← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفرفخ، أو الفرفخين. ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الخمر؟ فيقال: العقار؛ لأن معرفة العقار أخفى من معرفة الخمر. وقوله (١): (والأخفى) يستغنى عنه بقوله: (المساوي)؛ لأنه إذا منع التعريف بالمساوي، فأولى وأحرى (٢) أن يمنع التعريف بالأخفى. قالوا: ومثال التحديد بالمساوي أو الأخفى (٣): التزكية عند القاضي، فإذا طلب القاضي تزكية شاهد لا يعرفه قط، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي أيضًا قط (٤) فهذه التزكية: باطلة؛ لأنها (٥) من باب التعريف بالمساوي في الجهالة؛ إذ المُعرِّف والمعرَّف مجهولان عند القاضي. وإذا طلب القاضي تزكية شاهد عرفه القاضي معرفة العين (٦)، ولا يدري حاله، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي ولا رآه أصلاً، فهذه التزكية أيضًا: باطلة؛ لأنها (٧) من باب التعريف بالأخفى؛ لأن معرفة المعرِّف أخفى عند القاضي من معرفة المعرَّف. قوله (٨): (وما لا يعرف إِلا بعد معرفة المحدود) معناه: ويحترز (٩) في

стр. 247

الحد من التعريف بما تتوقف معرفته على معرفة المحدود. وهذا التوقف تارة يكون بمرتبة واحدة، وتارة يكون بمراتب: مثاله بمرتبة واحدة: إذا قيل: ما الشمس؟ فتقول (١): كوكب نهاري، فإنه لا تعرف الشمس إلا بعد معرفة النهار، ولا يعرف النهار إلا بعد معرفة الشمس، فتوقف معرفة (٢) كل واحد (٣) منهما على معرفة الآخر، فهذا (٤): باطل؛ لأنه يلزم منه الدور. ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الأب؟ فيقال: من له ابن، فكل واحد منهما متوقف (٥) على معرفة الآخر. ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الابن؟ فيقال: من له أب، فكل واحد منهما متوقف (٦) على الآخر؛ لأنهما متضايفان. ومثاله (٧) أيضًا: قولك (٨) في حد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به؛ لأن العلم لا يعرف إلا بعد معرفة المعلوم؛ لأنه قد أخذ في حده، ولا يعرف المعلوم أيضًا إلا بعد معرفة العلم؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، ولا يعرف

стр. 248

المشتق إلا بعد معرفة المشتق منه. ومثاله أيضًا: قولك (١) في حد الأمر: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، فإن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، فكل واحد من المعرِّف والمعرَّف متوقف على معرفة الآخر. ومثال التوقف بمراتب: إذا قيل: مال الزوج؟ فيقال: الاثنان، فيقال: وما الاثنان؟ فيقال: المنقسم بمتساويين، فيقال: وما المنقسم بمتساويين؟ فيقال: الزوج، فقد عرف الزوج بما لا يعرف إلا بعد معرفته بمراتب فهو (٢): أشد فسادًا من القسم الأول (٣). [قال الخسروشاهي (٤): قولهم: ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فيه دور، نحو قولنا في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به لا يصح فيه الدور؛ لأن المقصود إنما هو (٥) نسبة اللفظ إلى الحقيقة، وذلك أن يكون السائل عارفًا بالمعلوم، ولكن لم يعلم كون العلم موضوعًا للمعلوم، فإذا أخبر بذلك

стр. 249

حصل مطلوبه من غير دور، فإن المقصود بالحد هو نسبة الحد إلى المحدود لمن هو عارف بالمحدود فلا دور] (١). وقوله (٢): (والإِجمال في اللفظ) ومعنى المجمل هو: اللفظ (٣) الذي لا تتضح دلالته للسامع (٤). مثاله: التحديد باللفظ المشترك كما (٥) إذا قيل: ما العسجد؟ فيقال: العين، فإن العين لفظ مشترك بين الذهب، وعين الماء، وعين الميزان، وعين الشمس، والحدقة، وغير ذلك، مما يطلق عليه لفظ العين (٦). فتعريف العسجد بالعين: باطل؛ إذ هو تعريف بالمجهول، والمجهول لا يحصل به بيان، فالذي ينبغي أن يقال في تعريف العسجد هو: الذهب (٧). ولكن (٨) هذا كله إنما يمنع (٩) التعريف باللفظ المجمل إذا لم يكن هنالك قرينة حالية أو مقالية تدل على المراد به، أما إذا كانت هنالك قرينة تدل على المراد: فيجوز إيقاع اللفظ المشترك في الحدود. مثال ذلك: إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد (١٠)، وكذلك قولنا (١١):

