← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فى (١) الطاء والهاء مفتوحتين (٢)] (٣). و (٤) قال ابن العربي: و (٥) نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغوا النِّكَاحَ ...﴾ (٦) الآية. فعلق دفع المال على وجود شرطين، وهما: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد (٧). قوله: (فالغاية في الحقيقة الثانية (٨)) يريد: إذا كانتا (٩) على طريق الاجتماع، وأما إذا كانتا (١٠) على طريق البدل فالغاية هي إحداهما من غير تعيين. كقولك: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا المسجد، أو الدار (١١)، فإن مقتضى ذلك. أن الإكرام يستمر إلى حصول إحدى الغايتين، إما دخول المسجد،

стр. 1787

وإما دخول الدار (١) من (٢) غير تعيين أحد المدخولين (٣). وقد بين المؤلف هذا في الباب التاسع في قوله: (إِذا رتب مشروط على شرطين لا يحصل إِلا عند حصولهما إِن كانا (٤) على الجمع، وإِن كانا على البدل حصل عند أحدهما). انتهى نصه (٥). فحكم (٦) الغايتين يفهم من حكم الشرط مع جوابه (٧). وحاصل الغاية مع المغيا تسعة أوجه: وذلك أن الغاية: إما أن تكون متحدة، وإما أن تكون متعددة على الجمع، وإما أن تكون متعددة على البدل. فهذه ثلاثة أقسام في الغاية، وفي كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ثلاثة أوجه: فإذا كانت الغاية متحدة فإما أن يكون المُغَيَّا متحدًا، وإما أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل، فهذه ثلاثة أوجه في اتحاد الغاية.

стр. 1788

مثال (١) اتحاد الغاية مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار. ومثال اتحاد الغاية مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا إلى أن يدخلوا الدار. ومثال اتحاد الغاية مع تعدد المغيا على البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار. فهذه ثلاثة أوجه مع أمثلتها (٢) في اتحاد الغاية. وأما إذا كانت الغاية متعددة على الجمع: فإما أن يكون المغيا متحدًا، وإما أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل. مثال تعدد الغاية على الجمع مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا. ومثال تعدد الغاية على الجمع مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا (٣) إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا. ومثال تعدد الغاية على الجمع مع تعدد المغيا على البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا. فهذه ثلاثة أوجه في تعدد الغاية على الجمع. وأما إذا كانت الغاية متعددة على البدل: فإما أن يكون المغيا متحدًا، وإما

стр. 1789

أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل. مثال تعدد الغاية على البدل مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (١). ومثال تعدد الغاية على البدل مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (٢). ومثال تعدد (٣) الغاية على البدل مع تعدد المغيا على (٤) البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (٥). فهذه تسعة أوجه بحسب اتحاد الغاية والمغيا وتعددهما جمعًا وبدلًا، وأحكامها ظاهرة مما ذكر في باب الشرط (٦)؛ لأن ترتيب المغيا على الغاية بمنزلة ترتيب المشروط على الشرط (٧)، كما سيأتي في باب الشروط (٨)، إن شاء الله تعالى (٩).

стр. 1790

قوله: (ونص على الحِسِّ نحو قوله تعالى (١): ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢)). ش: هذا مخصص آخر، يعني: أن الإمام فخر الدين (٣) نص في المحصول على أن التخصيص يكون بالحس (٤)، أي: بحاسة البصر؛ وذلك أن البصر شاهد بقاء الجبال والسموات لم تدمرها الريح (٥). ويقرب من التخصيص بالحس التخصيص بالواقع، كقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) فإن الواقع أنها لم تؤت النبوة، ولا ملك سليمان، ومثله (٧) قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٨) فإنه لم يؤت أسباب السموات. ومثله (٩) أيضًا: قوله تعالى: ﴿يُجْبَى (١٠) إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١١)، فإن

