← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

قوله: (فإِن كان الثاني بحرف عطف ...) إلى آخر كلامه، يحتوي كلامه على ثلاثة/ ٢٠٧/ أقسام: الأول (١): أن يكون الاستثناء المتعدد بحرف العطف، كقولك (٢) عندي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، القسم الثاني: أن يكون بغير حرف العطف ويكون الثاني أكثر من الأول أو مساويًا، كقولك في الأكثر: [له] (٣) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، وكقولك (٤) في المساوي: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، القسم الثالث: أن يكون بغير عطف أيضًا ويكون الاستثناء الثاني أقل من الأول، كقولك: [له] (٥) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين (٦)، قال المؤلف في الشرح: وهذه (٧) المسألة مبنية على خمس قواعد: القاعدة الأولى: أن العرب لا تجمع بين إلا وحرف العطف؛ لأن إلا تقتضي الإخراج، وحرف العطف يقتضي الشريك، وهما متناقضان. القاعدة الثانية: أن استثناء الأكثر والمساوي باطل. القاعدة الثالثة: أن القرب يقتضي الرجحان. القاعدة الرابعة: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. القاعدة الخامسة: أنه إذا دار الكلام بين الإعمال والإلغاء، فالإعمال

стр. 2032

أولى من الإلغاء (١). فإذا ظهرت لك هذه القواعد فنقول: إذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، يتعين عود الاستثناء على أصل الكلام، وهو المستثنى منه، ويمتنع عود الاستثناء على الثلاثة، لئلا يجتمع الاستثناء وحرف العطف، وهو مقتضى القاعدة الأولى (٢). وإلى هذه (٣) القاعدة أشار المؤلف بقوله: "لاستحالة العطف في الاستثناء"؛ لأن قوله: "لاستحالة العطف في الاستثناء" راجع إلى قوله: "فإن كان الثاني بحرف عطف"، [فتقدير الكلام: فإن كان الثاني بحرف عطف] (٤) عاد إلى أصل الكلام؛ لاستحالة العطف في الاستثناء، فالمُقَرُّ به على هذا خمسة، فإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، يتعين أيضًا عوده على أصل الكلام؛ لأن استثناء (٥) الأكثر باطل؛ لأن الأربعة أكثر من الثلاثة، وكذلك إذا قال: [له] (٦) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، يتعين عوده على أصل الكلام؛ لأن استثناء (٧) المساوي باطل، وهو مقتضى القاعدة الثانية (٨).

стр. 2033

وإلى مقتضى هذه القاعدة أشار المؤلف بقوله: "وإخراج الأكثر والمساوي"، فتقدير كلامه: فإن كان الثاني أكثر أو مساويًا عاد إلى أصل الكلام لاستحالة إخراج الأكثر والمساوي، فالمُقَرُّ به على هذا (١) ثلاثة، وإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، يتعين عوده على الاستثناء الذي قبله، ولا يعود على أصل الكلام؛ لأن عوده على القريب أولى من عوده على البعيد، وهو مقتضى القاعدة الثالثة (٢). و [إلى] (٣) مقتضى هذه (٤) القاعدة أشار المؤلف بقوله: وإلا عاد على الاستثناء الأول، فالمُقَرُّ به على هذا تسعة ترجيحًا للقرب. قوله: (وإِلا عاد على الاستثناء الأول) معناه: وإن لم يكن بحرف عطف ولا كان أكثر ولا مساويًا، بل هو أقل من الاستثناء الأول، فإنه يعود على الاستثناء الأول، ولا يعود على أصل الكلام، ترجيحًا للقرب على البعد. قال المؤلف في شرحه: ولا يصح عوده عليهما [معًا] (٥)، ولا يصح أيضًا أن يقال: لا يعود على واحد منهما، لأنه يؤدي في القسمين إلى اللغو في الكلام (٦)، ومعنى اللغو هو الحشو، وهو الكلام العاري عن الفائدة. وبيان ذلك: أنه إذا قلنا: [إنه] (٧) لا يعود على واحد منهما أي: لا