стр. 250

العالم: إما حيوان، أو جماد، أو نبات، وكذلك قولنا (١): الحيوان، إما ماشٍ، أو سابح، أو طائر. فهذا كله كلام صحيح محصل للمراد للسامع، وإن وقع فيه لفظ مشترك وهو أو؛ لأن (أو) لفظ مشترك بين التنويع، والتخيير، والإباحة، والشك، والإبهام، ولكن دل السياق في هذه الأمثلة على أن (٢) المراد به التنويع دون غيره من محامله، فإذا وقع مثل هذا في الحدود فإنه لا يجوز؛ إذ المقصود حصول البيان والمقصود، وإنما المحذور (٣) فوات المقصود والمراد. وها هنا ثلاثة ألفاظ اختلف الأصوليون في استعمالها في الحدود وهي: المشترك والمجازي، واللفظ الغريب في اللغة. ثالثها: المشهور (٤): إذا كانت هناك (٥) قرينة حالية أو مقالية تدل على المقصود والبيان: فإنه يجوز استعمالها وإلا فلا. فقوله (٦): (والإِجمال في اللفظ) يريد: إذا لم يكن فيه ما يدل على المراد. قوله (٧): (ويحترز (٨) فيه من التحديد بالمساوي، والأخفى، وما لا

стр. 251

يعرف إِلا بعد معرفة المحدود، والإِجمال في اللفظ) (١) هذه (٢) الأربعة الأشياء من الأشياء التي يقع بها الخلل والفساد في الحدود. واعلم أن الفساد في الحد (٣) يكون من جهة الجنس، وتارة يكون من جهة الفصل، وتارة يكون من أمر مشترك بينهما. فأما الذي يكون من جهة الجنس فهو أشياء: أحدها: أن يجعل (٤) الفصل بدل (٥) الجنس. مثاله: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال: الناطق الحيوان، فالحيوان هو الجنس المشترك بين الإنسان وغيره، والناطق هو الفصل المبين (٦) للإنسان من غيره، صوابه: أن يقدم الجنس (٧) على الفصل، فيقال: الحيوان الناطق. ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما العشق؟ فيقال: إفراط المحبة، فالمحبة جنس، والإفراط فصل، صوابه: المحبة المفرطة؛ لأن صورة الحد تقديم (٨) الجنس على الفصل.

стр. 252

الثاني: أن يجعل النوع بدل الجنس. مثاله: أن يقال: ما الشر؟ فيقال: ظلم الناس، فإن ظلم الناس نوع من الشر. الثالث: أن يجعل الجزء بدل الجنس. مثاله أن يقال: ما العشرة؟ فيقال: خمسة وخمسة؛ لأن الخمسة جزء من العشرة وليست بجنس، وإنما يقال في حده (١): عدد زوج مركب من خمسة وخمسة. الرابع: أن يجعل الماضي بدل الجنس. مثاله: إذا قيل: ما الولد؟ [فيقال] (٢): نطفة مستحيلة. ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الرماد؟ فيقال: خشب محترق (٣). و (٤) الخامس: أن يجعل المحل بدل الجنس. مثاله: أن يقال: ما الكرسي؟ فيقال: خشب يجلس عليه (٥) فإن الخشب محل الصورة لا جنس. ومثاله: إذا قيل: ما السيف؟ فيقال: حديدة يقطع بها، فإن الحديدة هي (٦)

стр. 253

المحل الذي تصنع (١) منه هذه (٢) الصورة لا جنس، فإنما (٣) يقال: آلة صناعية من حديد طولها كذا، [وعرضها كذا] (٤) يقطع بها كذا فالآلة جنس (٥). السادس: أن يجعل الوصف (٦) العرضي (٧) العام بدل الجنس. مثاله: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال: الموجود الناطق، لأن الموجود عرضي عام. السابع: أن تجعل (٨) القدرة مكان المقدور. مثاله: إذا قيل: ما العفيف؟ فيقال (٩): هو الذي (١٠) يقدر على اجتناب اللذات الشهوانية، صوابه أن يقال: هو الذي يترك اللذات الشهوانية؛ لأن الفاسق يقدر على تركها أيضًا، هذا بيان الخلل من جهة الجنس (١١).

стр. 254

وأما الخلل الكائن (١) من جهة الفصل: فمثاله: أن يجعل اللوازم (٢) والعرضيات بدل الذاتيات، كما إذا قيل في حد الإنسان: هو الحيوان الضاحك أو الكاتب، وكذلك إذا ترك بعض الفصول (٣) كمثل إذا (٤) قيل: ما الحيوان؟ فيقال: الجسم الحساس، ويترك المتحرك بالإرادة، فإنه من جملة الفصول التي تميز الحيوان من النبات. وأما الخلل الكائن من أمر مشترك بين الجنس والفصل فهذا (٥) بينه المؤلف بقوله: وشرطه أن يكون جامعًا [لجملة أفراد المحدود] (٦) إلى قوله: والإجمال (٧) في اللفظ (٨). قوله (٩): (والمعرفة خمسة: الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص، وتبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه عند السامع).

