← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

التأثيم (١). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٤)، والظن ليس من جنس العلم (٥). وقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (٦)، فعاصم

стр. 1962

فاعل، ومن رحم مفعول، وهو معصوم، فالمفعول ليس بفاعل وهو كثير في القرآن (١). وأما الدليل من كلام العرب؛ فمنه قول النابغة: وقفت فيها أُصَيْلانًا أسَائِلُها (٢) ... عَيَتْ (٣) جوابًا وما بالرِبْع من أحد إلا الأواري لأيًا ما أُبَيِّنُهَا ... والنُؤْي كالحوض بالمظلومة (٤) الجلد (٥) فالأواري ليست من جنس الأحد، لأن أحد (٦) المراد به الإنسان،

стр. 1963

فالأواري هي مرابط الخيل مفرده أري (١)، واللأي: معناه البطء (٢)، والنؤي: هو التراب الذي يستدار به حول الخباء لئلا يدخله السيل (٣)، والمظلومة الجلد: الأرض الصلبة (٤)، ومعنى الكلام: ليس في الدار إلا مرابط الخيل والتراب [المستدير] (٥) الذي [كان] (٦) يستدير بالخباء لا أتبين ذلك إلا بعد بطء (٧).

стр. 1964

وقال آخر (١): [و] (٢) لا عيب فينا غير أن سيوفنا ... بهن فلول من قُرَاع الكتائب (٣) فإن الفلول (٤) من قراع الكتائب ليس بعيب، فإنه يمدح قومه بالشجاعة وعدم الفرار عند اللقاء (٥). وقال آخر: وبلدة ليس بها أنيس ... الا اليَعَافِيْر وإلا العِيْس (٦) أمسى سقام خلاء لا أنيس به ... إلا السباع ومر الريح (٧) باَلغرف (٨)

стр. 1965

وقد كثير (١) الاستثناء من غير الجنس في كلام العرب نثره ونظمه، فدل ذلك على جوازه. وحجة القول بمنع الاستثناء من غير الجنس: أن الاستثناء مأخوذ من الصرف، ومنه قولهم/ ١٩٩/: ثنيت فلانًا عن رأيه إذا صرفته عنه، ولا يتحقق هذا المعنى في الاستثناء من غير الجنس، وإنما يتحقق في الاستثناء من الجنس (٢). قوله: (اختار (٣) الإِمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي (٤) (٥)، وفيه خلاف).

стр. 1966

ش: هذه (١) المسألة الأولى من أحكام الاستثناء، وهي (٢) كون الاستثناء المنقطع حقيقة أو مجازًا، فذكر المؤلف في ذلك قولين: قال جمهور العلماء: هو مجاز (٣). وهو مختار الإمام الفخر (٤)، والقاضي عبد الوهاب (٥). قوله: (وفيه خلاف)، قيل معناه: وفي جوازه خلاف، أي: وفي جواز الاستثناء المنقطع خلاف، قيل بجوازه وهو المشهور كما قدمناه، وقيل بعدم جوازه كما قدمناه أيضًا عن ابن العربي وغيره، وقيل: معنى قوله: "وفيه خلاف": أي وفي كون الاستثناء المنقطع حقيقة أو مجازًا خلاف، ولكن هذا التأويل فيه (٦) تكرار في المعنى؛ لأن قوله: "اختار الإمام أن المنقطع مجاز". يقتضي الخلاف في كونه حقيقة أو مجازًا. وسبب الخلاف في هذا: أن العرب هل وضعت "إلا" لتركبها مع جنس

стр. 1967

ما قبلها، أو لتركبها مع الجنس وغيره (١)؟، فمن قال بالأول، قال: المنقطع مجاز في التركيب، ومن قال بالثاني، قال: هو حقيقة، هذا كله إذا قلنا: إن (٢) العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات، وهي (٣) مسألة خلاف (٤)، وأما إذا قلنا: بأن العرب لم تضع إلا المفردات ولم تضع المركبات، فيكون الاستثناء مطلقًا مجازًا لغويًا، سواء كان متصلًا أو منقطعًا، وهو مجاز في التركيب. واختار الإمام: أن المجاز المركب عقلي [بناء] (٥) على أن العرب لم تضع المركب (٦). قوله: (وذكر القاضي أن قول القائل: له عندي مائة دينار إِلا ثوبًا، من هذا الباب، وأنه (٧) جائز على المجاز، وأنه يرجع إِلى المعنى بطريق

