стр. 211
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 14313
رفع النقاب عن تنقيح الشهاب
الحسين الشوشاوي
Полный текст (3 461 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى بـ "عيون المسائل" (١).
قوله: (وبينت مذهب مالك ﵀ في الأصول لينتفع بذلك (٢) المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا (٣)):
أي: بيّنت وشرحت، وأوضحت مذهب مالك في الأصول؛ لينتفع بذلك [المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا، أي: بيّنت وأوضحت مذهب مالك في الأصول.
لينتفع بذلك] (٤) الإشارة تعود على كتاب "التنقيح"؛ أي: لينتفع بهذا الكتاب المالكية خصوصًا، ووجه انتفاعهم به واختصاصهم به: أنه (٥) عيَّن فيه مذهب إمامهم، وعين فيه دليله، ووجه انتفاع غيرهم بهذا الكتاب على العموم: أن (٦) المؤلف قرر فيه (٧) الأدلة وأوضحها فيه، والدليل إذا قرر (٨) لا يختص به أحد عن أحد.
قوله: (ولم أترك من هذه الكتب الأربعة إِلا التقاسيم، ويسيرًا من المسائل والمباحث التي لا يحتاج إِليها الفقيه).
стр. 213
نبه في هذا الكلام (١) على أنه لم يتعرض لجميع ما ذكر في الكتب المذكورة المصنف منها هذا التأليف (٢)، وأنه (٣) إنما ساق منها المسائل المهمات، والأمور المعتمدات التي لا بد منها، دون التقاسيم والمباحث (٤) التي لا يحتاج إليها الفقيه في تنزيل الفروع عليها.
قوله (٥): (الكتب (٦) الأربعة) جعلها ها هنا أربعة وهي في التحقيق ثلاثة كتب وهي: "المحصول"، و"الإشارة"، و"الإفادة"، وأما كلام ابن القصار فليس بكتاب، وإنما جعلها أربعة تغليبًا للأكثر.
قوله (٧): (إِلا التقاسيم) أي: إلا التفاصيل، وهي الوسائل (٨) التي يعلم منها الشيء المقسّم [المقصود بالتقسيم، فالمقصد إذًا هو: المقسم] (٩) وأما التقسيم فهو (١٠): وسيلة، فإذا حصل المقصد فلا عبرة بالوسيلة.
قوله (١١): (ويسيرًا (١٢) من المسائل) أي. قليلًا من المسائل (١٣) المخصوصة بعلم الأصول دون علم الفروع.
стр. 214
قوله: (و (١) المباحث) البحث لغة معناه: الطلب المتأكد (٢).
وهي: المدارك التي تبنى عليها (٣) الأصول، فإن المؤلف إنما تعرض في هذا الكتاب للمدارك التي تبنى عليها (٤) الفروع، ولم يتعرض للمدارك التي تبنى عليها (٥) الأصول.
لأن المؤلف قال في مقدمة الذخيرة: ولم أتعرض فيها لمدارك الأصول، فإن ذلك من وظائف الأصولي لا من وظائف الفقيه، فإن مقدمات كل علم تؤخذ (٦) فيه مسلمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه (٧).
قوله (٨): (التي (٩) لا يحتاج إِليها الفقيه).
هذه (١٠) الجملة راجعة إلى الثلاثة الأشياء المذكورة (١١) وهي: التقاسيم، والمسائل، والمباحث، تقديره: إلا التقاسيم التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمسائل التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمباحث التي لا يحتاج إليها الفقيه.
стр. 215
قوله: (مع أني زدت كثيرًا من القواعد والتلخيصات، والتحرير, والتنبيه، والقيود في الحدود).
العامل في الظرف الذي هو: "مع" فعل محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: فعلت ذلك مع أني زدت كثيرًا، أي: تركت ما لا يحتاج إليه من الكتب (١) المذكورة (٢) مع زيادتي عليها ما يحتاج إليه.
وذكر ها هنا أنه زاد على ما جمع من تلك الكتب الأربعة خمسة أصناف:
أحدها: القواعد، وهي: القوانين والضوابط، مفرد القواعد: قاعدة.
وهي: صورة كلية (٣) تتبين بها جميع جزئياتها.
وهي ست قواعد:
واحدة في باب الأوامر (٤)، وثانية في باب الاجتهاد، وأربع في باب جميع (٥) أدلة المجتهدين وتصرفات المتكلفين (٦) في الأعيان.
стр. 216
الصنف الثاني: التلخيصات، التلخيص (١) في اللغة معناه (٢): التبيين. قال صاحب العين: "لخصت الشيء: بيّنته (٣) " (٤).
ومعناه (٥) ها هنا: جمع ما افترق وضم ما انتشر، ولكن إن تأملت هذا الصنف فليس بزيادة في المعنى.
قوله (٦): (والتحرير) هو: الصنف الثالث، والمراد به: تقرير الأدلة وبسطها.
قوله (٧): (والتنبيه) هو: الصنف الرابع، ومعناه: إيقاظ من غفلة، وهو: ذكر ما سكت عنه القدماء.