стр. 1791

الحرم لم تُجْبَ إليه جميع ثمرات الدنيا. وكذلك أيضًا يقرب من التخصيص بالحس: التخصيص (١) بقرائن الأحوال، كقول السيد لعبده: ائتني بمن يحدثني، فإن ذلك يختص بمن يحدثه في مثل حاله (٢). قال المؤلف في الشرح: ومن التخصيص بالواقع: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٣)؛ لأنا نقطع أن (٤) بعض العصاة لا يعذب، إما بفضل الله، وإما بسبب توبته، وإما بسبب شفاعة شافع. ومنه أيضًا: قوله تعالى (٥): ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٦)؛ لأن بعض من عمل خيرًا لا يرى خيرًا؛ إما بسبب ارتداده، وإما بسبب ظلمه فيؤخذ (٧) ذلك الخير في ظلمه، وبعض من عمل شرًا أيضًا (٨) قد لا يرى شرًا؛ لما تقدم من التوبة، والشفاعة،

стр. 1792

وفضل (١) الله ، لقوله تعالى: ﴿وَيعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٢) (٣). قوله: (قال: وفي المفهوم نظر، وإِن قلنا: إِنه حجة؛ لكونه أضعف من المنطوق (٤)). ش: هذا [مخصص آخر وهو] (٥) آخر المخصصات، وهو التخصيص بالمفهوم (٦). معناه: قال الإمام فخر الدين (٧): في جواز تخصيص العموم بالمفهوم نظر، ولو قلنا بأنه حجة. وإنما قال: في المفهوم نظر، إشارة إلى ضعف التخصيص به؛ لأن دلالة المفهوم ضعيفة؛ لأنها معنوية، ودلالة العام قوية؛ لأنها لفظية، وتخصيص الأقوى بالأضعف ممنوع (٨).

стр. 1793

وقيل: لأنه يخصص؛ لأن في تخصيصه الجمع بين الدّليلين؛ إذ الجمع بين الدليلين، ولو (١) من وجه واحد، أولى من إعمال أحد الدليلين وإلغاء الآخر. قال سيف الدين الآمدي في المنتهى: لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم في تخصيص العموم بالمفهوم: كان من مفهوم الموافقة (٢)، أو من مفهوم المخالفة؛ لأن كل واحد منهما دليل شرعي، فأمكن أن يكون لخصوصه (٣) تخصيص للعام. انتهى نصه (٤). ونقل الشيرازي في اللمع القول الثالث: بالتفصيل بين مفهوم الموافقة فيخصص العموم، وبين مفهوم المخالفة فلا يخصص العموم، وهو قول العراقيين (٥)؛ لأنهم أنكروا مفهوم المخالفة جملة.

стр. 1794

مثال مفهوم المخالفة: قوله ﵇: "في كل أربعين شاةً شاةٌ (١) " (٢). فهو (٣) عام (٤) للسائمة (٥) والمعلوفة. ثم قال ﵇: "في الغنم السائمة الزكاة" مفهومه: عدم الزكاة في المعلوفة. فمن العلماء من قدم العموم على المفهوم فقال بوجوب الزكاة في المعلوفة؛ لأن دلالة المنطوق أولى (٦) من دلالة المفهوم. ومنهم من قدم المفهوم على العموم؛ لأن المفهوم أخص من العموم؛ لأنه لم يتناول (٧) إلا (٨) المعلوفة، والعموم أعم (٩)، والأخص يقدم على العموم،

стр. 1795

وهو قول الشافعي في خصوص مسألة الزكاة هذه (١). و (٢) مثال مفهوم الموافقة: قول السيد لعبده: كل من دخل داري فاضربه، ثم قال له (٣): إن دخلها زيد فلا تقل له: أف، فإنه يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم نظرًا إلى مفهوم الموافقة. قوله: (لنا في سائر صور (٤) النزاع أن ما يدعى أنه مخصص لا بد (٥) أن يكون منافيًا وأخص من المخصص). ش: ذكر المؤلف ها هنا: أن المخصص للعموم يشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يكون منافيًا للعموم، أي: مناقضًا له. والثاني: أن يكون المخصِّص - وهو: الخاص - أخص من المخصَّص، الذي هو العام. فلا بد في كل دليل يدعى أنه مخصص للعموم من هذين الشرطين: كونه مناقضًا للعموم بحيث يمتنع اجتماعهما وارتفاعهما، وكونه أيضًا أخص من العموم، وأما إن كان مساويًا للعموم مع مناقضته إياه فهو نسخ لا تخصيص. قوله: (فإِن أعملا أو ألغيا اجتمع النقيضان). ش: أي: فإن أعمل العام والخاص معًا في الصورة المخصوصة اجتمع