стр. 255

هذا هو المطلب الرابع، وهو المطلب الآخر من المطالب الأربعة التي احتوى عليها الفصل، وهو أقسام الحد، فذكر المؤلف ﵀ أن أقسام الحد خمسة: قسمان في الحد: تام وناقص (١). وقسمان في الرسم: تام (٢) وناقص. والقسم الخامس: تبديل لفظ بلفظ. والدليل على انحصار القسمة في هذه الأقسام الخمسة: أن تعريف الماهية إما (٣) أن يكون بالداخل فيها، أو بالخارج (٤) عنها، أو بالداخل والخارج معًا. فإن كان بالداخل: فإما أن يكون بجميع أجزائها أو ببعضها، فإن كان بجميع أجزائها سمي: حدًا تامًا، وإن كان ببعض أجزائها؛ فإن كان جزءًا مميزًا سمي: حدًا ناقصًا، وإن لم يكن مميزًا فلا يكون معرفًا. وإن كان بالخارج (٥) عن الماهية، فإن كان صفة قائمة بها سمي: رسمًا ناقصًا. وإن كان غير قائم بها، وهو تبديل لفظ بلفظ أشهر منه سمي: حدًا لفظيًا. وإن كان التعريف بالداخل والخارج معًا؛ فإن كان الداخل هو القدر المشترك، والخارج هو القدر المميز سمي: رسمًا تامًا، وهو الذي يكون مركبًا

стр. 256

من الجنس والخاصة، وإن كان بخلاف ذلك (١) فلا تسميه الحكماء باسم معين. قوله (٢): (والمعرفات خمسة) (٣) هذه صفة محذوفة الموصوف. قيل: الموصوف بها: الحدود، تقديره: والحدود المعرفات خمسة. وقيل: الموصوف بهذه الصفة هو: الأشياء، تقديره: والأشياء المعرفات (٤). وسبب هذا الاختلاف: الخلاف الواقع بينهم في الحد؛ هل هو اسم حقيقة فى كل واحد من هذه الأقسام الخمسة؟ أو هو حقيقة في الحد التام خاصة وهو مجاز في الأقسام الأربعة الباقية؟ وظاهر كلام ابن الحاجب (٥) أنه يطلق على جميعها لأنه قال: "والحد حقيقي، ورسمي، [ولفظي] " (٦).

стр. 257

فإذا قلنا: حقيقة في جميع الأقسام (١) الخمسة: فقيل: هو لفظ مشترك. وقيل: هو لفظ مشكك. ذكر الغزالي في مقدمة المستصفى هذين القولين (٢) والأرجح من القولين بالتشكيك، فتكون الأولية على حسب قوتها (٣) في التعريف. قوله (٤): (والمعرفات خمسة) (٥) تقديره: والحدود، أو الأشياء (٦) المحصلات لصورة الشيء وحقيقته في الذهن: خمسة حدود، أو خمسة (٧) أشياء. قوله (٨): (الحد (٩) التام) سمي بالحد التام؛ لاشتماله على التعريف بجميع أجزاء الماهية.

стр. 258

وقوله (١): (والحد الناقص) سمي بالناقص؛ لنقصان بعض أجزاء الماهية منه. وقوله (٢): (والرسم التام) سمي هذا بالرسم؛ لأنه علامة على الذات؛ لأن الرسم هو: العلامة، وسمي تامًا؛ لاشتماله على شيئين وهما: الجنس، والخاصة. وقوله (٣): (والرسم الناقص) سمي هذا بالناقص، لاشتماله على: شيء [واحد] (٤) وهو: الخاصة. وقوله (٥): (وتبديل لفظ بلفظ [مرادف له أشهر (٦) منه عند السامع] (٧)). قال المؤلف في الشرح: إنما اشترطنا (٨) هنا (٩) المرادفة في تبديل لفظ بلفظ احترازًا (١٠) من الحد الناقص، والرسم الناقص؛ لأن كل واحد منهما فيه تبديل لفظ بلفظ، لكن ليس مرادفًا (١١) له (١٢).