وهو خمسة تنبيهات:
واحدة في الفصل الثالث عشر في: الحكم وأقسامه (٨)، وثانية في الفصل الرابع عشر: في أوصاف العبادات (٩)، وثالثة (١٠) في باب الاجتهاد،
стр. 217
ورابعة، وخامسة (١) في: باب جميع (٢) أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين (٣) في الأعيان.
قوله (٤): (والقيود في الحدود) وهو الصنف الخامس والمراد بها التحرزات (٥) المذكورة في بعض الحدود.
مثاله: زيادة القديم في حد الحكم الشرعي؛ لأن المؤلف زاده هنالك (٦) في الفصل الثالث عشر من الباب الأول؛ لأنه قال فيه: الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى القديم (٧).
قوله (٨): (وبحيث (٩) يستعان بهذا الكتاب على شرح تلك الكتب) (١٠).
الباء في قوله: (بحيث) متعلق بقوله: (زدت)؛ أي: زدت (١١) هذه الأشياء على ما جمعت من تلك الكتب، كي يستعان بهذا الكتاب على شرح
стр. 218
وبيان ما أشكل من تلك الكتب (١).
قوله: (ولخصت جميع ذلك [في مائة فصل وفصلين في عشرين بابًا):
قوله: (ولخصت) (٢) أي: وبيّنت وجمعت ورتبت جميع ذلك] (٣)، أي: جميع ما جمعت من الكتب وما زدت عليها في مائة فصل وفصلين.
[قوله: (وفصلين)] (٤) فإذا عددت فصول الكتاب فلا تجد فيها زيادة على المائة إلا فصلًا واحدًا مع أن المؤلف قال هنا: فصلين (٥)؟
أجيب عنه بأن قيل: الفصل المتمم لهذا العدد المراد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (٦)؛ لأن المؤلف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مراد في المعنى, لأنه عادته في سائر (٧) الأبواب أنه (٨) يقدم فصل الحقيقة.
قوله (٩): (وفصلين) يريد باعتبار الفصل المتروك لفظه في أول باب (١٠) الاجتهاد؛ لأنه قال هنالك (١١): الباب التاسع عشر في الاجتهاد وهو استفراغ
стр. 219
الوِسع [في المطلوب لغة (١)، واستفراغ الوسع] (٢) في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحًا (٣). ثم قال: وفيه تسعة فصول:
كان (٤) حقه أن يقول: فيه (٥) عشرة فصول؛ لأن الذي (٦) قدمه في حقيقته هذا (٧) هو فصل مستقل بنفسه.
قوله (٨): (في عشرين (٩) بابًا) هذا الكلام يوهم (١٠): أن كل باب فيه: فصول، وليس الأمر كذلك؛ لأن هنالك خمسة أبواب ليس فيها فصل أصلًا، وهي (١١): الباب الثاني في معاني حروف (١٢)، والباب الثالث في
стр. 220
تعارض مقتضيات الألفاظ (١)، والباب السابع في أقل الجمع، والباب العاشر في المطلق والمقيد، والباب الحادي عشر في دليل الخطاب، فهذه الأبواب الخمسة: لا فصل فيها أصلًا.
قوله (٢): (في مائة فصل وفصلين في عشرين (٣) بابًا).
فإن قيل: لم قدم الفصول على الأبواب، مع أن الباب أعم من الفصل لاشتمال الباب على الفصل، وكان (٤) حقه أن يقول: و (٥) لخصت جميع ذلك في عشرين بابًا مشتملة على مائة فصل وفصلين؟
(قلنا) (٦): إنما قدم المؤلف (٧) الفصول في الذكر على الأبواب؛ لأنه (٨) من باب تقديم الوسيلة على المقصد؛ إذ الفصول (٩) وسيلة (١٠) إلى ما
стр. 221
تضمنه (١) من (٢) المقاصد، وأخر الأبواب؛ لأنها وسيلة إلى الفصول، فالأبواب إذًا وسيلة الوسيلة [فهي أضعف من الفصول؛ إذ الفصول وسيلة إلى المقصد (٣)، فهي أقوى من الأبواب التي هي: وسيلة الوسيلة] (٤) وللأقوى مزية على الأضعف، فالباب وسيلة إلى الفصل، والفصل وسيلة إلى المعنى المقصود، فالوسيلة بالمباشرة (٥) أقوى من الوسيلة بالوسيلة (٦)، ولهذا قدم الفصول على الأبواب، والله أعلم (٧).
قوله (٨): (وسميته بتنقيح (٩) الفصول في علم الأصول).
نبه المؤلف ها هنا على اسم كتابه هذا، وسماه في الشرح: تنقيح الأصول في اختصار المحصول، فله إذًا اسمان (١٠).
قوله (١١): (تنقيح (١٢) الفصول) تنقيح الشيء: إصلاحه وتصفيته وإزالة
стр. 222
ما لا يصلح عما يصلح (١) (٢) فالاسم مطابق للمسمى.