стр. 1796

النقيضان في الصورة المخصصة (١). قوله: (وإِن أعمل العام مطلقًا: بطلت جملة الخاص بخلاف العكس). ش: معناه: وإن أعمل العام في صورة التخصيص، وغيرها: بطلت جملة الخاص، بخلاف العكس؛ وهو: إعمال الخاص في صورة التخصيص فلا تبطل جملة العام؛ لأنه يعمل بالعام في الصورة الباقية بعد صورة التخصيص. قوله: (فيتعين وهو المطلوب). ش: أي: فيتعين العكس، وهو: إعمال الخاص، وإعمال الخاص هو: المطلوب من الدليل؛ إذ يلزم من إعماله الجمع بين الدليلين، ولا يلزم من إعماله خاصة الجمع بين النقيضين، كما في الوجهين الأولين؛ إذ الجمع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر. قوله: (لنا في سائر صور النزاع). استعمل المؤلف ها هنا سائر في الجميع، وهو خلاف المشهور، كما تقدم في أدوات العموم في قوله: قال القاضي عبد الوهاب: إن سائر ليست للعموم، فإن معناها: باقي الشيء لا جملته (٢).

стр. 1797

قوله: (و (١) لا بد أن يكون منافيًا): معناه: مناقضًا للعام، كما إذا قال الشارع مثلًا: اقتلوا المشركين، ثم قال: لا تقتلوا أهل الذمة، فإن النفي والإثبات متناقضان، فإن العام يقتضي ثبوت القتل في أهل الذمة، والخاص يقتضي نفي القتل في أهل الذمة، والخاص أيضًا أخص من العام وليس بمساوٍ له، فقد وجد الشرطان. قوله: (و (٢) لا بد أن يكون منافيًا)؛ احترازًا مما إذا كان مؤكدًا. ولأجل هذا قال المؤلف في الشرح (٣)، وكذلك في القواعد السنية، في الفرق التاسع (٤) والعشرين, في الفرق بين النية المخصصة والنية المؤكدة: أكثر أرباب الفتاوى لا يفرقون بين النية المخصصة والنية (٥) المؤكدة، فإذا قال لهم الحالف: حلفت (٦): لا لبست ثوبًا، ونويت ثوب الكتان، قالوا له: لا تحنث بغير الكتان. وليس الأمر كما قالوا، بل لا بد في ذلك من التفصيل، وهو: أن (٧) ها هنا أربعة أوجه: أحدها (٨): أن ينوي جميع الثياب.

стр. 1798

والثاني: ألا ينوي (١) واحدًا منها. والثالث: أن ينوي بعض الثياب، ولم ينوِ إخراج غيره. والرابع: أن ينوي بعض الثياب، وينوي أيضًا إخراج غيره. فهذه أربعة أوجه. فإذا نوى جميع الثياب: فإنه يحنث بجميع الثياب باللفظ والنية (٢)، إلا أن النية ها هنا مؤكدة، فإن اللفظ يستقل بالحنث في جميع الثياب. وأما إذا لم ينو أصلًا: فإنه يحنث أيضًا بجميع الثياب للفظ (٣)؛ لأن اللفظ العام إذا أطلق من غير نية، ولا بساط (٤)، ولا عادة تصرفه إلى الخصوص، فإن الحنث يلزم فيه جميع (٥) أفراد ذلك العام. وأما إذا نوى بعض الثياب، ولم ينو إخراج غيره: فإنه يحنث بجميع الثياب، إلا أنه يحنث في البعض المنوي باللفظ والنية، فالنية ها هنا أيضًا مؤكدة لا مخصصة، ويحنث في غير المنوي بمجرد اللفظ؛ لأن اللفظ كافٍ في ثبوت حكمه من (٦) غير احتياج إلى نية، كما إذا لم تكن له نية أصلًا لا في البعض ولا في الكل. وأما إذا نوى بعض الثياب، ونوى إخراج غيره: فلا يحنث إلا بالمحلوف

