стр. 1506
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 14313
رفع النقاب عن تنقيح الشهاب
الحسين الشوشاوي
Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1507
ش: هذا هو القسم الأول، وهو: المعلق على الجميع في النهي، أي: متعلق النهي كل واحد منها.
مثاله: أن يقول: لا تفعل هذا ولا هذا.
قوله: (نحو الخمر والخنزير) كأن يقول: لا تشرب الخمر، ولا تأكل الخنزير.
قوله: (وأما على (١) الجمع (٢)، نحو: الجمع بين الأختين (٣)).
ش: هذا هو القسم الثاني وهو النهي المعلق على الجمع، يعني: أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد في نفسه ليس منهيًا عنه.
مثاله: قولك: لا تجمع بين كذا وكذا نحو الجمع بين الأختين، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٤).
فإن كل واحدة في نفسها ليست (٥) محرمة، بل المحرم هو الجمع بينهما فقط، بخلاف القسم الأول المعلق فيه النهي (٦) على الجميع؛ لأنه تعلق فيه بالجميع (٧) أي: بالانفراد (٨) والاجتماع، وأما هذا القسم الثاني فلا يحرم (٩) فيه
стр. 1508
إلا حالة واحدة وهي: حالة الاجتماع، ولا تحرم (١) حالة الانفراد، فالنهي في القسم الأول تعلق بالجميع، والنهي في القسم الثاني تعلق بالجمع خاصة.
قال المؤلف في الشرح: ونظير هذين قول (٢) النحاة: تقول العرب: لا تأكل السمك، وتشرب اللبن، فيه ثلاثة أوجه:
الجزم، والنصب، والرفع.
فإن جزمنا الفعلين: كان كل واحد منهما متعلق النهي سواء انفردا أو اجتمعا.
وإن نصبنا الثاني وجزمنا الأول: كان متعلق النهي هو (٣) الجمع بينهما فقط، وكل واحد منهما غير منهي عنه في نفسه.
وإن جزمنا الأول ورفعنا الثاني: كان الأول هو مطلق النهي فقط في حالة ملابسة الثاني، معناه: لا تأكل السمك في حالة شرب اللبن، والحال ليس منهيًا عنه، فإذا قلت: لا تسافر والبحر هائج، ولا تصلِّ والشمس طالعة، فلست (٤) تنهى عن هيجان البحر، ولا عن طلوع الشمس، بل عن الأول فقط.
كذلك (٥) ها هنا (٦)، فتختلف المعاني باختلاف رفع الثاني ونصبه وجزمه،
стр. 1509
والفعل الأول في الأحوال الثلاثة مجزوم (١).
قوله (٢): (وعلى البدل مثل: إِن فعلت كذا (٣) فلا تفعل كذا (٤)، كنكاح الأم بعد بنتها (٥)).
ش: هذا هو القسم الثالث وهو المنهي (٦) المتعلق (٧) على البدل المقيد.
مثاله: قولك: إن فعلت هذا فلا تفعل ذاك، وإن (٨) فعلت ذلك فلا تفعل هذا؛ لأنه نهي عن فعل شيء بقيد فعل غيره؛ لأن تحريم (٩) نكاح البنت إنما هو (١٠) بشرط نكاح أمها، وكذلك أيضًا نكاح الأم إنما يحرم بقيد نكاح البنت كما هو المعروف عند الفقهاء؛ لأن (١١) الفقهاء يقولون: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات (١٢) يحرم البنات.
قال المؤلف في الشرح: و (١٣) النهي عن البدل يرجع إلى النهي عن
стр. 1510
الجمع، فإن معنى قولنا: إن فعلت كذا فلا تفعل ذلك أن الجمع بينها محرم. انتهى (١).
قال بعضهم: الفرق بينهما: أن الأول باعتبار الزمان، وهذا باعتبار الفعل (٢).
قوله: (أو على (٣) البدل كجعل الصلاة بدلاً من الصوم).