ولقد أحسن من قال: علم أصول (٣) الفقه من أجلّ العلوم وأفضلها، وأشرفها منفعة، وأكملها، لاشتماله على المعقول والمنقول، وجمعه بين الرواية والدراية (٤)، فهو قد جمع بين (٥) الشيئين، واستوى على الطرفين، من جهله من الفقهاء: فتحصيله أجَاج، ومن سلب ضوابطه: عدم عند دعاويه الحجاج، فهو (٦) جدير بأن يتنافس فيه، ويشتغل بأفضل الكتب المؤلفة فيه.
وهذا التأليف من أجلّ التأليفات وأفضل المختصرات، لاشتماله على قواعد الأصول ومبانيها، واحتوائه على ما لا بد للفقيه منه.
وقد طعن قوم من الفقهاء في علم الأصول فقالوا: إنما يتعلم للجدال والرياء، وذلك باطل حقًا حقًا (٧)؛ لأنه لولا علم الأصول لما علم حكم من الأحكام الشرعية، فإن كل حكم شرعي لا بد له من دليله، وذلك الدليل إنما
стр. 223
يعلم من علم الأصول، فلو جهل ذلك الدليل: لكان ذلك إثبات الحكم (١) بغير دليل، وهو: اتباع الهوى وذلك: حرام بإجماع، وأيضًا من شروط المجتهد أن يكون عارفًا بالأصول.
وعلم الأصول (٢) من مناقب الشافعي ﵁ (٣) التي يمدح بها، وهو (٤) أول من ألّف تأليفًا في علم الأصول.
قال الشاعر:
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها (٥) من ليس (٦) ذا بصر (٧)
وقال آخر:
وليس يصح في المعقول شيء (٨) ... إذا احتاج النهار إلى دليل (٩)
стр. 224
стр. 225
الباب الأول في الاصطلاحات
وفيه عشرون فصلًا:
الفصل الأول: في الحد.
الفصل الثاني: في تفسير أصول الفقه.
الفصل الثالث: في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل.
الفصل الرابع: في الدلالة وأقسامها.
الفصل الخامس: في الفرق بين الكلي والجزئي.
الفصل السادس: في أسماء الألفاظ.
الفصل السابع: الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما.
الفصل الثامن: في التخصيص.
الفصل التاسع: في لحن الخطاب وفحواه ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه.
الفصل العاشر: في الحصر.
الفصل الحادي عشر: خمس حقائق لا تتعلق بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم.
الفصل الثاني عشر: حكم العقل بأمر على أمر.
الفصل الثالث عشر: في الحكم وأقسامه.
الفصل الرابع عشر: أوصاف العبادة.
الفصل الخامس عشر: فيما تتوقف عليه الأحكام.
الفصل السادس عشر: في الرخصة والعزيمة.
الفصل السابع عشر: في الحسن والقبح.
الفصل الثامن عشر: في بيان الحقوق.
الفصل التاسع عشر: في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها.
الفصل العشرون: في المعلومات.
стр. 226
الباب الأول: في الاصطلاحات
قال المؤلف في الشرح: "الاصطلاحات هي الألفاظ الموضوعة للحقائق" (١)، و (٢) معنى كلامه: أن الاصطلاحات عبارة عن الألفاظ الموضوعة عند الأصوليين لتعريف المعاني، كالعام والخاص، والمطلق، والمقيد، والظاهر، والمجمل، والمبين، والمتواطئ، والمشكك (٣)، وغير ذلك.
قوله (٤): (الاصطلاحات) جمع: اصطلاح، ومعنى الاصطلاح هو: التوافق على أمر ما، إما قول وإما فعل، فالألفاظ الموضوعة على الحقائق (٥) هي: مصطلح عليها، أي: هي (٦) متفق عليها، وليست الألفاظ نفس الاصطلاحات، فإطلاق الاصطلاحات على الألفاظ: مجاز، وهو من باب إطلاق المصدر على الاسم (٧) المفعول، كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، وهذا الثوب نسج اليمن، أي: مضروب الأمير، ومنسوج اليمن.
فقوله: (في الاصطلاحات) تقديره: في الألفاظ المصطلح عليها عند
стр. 227
الأصوليين.
قول: (الباب الأول في الاصطلاحات) إنما قدم المؤلف ﵀ باب الاصطلاحات على سائر الأبواب؛ لأن الاصطلاحات هي: الألفاظ الموضوعة للحقائق أي: المفردة (١) للمعاني، فالمفيد مقدم (٢) على المفاد طبعًا، فوجب أن يتقدم (٣) وضعًا.
قوله (٤): (وفيه عشرون فصلًا) أي: وفي هذا الباب عشرون فصلًا (٥).
قوله (٦) أيضًا (٧): (وفيه عشرون فصلًا) ظاهره يقتضي: أن مقتضى هذه الفصول كلها اصطلاحات، وليس الأمرك كذلك؛ لأن الفصل الحادي عشر لليس فيه اصطلاح أصلًا (٨) لا عام (٩) ولا خاص.
...
стр. 228
قوله (١): الفصل الأول في الحد
أي: الفصل الأول موضوع في بيان حقيقة الحد عند الأصوليين.
ذكر المؤلف في هذا الفصل أربعة مطالب:
أحدها: حقيقة الحد.
وثانيها: هل الحد والمحدود شيء واحد أو شيئان؟
وثالثها: شروط الحد.
ورابعها: أقسام الحد.