стр. 1799

عليه خاصة (١). فالواجب (٢) على المفتي: ألا (٣) يكتفي بمجرد قول المستفتي: نويت ثوب الكتان (٤)، حتى يقول له: هل نويت إخراج غير الكتان، أو (٥) لا؟ فإن قال له: نويت إخراج غيره: حنثه (٦) بالكتان دون غيره، وإن قال له: لم أتعرض لإخراج غيره: حنث (٧) بالجميع، أي: بالكتان وبغيره؛ لأنه إذا نوى الكتان مع إخراج غيره من يمينه فالنية (٨) ها هنا مناقضة للعموم؛ لأن العموم يقتضي إدخال غير الكتان، والنية تقتضي إخراج غير الكتان، فالإدخال والإخراج متناقضان (٩)، فالنية ها هنا مناقضة (١٠) للعموم. وإذا قال له المستفتي: لم أنوِ إلا الكتان، ولم أتعرض لإخراج غيره (١١) من اليمين: فالنية ها هنا مؤكدة لحكم العموم في البعض المنوي، وأما غير المنوي: فإنه (١٢) باقٍ على حكم العموم فيحنث بالجميع،

стр. 1800

بالكتان، وبغيره (١)، إلا أن حنثه في الكتان (٢) بشيئين: باللفظ، وبالنية المؤكدة، وحنثه (٣) في غير الكتان هو: باللفظ دون النية. قال: فإن قيل: ما الفرق بين تقييد هذا الكلام بالنية وبين تقييده باللفظ، فإنه إذا قال: لا ألبس ثوبًا ونوى ثوب الكتان، هو بمنزلة ما إذا قال: لا ألبس ثوب الكتان، فإنهم اتفقوا على أنه: لا يحنث بغير الكتان في التقييد باللفظ بخلاف التقييد بالنية، ما الفرق بين التقيدين؟ فالفرق بينهما (٤) من وجهين: أحدهما: أن المخصصات اللفظية المتصلة، كالشرط والصفة والغاية (٥)، لا تستقل بنفسها، فجعلتها العرب مع ما قبلها كالكلمة الواحدة في مدلولها، حتى في الإقرار الذي هو أشد الأشياء، فإذا قال له: عندي الدراهم الزيوف، أو الدراهم الخفيفة (٦) مثلًا فلا يلزم إلا بالموصوف بتلك الصفة، فإذا لم يلزمه غير ما قيد به في الإقرار فأولى وأحرى (٧) في غير الإقرار، وأما النية فليس للعرب فيها هذا الموضوع. الجواب (٨) الثاني: أن القيد "اللفظ": يدل بمفهومه على عدم دخول غير

стр. 1801

الكتان، فتكون هذه الدلالة معارضة لظاهر العموم فيخصص بها العموم بخلاف النية؛ إذ لا دلالة لها، فليس هنالك ما يعارض العموم (١) إذا نوى الكتان وذهل عن غيره، وإنما قلنا: لا دلالة للنية؛ لأنها من المعاني، والمعاني مدلولات (٢) لا دالات، بخلاف اللفظ، فإنه يدل: إما بمطابقة، وإما بتضمن، وإما بالتزام، والفرق بين النية المخصصة، والنية المؤكدة من المباحث (٣) العظيمة، فيجب على أرباب الفتاوى (٤) التفطن إليه (٥)، وبالله التوفيق بمنّه. ...