ش: [هذا هو القسم الرابع وهو: النهي المعلق على البدل (٤) كجعل الصلاة بدلاً من الصوم] (٥) فإن جعل أحدهما عوضًا من الآخر لا يصح، ولا يجوز من غير تقييد بشيء.
قال المؤلف في الشرح: والنهي عن البدل له صورتان:
أن يجعل غير الواجب بدلاً عن الواجب (٦) كالتصدق بدرهم بدلاً عن الصلاة.
وأن يجعل بعض (٧) الواجب بدلاً عن كله، كجعل ركعة بدلاً من ركعتين (٨).
...
стр. 1511
الفصل الثالث في لازمه (١)
هذا الفصل (٢) تعرض فيه المؤلف - رحمه الله تعالى - (٣) لأثر النهي، وأثر الشيء هو: لازمه، فذكر في هذا الفصل مطلبين:
أحدهما: هل يقتضي النهي الفساد في المنهي عنه أم لا؟
والمطلب الثاني: هل يقتضي النهي الأمر بضد المنهي عنه أم لا؟
قوله: (و (٤) هو عندنا يقتضي الفساد خلافًا لأكثر الشافعية، والقاضي (٥) أبي بكر منا، وفرق أَبو الحسين البصري (٦) والإمام بين العبادات: فيقتضي، وبين المعاملات: فلا يقتضي).
ش: هذا هو المطلب الأول وهو قولنا: هل يقتضي النهي فساد المنهي أم لا؟
стр. 1512
ذكر المؤلف فيه ها هنا ثلاثة (١) أقوال:
أحدها: أنه يقتضي الفساد مطلقًا (٢)، أي (٣): لا فرق بين العبادات والمعاملات، وإلى هذا [القول (٤) أشار (٥) بقوله: وهو عندنا يقتضي الفساد.
و (٦) القول الثاني: أنه لا يقتضي الفساد مطلقًا، أي: لا فرق بين العبادات والمعاملات، وإلى هذا القول] (٧) أشار بقوله (٨): خلافًا لأكثر الشافعية (٩)، والقاضي أبي بكر منا (١٠).
стр. 1513
القول الثالث: أنه يقتضي الفساد في العبادات ولا يقتضي الفساد في المعاملات (١)، وإلى هذا القول (٢) أشار المؤلف بقوله: "وفرق أَبو الحسين البصري (٣) والإمام (٤) بين العبادات: فيقتضي، وبين المعاملات: فلا يقتضي".
قوله: (وهو عندنا يقتضي الفساد) يعني: وعندنا (٥) نحن المالكية.
وهل يقتضي الفساد من جهة اللغة (٦) أو من جهة الشرع؟ قولان.
و (٧) قوله: (خلافًا لأكثر الشافعية) يعني: كالقفال (٨)، والغزالي (٩)، وغيرهما القائلين: بأنه لا يقتضي الفساد.
وهل يقتضي مع ذلك الصحة، أو لا يقتضي الصحة؟ قولان.
أما حجة [القائلين] (١٠) بأن النهي يقتضي الفساد مطلقًا.
стр. 1514
فأما في العبادات: فلأنه أمر بالإتيان بالمأمور به ولم يأت به؛ بل أتى بالمنهي عنه، ومن لم يأت بما أمر به فهو باق في عهدة التكليف.
وهذا معنى قولنا: النهي يدل على الفساد في العبادات (١).
وأما في المعاملات: فلأن النهي إنما ورد لدفع (٢) المفسدة [الكائنة في المنهي عنه، فلو قلنا بثبوت الملك والإذن في التصرف: لكان ذلك تقريرًا (٣) لتلك المفسدة] (٤)، والمفسدة لا يجوز تقريرها (٥).