ومعنى الحد في اللغة: المنع (٢)، ومنه تسمية (٣) السجان: حداد؛ لأنه يمنع المعتقل من الخروج من السجن، ومنه تسمية حدود الشريعة حدودًا؛ لأنها تمنع الجناة من العود إلى الجنايات، ومنه تسمية امتناع المعتدة من الوفاة بالإحداد لامتناعها من الزينة، ومنه تسمية الحديد؛ لأن الإنسان يمتنع به ممن (٤) يريده بالإذابة، هذا معناه لغة (٥).
وأما معناه في الاصطلاح (٦): فقد بيّنه المؤلف بقوله: (وهو شرح ما دل
стр. 229
عليه اللفظ بطريق الإِجمال).
وهو المطلب الأول من المطالب الأربعة المذكورة.
وإنما قدم المؤلف فصل الحد على سائر فصول الباب ليوافق الترتيب الوضعي الترتيب الطبيعي، وذلك أن العلم على قسمين (١):
علم التصور.
وعلم التصديق.
فعلم التصور يكتسب بالحد، وعلم التصديق يكتسب بالبرهان، فالتصور مقدم على التصديق؛ لأن التصور: علم المفردات، والتصديق: لتصور (٢) علم المركبات، وعلم الإفراد (٣) مقدم على علم التركيب، فالحد في الطبع مقدم على التصور؛ إذ بالحد يكتسب التصور، والتصور مقدم على التصديق؛ إذ لا تركيب إلا بعد الإفراد، فلما كان الحد مقدمًا على الجميع طبعًا، وجب تقديمه وضعًا (٤).
قوله (٥): (وهو شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإِجمال) الشرح لغة معناه: البيان والإيضاح.
قال صاحب العين: شرحت الأمر (٦) بيّنته (٧).
стр. 230
و (١) قوله (٢): (شرح ما دل عليه اللفظ).
قال المؤلف في الشرح: "أعني باللفظ: لفظ السائل". انتهى (٣) (٤).
ومعنى كلامه: أن حقيقة الحد عندهم بيان الشيء الذي دل عليه لفظ السائل.
قوله (٥): (بطريق (٦) الإجمال) أي: دل عليه لفظ السائل بحالة الإجمال، أي: دلالة إجمالية لا دلالة تفصيلية.
مثال هذا: إذا سأل سائل (٧) عن حقيقة الإنسان؟ فنقول له: الحيوان الناطق، فإن الحيوان الناطق الذي عرفنا به الإنسان للسائل، يدل عليه لفظ الإنسان لكن دل عليه (٨) دلالة إجمالية لا تفصيلية، وإنما قلنا: يدل الإنسان على الحيوان الناطق؛ لأن الإنسان موضوع (٩) لغة للحيوان الناطق، فالحيوان الناطق هو: مدلول لفظ الإنسان لغة.
ومثاله أيضًا: إذا سأل سائل عن حققية المداد (١٠)؟ فتقول له: مجموع
стр. 231
العفص (١)، والزاج (٢)، والماء.
فإن لفظ السائل الذي هو: المداد يدل على مجموع هذه الأشياء الثلاثة، لكن دلالته (٣) عليها دلالة إجمالية، لا تفصيلية، إنما قلنا: دل لفظ المداد على مجموع الأشياء الثلاثة؛ لأن ذلك المجموع موضوع (٤) المداد.
قوله (٥): (شرح (٦) ما دل عليه اللفظ) أطلق المؤلف الشرح على الشارح؛ لأنه صفة للقول الشارح، تقديره: القول الشارح لما دل عليه لفظ السائل، وهو: من باب إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو: رجل عدل وخصم، أي: عادل وخاصم.
[فإن قلت (٧): ما فائدة الحد؟ فإن قولنا: حد (٨) الإنسان مثلًا هو: الحيوان الناطق، فلا يخلو السائل من: أن يكون عالمًا بالحيوان الناطق أو جاهلًا به،
стр. 232
وأيًا مَّا (١) كان فباطل؛ لأنه إن كان عالمًا به فلا يفيد؛ لأنه تحصيل الحاصل، وإن كان جاهلًا: فلا يفيد (٢)؛ إذ لا يعرَّف (٣) مجهول بمجهول.
قلنا: إنما يفيد الحد معرفة نسبة اللفظ إلى الحقيقة لمن هو عارف بالحقيقة إلا أنه جاهل يكون اللفظ موضوعًا لها، فإذا كان السائل عن الإنسان عالمًا بالحيوان الناطق إلا أنه جاهل يكون الإنسان موضوعًا له، فإذا سأل عن الإنسان فقيل له: هو الحيوان الناطق: فقد حصل مطلوبه] (٤).
قوله (٥): (وهو غير الحدود، إِنْ أُريد به اللفظ، ونفسه (٦) إِنْ أُريد به (٧) المعنى).
هذا هو المطلب الثاني من المطالب الأربعة التي احتوى عليها هذا الفصل، وهو قولنا: هل الحد والمحدود شيء واحد أو شيئان؟
فاعلم أن العلماء اختلفوا في حد الحد:
فمنهم من قال: حد الشيء نفسه وذاته.