стр. 2034

يعود على الاستثناء ولا على المستثنى منه، فذلك كلام باطل حشو ملغى، وهو مقتضى القاعدة الخامسة (١). وإذا قلنا أيضًا: يعود الاستثناء الثاني عليهما معًا، أي: يعود على الاستثناء الأول والمستثنى منه معًا، فذلك أيضًا لا يصح؛ لأنه حشو ملغى كالوجه الذي قبله، وهو أيضًا مقتضى القاعدة الخامسة. وإنما قلنا: لا يصح عوده عليهما [معًا] (٢)؛ لأنه إذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة، فقد اعترف بسبعة، وقوله (٣) بعد ذلك: إلا اثنين، فباعتبار عوده على (٤) أصل الكلام يخرج من السبعة اثنين، وباعتبار عوده على الثلاثة يرد اثنين؛ لأن الثلاثة منفية وأصل الكلام مثبت وهو مقتضى القاعدة الرابعة، فينجبر (٥) المنفي (٦) بالثابت (٧)، فيصير الاعتراف بسبعة وهو الذي أقر به قبل الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الثاني على هذا (٨) لغوًا، [أي] (٩): حشوًا لا فائدة فيه (١٠). فحصل مما ذكرنا أن الاستثناء الثاني في هذا القسم له أربعة أوجه، واحد صحيح وثلاثة باطلة.

стр. 2035

فالوجه الصحيح: هو عوده على الاستثناء خاصة، والثلاثة الباطلة: عوده على أصل الكلام، أو عوده عليهما معًا، أو لا عوده على واحد منهما (١). فقوله: (ترجيحًا للقرب (٢))، إشارة (٣) إلى أنه يعود على الاستثناء خاصة، ولا يعود على أصل الكلام خاصة. وقوله: (ونفيًا للغو الكلام)، إشارة (٤) إلى أنه لا يصح عوده عليهما معًا، و (٥) لا يصح أن يعود لا عليهما (٦) معًا. قوله: (وإِذا عطف استثناء على استثناء، فإِن كان الثاني بحرف عطف (٧) ...) إلى آخر كلامه .. هذا الذي ذكره المؤلف هو القول الذي عليه الجمهور من النحاة والأصوليين (٨) / ٢٠٨/، وذكر بعضهم الخلاف في

стр. 2036

القسم الثاني والثالث، أعني بالقسم الثاني: استثناء الأكثر (١) والمساوي، كقولك: [له] (٢) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، أو عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، وأعني بالقسم الثالث: استثناء الأقل، كقولك: له عندي عشرة [إلا ثلاثة] (٣) إلا اثنين. فإذا كان الاستثناء الثاني أكثر من الأول نحو [قوله: له] (٤) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، [فمذهب] (٥) الجمهور: أن الاستثناءين يرجعان معًا إلى أصل الكلام، ومذهب الفراء: أن الاستثناء [الثاني] (٦) منقطع يضم إلى أصل الكلام فيكون مقرًا به، تقدير الكلام: له عندي عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي [له] (٧) عليَّ (٨)، فعلى قول الجمهور يكون أقر بثلاثة، وعلى قول الفراء يكون أقر بأحد عشر.

стр. 2037

قال ابن عصفور في شرح الجمل (١): كأنه قال: له عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي تقررت له عندي (٢)، وهكذا [إذا كان الاستثناء الثاني مساويًا للأول] (٣) كإذا (٤) قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، فعلى قول الجمهور يكون أقر بأربعة، وعلى قول الفراء يكون أقر بعشرة. وقال ابن مالك في شرح التسهيل (٥): وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه جار على قاعدة [جعل] (٦) الاستثناء الأول إخراجًا والثاني إدخالًا (٧). وأما القسم الثاني وهو استثناء الأقل: فمذهب الجمهور: أن الاستثناء الثاني يعود إلى الاستثناء الأول، فيستثنى منه، ومذهب الفراء: أن الاستثناء الثاني منقطع يضم إلى أصل الكلام فيكونُ مُقَرًا به (٨) كما قال في القسم الذي فرغنا منه، فإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، فعلى

стр. 2038

مذهب الجمهور يكون أقر بتسعة، وعلى مذهب الفراء يكون أقر بتسعة أيضًا، لأنك [تخرج] (١) الثلاثة من العشرة فيبقى سبعة، ثم تضم الاثنين إلى السبعة فيكون المقر به تسعة كما قلنا، فتقدير الكلام على هذا القول: [له] (٢) عندي عشرة إلا ثلاثة (٣) سوى الاثنين الذي (٤) له عندي. ومذهب أبي يوسف القاضي: أن الاستثناءين معًا يرجعان إلى أصل الكلام، وهو المستثنى منه، فيكون المقر به في هذا المثال المذكور خمسة (٥)، وقال بعض النحاة: يجوز في ذلك وجهان: أحدهما: رد الاستثناءات كلها إلى أصل الكلام كما قال أبو يوسف القاضي.