стр. 1968

[القيمة] (١)). [ش: أراد] (٢) بالقاضي (٣) عبد الوهاب، وقوله: ([له] (٤) عندي مائة دينار إِلا ثوبًا، من هذا الباب) أي: من هذا الباب الذي هو [باب] (٥) الاستثناء المنقطع؛ لأنه استثناء من غير الجنس؛ لأن جنس الثوب مخالف لجنس الدنانير. قوله: (وأنه جائز)، خلافًا لمن قال: لا يجوز الاستثناء من غير الجنس، كما قال ابن العربي وغيره كما تقدم، قال ابن الحاجب في كتاب "الإقرار": واستثناء غير الجنس مثل: ألف ثوب (٦) إلا عبدًا، يصح على الأصح، وتسقط قيمة العبد (٧). قوله: (وتسقط قيمة العبد)، يعني: يصفه المقر ويقوم، ثم تسقط تلك القيمة من الألف، وقوله: (على المجاز)، خلافًا لمن قال: هو حقيقة (٨).

стр. 1969

قوله: (وأنه يرجع إِلى المعنى بطريق القيمة) أي: يرجع إلى معنى المتصل بطريق القيمة؛ يعني قيمة الثوب، فهذا استثناء من لازم المنطوق (١)؛ لأن من لوازم مائة دينار قيمة الثوب؛ لأن الدنانير تقوم بها الأشياء، فلما كانت القيمة تلازم (٢) الدنانير، صح استثناء قيمة الثوب منها، فهو في المعنى استثناء القيمة من القيمة (٣)، واختلف الأصوليون في كيفية تقدير هذا الموضع (٤): فمنهم من يقول (٥): عبر بالثوب عن القيمة (٦) من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجاز (٧)، ومنهم من يقول: فيه حذف مضاف، تقديره: إلا قيمة ثوب (٨)، فيكون لفظ الثوب على هذا مستعملًا في حقيقته، فيكون مجاز الحذف، والمعنى في التقديرين (٩) واحد (١٠). قوله: ((١١) خلافًا لمن قال: [إِنه] (١٢) مقدر بلكن (١٣)).

стр. 1970

ش: أي خلافًا لمن قال: إن الاستثناء المنقطع مقدر بلكن (١) (٢). وقوله: ([أيضًا] (٣) خلافًا لمن قال: إِنه مقدر بلكن (٤))، قال المؤلف في الشرح: هذه العبارة وافق عليها الإمام فخر الدين القاضي عبد الوهاب (٥). وهي عبارة باطلة، بسبب أن الاستثناء المنقطع عند الناس أجمعين (٦)

стр. 1971

مقدر بلكن (١)، ومعنى هذا التقدير: أن إلا في هذا المقام تشبه لكن (٢)، من جهة أن لكن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها (٣) كما تقدم في الباب الثاني في معاني الحروف في قوله: ولكن للاستدراك بعد النفي، نحو: ما جاءني (٤) زيد لكن عمرو (٥)، هذا التقدير بلكن هو تقدير البصريين (٦)، وقدره الكوفيون بسوى (٧)، ووجه (٨) هذا التقدير أيضًا، هو مخالفة ما بعد سوى لما قبلها، كما هو حال إلا (٩) ورجح البصريون مذهبهم بأن لكن حرفٌ، وإلا حرفٌ، فتقدير الحرف بالحرف أولى من تقدير الحرف بالاسم؛ لأن إلا حرفٌ وسوى اسم (١٠). فإن قلت: هذه المخالفة الحاصلة في الاستثناء المنقطع هي حاصلة في