ومنهم من قال: القول الشارح لمعناه (٨) على وجه يجمع ويمنع.
стр. 233
فمن قال: "حد الشيء نفسه وذاته" قال: الحد والمحدود: شيء واحد.
ومن قال: "حد الشيء هو القول الشارح لمعناه (١) على وجه يجمع ويمنع" قال: الحد والمحدود: شيئان؛ لأن الحد هو القول الشارح، أي المبين للشيء المشروح، والمبيِّن خلاف المبيَّن، والشارح خلاف المشروح.
قال أبو حامد (٢) الغزالي ﵁ (٣) - في مقدمة المستصفى (٤): هذا الخلاف الواقع بين العلماء في الحد والمحدود أهما شيء (٥)؟ أو شيئان؟ لا يصح؛ إذ لا خلاف في المسألة؛ إذ لم يتوارد القولان على شيء واحد؛ لأن كل واحد من القائلين حد خلاف مما حده الآخر (٦).
وبيان ذلك: أن الحد لفظ (٧) مشترك بين ذات الشيء، وبين اللفظ الدال على ذاته، فمن قال: حد الشيء نفسه وذاته فقد حد أحد معنيي الحد وهو مدلول اللفظ، ومن قال: حد الشيء القول (٨) الشارح لمعناه (٩) على وجه يجمع ويمنع: فقد حد المعنى الآخر من معنيي الحد، وهو: اللفظ الدال على الذات.
стр. 234
فظهر من هذا التقرير: أن هذين القولين لم يتواردا على محل واحد؛ إذ أحد (١) القائلين حد الدال، والآخر حد المدلول، فلا خلاف إذًا بين القولين المذكورين في حد الحد، لعدم التوارد على محل واحد؛ إذ من (٢) شرط الخلاف التوارد على محل واحد.
وإلى هذا التقرير (٣) أشار المؤلف بقوله: (وهو غير المحدود إِن أريد به اللفظ، ونفسه إِن أُريد به المعنى).
معناه: و (٤) الحد خلاف المحدود إن أريد بالحد (٥): اللفظ الدال على المعنى، أي: اللفظ الدال على ذات الشيء.
قوله (٦): (ونفسه إِن أريد به المعنى) أي: والحد نفسه المحدود وعينه إن أريد بالحد المعنى، أي إن أريد به ذات الشيء.
فظهر من هذا (٧): أن قولهم: وقع الخلاف (٨) في حد الحد لا يصح ذلك؛ إذ لا خلاف بينهم في ذلك؛ إذ ذلك ليس بخلاف (٩) مقال، إنما (١٠) هو اختلاف حال - كما تقدم تقريره -.
стр. 235
قال أبو حامد (١) الغزالي ﵁ (٢) - في مقدمة المستصفى: الشيء له في الوجود أربع رتب:
الأولى: حقيقته في نفسه.
الثانية: ثبوت مثاله في الذهن، ويعبر عنه بالعلم التصويري (٣).
الثالثة: تأليف أصوات بحروف (٤) تدل عليه، وهي: العبارة الدالة على المثال الذي في النفس.
الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر، وهي الكتابة الدالة على اللفظ، فالكتابة تدل على العبارة اللفظية، والعبارة اللفظية تدل على الحقيقة الذهنية، والحقيقة الذهنية تدل على الحقيقة الخارجية (٥).
و (٦) قال بعض العلماء - في هذه الأشياء الأربعة -: الشيء له في الوجود (٧) أربع وجودات:
وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في البيان، ووجود في البنان (٨).
стр. 236
هذه (١) العبارة مع عبارة الغزالي في المعنى واحدة، وإن اختلف اللفظ.
فإن قوله: (وجود في الأعيان) هو: حقيقة الشيء في نفسه.
وقوله: (وجود في الأذهان) هو: ثبوت مثاله في الذهن.
وقوله: (وجود في البيان) هو: تأليف ألفاظ تدل على ما في الذهن.
وقوله: (وجود في البنان) هو: تأليف رقوم تدل على اللفظ، والبنان هي (٢) الأصابع لقوله (٣) تعالى: ﴿أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٤)، وقوله تعالى (٥): ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٦).
فهذه الأشياء الأربعة (٧) ينبغي أن يطلق الحد على كل واحدة (٨) منها؛ لأنها كلها جامعة مانعة؛ وذلك (٩) أن الحقيقة الخارجية جامعة لنفسها، مانعة لغيرها، والحقيقة الذهنية كذلك أيضًا؛ لأنها مطابقة للحقيقة الخارجية،
стр. 237
[والعبارة اللفظية كذلك أيضًا؛ لأنها مطابقة للحقيقة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية] (١)، فالمطابق للمطابق مطابق، والكتابة كذلك أيضًا (٢)؛ لأنها مطابقة للعبارة المطابقة للحقيقة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية، فالمطابق لمطابق المطابق مطابق، فهذه الأشياء الأربعة إذًا متطابقة (٣) متوازنة (٤).