وأما حجة القائلين بعدم اقتضائه الفساد مطلقًا:
فأما في العبادات: فلأنه لا تنافي بين قول الشارع: [صلِّ وتوضأ، وصلِّ
стр. 1515
بثوب طاهر، وحج بمال حلال، وبين قوله] (١): نهيتك عن الصلاة في الدار المغصوبة، وعن (٢) الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة بالثوب المغصوب، والحج بالمال (٣) المغصوب، وأداء الزكاة [بالمكيال المغصوب] (٤)، وإذا (٥) أتيت بهذه العبادات جعلتها (٦) سببًا لبراءة ذمتك.
قال (٧) المؤلف في الشرح: يعني: أن الشارع إذا قال: لا تفعل كذا فإذا فعلته كان سببًا لبراءة ذمتك، فإن كلامه صحيح غير متناقض؛ لأن معتمد البراءة حصول المصلحة لا عدم المفسدة.
مثال (٨) ذلك: إذا أعطى الإنسان لصاحب الدين دينه وضربه، أو شتمه فإن ذمته تبرأ من الدين، ولا يقدح في ذلك ما قارنه من مفسدة الضرب (٩) والشتم (١٠).
وهذا معنى قولنا: لا يدل النهي على الفساد في العبادات.
стр. 1516
وأما في المعاملات: فلأن (١) السبب الشرعي ليس من شرط (٢) إفادته للحكم: أن يكون مشروعًا، ولا مساويًا لمسببه في الحكم؛ [أعني: أن السبب الشرعي ليس من شرطه: أن يكون مشروعًا في نفسه ولا أن يكون مساويًا لسببه في الحكم] (٣).
فقولنا: لا يشترط في إفادة السبب للحكم (٤) أن يكون مشروعًا، فإن أسباب العقوبات غير مشروعة بل هي محرمة، ومع ذلك هي موجبة لأحكامها، فإن الزنا - مثلاً - محرم وهو مع ذلك موجب للجلد أو الرجم، والقتل محرم وهو مع ذلك موجب للقصاص، والقذف محرم وهو مع ذلك موجب للجلد، والسرقة محرمة، وهي مع ذلك موجبة للقطع والغُرْم، وكذلك الحرابة محرمة (٥) وهي مع ذلك موجبة (٦) للقتل، أو الصلب، أو القطع أو غير ذلك.
كالطلاق (٧) في زمان الحيض حرام، وهو موجب لزوال العصمة.
وكذلك النكاح قد يكون واجبًا، أو مندوبًا (٨) أو مكروهًا، أو مباحًا، على حسب عوارضه، ويكون مع ذلك موجبًا لوجوب النفقة والكسوة.
стр. 1517
وكذلك الإعتاق قد (١) يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وهو مع ذلك موجب (٢) للولاء (٣).
فقد ظهر بما قررناه (٤): أن السبب ليس من شرط إفادته الحكم (٥): أن يكون مشروعًا، بل يكون السبب حرامًا - مثلاً - ويترتب عليه الواجب.
وقلنا (٦): لا يُشترط قي السبب أن يكون مساويًا لمسببه في الحكم؛ وذلك أن السبب قد يكون حكمه مخالفًا لحكم مسببه؛ فإن السبب قد يكون حرامًا ويكون (٧) مسببه (٨) واجبًا - كما تقدم -.
وقد يكون السبب واجبًا، أو مباحًا، أو مندوبًا، ويترتب عليه الواجب كما تقدم أيضًا في النكاح (٩) والعتق.
قال المؤلف في الشرح: فقواعد الشريعة تشهد أنه ليس من شرط السبب: أن يكون مشروعًا ولا مساويًا لمسببه في الحكم، وبهذا يظهر بُطلان التشنيع على المالكية حيث جعلوا ترك السنة في الصلاة سببًا لوجوب السجود.
فقيل لهم: كيف يكون ترك المندوب سبب الوجوب؟ وكيف يكون الفرع
стр. 1518
أقوى من أصله؟ (١).
و (٢) جوابه: ما (٣) تقدم. انتهى نصه (٤).