стр. 2039

والوجه الثاني: رد كل استثناء إلى الاستثناء الذي قبله، كما قال الجمهور (١). فهذه أربعة أقوال: أحدها: رد كل استثناء إلى الاستثناء الذي قبله وهو مذهب الجمهور. القول (٢) الثاني: رد ما بعد الاستثناء الأول إلى أصل الكلام [أي يضم إلى أصل الكلام] (٣) ثم يستثنى منه الاستثناء الأول وهو مذهب الفراء. القول الثالث: أن الاستثناءات كلها تستثنى من أصل الكلام وهو مذهب أبي يوسف القاضي. القول الرابع: جواز الوجهين كما قال بعض النحاة. فإذا فرعنا على مذهب الجمهور: الذي هو رد كل استثناء إلى الذي قبله، فإذا قال: [له] (٤) عندي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا، ففي طريق العلم بما (٥) أقر به خمسة أوجه: أحدها: أن تطرح عدد الأفراد من المستثنى منه، وعدد الأفراد في هذا المثال خمسة، فإذا طرحت خمسة من المستثنى منه الذي هو العشرة فالمُقَرُّ به

стр. 2040

خمسة، هذا إذا كان المستثنى منه شفعًا كما في هذا المثال، وإن كان المستثنى منه وترًا فإنك تطرح عدد الأزواج [من المستثنى منه، فما بقي فهو المُقَرُّ به، كقولك: عندي أحد عشر إلا عشرة إلا تسعة إلى الواحد، فإذا طرحت عدد الأزواج] (١) وهو خمسة فيكون المقر به ستة. الوجه الثاني: أن تطرح مجموع الأفراد من مجموع الأزواج فما بقي فهو المقر به؛ وذلك أن مجموع الأفراد في (٢) المثال الذي صدرنا به خمسة وعشرون، ومجموع أزواجه ثلاثون، فإذا طرحت المجموع من المجموع فيكون الباقي خمسة، وهو المُقَرُّ به، [هذا] (٣) إذا كان المستثنى منه شفعًا كما تقدم، وأما إذا (٤) كان المستثنى منه وترًا كقولك: أحد عشر إلا عشرة إلى الواحد، فإنك تطرح مجموع الأزواج من مجموع الأفراد، فما بقي فهو المقر به؛ وذلك أن مجموع الأزواج ها هنا ثلاثون، ومجموع الأفراد ستة وثلاثون، فإذا طرحت ثلاثين من ستة وثلاثين فتبقى ستة، وهو (٥) المقر به (٦). الوجه الثالث: أن تطرح كل استثناء من الذي قبله (٧) فما بقي بعد ذلك فهو المقر به؛ وذلك أن تطرح واحدًا من اثنين، الباقي واحد، ثم تطرح

стр. 2041

الواحد من ثلاثة، الباقي اثنان، ثم تطرح اثنين من أربعة [الباقي اثنان] (١)، هكذا إلى آخره (٢) (٣). الوجه الرابع: أن تطرح الاستثناء الأول (٤) من المستثنى منه، فما بقي فأضفه (٥) إلى ما بعد المستثنى، فما اجتمع فاطرح منه ما بعده (٦)، إلى آخرها (٧). وبيان ذلك: أن تطرح تسعة من عشرة فيبقى (٨) واحد، فأضفه إلى الثمانية فيكون تسعة، فاطرح منه سبعة كذلك إلى آخرها (٩) (١٠). الوجه الخامس: أن تأخذ ثلاثة أعداد متوالية، فتطرح العدد الأوسط (١١) من مجموعي (١٢) الطرفين، ثم تضيف الباقي بعد الطرح إلى العددين

стр. 2042

المتواليين بعد الثلاثة الأولى، فتطرح أيضًا وسطها (١) من مجموعي الطرفين، كذلك تفعل إلى آخرها. وبيان ذلك: [أن تأخذ] (٢) العشرة والتسعة والثمانية، فتجمع العشرة مع الثمانية فتكون (٣) ثمانية عشرة، فتطرح منها (٤) العدد الأوسط (٥) وهو التسعة، فيبقى تسعة، ثم تضيف التسعة إلى السبعة والستة، فتجمع التسعة والستة فتكون خمسة عشر، فتطرح منها (٦) الأوسط (٧) وهو السبعة، فبقي (٨) ثمانية، كذلك تفعل إلى آخرها، فتبقى خمسة، وهو المقر به، وبالله التوفيق بمنه. قوله: (فائدتان / ٢٠٩/: الأولى (٩): قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله، أو ما لولاه لظن دخوله، أو ما لولاه لجاز دخوله، أو ما لولاه لقطع بعدم دخوله، فهذه أربعة أقسام: فالأول: الاستثناء (١٠) من النصوص، نحو قوله (١١): عندي