فينبغي لهذا أن يطلق الحد على كل واحدة من هذه الأربعة، لوجود الجمع والمنع في كل واحد منها، ولكن لم تجر عادة العلماء بإطلاق الحد على الكتابة، وعلى (٥) الصورة الذهنية، واسم الحد عندهم مشترك (٦) بين الحقيقة الخارجية، وبين اللفظ الدال عليها، فمن حد الحقيقة الخارجية قال: حد الشيء حقيقته وذاته، ومن حد اللفظ الدال عليها قال: حد الشيء القول الشارح لمعناه على وجه يجمع ويمنع.
فقوله (٧): (وهو غير المحدود إِن أريد به اللفظ) إشارة إلى تحديد الدال.
وقوله (٨): (ونفسه إِن أريد به المعنى) إشارة إلى تحديد المدلول.
стр. 238
فجرى المؤلف على عادتهم من تخصيص اسم (١) الحد بهذين الأمرين، وهما: اللفظ الدال، والمعنى الخارجي، وبالله التوفيق بمنه (٢).
قوله (٣): (وشرطه أن يكون جامعًا لجملة (٤) أفراد (٥) المحدود مانعًا من دخول غيره معه).
هذا هو المطلب الثالث في شروط الحد، أي (٦): ويشترط في الحد أن يكون شاملًا لجميع الأجزاء التي تركب (٧) منها ذات المحدود.
ويشترط فيه أيضًا أن يكون مانعًا من دخول غير المحدود في الحد.
ومثال ذلك (٨) قولنا: في حد الإنسان هو (٩) الحيوان الناطق؛ لأن قولنا: الإنسان هو الحيوان (١٠) شامل لجميع أفراد الإنسان؛ إذ ما من إنسان إلا وهو: حيوان.
وقولنا: الناطق: يخرج به ما ليس بإنسان من سائر أجناس الحيوان، فتخلص الحد للمحدود لجمعه (١١) ومنعه.
стр. 239
قوله (١): (جامعًا (٢) لجملة أفراد المحدود مانعًا من دخول غيره معه (٣)).
هذا الكلام يستدعي أربعة أقسام في الحد باعتبار الجمع والمنع:
أحدها: جامع مانع.
الثاني: لا جامع ولا مانع.
الثالث: جامع لا مانع.
الرابع: مانع لا جامع.
مثال الجامع المانع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان الناطق؛ إذ ما من إنسان إلا وهو حيوان ناطق.
ومثال ما لا جامع ولا مانع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان الأبيض، فهو غير جامع لخروج السودان منه، وهو غير مانع لدخول البيض من البهائم فيه (٤).
ومثال الجامع غير المانع: قولنا في حد الإنسان: هو الحيوان، فهو جامع؛ إذ ما من إنسان إلا وهو: حيوان (٥)، وهو غير مانع لدخول البهائم فيه (٦)؛ لأنها حيوان.
стр. 240
ومثال المانع غير الجامع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان (١) الرجل، فإنه مانع من دخول غير الإنسان فيه، وهو غير جامع لخروج النساء والصبيان (٢) منه.
والصحيح من هذه الأقسام الأربعة (٣) هو: الأول، وهو: الجامع المانع، وأما الثلاثة الباقية فهي باطلة، إما لعدم الجمع خاصة، أو لعدم المنع خاصة، أو لعدمهما معًا (٤).
وهذا الشرط الذي هو الجمع والمنع (٥) مشروط في الحد الحقيقي، والرسمي، واللفظي.
قال (٦) المؤلف في الشرح (٧): "قولنا: "جامع" معناه: مطرد، وقولنا: "مانع" معناه: منعكس، فالجامع المانع هو: المطرد المنعكس". انتهى (٨).
وقال غيره بعكس هذا: وأن المطرد هو المانع، والمنعكس هو الجامع، فالمطرد المنعكس هو: المانع الجامع.
قال: هذا هو الراجح في النظر؛ لأن معنى الطرد: اقتران (٩) الوجود
стр. 241
بالوجود بحيث يلزم من وجود الحد وجود المحدود، وأما إذا وجد الحد ولم يوجد المحدود، كتحديد الإنسان بأنه الحيوان (١) فهو: حد غير مطرد؛ لأنه أعم من المحدد فهو غير مانع.
ومعنى العكس: اقتران العدم بالعلم بحيث يلزم من عدم الحد عدم المحدود، فأما إذا عدم (٢) الحد ولم يعدم المحدود كتحديد الإنسان بأنه الحيوان الرجل فهو حد غير منعكس على المحدود؛ لأنه أخص من المحدود فهو غير جامع.
وقيل: الاطراد هو أنه متى وجد الحد وجد المحدود، ومتى وجد المحدود وجد الحد.
قال بعضهم: هذا وهم؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان التعرض لذكر الانعكاس مستغنى عنه؛ لاستلزام (٣) اشتراط وجود الحد عند وجود المحدود؛ اشتراط (٤) عدم المحدود عند عدم الحد، ومثال هذا الوهم يجري في الانعكاس، ويرد عليه ما ورد على الطرد، والله أعلم.
فهذان قولان في معنى (٥) الطرد (٦) والعكس.