وأما (٥) حجة القائلين بأن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون العادات: فلأن (٦) الإنسان أمر بالإتيان بالعبادة (٧) المأمور بها فأتى بالمنهي عنه ولم يأت بالمأمور به، [ومن لم يأت بالمأمور به] (٨) فهو باقٍ في عهدة التكليف، وهذا معنى قولنا: يقتضي الفساد في العبادات (٩).
وأما المعاملات: فإنها أسباب، والسبب ليس من شرطه أن يكون مأمورًا به (١٠) - كما تقدم -.
стр. 1519
قوله: (لنا: أن النهي إِنما يكون لدرء المفاسد (١) الكائنة في المنهي عنه، والمتضمن (٢) للمفسدة (٣) فاسد).
ش: هذا دليل عقلي يدل على اقتضاء النهي الفساد مطلقًا لا في العبادات ولا في العادات (٤).
وبيانه أن تقول (٥) بالقياس الجلي: المنهي عنه متضمن للمفسدة، وكل ما تضمن مفسدة فهو فاسد، ينتج (٦) لك: المنهي عنه فاسد، حذف المؤلف المقدمة الصغرى لظهورها.
قوله: (ومعنى الفساد (٧) في العبادات: وقوعها على نوع من الخلل يوجب (٨) بقاء الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها إِلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها من التصرفات، على تفصيل يأتي (٩) على أصولنا في البيع وغيره).
ش: لما ذكر المؤلف أن النهي يقتضي الفساد في العبادات والمعاملات أراد
стр. 1520
ها هنا أن يبين معنى ذلك الفساد (١)؛ إذ المراد بالفساد في العبادات مخالف للمراد بالفساد في المعاملات؛ لأن الفساد في العبادات معناه: وقوع الإخلال ببعض أركانها، أو ببعض (٢) شروطها، فإن ذلك يوجب شَغل الذمة بتلك العبادات.
قوله: (وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها) أي: ومعنى الفساد في المعاملات، أي في عقود المعاملات: كعقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد القراض، وعقد النكاح، وغير ذلك من عقود المعاملات.
والمراد بالترتب (٣) هو: التمكن، والمراد بآثارها (٤) هو: الفوائد المطلوبة من العقود.
والضمير في قوله: (آثارها) (٥)، وفي قوله: (عليها) يعود على المعاملات، وتقدير الكلام: ومعنى الفساد في عقود المعاملات هو: خلل يوجب عدم تمكن الفوائد على المعاملات، أي: على عقود المعاملات الفاسدات (٦).
وتلك الفوائد المطلوبة من عقود المعاملات تختلف باختلاف العقود.
ففائدة عقد البيع مثلاً: التمكن من الأكل، والبيع، والهبة، والصدقة،
стр. 1521
والوقف، وغير ذلك.
وفائدة الإجارة: التمكن من المنافع.
وفائدة القراض: التمكن من استحقاق الربح وعدم الضمان.
وفائدة النكاح: التمكن من أنواع الاستمتاع، وغير ذلك.
قوله: (إِلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها من التصرفات (١) على تفصيل يأتي على أصولنا في البيع، وغيره) يعني أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيجب فسخه إلا أن (٢) يتصل بتلك العقود المنهي عنها: التصرفات (٣) التي تقرر آثارها؛ أي التصرفات (٤) التي تثبت (٥) فوائدها؛ أي فوائد العقود.
والمراد بتلك (٦) التصرفات التي تثبت العقود الفاسدة (٧) أربعة أشياء وهي:
حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها (٨).
فإن العقد الفاسد إذا اتصل به (٩) أحد هذه العوارض الأربعة
стр. 1522
يمضي (١) بالقيمة، ولكن إمضاؤه إذا اتصل به ذلك يحتاج إلى تفصيل بينه المؤلف في كتاب البيوع وغيره، من كتاب (٢) الذخيرة.