стр. 1972

الاستثناء المتصل أيضًا، فينبغي أن تقدر إلا في المتصل بلكن، ولا قائل (١) بذلك التقدير في الاستثناء المتصل، جوابه: أن ما قبل إلا في المنقطع لا يدل على ما بعدها، كما أن لكن لا يدل ما قبلها على ما بعدها، بخلاف المتصل؛ فإنه يدل ما قبل إلا على ما بعدها (٢). قوله: (ولمن قال إِنه كالمتصل). ش: أي: وخلافًا أيضًا لمن قال: إن الاستثناء المنقطع كالمتصل في كونه حقيقة (٣)، هذا القول مقابل قوله أولًا: "وأنه جائز على المجاز". فذكر المؤلف إذًا في الاستثناء المنقطع على القول بجوازه قولين: قول بالمجاز وقول بالحقيقة، أشار إلى القول بالمجاز بقوله: "جائز على المجاز"، وأشار إلى القول بالحقيقة بقوله: "ولمن قال إنه كالمتصل"، وسبب الخلاف قد تقدم وهو: هل وضع "إلا" للتركيب الخاص أو للتركيب العام (٤)؟. فإذا قلنا: بأن المنقطع حقيقة كالمتصل، فإطلاق [لفظ] (٥) الاستثناء عليهما [فيه] (٦) قولان: قيل بالاشتراك اللفظي، وقيل بالاشتراك المعنوي (٧).

стр. 1973

قوله: (ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة). ش: هذه هي/ ٢٠٠/ المسألة الثانية من أحكام الاستثناء، قوله: "عادة" أي: يجب اتصال الاستثناء في اللفظ، أو (١) في حكم المتصل في اللفظ، كانقطاعه بسعال، أو عطاس، أو تثاؤب، أو بلع الريق، أو بعطف الجمل بعضها على بعض (٢) فيستثني بعد ذلك، فإن ذلك كله لا يقدح في الاتصال؛ لأنه متصل عادة. قوله: (خلافًا لابن (٣) عباس ﵄، قال الإِمام: إِن صح عنه

стр. 1974

النقل (١) يحمل على ما إِذا نوى عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك (٢). ش: اختلف في صحة هذا النقل عن ابن عباس (٣) ﵁، فقيل:

стр. 1975

لا يصح هذا عن ابن عباس، وقيل: يصح، فعلى القول بعدم الصحة لا كلام، وعلى القول بصحة النقل عنه، هل ذلك مطلق في الزمان أو مقيد بسنة؟ قولان عن ابن عباس (١)، وإذا قلنا أيضًا بصحة النقل مطلقًا في الزمان أو مقيدًا به، فهل الاستثناء مطلق في معانيه أو [هو] (٢) مقيد (٣) بأحد معنييه (٤) وهو التعليق بمشيئة الله تعالى؟ لأن الاستثناء له معنيان: أحدهما: الاستثناء بإلا وأخواتها، والثاني: التعليق على مشيئة الله تعالى، لقوله ﵇: "من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (٥). معنى قوله ﵇: "واستثنى": قال: إن شاء الله، وهذا القول هو مختار المؤلف في شرحه (٦)، قال الإمام المازري في شرح البرهان (٧): المنقول عن المالكية هو الاستثناء بالمشيئة إذا نواه (٨) هل تنحل به اليمين أم لا؟ قال:

стр. 1976

وعن ابن عباس [في تأخير المشيئة] (١) روايتان: قيل: مطلقًا، وقيل: سنة (٢). وإذا قلنا أيضًا بصحة النقل إطلاقًا أو تقييدًا في زمانه أو معانيه، فهل ذلك مطلق في اعتقاده أو مقيد (٣) بما إذا نواه عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك؟ وهذا القول هو الذي حكاه المؤلف عن الإمام (٤) [فهذه خمسة أقوال] (٥). القول السادس: أنه مقيد بما إذا أضمره (٦) عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك، ذكره إمام الحرمين (٧). القول السابع: أن ذلك مقيد بما إذا نواه وأضمره معًا، نقله إمام الحرمين في البرهان (٨) [أيضًا] (٩). القول السابع (١٠): أن ذلك مختص بكتاب الله .