стр. 2043

عشرة إِلا اثنين، والثاني: الاستثناء من الظواهر، نحو: اقتلوا المشركين إِلا زيدًا، والثالث: الاستثناء من المحال، والأزمان، والأحوال، نحو: أكرم رجلًا (١) إِلا زيدًا [و (٢) عمرًا] (٣)، وَصَلّ (٤) إِلا عند الزوال، و ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٥)، والرابع الاستثناء المنقطع: نحو: رأيت القوم إِلا حمارًا). ش: هاتان الفائدتان هما باعتبار فهم السامع للاستثناء، وإنما يقطع بدخوله في النصوص لكون اللفظ لا يحتمل (٦) المجاز؛ لأنه لا يستعمل إلا في مسماه (٧)، وإنما يظن دخوله في الظواهر؛ لأنه يحتمل المجاز (٨)، وإنما يجوز دخوله من غير علم ولا ظن في المحال والأزمان والأحوال؛ لأن اللفظ لا يشعر بخصوصها ولم يتناولها، فانتفى العلم والظن (٩)، وإنما يقطع بعدم دخول المنقطع لعدم صلاحية اللفظ له؛ فإن لفظ القوم لا يندرج فيه الحمار قطعًا (١٠). قوله: (نحو: أكرم رجالًا)، فقولك: أكرم: دال، وقولك: رجالًا (١١):

стр. 2044

مدلول، ومحله الأشخاص، ومن هذا المحل يستثنى. وقوله: (والأزمان) يريد: والبقاع (١)، [مثال البقاع] (٢) كقولك: صل إلا في المجزرة (٣) (٤). فقولك: [صل] (٥): دال، والصلاة مدلول، [و] (٦) محله البقاع (٧)، ومن هذا المحل يقع الاستثناء، [ومثال الأزمان: كقولك: صل إلا عند الزوال (٨)،

стр. 2045

فقولك: صل: دال، والصلاة مدلول، ومحلها الأزمان، ومن هذا المحل يستثنى] (١)، وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٢) فقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِه﴾، دال، والإتيان بأخي يوسف مدلول، ومحله الأحوال. قوله (٣): (الثانية): [أن] (٤) إِطلاق العلماء (٥): الاستثناء من النفي إِثبات، يجب أن يكون مخصوصًا، فإِن الاستثناء يرد على الأسباب، والشروط، والموانع، والأحكام، والأمور العامة التي لم ينطق بها، فالأول: نحو: لا عقوبة إِلا بجناية، والثاني: نحو: لا صلاة إِلا بطهور، والثالث: [نحو] (٦) لا تسقط الصلاة عن المرأة إِلا بالحيض، والرابع: نحو: قام (٧) القوم إِلا زيدًا، والخامس: نحو: قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ [إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ] (٨)﴾ (٩) (١٠)، ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم، لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط، الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده، فيكون مطردًا فيما عدا الشروط) (١١).

стр. 2046

ش: المقصود بهذه الفائدة، الرد على الحنفية القائلين بأن (١) الاستثناء من النفي لا يكون إثباتًا (٢)؛ فإنهم قالوا: لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لزوم من قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٣)، و"لا نكاح إلا بولي" (٤) ثبوت الصلاة بمجرد الطهارة (٥)، وثبوت النكاح بمجرد الولي (٦)، وذلك باطل. أجيب بأن الحديث إنما سبق لبيان شروط (٧) الصلاة والنكاح، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط. قوله: (يجب أن يكون مخصوصًا)، أي: مقيدًا بما عدا الاستثناء من الشروط، وأما الاستثناء من الشروط (٨) فلا يصح فيه ذلك، وإلى هذا الجواب أشار المؤلف بقوله: ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط) الحكمُ بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده. قوله: (لم يلزم من الحكم بالنفي) أي: لم يلزم من الحكم بنفي المشروط وهو الصلاة أو النكاح في قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي".

стр. 2047

قوله: (لعدم الشرط) يعني: لعدم الشرط الذي هو الطهارة أو الولي. قوله: (الحكم بالوجود) أي: بثبوت المشروط الذي هو الصلاة أو (١) النكاح في مثالنا. قوله: (لأجل وجوده)، أي: لأجل وجود الشرط الذي هو الطهارة أو الولي في مثالنا. قوله: (فيكون مطردًا فيما عدا الشروط) (٢)، أي: فيكون قولهم: الاستثناء من النفي إثبات مطردًا فيما عدا الشروط، وإلا فيلزم عليه صحة الصلاة بوجود الطهارة خاصة [من غير ركوع ولا سجود] (٣)، وصحة النكاح بوجود الولي خاصة [من غير عقد] (٤)، ولا قائل به. قال المؤلف في شرحه: الاستثناء يقع في عشرة أمور (٥): اثنان ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها (٦)، فأما اللذان ينطق بهما فهما: الأحكام والصفات، فمثال الأحكام: قام القوم إلا زيدًا، ونحوه من الأفعال، وأما (٧) الاستثناء من الصفة فهو (٨) على ثلاثة أقسام:

стр. 2048

أحدها: استثناء متعلقها، والثاني: استثناء نوعها، والثالث: جملتها (١). مثال استثناء متعلقها: قول الشاعر: قاتل ابن البتول إلا عليًا (٢) أراد بقوله: ابن البتول: الحسين (٣) بن علي بن أبي طالب (٤) ﵄، [وأراد] (٥) بالبتول (٦) فاطمة الزهراء (٧) ﵂، وسميت بالبتول (٨) قيل: لانقطاعها عن النظير، وقيل: لانقطاعها عن الأزواج،

стр. 2049

وهو (١) مراد هذا الشاعر؛ لأنها انقطعت عن الأزواج كلهم إلا عن علي ﵁، فاستثنى الشاعر من متعلق التبتل وهو الأزواج. ومثال الاستثناء من أنواعها: قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ (٢) بِمَيِّتينَ (٥٨) إنْ هِيَ إلا مَوْتَتُنَا الأُولَى﴾ (٣)؛ فإن الموتة (٤) الأولى نوع من أنواع الموت (٥)، ومثال استثناء جملتها قوله: [أنت] (٦) طالق واحدة إلا واحدة (٧). قال ابن شاس في الجواهر، وابن أبي زيد في النوادر: إذا قال الرجل: أنت طالق واحدة إلا واحدة تلزمه طلقة واحدة (٨) / ٢١٠/ لبطلان استثنائه بالاستغراق، إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فتلزمه طلقتان (٩)، وبيان

стр. 2050

ذلك: أن الواحدة صفة [و] (١) الموصوف طلقة، فإذا رفع (٢) صفة الوحدة (٣) بالنية فقد رفع بعض ما نطق به، فإذا ارتفعت الوحدة (٣) تعينت الكثرة؛ إذ [لا] (٤) واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنان (٥)؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد (٦). ومثال استثناء جملة الصفة أيضًا: مررت بالمتحرك إلا المتحرك، تقديره: مررت بالجسم المتحرك، فهذان شيئان موصوف وصفة، ثم استثنيت (٧) أحدهما [وهو الصفة التي هي الحركة، فيتعين السكون؛ لأن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفعت أحدهما] (٨) تعين الآخر للوقوع (٩)، فكأنك قلت: مررت بالساكن. قال المؤلف في شرحه: والاستثناء من الصفات هو باب غريب في الاستثناء، وقد بسطته (١٠) هو وغيره في كتاب الاستغناء في أحكام

стр. 2051

الاستثناء، وهو سفر كبير، [و] (١) فيه أحد وخمسون بابًا ونحو أربعمائة مسألة (٢). وأما الثمانية التي لا ينطق بها ويقع الاستثناء منها، فهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والمحال، والأحوال، والأزمان، والأمكنة، ومطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصات. مثال الاستثناء من الأسباب: لا عقوبة إلا بجناية (٣). ومثال الاستثناء من الشروط: لا صلاة إلا بطهور (٤). ومثال الاستثناء من الموانع: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض (٥). ومثال الاستثناء من المحال: أكرم رجلًا (٦) إلا زيدًا و (٧) عمرًا (٧) وبكرًا، فإن كل شخص هو محله لأعمه (٨). ومثال الاستثناء من الأحوال: قوله: ﴿لَتَأْتنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكمْ﴾ (٩)

стр. 2052

أي: لتأتنني به في كل حالة من الأحوال إلا حالة الإحاطة بكم، فإني أعذركم فيها (١). ومثال ذلك الاستثناء من الأزمان: صل إلا عند الزوال (٢). ومثال الاستثناء من الأمكنة: صل إلا في المزبلة والمجزرة (٣). ومثال الاستثناء من مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصات: قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكم﴾ (٤) يعني: الأصنام التي كانوا يعبدونها، أي: لا حقيقة لها إلا مجرد (٥) اللفظ، ولا وجود لها إلا وجود اللفظ، فوقع الاستثناء من مطلق الوجود على سبيل المبالغة في النفي (٦). فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بالفرد الذي يذكر منها بعد الاستثناء. [فيستدل بذلك الفرد على أن جنسه هو الكائن قبل الاستثناء، فيعلم حينئذ أن الاستثناء في هذه الأمور الثمانية هو استثناء

стр. 2053

متصل؛ لأنه استثناء] (١) من الجنس، والحكم فيه بالنقيض بعد إلا، وكثير من النحاة يعتقد أنه استثناء منقطع؛ لأنه يلاحظ الفعل المتقدم قبل الاستثناء ويجد ما بعده من غير جنسه فيقضي عليه بانقطاعه؛ لاعتقاده أن ما بعد الاستثناء من المنطوق (٢) به (٣) قبله، وليس كما ظن، بل الاستثناء واقع من غير مذكور، وهو متصل باعتباره (٤) (٥). قال المؤلف في شرحه: وهذه الأمور مبسوطة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، فمن أرادها فليطالعه، فإنها فوائد غريبة وفوائد جليلة، وهي كلها من فضل الله، له المنة في جميع الأحوال (٦). ...