قوله: (على أصولنا) أي: هذا على مذهبنا وقواعدنا نحن المالكية، خلافًا لغيرنا؛ وذلك أن فقهاء الأمصار اختلفوا في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ (٣):
ذهبت الشافعية: إلى أنه يدل على الفساد مطلقًا فلا يجوز الانتفاع به، فيجب فسخه ولو بِيع ألف بَيْع، فطردوا أصلهم (٤).
стр. 1523
وذهبت الحنفية: إلى أنه يدل على الصحة مطلقًا فلا يفسخ.
وقالوا: إذا اشترى أمة شراء فاسدًا جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، فطردوا أيضًا (١) أصلهم (٢).
وذهبت المالكية إلى التفصيل في ذلك فقالوا: يدل على الفساد، إلا إذا اتصل به أحد الأربعة المذكورة فيمضي بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد عندهم يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فلم يطرد المالكية مذهبهم (٣)، بل قالوا بالتفصيل مراعاة للخلاف؛ لأن مراعاة الخلاف أصل من أصول المالكية.
قوله: (وقال أَبو حنيفة ومحمد بن الحسن (٤): لا يدل على الفساد
стр. 1524
مطلقًا (١)، ويدل على الصحة، لاستحالة النهي عن المستحيل).
ش: ذكر المؤلف ها هنا: أن النهي لا يدل على الفساد وهو تكرار لقوله أولاً: "خلافًا لأكثر الشافعية (٢) والقاضي أبي بكر منا".
يحتمل أن يكون كرره ليركب عليه (٣) دليله، وهو قوله: "لاستحالة النهي عن المستحيل (٤) ".
وبيان هذا الاستدلال: أن أبا حنيفة ﵀ (٥) - يقول (٦): الدليل على صحة العقد الفاسد (٧) بعد وقوعه: أن الشيء لا ينهى عنه إلا إذا صح وقوعه، فلا ينهى الأعمى عن النظر، ولا ينهى الزَّمِن (٨) عن القيام، فلا تقل للأعمى: لا تنظر؛ إذ لا يصح منه النظر المنهي عنه، ولا تقل للزمن: لا تقم؛ إذ لا يصح منه القيام المنهي عنه، فلو كانت الصحة معدومة من المنهي عنه لامتنع
стр. 1525
ورود النهي عنه، وقد ورد النهي فدل ذلك على أن النهي يدل على صحة المنهي عنه بعد وقوعه.
قوله: (لاستحالة النهي عن المستحيل).
أي: لامتناع ورود النهي عن الشيء الممتنع، فيتعين (١): أن يكون النهي دالاً على الثبوت والصحة، والمراد بالصحة هو: الإذن في التصرف والتمكن منه؛ إذ لو كانت الصحة معدومة لامتنع النهي عنها؛ لأن العدم غير مقدور للمكلف، والنهي عما ليس بمقدور لا يصح.
والجواب عن هذا الاستدلال: أن محل النزاع مع الحنفية هو (٢): الصحة الشرعية، وهي: جواز الإقدام على الفعل شرعًا، والإذن الشرعي في التصرف، وأما الصحة العادية فليست بمحل النزاع فإن (٣) حديث الأعمى، والزَّمِن الذي استدلت به الحنفية إنما يوجب ذلك اشتراط (٤) الصحة العادية، و (٥) لَيست محل النزاع، فإنها مجمع عليها؛ لأنه وقع الإجماع على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية (٦).
قال المؤلف في القواعد السنية - في الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي
стр. 1526
الفساد (١) في نفس الماهية، وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد (٢) في أمر خارج عن الماهية -: بالغ أبو حنيفة في إثبات هذا الفرق، حتى أثبت عقود الربا وإفادتها (٣) الملك في أصل المال الربوي، ورد الزائد على الأصل؛ وذلك أنه إذا باع (٤) درهمًا بدرهمين، فإن العقد قد أوجب درهمًا واحدًا من الدرهمين، ويرد الدرهم الزائد، وكذلك جميع الربويات.