стр. 242
وذكر بعضهم أيضًا (١) في معنى الطرد والعكس (٢) ثلاثة أقوال أخرى:
أحدها: أن الطرد: أن يصدق اسم الحد على المحدود، والعكس (٣): أن يصدق اسم المحدود على الحد، كقولك (٤): الحيوان الناطق هو: الإنسان، والإنسان هو: الحيوان الناطق.
[القول الثاني: أن الطرد أن يصدق اسم الحد على المحدود إثباتًا، والعكس: أن ينتفي اسم الحد عن المحدود، كقولك: الإنسان هو: الحيوان الناطق، وما ليس بحيوان ناطق: فليس بإنسان] (٥).
والقول الثالث: أن الطرد هو: أن يصدق كل واحد من الحد والمحدود على الآخر إثباتًا، والعكس: أن ينتفي كل واحد منهما عند انتفاء الآخر، كقولك: الإنسان هو: الحيوان الناطق، والحيوان الناطق هو: الإنسان، وما ليس بحيوان: فليس بإنسان، فليس بحيوان ناطق، [وما ليس بإنسان فليس بحيوان ناطق، وما ليس بحيوان ناطق فليس بإنسان.
وسبب هذا الخلاف هو الاصطلاح] (٦).
стр. 243
قوله (١): (ويحترز فيه من التحديد (٢) بالمساوي، والأخفى، وما لا يعرف إِلا بعد معرفة المحدود، والإِجمال في اللفظ).
هذه أربعة شروط أيضًا؛ لأن هذا الكلام معطوف على قوله: وشرطه أن يكون جامعًا [لجملة أفراد المحدود، مانعًا (٣) من دخول غيره معه] (٤) تقديره (٥): وشرطه أن يكون جامعًا مانعًا محترزًا فيه من التحديد بالمساوي، والأخفى، وما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود، والإجمال في اللفظ.
فقوله على هذا: (ويحترز فيه) منصوب لعطفه (٦) على المنصوب الذي هو (٧) قوله: (أن يكون) تقديره: وشرطه أن يكون وأن يحترز فيه.
ويجوز فيه الرفع أيضًا: فيكون كلامًا مستأنفًا، نبه فيه المؤلف على الأشياء التي تؤثر الخلل في الحدود فيكون من باب عطف الجمل.
قوله (٨): (ويحترز فيه) (٩) أي: ويحترز (١٠) في الحد من الإتيان فيه
стр. 244
بالشيء المماثل للمحدود في الجهالة (١) عند السائل.
مثال ذلك: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال (٢): منتصب القامة، فإنهما متساويان في الجهالة (٣) عند السائل [والتعريف بالمجهول لا يحصل معلومًا] (٤).
ومثاله أيضًا: إذا قال قائل (٥): ما الزوج؟ فتقول (٦) له (٧): عدد يزيد على المفرد (٨) بواحد، هذا إذا لم يعرف السائل واحدًا منهما.
ومثاله أيضًا: إذا قال قائل: ما المفرد (٩)؟ فتقول له (١٠): عدد يزيد على الزوج بواحد، هذا (١١) إذا لم يعرف السائل معنى الفرد والزوج معًا، أما (١٢) إذا عرف أحدهما: فإن التعريف يحصل له بالمعروف عنده.
ومثال التعريف بالمساوي في الجهالة (١٣) أيضًا: إذا قال (١٤): ما الفرفخ (١٥)؟
стр. 245
فتقول: الفرفخين.
فهذا التعريف (١) أيضًا باطل؛ لأنه (٢) تعريف مجهول بمجهول، والمراد بهذين الاسمين العشبة التي يقال لها: البقلة الحمقاء، وهي التي يقال لها: الرجلة، وهي العشبة التي جرت العادة عند الأطباء يصفون (٣) بزرها لتسكين العطش (٤).
وقوله (٥): (والأخفى).
مثال التعريف بالأخفى في الجهالة (٦) من الحدود إذا قال (٧): ما الإنسان؟ فتقول: العالم الأصغر؛ لأن معرفة العالم الأصغر أخفى من معرفة الإنسان.
ومثاله أيضًا: إذا قال (٨): ما الأسد؟ فتقول (٩): الغضنفر أو الضيغم، أو الضرغام (١٠)؛ لأن معرفة هذه الألفاظ الثلاثة أخفى من معرفة الأسد.
ومثال التعريف بالأخفى أيضًا: إذا قيل (١١): ما البقلة الحمقاء؟ فتقول:
стр. 246
الفرفخ، أو الفرفخين.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الخمر؟ فيقال: العقار؛ لأن معرفة العقار أخفى من معرفة الخمر.
وقوله (١): (والأخفى) يستغنى عنه بقوله: (المساوي)؛ لأنه إذا منع التعريف بالمساوي، فأولى وأحرى (٢) أن يمنع التعريف بالأخفى.
قالوا: ومثال التحديد بالمساوي أو الأخفى (٣): التزكية عند القاضي، فإذا طلب القاضي تزكية شاهد لا يعرفه قط، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي أيضًا قط (٤) فهذه التزكية: باطلة؛ لأنها (٥) من باب التعريف بالمساوي في الجهالة؛ إذ المُعرِّف والمعرَّف مجهولان عند القاضي.