стр. 2054

الباب التاسع في الشروط وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في أدواته. الفصل الثاني: في حقيقته. الفصل الثالث: في حكمه.

стр. 2055

الباب التاسع في الشروط (١) ش: وإنما أتى المؤلف بهذا الباب عقب (٢) [باب] (٣) الاستثناء لاشتراك (٤) الشرط والاستثناء في الإخراج (٥)؛ إذ لا فرق بين قولنا: اقتلوا المشركين إن حاربوا، وبين قولنا: اقتلوا المشركين إلا ألا (٦) يحاربوا، فلا فرق بينهما في خروج أهل الذمة من هذا الحكم المذكور. قوله: (الشروط). ش: شامل للشروط اللغوية والعقلية والشرعية والعادية (٧).

стр. 2056

قوله: (وفيه ثلاثة فصول). ش: أي وفي هذا الباب [وهو باب الشروط] (١) ثلاثة فصول، ويحتمل عود الضمير على الشروط (٢) أي: وفي الشروط (٢) ثلاثة فصول، [والأول أصح] (٣) (٤). قوله: (٥) (الأول: في أدواته) (٦). ش: والأدوات جمع أداة، والأدوات: هي الآلات (٧) التي يتوصل بها

стр. 2057

إلى المقصود (١)، كالحبل والدلو؛ فإنه يتوصل بهما إلى الماء، وكذلك حروف الشرط (٢) يتوصل بها إلى الربط (٣) بين الكلامين، وهما الشرط والجزاء (٤). قوله: (في أدواته) يعني: [أ] (٥) دوات الشرط اللغوي، أي: في ذكر أدوات الشرط عند أرباب اللغة. قوله: (وهي "إِن"، و"إِذا" (٦)، و"لو"، وما تضمن معنى "إِن"). ش: ظاهر كلامه: أن [لو] من أدوات الشرط حقيقة، وهو ظاهر كلام ابن مالك في الألفية [أيضًا] (٧)؛ لأنه قال: "لو" حرف شرط (٨)، وهو (٩) أيضًا ظاهر كلام الزمخشري في المفصل؛ لأنه قال: ومن أقسام الحروف حرف الشرط وهما: "إن" و"لو" (١٠).

стр. 2058

[نعم] (١) قيل (٢): سميت حرف الشرط مجازًا، لشبهها بحرف الشرط في الربط بين جملتين، قاله (٣) المؤلف؛ لأن حقيقة الشرط ربط مستقبل بمستقبل، لا ربط ماضٍ بماضٍ كما في "لو" (٤). قوله: (وهي: و"إن" و"إِذا" و"لو" وما تضمن معنى "إِن")، ظاهر كلامه من أوله (٥) أن هذه الثلاثة كلها أصل في الشرط؛ لأنه قال: وهي: "إن" و"إذا" و"لو"، وظاهر آخر كلامه وهو قوله: (وما تضمن معنى "إِن")، أن "إن" هي الأصل منها. فاعلم أن الأصل من أدوات الشرط (٦) هو "إن" خاصة، وأما غيرها فهو فرع عنها (٧) لتضمنه معنى "إن"، يدل عليه قوله في باب معاني الحروف: (و"إن" وكل ما تضمن معناها للشرط) (٨)، ويدل على ذلك أيضًا قوله هنالك: (ولو مثل هذه الكلمات في الشرط (٩)) وإنما ذكر المؤلف [ها] (١٠) هنا "إذا"