وبالغ أيضًا أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق، حتى أبطل الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة بالثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب، والحج بالمال المغصوب، والذبح بالسكين المغصوب (٥)، وما في معنى ذلك، فسوى بين جميع موارد النهي (٦).
وأما مالك (٧) على المشهور من مذهبه والشافعي: فقد توسطا بين المذهبين فأوجبا الفساد في بعض الفروع دون البعض؛ وذلك أنهما قالا بالفساد في العقود الربويات، وقالا بالصحة في الصلاة (٨) في الدار المغصوبة، وما ذكر معها من (٩) الصلاة بالثوب الحرام، أو الوضوء بالماء الحرام، أو الحج بالمال
стр. 1527
الحرام، أو الذبح بالسكين الحرام، أو الصلاة (١) بالخف المغصوب إذا مسح عليه، وما في معنى ذلك.
وهذه الفروع كلها صحيحة عند المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنفية (٤)، خلافًا للحنابلة (٥)، وابن حبيب (٦) من المالكية.
وحجة الجمهور القائلين بالصحة في هذه الفروع: أن متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله، فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة، غير أن المصلي قد جنى على حق صاحب الدار مثلاً، فالنهي إنما هو في المجاور للماهية لا في نفس الماهية.
وبهذه القاعدة: يظهر لك الفرق بين غاصب الخف إذا مسح عليه فتصح صلاته، وبين المحرم إذا مسح على الخف فلا تصح صلاته؛ لأن حقيقة المأمور
стр. 1528
به حاصلة بكمالها في حق غاصب الخف، بخلاف المحرم فلم تحصل حقيقة المأمور به بكمالها في حقه، فإنه مأمور بطهارته (١) بالغسل ولم يأت به.
وحجة الحنابلة القائلين بالفساد في الجميع: الاحتياط للمفسدة، فإن النهي يعتمد المفاسد، فمهما ورد النهي بطل العقد من كل جهة؛ فإن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؛ إذ المغصوب (٢) معدوم (٣) شرعًا، وإن كان موجودًا حسًا.
انظر: الفرق السبعين من القواعد السنية (٤).
فإن قلت: ما الفرق بين الصلاة في الدار المغصوبة (٥) والصوم في أيام الأعياد (٦)، [فإن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة بخلاف الصوم في أيام الأعياد] (٧)؟
قلنا: الفرق بينهما: ورود النهي في الصوم في أيام الأعياد، ولم يرد النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة.
انظر الفرق الثالث والمائة من (٨) القواعد (٩).
стр. 1529
قوله: (ويقتضي (١) الأمر بضد من أضداد المنهي عنه (٢)).
ش: يعني أن المحرم لا يمكن تركه إلا بالتلبس بضد من أضداده.
قال المؤلف في الشرح: النهي عن الشيء أمر بأحد الأضداد، والأمر بالشيء نهي عن جميع الأضداد (٣)، فإذا قلت: اجلس في البيت فإنه نهي عن الجلوس (٤) في السوق، والحمام، وجميع (٥) البقاع المضادة للبيت، وإذا قلت: لا تجلس في البيت: فإنه أمر بالجلوس في أحد المواضع المضادة للبيت (٦).
[قوله: (ويقتضي الأمر بضد من أضداد (٧) المنهي عنه) ما الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: أولاً؟ ومتعلقه فعل ضد المنهي عنه (٨)؟
فالفرق بينهما: أن البحث في إحدى المسألتين (٩) في
стр. 1530
стр. 1531
الباب السادس
في العمومات
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: في أدوات العموم.
الفصل الثاني: في مدلوله.
الفصل الثالث: في مخصصاته.
الفصل الرابع: فيما ليس من مخصصاته.
الفصل الخامس: قيما يجوز التخصيص إليه.
الفصل السادس: في حكمه بعد التخصيص.
الفصل السابع: في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء.