стр. 1802

الفصل الرابع فيما ليس من المخصصات للعموم (١) ش: شرع المؤلف ﵀ في هذا الفصل (٢) في بيان ما يتوهم فيه أنه (٣) مخصص للعموم، وليس بمخصص له عند الجمهور، ذكر المؤلف في هذا الفصل عشر مسائل. قوله: (وليس من المخصصات للعموم (٤) سببه، بل يحمل عندنا على عمومه إِذا كان مستقلًا لعدم المنافاة خلافًا للشافعي (٥)، والمزني - رضي الله

стр. 1803

عنهما - وإِن كان السبب يندرج (١) في العموم أولى من غيره، وعلى ذلك (٢) أكثر أصحابنا، وعن مالك فيه روايتان). ش: هذه (٣) أول المسائل العشر (٤)، يعني: أن الخطاب العام إذا ورد على سببه (٥)، هل يقتصر (٦) به على ذلك السبب فلا يعم غيره، أو يعم ذلك السبب وغيره؟ قال المؤلف في الشرح: رأيت فيه ثلاثة مذاهب:

стр. 1804

يخص (١). ولا يخص (٢). الفرق بين المستقل فيخص (٣)، وبين غير المستقل فلا يخص (٤). هذه (٥) ثلاثة أقوال ذكرها في الشرح (٦). واختلف الشراح فيما ذكره ها هنا في الأصل: هل هو وفاق (٧) لما ذكره في

стр. 1805

الشرح أو هو خلافه (١)؟ قال (٢) بعضهم: كلامه موافق (٣)؛ وذلك أنه ذكر أول الكلام القول بالتفصيل بين المستقل، وغير المستقل، وذكر القولين آخر الكلام في قوله: وعن مالك فيه روايتان، فيعود (٤) الضمير في قوله: فيه، على الخطاب العام، كان مستقلًا أو غير مستقل. ومنهم من قال: كلامه في الأصل خلاف (٥) لكلامه في الشرح؛ وذلك أنه لم يذكر في الأصل إلا الخطاب المستقل دون غيره، وذكر فيه قولين، فيعود الضمير في قوله: (وعن مالك فيه) على الخطاب المستقل الذي قيد به الكلام، ولم يتكلم على غير المستقل. مثال المستقل: قوله في قضية عويمر العجلاني (٦) في اللعان:

стр. 1806

﴿وَالَذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنفُسُهُمْ﴾ (١) الآية. [وكذلك] (٢) قوله ﵇ لما سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر بالمدينة تلقى فيها القاذورات، فقال ﷺ : "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غيّر لونه أو طعمه، أو ريحه" (٣).

стр. 1807

ومثاله أيضًا: قوله ﵇، وقد مر بشاة ميمونة (١) وقد ماتت، فقال ﷺ : "أيّما إهاب دبغ فقد طهر" (٢).

стр. 1808

ومثاله أيضًا: قوله ﵇ لما سئل عن (١) ماء البحر، فقال: "الطهور ماؤه، الحل (٢) ميتته". فهذا كله خطاب مستقل بنفسه عن سببه؛ لأنه إذا أفرد عن سببه يكون مفيدًا (٣) لحكمه، ولا يحتاج أن يضم إلى سببه. ومثال غير المستقل: قوله ﵇ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم فقال: "فلا إِذًا" (٤).

стр. 1809

[فقوله: فلا إِذًا هو خطاب غير مستقل بنفسه؛ لأنه يحتاج أن (١) يضم إلى الكلام الذي قبله فيكون تقدير الكلام] (٢): لا يباع الرطب بالتمر؛ إذ ينقص إذا جف (٣)؛ لأن (٤) التنوين في إِذًا تنوين العوض من الجملة المحذوفة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ﴾ (٥) أي: يوم إذ زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها. ومثال غير المستقل أيضًا (٦) كما لو سأله سائل فقال له (٧): توضأت بماء البحر فقال له: يجزئك. واعلم أن غير المستقل على قسمين: أحدهما: أن يكون سببه عامًا. والآخر: أن يكون سببه خاصًا.