стр. 2059

و"لو"/ ٢١١/ مع "إن" ليبين ما تختص به كل واحدة (١) منها، وإنما احتاج المؤلف [ها هنا] (٢) إلى الفرق بينها (٣) لاشتراكها (٤) في الشرطية والاختصاص بالفعل (٥). قوله: (فـ "إِن" تختص بالمشكوك فيه، وإِذا تدخل على المعلوم والمشكوك، ولو تدخل على الماضي بخلافهما). ش: ذكر أن "إن" تختص بالمشكوك (٦) فيه، أي بالمحتمل، فتقول: إن جاء زيد فأتني، ولا تقول: إن طلعت الشمس فأتني؛ لأن مجيء زيد مشكوك فيه، بخلاف طلوع الشمس فإنه معلوم محقق لا بد من وقوعه؛ لأن طلوعها معلوم عادة، ونظير "إن" في هذا المعنى "متى"، فإنها لا يستفهم بها إلا عن الزمان المجهول، فتقول: متى يقدم (٧) زيد؟ ولا تقول: متى تطلع الشمس؟ (٨). وقوله: (و"إِذا" تدخل على المعلوم والمشكوك (٩))، فإنك تقول: إذا جاء زيد فأكرمه، وإذا طلعت الشمس فأكرمه، فـ "إذا" أعم من "إن".

стр. 2060

قالوا: الفرق بين "إن" و"إذا" من جهة اللفظ (١) ثلاثة أوجه (٢): أحدها: أنّ "إنْ" حرف، و"إذا" اسم (٣). وثانيها: أنّ (٤) بناءها أصل، وبناء "إذا" (٥) فرع (٦). وثالثها: أن "إن" تجزم (٧) ما بعدها، و"إذا" تخفض (٨) ما بعدها بالإضافة (٩). والفرق بينهما من جهة المعنى من أربعة أوجه (١٠): أحدها: الأصالة. والثاني: الدلالة، والثالث: عموم التعليق وخصوصه، والرابع: السعة وعدمها. قولنا: (١١) الأصالة: أن "إن" أصلها الشرطية، و"إذا" أصلها الظرفية (١٢).

стр. 2061

ومعنى قولنا: الدلالة: أن "إن" تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط (١) بالمطابقة، و"إذا" تدل على الزمان بالمطابقة وعلى الشرط بالالتزام (٢). ومعنى قولنا: عموم التعليق وخصوصه: أن "إن" لا يعلق (٣) عليها إلا المشكوك، و"إذا" يعلق (٤) عليها المشكوك والمعلوم (٥). وقولنا: (٦) السعة وعدمها. فإن "إن" لا سعة فيها، بخلاف "إذا" ففيها السعة، فلذلك يلزم الطلاق في: أنت طالق إذا مت، على قول، ولا يلزم في أنت طالق إن مت، باتفاق (٧)،

стр. 2062

قال ابن الحاجب: ورجع مالك إلى أن إذا مت مثل إن مت، في أنه لا يحنث بخلاف يوم أموت (١) (٢). وقولنا في الوجه الأول: إن "إن" أصلها الشرطية هذا هو الأصل فيها، وقد تستعمل في غير الشرط كقوله تعالى: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ (٣) (٤) فإنّ (٥) "إنْ" ها هنا نافية بمعنى "ما"، وتكون زائدة بعد "ما" النافية كقولك: ما إن زيد قائم، وتكون مخففة من الثقيلة كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لمَّا عَلَيْهَا﴾ (٦) (٧). وقولنا في "إذا": أصلها (٨) الظرفية، وقد تكون ظرفًا محضًا لا شرط فيه كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (٩) تقديره: أقسم

стр. 2063

بالليل حالة غشيانه وبالنهار حالة تجليه؛ لأن تلك الحالة أعظم حالات الليل والنهار، والقسم تعظيم، والتعظيم يناسب أعظم الحالات، فـ "إذا" ها هنا ظرف (١) لا شرط فيه (٢)، والعامل فيه الفعل المحذوف وهو أقسم، و"إذا" ها هنا في موضع النصب على الحال (٣). وقد يدخلها مع ذلك معنى الشرط كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمنَاتُ يُبَايعْنَكَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَهَا﴾ (٦). والعامل في "إذا" إذا كانت للشرط هو الفعل الذي بعدها، وهو جاء وزلزلت في الأمثلة المتقدمة، وإنما يعمل فيها ما بعدها إذا كانت شرطية؛ لأن الفعل الذي بعدها مجزوم في المعنى، فكما جاز عمل "إذا" فيما بعدها مع أنها مضافة إلى الجملة بعدها، كذلك جاز عمل ما بعدها فيها، كما تعمل من و"ما" الشرطيتان (٧) فيما بعدهما ويعمل ما بعدهما فيهما، كقولك: من تكرم أكرمه، وما تفعل أفعل، فإن "من" و"ما" في موضع نصب بالفعل المجزوم الذي بعدهما، و"من" [و] (٨) "ما" هما الجازمتان لما بعدهما، فهكذا

стр. 2064

تقول في "إذا" الشرطية فهي (١) عاملة معمولة، وإن كانت (٢) في التقدير مضافة إلى الجملة بعدها (٣)، قاله المكي في مشكل الإعراب (٤) في سورة إذا زلزلت الأرض (٥). قوله: (فـ "إِن" تختص بالمشكوك فيه) انظر هذا مع وقوع "إن" في كتاب الله في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿إِن (٨) كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ (٩) وهو كثير في القرآن، مع أن الله تعالى بكل شيء عليم، والشك في حقه تعالى محال (١٠).