стр. 1532
стр. 1533
وجمعه المؤلف أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع لصدقه على القليل، والكثير من جنسه، فاستغني (١) بذلك عن تثنيته وجمعه، وإنما (٢) جمعه اعتبارًا بأدواته ومدلوله وأحكامه.
واعلم (٣) أن العموم من عوارض الألفاظ باتفاق، حقيقة فيها، ومعنى ذلك: أن كل لفظ تصح شركة الكثيرين (٤) في معناه يسمى عامًا حقيقة، فعروض العموم للفظ إنما هو باعتبار معناه.
واختلفوا في عروض العموم للمعاني على ثلاثة أقوال:
قيل: ليس من عوارضها، وهو شاذ.
[وقيل: من عوارضها (٥) مجازًا] (٦).
وقيل: هو (٧) من عوارضها حقيقة، كالألفاظ، وهو الصحيح (٨)؛ لأنه
стр. 1534
شاع وفشا (١) عند أرباب اللغة.
دليله: قولهم: رحمة (٢) عامة، وعادة عامة، وقاعدة عامة.
وقولهم: عم الملك الناس بالعطاء، وعم المطر الناس، وعم الخصب البلاد، ونحو هذا (٣).
وهذه الأمور كلها في المعاني لا في الألفاظ، والأصل في الإطلاق الحقيقة دون المجاز، ولكن المشهور عندهم: أن العموم حقيقة في الألفاظ مجاز في المعاني.
قال بعضهم: عموم الألفاظ يقال فيه: عام وخاص، وأما عموم المعاني فلا يقال فيه إلا أعم وأخص، بصيغة أفعل التفضيل؛ لأن المعاني (٤) أفضل من الألفاظ؛ لأن المعاني هي (٥) المقصودة (٦).
...
стр. 1535
الفصل الأول في أدوات العموم (١)
ش: تعرض المؤلف ها هنا لبيان الصيغ التي تفيد العموم وفاقًا وخلافًا، مختارًا، أو مزيفًا (٢).
قوله: (أدوات العموم)، أدوات، جمع أداة، وهي: الآلة التي يتوصل بها إلى المطلوب.
قوله: (وأدوات العموم) أي: بالوضع (٣)، هذا قول الجمهور القائلين بأن العموم له صيغة موضوعة له تدل عليه.
خلافًا للقاضي أبي بكر، وغيره كما (٤) بينه المؤلف في قوله آخر هذا الفصل: خالف (٥) القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ، وقال بالوقف مع (٦) الواقفية (٧).
стр. 1536
قوله: (وهي: نحو من (١) عشرين صيغة).
ش: صرح المؤلف بثماني عشرة صيغة، وسنذكرها واحدة بعد واحدة.
قوله: (قال الإِمام: وهي: إِما أن تكون موضوعة للعموم بذاتها نحو: كل، أو بلفظ يضاف إِليها كالنفي، ولام التعريف، والإِضافة، وفيه نظر).
ش: يعني: أن الإمام فخر الدين نوع أدوات العموم نوعين:
أحد النوعين يفيد العموم بنفسه، أي: من غير إضافة شيء إليه، نحو: "كل"، و"جميع"، و"من"، و"ما".
والنوع الآخر: إنما يفيد العموم بإضافة شيء إليه (٢) أي يفيد العموم بضميمة شيء إليه كحرف النفي، وحرف التعريف، والإضافة.
فقولك في النفي: لا رجل في الدار يفيد العموم، فلولا حرف النفي لما أفاد العموم؛ لأنه لو سقط (٣) منه حرف النفي لم يفد العموم؛ لأنه لم يبق إلا مطلق النكرة، وهو لا يفيد العموم.
وقولك (٤) في حرف التعريف: اقتلوا المشركين، يفيد العموم، فلو سقط منه حرف التعريف لم يفد العموم؛ لأنه لم يبق حينئذ إلا الجمع المنكّر وهو لا يفيد العموم.