وإذا طلب القاضي تزكية شاهد عرفه القاضي معرفة العين (٦)، ولا يدري حاله، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي ولا رآه أصلاً، فهذه التزكية أيضًا: باطلة؛ لأنها (٧) من باب التعريف بالأخفى؛ لأن معرفة المعرِّف أخفى عند القاضي من معرفة المعرَّف.
قوله (٨): (وما لا يعرف إِلا بعد معرفة المحدود) معناه: ويحترز (٩) في
стр. 247
الحد من التعريف بما تتوقف معرفته على معرفة المحدود.
وهذا التوقف تارة يكون بمرتبة واحدة، وتارة يكون بمراتب:
مثاله بمرتبة واحدة: إذا قيل: ما الشمس؟ فتقول (١): كوكب نهاري، فإنه لا تعرف الشمس إلا بعد معرفة النهار، ولا يعرف النهار إلا بعد معرفة الشمس، فتوقف معرفة (٢) كل واحد (٣) منهما على معرفة الآخر، فهذا (٤): باطل؛ لأنه يلزم منه الدور.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الأب؟ فيقال: من له ابن، فكل واحد منهما متوقف (٥) على معرفة الآخر.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الابن؟ فيقال: من له أب، فكل واحد منهما متوقف (٦) على الآخر؛ لأنهما متضايفان.
ومثاله (٧) أيضًا: قولك (٨) في حد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به؛ لأن العلم لا يعرف إلا بعد معرفة المعلوم؛ لأنه قد أخذ في حده، ولا يعرف المعلوم أيضًا إلا بعد معرفة العلم؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، ولا يعرف
стр. 248
المشتق إلا بعد معرفة المشتق منه.
ومثاله أيضًا: قولك (١) في حد الأمر: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، فإن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، فكل واحد من المعرِّف والمعرَّف متوقف على معرفة الآخر.
ومثال التوقف بمراتب: إذا قيل: مال الزوج؟ فيقال: الاثنان، فيقال: وما الاثنان؟ فيقال: المنقسم بمتساويين، فيقال: وما المنقسم بمتساويين؟ فيقال: الزوج، فقد عرف الزوج بما لا يعرف إلا بعد معرفته بمراتب فهو (٢): أشد فسادًا من القسم الأول (٣).
[قال الخسروشاهي (٤): قولهم: ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فيه دور، نحو قولنا في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به لا يصح فيه الدور؛ لأن المقصود إنما هو (٥) نسبة اللفظ إلى الحقيقة، وذلك أن يكون السائل عارفًا بالمعلوم، ولكن لم يعلم كون العلم موضوعًا للمعلوم، فإذا أخبر بذلك
стр. 249
حصل مطلوبه من غير دور، فإن المقصود بالحد هو نسبة الحد إلى المحدود لمن هو عارف بالمحدود فلا دور] (١).
وقوله (٢): (والإِجمال في اللفظ) ومعنى المجمل هو: اللفظ (٣) الذي لا تتضح دلالته للسامع (٤).
مثاله: التحديد باللفظ المشترك كما (٥) إذا قيل: ما العسجد؟ فيقال: العين، فإن العين لفظ مشترك بين الذهب، وعين الماء، وعين الميزان، وعين الشمس، والحدقة، وغير ذلك، مما يطلق عليه لفظ العين (٦). فتعريف العسجد بالعين: باطل؛ إذ هو تعريف بالمجهول، والمجهول لا يحصل به بيان، فالذي ينبغي أن يقال في تعريف العسجد هو: الذهب (٧).
ولكن (٨) هذا كله إنما يمنع (٩) التعريف باللفظ المجمل إذا لم يكن هنالك قرينة حالية أو مقالية تدل على المراد به، أما إذا كانت هنالك قرينة تدل على المراد: فيجوز إيقاع اللفظ المشترك في الحدود.
مثال ذلك: إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد (١٠)، وكذلك قولنا (١١):
стр. 250
العالم: إما حيوان، أو جماد، أو نبات، وكذلك قولنا (١): الحيوان، إما ماشٍ، أو سابح، أو طائر.
فهذا كله كلام صحيح محصل للمراد للسامع، وإن وقع فيه لفظ مشترك وهو أو؛ لأن (أو) لفظ مشترك بين التنويع، والتخيير، والإباحة، والشك، والإبهام، ولكن دل السياق في هذه الأمثلة على أن (٢) المراد به التنويع دون غيره من محامله، فإذا وقع مثل هذا في الحدود فإنه لا يجوز؛ إذ المقصود حصول البيان والمقصود، وإنما المحذور (٣) فوات المقصود والمراد.
وها هنا ثلاثة ألفاظ اختلف الأصوليون في استعمالها في الحدود وهي: المشترك والمجازي، واللفظ الغريب في اللغة.
ثالثها: المشهور (٤):
إذا كانت هناك (٥) قرينة حالية أو مقالية تدل على المقصود والبيان: فإنه يجوز استعمالها وإلا فلا.
فقوله (٦): (والإِجمال في اللفظ) يريد: إذا لم يكن فيه ما يدل على المراد.
قوله (٧): (ويحترز (٨) فيه من التحديد بالمساوي، والأخفى، وما لا