стр. 2065

والجواب عن هذا (١): أن القرآن عربي، فكل ما جاز أن يرد في كلام العرب جاز أن يرد في القرآن، ولا يعتبر في ذلك خصوص الربوبية؛ إذ لا مدخل له فى وضع اللغة، فإذا كان ما تدخل عليه "إنْ" شأنه أن يكون مشكوكًا فيه، حسن دخولها عليه، ولا يقدح في ذلك علم المتكلم والسامع (٢). قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما). ش: لما ذكر الفرق بين "إن" و"إذا"، ذكر ها هنا الفرق بينهما وبين "لو"، فذكر أن "لو" تختص بدخولها على الفعل الماضي لفظًا ومعنى (٣)، كقولك (٤): لو جاء زيد أمس لأكرمته اليوم، أو تقول: لو جاء زيد أمس لكنت أكرمته، بخلاف "إن" و"إذا" وغيرهما من جميع أدوات الشرط، فإنها لا تدخل على الماضي، وإن وقع دخولها على الماضي [فإنه مؤول] (٥) (٦)، كقولك: إن جاء زيد أكرمته، تقديره: إن يجئ زيد أكرمته (٧)، فقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (٨) قال ابن السراج: معناه: إن يثبت في المستقبل أني قلته (٩) في

стр. 2066

الماضي (١)، فالشرط (٢) هو ثبوته في المستقبل. قوله: (و"لو" تدخل على الماضي)، يعني: الماضي لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣)، وقد تدخل على الماضي لفظًا وهوِ مستقبل معنى، فتكون بمعنى "إن"، (٤) كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥) (٦).

стр. 2067

ومنه قول الشاعر: ولو أن ليلى خيلته لسلمت ... علي وفوقي تربة/ ٢١٢/ وصفائح (١) وقد تدخل [أيضًا] (٢) على الماضي معنى وهو مستقبل لفظًا (٣)، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٤). ومنه قول الشاعر: لو يسمعون (٥) كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعًا وسجودًا (٦) فإذا وقع الفعل المستقبل في اللفظ بعد "لو" فإنه يقدر بالماضي، فقوله

стр. 2068

تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ (١)﴾ تقديره: لو أطاعكم. وقول الشاعر: لو يسمعون (٢)، تقديره: لو سمعوا، لأجل (٣) هذا لا تعمل في المضارع إذا دخلت عليه؛ لأنه في تقدير الماضي (٤). قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما)، هذا من خصائصها، كذلك أيضًا من خصائصها: أنها (٥) تدخل على "أنَّ" المفتوحة المشددة (٦) كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٩) وغير ذلك. واختلف النحاة في "أن" الواقعة بعد [لو] (١٠): مذهب سيبويه وجمهور البصريين: أنه مبتدأ، وهو شاذ، كقول الشاعر:

стр. 2069

لو ذات السوار (١) لطمتني (٢) (٣). وقال جمهور الكوفيين (٤): هو فاعل بفعل مضمر تقديره: لو ثبت أنهم فعلوا (٥)، فإذا قلنا بمذهب سيبويه فما خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: هذا المبتدأ لا يحتاج إلى الخبر؛ لانضمام الخبر عنه والخبر بعد "أن" (٦). قال ابن مالك في ألفيته: "لو" حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤه مستقبلاً لكن قبل وهي في الاختصاص بالفعل كـ "إن" ... لكن "لو" "أنَّ" بها قد تقترن (٧) وإن مضارع تلاها صرفا ... إلى المضي نحو لو يفي كفى (٨) قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما)، اعلم أن "لو" التي تكلم

стр. 2070

عليها (١) المؤلف هي "لو" الشرطية، وهي الامتناعية (٢)؛ لأنها هي التي تفيد الشرط والربط. وأما المصدرية والتمنية، فلم يتكلم عليها (٣)، لأنه (٤) [قد] (٥) تقدم لنا في باب معاني الحروف أن "لو" لها ثلاثة (٦) معان، وهي: شرطية، ومصدرية، وتمنيِّة (٧)، فالشرطية (٨): كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (٩)، والتمنيَّة: كقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠)، وقد أثبتها كثير من النحاة، ومن نفاها تأولها بالامتناعية
следующие страницы →