وقولك في الإضافة: عبيدي أحرار يفيد العموم بسبب الإضافة، فلو
стр. 1537
سقطت (١) منه الإضافة لم يفد العموم، ولم يعم العتق جميع عبيده؛ لأنه لا يلزمه حينئذ إلا عتق ثلاثة أعبد فقط.
قوله: (وفيه نظر).
هذا كلام المؤلف، يعني: أن كلام الإمام (٢) فخر الدين الذي نوع أدوات العموم إلى ما يفيد العموم بنفسه، وما لا يفيده إلا (٣) بضميمة إليه - فيه نظر وبحث؛ أي: في هذا التفصيل نظر وبحث؛ لوجود الإضافة والانضمام [في جميع صيغ العموم.
قال المؤلف في الشرح: معنى هذا (٤) النظر: أن "من" و"ما" أيضًا لا يفيدان العموم إلا بإضافة لفظ آخر يضاف] (٥) إليها، وهي: الصلة في الخبرية نحو: رأيت من في الدار.
أو لفظ هو (٦) شرط في الشرطية نحو: من دخل داري فله درهم.
أو لفظ مستفهم عنه (٧) نحو: من عندك؟
فلو نطقنا بمن وما وحدهما لم يحصل عموم، بل يكون (٨) كل واحد
стр. 1538
منهما نكرة موصوفة أو غير ذلك.
وكذلك "كل" و"جميع" لا بد من إضافة كل واحد منهما للفظ آخر؛ حتى يحصل العموم فيه نحو: كل رجل إنسان، أو جميع العالم ممكن.
فتخصيص الإمام المحتاج للفظ آخر بتلك الثلاثة لا يتجه. انتهى نصه (١).
قال بعضهم: قول (٢) المؤلف: تفصيل الإمام لا يتجه، بل هو متجه لاختلاف جهتي الاحتياج.
أما النكرة المجردة عن النفي، والجمع المنكر المجرد عن اللام (٣) والإضافة، كل واحد منها لا دلالة له على العموم ابتداءً، وإنما يفيد معناه الموضوع (٤) له خاصة دون العموم، فإذا اقترنت النكرة بالنفي، واقترن الجمع المنكّر باللام، أو الإضافة أفادت (٥) معنى آخر لم توضع له أولاً، وهو: العموم.
وأما "كل" و"جميع" و"من" و"ما" في الخبر والشرط والاستفهام فقد وضعت ابتداءً للعموم، وافتقارها إلى ما يضَم إليها لا يفيد فيها معنى آخر لم توضع له في الابتداء، فافترق (٦) النوعان كما قال الإمام (٧)، فالنظر إذًا في كلام المؤلف لا في كلام الإمام؛ لأن الإمام فرق بين ما يفيد العموم بالذات
стр. 1539
وبين ما يفيده بالقرينة (١).
قوله: (فمنها: كل، وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام مفردًا وجمعًا (٢)، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، قاله عبد الوهاب (٣)، واسم الجنس إِذا أضيف، والنكرة في سياق النفي، فهذه عندنا للعموم).
ش: قوله: كل، وجميع (٤) يعني: أن كل واحد منهما يعم فيما أضيف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ (٨) لأنه مضاف معنى.
стр. 1540
стр. 1541
стр. 1542
стр. 1543
стр. 1544
و (١) قوله: (ومن وما) (٢) يعني: إذا كانتا (٣) شرطًا أو استفهامًا أو خبرًا.
مثالهما (٤) في الشرط: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥).
وقوله تعالى (٦): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧).
وقوله تعالى (٨): ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ (٩).
وقوله تعالى (١٠): ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ (١١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (١٢).
стр. 1545
وقوله تعالى (١): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢).
وقوله تعالى (٣): ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).
ومثالها (٥) في الخبر (٦): قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ...﴾ (٧) إلى آخره.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (٨).
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٩).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١٠).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ...﴾ (١١) إلى آخره.