стр. 1977

فهذه سبعة أقوال: لا يصح مطلقًا (١)، يصح مطلقًا، وهذان القولان (٢) متقابلان، ثالثها: مقيد بسنة (٣) (٤)، ورابعها (٥) مقيد بالمشيئة، وخامسها (٦) [مقيد] (٧) بالنية، وسادسها (٨): [بالإضمار, سابعها] (٩) بالنية والإضمار معًا، ومعنى الإضمار هو الإيقاع بالضمير، [وسابعها: مختص بكتاب الله ] (١٠). حجة القول بجواز التأخير مطلقًا: قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ﴾ (١١) (١٢) لما نزل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ (١٣) شكا ذلك ابن أم مكتوم (١٤)، إلى رسول الله ﷺ لضعفه عن الجهاد؛ لأنه

стр. 1978

أعمى، فنزل قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ (١)، فهذا يدل على جواز تأخير الاستثناء مطلقًا (٢). أجيب عنه: بأنه خبر واحد والمسألة علمية ولا يكتفى فيها بالظن. وحجة القول بتقييد ذلك بسنة (٣) كما روي عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾ (٤) الآية إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾ (٥) نزلت هذه الآية فلما كان بعد سنة نزل قول الله تعالى: ﴿إلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَاُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٦) (٧).

стр. 1979

وحجة القول بتقييد ذلك بمشيئة الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١) وبيان ذلك: أنه ﵇ سأله (٢) اليهود عن لبث (٣) أصحاب الكهف، قال لهم: غدًا أجيبكم، ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر عنه الوحي بضعة عشر يومًا، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فقال ﷺ : "إن شاء الله"، إلحاقًا لقوله أولًا: "غدًا أجيبكم" (٤) (٥)، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاذْكر (٦) رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾: [إن لم تستثن عند] (٧) القول فاستثن بعد ذلك (٨)، والمراد

стр. 1980

بالاستثناء ها هنا هو مشيئة الله تعالى، وهو أن يقول: إن شاء الله (١). أجيب عن هذا: بأن قوله ﵇: إِن شاء الله، ليس ملحقًا بخبره (٢) الأول (٣)، وإنما هو عائد على فعل مقدر كأنه يقول: أقول: إن شاء الله عند قولي: أفعل كذا وكذا، ومثال هذا: إذا قلت لغيرك: افعل كذا، فيقول لك: إن شاء الله، أي: أفعل ذلك إن شاء الله (٤). وحجة القول بتقييد ذلك بما إذا نواه: أن النية لها تأثير في الأحكام لقوله ﵇: "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" أجيب عن هذا: بأنه لا يصح في جميع الصور؛ إذ لا يخلو صاحب هذا القول: إما أن يريد الاستثناء بمشيئة الله تعالى، وإما أن يريد الاستثناء بأدوات الاستثناء، فإن أراد بذلك الاستثناء بمشيئته تعالى، فلا يصح؛ لأنه لا بد من التلفظ به؛ لأنه سبب حل اليمين ولا تكفي فيه النية. قال ابن الحاجب: ولا تفيد نية الاستثناء إلا بلفظه (٥).

стр. 1981

وإن أراد الاستثناء بأدواته، فإما أن يكون ذلك في النصوص، وإما أن يكون (١) في الظواهر، فإن كان ذلك في النصوص فلا يصح؛ لأن النص لا يستثنى منه بالنية، فإذا قلت: له عندي عشرة، وتنوي بها ثمانية، ثم تبين بعد ذلك مرادك فلا يصح ذلك الاستثناء. وإن كان ذلك في الظواهر مثل إطلاق العام ويريد به الخاص ثم يفسره [بعد] (٢) ذلك (٣)، مثل أن يقول: نساؤه طوالق ونوى بعضهن. ثم بعد ذلك فسر مراده منهن، فها هنا خاصة يمكن التقييد بالنية، فلا يصح تقييده بالنية إذًا إلا في الظواهر إذا خصصت بأدوات الاستثناء، ولا يصح ذلك في النصوص ولا في مشيئة الله تعالى. وحجة القول بتقييده/ ٢٠١/ بما إذا أضمره: أن الكلام (٤) حقيقة في النفساني (٥)، فإذا أضمر الاستثناء في نفسه [أي: أوقعه في نفسه] (٦) فإنه ينفعه

