله: (وكلام ابن القصار [في الأصول).
أي: وأضفت إليه كلام القاضي أبي الحسن (٦) بن القصّار في الأصول. وإنما قال المؤلف: كلام ابن القصّار في الأصول (٧)] (٨)، ولم يقل:
стр. 212
كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى بـ "عيون المسائل" (١).
قوله: (وبينت مذهب مالك ﵀ في الأصول لينتفع بذلك (٢) المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا (٣)):
أي: بيّنت وشرحت، وأوضحت مذهب مالك في الأصول؛ لينتفع بذلك [المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا، أي: بيّنت وأوضحت مذهب مالك في الأصول.
لينتفع بذلك] (٤) الإشارة تعود على كتاب "التنقيح"؛ أي: لينتفع بهذا الكتاب المالكية خصوصًا، ووجه انتفاعهم به واختصاصهم به: أنه (٥) عيَّن فيه مذهب إمامهم، وعين فيه دليله، ووجه انتفاع غيرهم بهذا الكتاب على العموم: أن (٦) المؤلف قرر فيه (٧) الأدلة وأوضحها فيه، والدليل إذا قرر (٨) لا يختص به أحد عن أحد.
قوله: (ولم أترك من هذه الكتب الأربعة إِلا التقاسيم، ويسيرًا من المسائل والمباحث التي لا يحتاج إِليها الفقيه).
стр. 213
نبه في هذا الكلام (١) على أنه لم يتعرض لجميع ما ذكر في الكتب المذكورة المصنف منها هذا التأليف (٢)، وأنه (٣) إنما ساق منها المسائل المهمات، والأمور المعتمدات التي لا بد منها، دون التقاسيم والمباحث (٤) التي لا يحتاج إليها الفقيه في تنزيل الفروع عليها.
قوله (٥): (الكتب (٦) الأربعة) جعلها ها هنا أربعة وهي في التحقيق ثلاثة كتب وهي: "المحصول"، و"الإشارة"، و"الإفادة"، وأما كلام ابن القصار فليس بكتاب، وإنما جعلها أربعة تغليبًا للأكثر.
قوله (٧): (إِلا التقاسيم) أي: إلا التفاصيل، وهي الوسائل (٨) التي يعلم منها الشيء المقسّم [المقصود بالتقسيم، فالمقصد إذًا هو: المقسم] (٩) وأما التقسيم فهو (١٠): وسيلة، فإذا حصل المقصد فلا عبرة بالوسيلة.
قوله (١١): (ويسيرًا (١٢) من المسائل) أي. قليلًا من المسائل (١٣) المخصوصة بعلم الأصول دون علم الفروع.
стр. 214
قوله: (و (١) المباحث) البحث لغة معناه: الطلب المتأكد (٢).
وهي: المدارك التي تبنى عليها (٣) الأصول، فإن المؤلف إنما تعرض في هذا الكتاب للمدارك التي تبنى عليها (٤) الفروع، ولم يتعرض للمدارك التي تبنى عليها (٥) الأصول.
لأن المؤلف قال في مقدمة الذخيرة: ولم أتعرض فيها لمدارك الأصول، فإن ذلك من وظائف الأصولي لا من وظائف الفقيه، فإن مقدمات كل علم تؤخذ (٦) فيه مسلمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه (٧).
قوله (٨): (التي (٩) لا يحتاج إِليها الفقيه).
هذه (١٠) الجملة راجعة إلى الثلاثة الأشياء المذكورة (١١) وهي: التقاسيم، والمسائل، والمباحث، تقديره: إلا التقاسيم التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمسائل التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمباحث التي لا يحتاج إليها الفقيه.
стр. 215
قوله: (مع أني زدت كثيرًا من القواعد والتلخيصات، والتحرير, والتنبيه، والقيود في الحدود).
العامل في الظرف الذي هو: "مع" فعل محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: فعلت ذلك مع أني زدت كثيرًا، أي: تركت ما لا يحتاج إليه من الكتب (١) المذكورة (٢) مع زيادتي عليها ما يحتاج إليه.
وذكر ها هنا أنه زاد على ما جمع من تلك الكتب الأربعة خمسة أصناف:
أحدها: القواعد، وهي: القوانين والضوابط، مفرد القواعد: قاعدة.
وهي: صورة كلية (٣) تتبين بها جميع جزئياتها.
وهي ست قواعد:
واحدة في باب الأوامر (٤)، وثانية في باب الاجتهاد، وأربع في باب جميع (٥) أدلة المجتهدين وتصرفات المتكلفين (٦) في الأعيان.