стр. 1810

فالذي يكون سببه عامًا كقضية بيع الرطب بالتمر المذكورة، فالخطاب فيه عام من غير خلاف لعموم سببه؛ إذ لا يختص السؤال بأحد، فكذلك جوابه يكون عامًا، وهو عدم جواز بيع الرطب بالتمر. والخطاب الذي يكون سببه خاصًا كما لو سأله سائل فقال له: توضأت بماء البحر فقال له: يجزئك فهذا موضع الخلاف هل يختص بسببه أو يعم الجميع؟ قوله: (لعدم (١) المنافاة). هذا حجة القول بالتعميم، ومعناه: إنما قلنا: يحمل على العموم؛ لعدم التناقض الذي هو شرط المخصص بين العموم والسبب؛ لأن الجمع بين حكم السبب، وحكم ما زاد عليه ممكن لا منافاة بينهما؛ و (٢) لأن الحجة في كلام صاحب الشرع لا في السبب؛ لأن السبب (٣) لو انفرد لم يوجب حكمًا. وأيضًا لو كان العام الوارد على سبب مخصوصًا بسببه لكان أكثر عمومات الشريعة مخصوصة بأسبابها؛ لأن كثيرًا من العمومات وردت على إلأسباب، فيلزم أن تكون آية اللعان مخصوصة بعويمر العجلاني، وتكون آية الظهار (٤) مخصوصة بسلمة بن صخر (٥)،

стр. 1811

وتكون آية السرقة مخصوصة بالرجل الذي سرق رداء صفوان (١) مثلًا، وذلك

стр. 1812

خلاف الإجماع. وحجة القول بالتخصيص: أن الكلام إنما سيق لأجل السبب فهو كالجواب لسببه، ومن شرط الجواب: أن يكون مطابقًا للسؤال فلا يزيد عليه فيخصص (١) العموم به (٢).

стр. 1813

أجيب عن هذا: بأن الجواب إذا حصلت فيه زيادة، فإنها تعتبر ولا تقدح في الجواب كما سئل ﵇ عن الوضوء بماء البحر فقال: "الطهور ماؤه الحل (١) ميتته". فزاد ﵇ الميتة فحكمها ثابت مع (٢) طهورية الماء، ولا تنافي في ذلك. قوله: (وإِن كان السبب [يندرج في العموم أولى من غيره). تقديره: بل يحمل عندنا على عمومه لعدم المنافاة، وإن كان السبب يندرج في العموم اندراجًا أولى من اندراج غيره في العموم] (٣)؛ وذلك أن دلالة العام على موضع السؤال أقوى من دلالته على غير موضع السؤال. قوله: (على ذلك أكثر أصحابنا) الإشارة عائدة على العموم. قوله: (والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) هذا (٥) عام، ثم قال:

стр. 1814

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١) وهذا خاص بالرجعيات، نقله الباجي منا (٢) خلافًا للشافعي والمزني). ش: هذه (٣) مسألة ثانية، يعني: أن الضمير الخاص ببعض أفراد العام الذي قبله، هل يحكم به على تخصيص ذلك العام، أو يبقى العموم على عمومه ويرجع الضمير إلى من يصلح له؟ وفي ذلك ثلاثة أقوال: قيل: يخصصه (٤). وقيل: لا يخصصه (٥).

стр. 1815

وقيل: بالوقف (١). قوله: (نقله الباجي منا) أي: نقل الباجي منا (٢) عدم تخصيصه (٣). حجة القول بعدم تخصيصه: أن الأصل العموم، فلفظ المطلقات عام (٤) للحرائر البائنات، والرجعيات. حجة القول بالتخصيص: أن الأصل مساواة الضمير للظاهر الذي يعود عليه، فلو أجري الظاهر على عمومه لزم مخالفة الضمير للظاهر الذي يعود عليه؛ لأن الضمير عائد على بعض ذلك الظاهر، وهو الرجعيات باتفاق، فإذا خصصنا الظاهر بالبعض الذي يعود عليه الضمير لم تقع المخالفة بين الضمير والظاهر. حجة القول بالوقف: تعارض المدارك؛ لأنه لو أجرينا المطلقات على عمومها لزم مخالفة ظاهر الضمير؛ إذ الظاهر في الضمير (٥) إعادته على مجموع ما تقدم، ولو خصصنا المطلقات لزم أيضًا مخالفة ظاهرها؛ لأن ظاهر