стр. 1982

إذا فسره بعد ذلك، ولا يكفيه مجرد النية وهي (١) القصد إلى إيقاعه؛ لأن القصد إلى إيقاع الشيء ليس بإيقاع له إجماعًا، فإن من قصد (٢) إيقاع الطلاق ثم بدا له [ألا يطلق] (٣) فلا يلزمه الطلاق إجماعًا (٤) (٥). قال المسطاسي: تنبه لهذا القول، فإن أكثر الناس (٦) ممن لم يميز (٧) في علم الأصول (٨) ينكره (٩). وحجة القول بتقييده بالنية والإضمار معًا: أن الكلام حقيقة في اللساني مجاز في النفساني (١٠) ..........................................

стр. 1983

والمجاز لا بد معه من النية والله أعلم (١). وحجة القول بأن ذلك مختص بكتاب الله دون غيره: أن الكلام الأزلي واحد، وإنما الترتيب في (٢) جهات الوصول إلى المخاطبين (٣) (٤). أجيب عن هذا: بأن ذلك ليس محل النزاع؛ فإن الكلام في العبارات التي بلغتنا (٥)، وهي محمولة على كلام العرب، فإن المنقول عن ابن عباس جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه (٦). فهذا (٧) تمام (٨) حجج الأقوال المذكورة، وهي كلها أقوال (٩) ضعيفة.

стр. 1984

وأما حجة القول المشهور، الذي عليه الجمهور، وعليه العمل [يدور] (١) في سائر الأمصار والأعصار، وهو منع تأخير الاستثناء عن المستثنى منه، فمن ذلك: قوله ﵇: "من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليكفر [عن] (٢) يمينه وليأت الذي هو خير" (٣)، فلو صح تأخير الاستثناء، لقال له: استثن، ولا يقول له: كفر، لأن الاستثناء أسهل من التكفير؛ لأنه ﵇ قاصد للتسهيل (٤)، ومنها: أن العرف (٥) يقبح فيه أن يقول الإنسان لغيره: بع سلعتي ممن شئت، [ثم] (٦) يقول (٧) بعد غد: إلا

стр. 1985

من زيد، فإذا كان قبيحًا عرفًا كان قبيحًا لغة؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير (١). ومنها: أن الاستثناء يقاس على الشرط والغاية والصفة؛ إذ لا يجوز تأخيرها باتفاق والجامع بينهما: أن الجميع فضلة في الكلام غير مستقلة بنفسها (٢). ومنها: أن الاستثناء لو جاز تأخيره (٣) لما استقر شيء من العقود: كالطلاق والعتاق، ولا يثبت حنث ولا إقرار ولا عهود (٤)، وقد حكى ابن العربي في القبس (٥): أنه سمع امرأة ببغداد تقول لجاريتها: مذهب ابن

стр. 1986

في الاستثناء غير صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لقال الله لنبيه أيوب ﵇: استثن ولا تحنث ولا يقول له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَث﴾ (١) (٢) (٣). قوله: (واختار القاضي عبد الوهاب (٤) والإِمام (٥) جواز استثناء (٦) الأكثر، وقال القاضي أبو بكر: يجب أن يكون أقل، وقيل: يجوز المساوي دون الأكثر، لنا: قوله (٧) تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ [مِنَ الْغَاوِينَ] (٨)﴾ (٩) ومعلوم أنهم الأكثر (١٠)). ش: هذه مسألة ثالثة (١١) من أحكام الاستثناء، وهي نهاية الاستثناء.