стр. 1816

لفظ المطلقات: تعميمه للبائنات والرجعيات، فلا بد إِذًا من إحدى المخالفتين فوجب التوقف لذلك حتى يدل الدليل. قال بعضهم: ترجم المؤلف ها هنا هذه المسألة: بالضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره، وترجمها أولًا: بالعطف (١) على العام لا يقتضي العموم، وهما مسألة واحدة قال: عبارته ها هنا أولى من عبارته الأولى؛ لأن العطف لا تأثير له في العموم، ولا في الخصوص. وقال بعضهم: هما (٢) مسألتان: إحداهما: أنه لا يحكم بعموم الأول على عموم الثاني، وإليه أشار أولًا بقوله: (والعطف على العام لا يقتضي العموم) أي: لا يقتضي العموم في الثاني. المسألة (٣) الثانية: أنه (٤) لا يحكم بخصوص الثاني على خصوص الأول، وإليه أشار بقوله ها هنا: (والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره). قال الباجي في الفصول: قد يرد أول اللفظ عامًا، وآخره خاصًا، وقد يرد أوله خاصًا، وآخره عامًا، ويحمل كل واحد منهما على ما يقتضيه لفظه من خصوص أو عموم (٥).

стр. 1817

قوله: (ومذهب الراوي لا (١) يخصص عند مالك والشافعي (٢)، خلافًا لبعض أصحابنا، وبعض أصحاب (٣) الشافعي (٤)). ش: هذه مسألة ثالثة، يعني: أن الصحابي (٥) إذا روى خبرًا عامًا عن رسول الله ﷺ ، ثم رئي ذلك الصحابي خالف ما رواه، هل يكون مذهبه مخصصًا للعام الذي رواه أو لا؟ مذهب الجمهور: أنه لا يخصصه (٦). وقيل: يخصصه (٧).

стр. 1818

مثاله: ما رواه ابن عباس ﵁ (١) عن النبي ﵇ قال: "من بدّل دينه فاقتلوه" (٢). ومذهب ابن عباس: تخصيصه بالرجال (٣). ومثاله أيضًا (٤): ما رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﵇ (٥) أنه (٦) قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٧).

стр. 1819

ومذهب ابن عمر: تخصيص التفرق بالتفرق (١) بالأبدان دون التفرق بالأقوال. حجة القول بعدم التخصيص: أن عموم الخبر حجة؛ إذ الحجة في كلام صاحب الشرع، والراوي يحتمل أنه تركه لاجتهاد منه، واجتهاده ليس بحجة على غيره؛ لاحتمال الخطأ؛ إذ الاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، والأصل بقاء العموم على عمومه. وحجة القول بالتخصيص: أن عدالة الصحابي تمنعه من ترك العموم إلا لمستند (٢) من قرائن حالية اطلع عليها من رسول الله ﷺ ، تدل على أنه ﵇ أطلق العام لإرادة الخاص. قال المؤلف في الشرح: هذا الراوي المراد به (٣) الصحابي؛ لأنه هو الذي يمكن فيه أنه شاهد من رسول الله ﷺ ما يدل على صرف العموم إلى

стр. 1820

الخصوص، لمشاهدته لصاحب الشرع، وأما غير الصحابي كمالك، وغيره ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ فلا يتأتى (١) ذلك منه، فإن اجتهاده لا يكون حجة على غيره بإجماع (٢). قوله: [(ومذهب الراوي لا يخصص ...) إلى آخره] (٣). وذكر المؤلف في هذه المسألة في باب الخبر، في (٤) الفصل الثامن منه أربعة أقوال [وذلك قوله هنالك: ولا يكون (٥) مذهبه على خلاف روايته، وهو مذهب أكثر أصحابنا، وفيه أربعة مذاهب: قال الحنفي: إن خصصه رجع إلى مذهب الراوي؛ لأنه أعلم. وقال الكرخي: ظاهر الخبر أولى. وقال الشافعي: إن خالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان أحد الاحتمالين رجع إليه. وقال القاضي عبد الجبار: إن كان تأويله على خلاف الضرورة ترك، وإلا وجب النظر في ذلك (٦)، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله: (خلافًا لبعض أصحابنا ...) إلى آخره، يحتمل أن يكون معناه:

стр. 1821

خلافًا لبعض أصحابنا القائلين بالتخصيص مطلقًا، والقائلين (١) بالتفصيل] (٢). قوله: (وذكر بعض العموم لا يخصصه (٣) خلافًا لأبي ثور). ش: هذه (٤) مسألة رابعة (٥)، يعني: أن الخاص إذا وافق (٦) حكمه (٧) حكم العام فلا يخصصه عند الجمهور. خلافًا لأبي ثور (٨) من أصحاب الشافعي القائل: بالتخصيص (٩).