стр. 1987

ذكر المؤلف فيها ها هنا ثلاثة أقوال، وزاد في الشرح قولين (١)، فهي إذًا خمسة أقوال. القول الأول وهو المشهور: أنه يجوز استثناء الأكثر. القول الثاني (٢): لا يجوز إلا استثناء الأقل ولا يجوز الزائد عليه. القول الثالث: يجوز استثناء المساوي وهو النصف (٣). القول الرابع: لا يجوز إلا استثناء الكسر، ولا يجوز استثناء العقد، فتقول مثلًا: عندي (٤) عشرة إلا نصف واحد، وتقول (٥): عندي مائة إلا نصف عشرة، وله عندي ألف إلا نصف مائة، ولا تقول: عندي عشرة إلا واحدًا (٦)؛ لأن واحدًا عقد وليس بكسر. ولا تقول: له عندي مائة إلا عشرة؛ لأن عشرة عقد لا كسر. ولا تقول: له عندي (٧) ألف إلا مائة؛ لأن مائة عقد لا كسر؛ لأن نسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة ونسبة المائة إلى الألف؛ لأن الجميع عقد تام وعدد صحيح.

стр. 1988

القول الخامس: أنه يجوز استثناء الكل وهو الاستثناء المستغرق (١).

стр. 1989

أما القول الأول: وهو استثناء الأكثر وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين فحجته كما قاله (١) المؤلف: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢)، لأن الغاوين أكثر من المهتدين والدليل على أنهم أكثر: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٥) (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ منْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٧) وغير ذلك (٨).

стр. 1990

أجيب عن هذا الدليل: بأن (١) العباد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ أعم من بني آدم والجن والملائكة؛ لأن لفظ العباد صادق على الكل، فمعلوم أن الغاوين أقل من الملائكة، فكيف [إذا ضم] (٢) إليهم صالحو بني آدم [وصالحو الجن] (٣) (٤) وقد قال ﵇: "إن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الملائكة لا يرجعون إليه أبدًا" (٥)، وفي حديث آخر: "إن الملائكة في الحشر يطوفون بمن فيه سبعة أدوار" (٦).

стр. 1991

وأما القول الثاني: وهو وجوب استثناء الأقل، وهو مذهب عبد الملك ابن الماجشون (١)، وابن خويز منداد (٢)، وهو مذهب الخليل، وسيبويه، وجمهور البصريين (٣). حجته: أن مقتضى الدليل منع الاستثناء مطلقًا لكونه إنكارًا بعد إقرار، فخالفنا مقتضى الدليل في الاستثناء (٤) الأقل لمعنى (٥) لا يوجد في المساوي ولا في الأكثر، وهو كون القليل/ ٢٠٢/ معرض النسيان لقلة التفات (٦) القلب إليه، فلو لم يصح استثناؤه لتطرق الضرر إلى

стр. 1992

المقر، بخلاف المساوي والأكثر فلا يعرض فيهما النسيان غالبًا، فيجوز استثناء القليل؛ لأن الحاجة تدعو إلى اليسير دون الكثير (١). أجيب عن هذا الدليل: بأنا لا نسلم أنه إنكار بعد إقرار، وإنما يكون كذلك لو كان الكلام تامًا قبل حصول الاستثناء وليس كذلك، فإن المجموع المركب من المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة (٢)، بل الأصل قبوله، لإمكان صدق المتكلم به، ودفعًا للضرر عنه؛ إذ المقر ربما أقر بما قد وفَّى بعضه غير أنه نسيه وتذكره عند الإقرار، فلو لم يصح الاستثناء للحقه (٣) الضرر (٤) (٥). وقد نص ابن الحاجب في كتاب الإقرار على هذين القولين الأولين وهما استثناء الأكثر أو الأقل فقال: والاستثناء بما لا يستغرق كعشرة إلا تسعة يصح، خلافًا لعبد الملك (٦) (٧). وأما القول الثالث وهو استثناء المساوي (٨) وهو مذهب القاضي أبي

стр. 1993

بكر (١) وابن درستويه (٢) (٣) من النحاة (٤) فحجته مفهومة من حجة استثناء الأكثر؛ لأنه إذا جاز استثناء الأكثر فأولى وأحرى جواز (٥) استثناء المساوي،

стр. 1994

لاشتمال الأكثر على المساوي والزيادة (١). وأما القول الرابع وهو جواز استثناء الكسر دون العدد التام (٢)، وهو مذهب بعض أهل اللغة، قاله سيف الدين الآمدي (٣)، فحجته أنهم قالوا: ليس في القرآن والسنة إلا استثناء الكسر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٤)، فخمسون من الألف كسر لا عقد (٥)، وقال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا" (٦)، فاستثنى واحدًا من المائة وهو [بعض] (٧) عقد المائة، فإن عشرة هو عقد المائة (٨). وهذا المذهب مردود بمسائل الطلاق والإقرار؛ فإنه إذا قال: أنت طالق

стр. 1995

ثلاثًا إلا واحدة أنه يلزمه اثنان باتفاق، وليس ذلك بكسر (١)، وكذلك إذا قال في الإقرار: له عندي عشرة إلا واحدًا (٢) أنه يلزمه تسعة باتفاق، وليس ذلك بكسر (٣). وأما القول الخامس وهذا استثناء الكل (٤) فحجته: القياس على استثناء البعض بجامع الإخراج، وهذا المذهب مردود بالإجماع؛ لأن الغزالي (٥)

стр. 1996

وغيره (١) حكى الإجماع في بطلان الاستثناء المستغرق، فإذا قال: له عندي عشرة إلا عشرة، لزمته عشرة بإجماع؛ لأنه يعد نادمًا. قال المؤلف في الشرح (٢): قد وقع في المذهب مسائل تقتضي جواز استثناء الكل: المسألة الأولى: حكى ابن طلحة الأندلوسي (٣) (٤) في المدخل له في الفقه: أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، ففي لزوم الثلاث (٥) له قولان، فإن القول بعدم لزوم الثلاث يقتضي جواز استثناء الكل (٦) (٧) (٨).

стр. 1997

المسألة الثانية: نقلها أصحاب المذهب: أنه إذا قال: أنت طالق [ثلاثًا] (١) إلا ثلاثًا إلا اثنتين، ففي لزوم الثلاث (٢) قولان: قيل: تلزمه الثلاث (٣) بناء على أنه استثنى ثلاثًا (٤) من ثلاث فيكون الاستثناء باطلًا (٥) لاستغراقه، وقيل: تلزمه اثنتان بناء على أن استثناء الكل إذا تعقبه استثناء آخر يُصَيِّره أقل من الثلاث (٦)، وهو قوله: إلا اثنتين، وذلك أن الثلاث (٧) الأولى مثبتة والثلاث (٨) الثانية منفية والاستثناء الثاني وهو الاثنتان (٩) مثبتتان (١٠)؛ لأنه استثناء من نفي، فلم ينتف إلا واحدة فقط فتلزمه

стр. 1998

اثنتان (١). المسألة الثالثة: ذكرها أصحاب المذهب [أيضًا] (٢) إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة (٣) إلا واحدة، فإنه تلزمه الاثنتان (٤) لاستثنائه الثالثة، مع أن الثالثة قد نطق بها (٥) بلفظ يخصها (٦) فقد استثنى جملة ما نطق به فيها، وهو استثناء الكل، وعللوا ذلك بأن خصوص الوَحَدَات (٧) لا يتعلق به غرض، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا (٨) إلا واحدة (٩).

стр. 1999

المسألة الرابعة: ذكرها ابن شاس (١) في الجواهر (٢)، وابن أبي زيد في النوادر (٣)، إذا قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة، لزمته واحدة (٤) (٥) إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فتلزمه اثنتان (٦)؛ وذلك أن الواحدة صفة، وقوله: طالق موصوف، فإذا رفعت صفة الواحدة بالنية فقد رفع بعض ما

стр. 2000

نطق به، وإذا ارتفعت الوحدة تعينت الكثرة؛ إذ لا واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنان؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزيادة (١) (٢). قوله: (والاستثناء من الإِثبات نفي اتفاقًا، ومن النفي إِثبات، خلافًا لأبي حنيفة، ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إِثبات نقيض المحكوم به [بعد إِلا] (٣)، لنا: أنه المتبادر عرفًا، فيكون [كذلك] (٤) لغة؛ لأن (٥) الأصل عدم النقل (٦)). ش: هذه هي المسألة الرابعة من أحكام الاستثناء (٧)، ذكر المؤلف أن الاستثناء من الإثبات نفي اتفاقًا (٨) أراد بالاتفاق: اتفاق الجمهور؛ لأن
следующие страницы →