стр. 1822

حجة الجمهور القائلين بعدم التخصيص (١): أن الأصل في الدليل الإعمال لا الإبطال؛ إذ لا تعارض بين الدليلين لإمكان تنزيل كل واحد منهما على مدلوله (٢) لغة، فيجب العمل بهما معًا. حجة أبي ثور: أن تخصيص بعض العام بالذكر يدل على (٣) نفي ذلك الحكم عن (٤) غير ذلك الفرد (٥)، وإلا (٦) فما فائدة تخصيصه بذكره دون غيره؟ أجيب عنه: بأن فائدة تخصيصه بذكره (٧) دون غيره: إبعاد له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع. قال المؤلف في الشرح: وعادة العرب أنها إذا اهتمت (٨) ببعض أنواع العام خصصته بالذكر؛ إبعادًا له عن المجاز, والتخصيص بذلك النوع. ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٩) فإن الصلاة الوسطى بعض أفراد الصلوات (١٠). ومثله (١١) أيضًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي

стр. 1823

الْقُرْبَى﴾ (١)، فإن إيتاء ذي القربى بعض أنواع الإحسان. وكذلك (٢) قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٣) كان البغي (٤) بعض أنواع المنكر، فإنما ذكر (٥) مع اندراجه في المنكر؛ لأنه أقبح المنكر، وأهم أنواعه. ومثاله (٦) أيضًا: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٧) فجبريل وميكائيل بعض أنواع الملائكة. قال المؤلف في الشرح: وكثير من العلماء يمثلون هذا الباب بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٨). وليس منه؛ لأن لفظ فاكهة مطلق لا عموم فيه، فلا يتناول النخل، والرمان بخلاف المثل السابقة فإنها تعم ما ذكر بعدها (٩).

стр. 1824

[ومثاله أيضًا (١): قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة وَالدَّمُ﴾ (٢) ثم قال (٣): ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٤)] (٥). ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ثم ورد: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وتربتها (٦) طهورًا". قال أبو ثور: لا يتيمم إلا بالتراب فهو مخصوص. وقال مالك: بل يتيمم بالتراب وغيره من أنواع الأرض، فلا يخصص. ومثاله أيضًا: قوله ﵇: "نهيت عن بيع ما لم يضمن" (٧)، ثم قال ﵇: "نهيت عن بيع الطعام قبل قبضه". فإن بيع الطعام قبل قبضه بعض أنواع ما لم يضمن؛ لأن ما لم يضمن أعم

стр. 1825

من الطعام وغيره من سائر السلع، فالجاري على القاعدة المذكورة: منع بيع الطعام وغيره من السلع قبل القبض، وهو مذهب الشافعي. ولكن خصص مالك ﵁ (١) هذا العموم بالطعام (٢)، وإنما خصصه بذلك؛ لأجل عمل أهل المدينة، فلا يحرم عند مالك إلا الطعام. قال المؤلف في الشرح: "قال جماعة من المالكية: هذا من باب حمل المطلق على المقيد، قال المؤلف: وهذا غلط، بل هذا تخصيص العام بذكر بعض أنواعه (٣)، ولكن الصحيح: أن ذكر بعض أفراد العموم لا يخصصه، فهذا المثال من باب العموم والخصوص، وليس من باب المطلق والمقيد، فإن معنى المطلق والمقيد: أن يكون (٤) المطلق (٥) ماهية كلية فيذكر معها، أو بعدها قيد، نحو: رقبة في آية (٦)، وفي آية أخرى رقبة مؤمنة (٧)، فهذا هو المطلق
следующие страницы →