стр. 259

وقوله (١): (أشهر منه عند السامع) معناه: أن يكون اللفظ (٢) المعرِّف أشهر وأظهر في التعريف عند السامع من اللفظ المعرَّف، كقولنا: ما العقار؟ فنقول: الخمر، وما الضرغام؟ فنقول: الأسد. وقوله (٣): (أشهر) احترازًا من المساوي والأخفى (٤) كقولنا في اللفظ المساوي: ما الضرغام؟ فنقول: الضيغم، وما الفرفخ؟ فنقول: الفرفخين [وقولنا في اللفظ الأخفى: ما الخمر؟ فنقول: العقار، وما الأسد؟ فنقول: الضرغام] (٥). قوله: (عند السامع)؛ لأن السامع هو المقصود بالبيان. قال المؤلف في الشرح: إنما قلت (٦): أشهر منه (٧) عند السامع؛ لأن الشهرة قد تنعكس. مثال ذلك: الفول والباقلاء، فالفول هو المشهور عند أهل مصر، والباقلاء هو المشهور عند أهل الشام، فإذا قال المصري للشامي (٨): ما الباقلاء؟ فجوابه أن يقول له (٩): [هو الفول؛ لأن الفول هو اللفظ الذي يعرفه المصري، وإذا قال الشامي للمصري: ما الفول؟ فجوابه أن يقول

стр. 260

له] (١): هو الباقلاء؛ لأن الباقلاء هو اللفظ الذي (٢) يعرفه الشامي، ولا يجاوب السائل إلا بما هو أشهر عنده، وإلا فلم يحصل البيان (٣). قوله (٤): (فالأول التعريف بجملة الأجزاء) أي القسم الأول الذي هو: الحد التام، هو: التعريف بجميع الأجزاء الذاتيات التي تركب (٥) منها الماهية. و (٦) قوله: (الأجزاء) يعني: الذاتية (٧) في الكلام حذف الصفة، ومعنى قولنا: الذاتية (٨) أي: التي تركبت منها الذات، وهي: الأوصاف الداخلة في الماهية، احترازًا من الأوصاف العرضية وهي: الأوصاف الخارجة عن الماهية. و (٩) قوله: (نحو: قولنا: الإِنسان هو: الحيوان الناطق) هذا مثال الحد التام، الذي هو التعريف بجميع أجزاء الماهية؛ وذلك أن حقيقة الإنسان مركبة من الحياة والنطق، وهذا هو الحد الحقيقي، وهو الذي فيه التعريف بجميع الأجزاء الذي (١٠) تركبت منه الماهية.

стр. 261

وقوله (١): (نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق). فيه تنبيه على كيفية صورة الحد (٢)، وهي (٣): أن يؤتى أولاً بالجنس المشترك بين الماهية وغيرها، ثم يؤتى بعده بالفصل المميز للماهية عن (٤) غيرها (٥). فقولنا في هذا (٦) المثال: الحيوان هو: الجزء الذي هو مشترك (٧) بين ماهية الإنسان وغيرها من سائر ما له روح، وقولنا: الناطق هو الجزء المميز ماهية الإنسان عن الشركة، ويسمى الجزء الأول عندهم (٨) بالجنس، ويسمى الجزء (٩) الثاني بالفصل، ولكن يشترط في الجزء الأول الذي هو الجنس أن يكون قريبًا للماهية، احترازًا من الجنس البعيد. مثال القريب: تعريف الإنسان بالحيوان الناطق كما قال المؤلف. ومثال الجنس البعيد: تعريف الإنسان بالجسم الناطق؛ [لأن الجسم بعيد؛ لأنه أعلى من الحيوان (١٠)؛ لأنه يحتوي على الحيوان وعلى الجماد.

стр. 262

ولأجل هذا قال ابن] (١) الحاجب: وصورة الحد الجنس الأقرب ثم الفصل (٢). وقوله (٣): (ونحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق). فيه تنبيه أيضًا (٤): على أن الحد الحقيقي هو ما تركب من الأجزاء الذاتية (٥)؛ لأن (٦) مثاله يقتضي (٧) ذلك، وأما إذا وقع التعريف بغير ذلك فلا يسمى حدًا حقيقيًا، وإنما يسمى رسمًا. والفرق بين الذاتي، والعرضي: أن الذاتي: ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه، والعرضي: ما يتصور فهم الذات قبل فهمه. قال ابن الحاجب: والذاتي ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه كاللونية للسواد والجسمية للإنسان. انتهى (٨). يعني: أن الوصف الذي هو اللونية هو وصف ذاتي للسواد؛ إذ لا يمكن تصور السواد بدون اللونية؛ لأن السواد قابض للبصر، وكذلك لا يمكن تصور

стр. 263

ذات (١) الإنسان قبل تصور الجسمية؛ لأن (٢) الإنسان جسم نام لاستحالة تصور الكل بدون تصور (٣) الجزء، و (٤) هذا بيان الذاتي. وأما العرضي فهو: ما يتصور فهم الذات قبل فهمه كما قدمنا، وهو على قسمين: أحدهما: لازم. والآخر: عارض. فاللازم ما لا يتصور مفارقته للماهية كالفردية للثلاثة، والزوجية للأربعة. والعارض: ما تتصور (٥) مفارقته للماهية (٦)، وهو على قسمين: ما يزول. وما لا يزول. فمثال ما يزول: حمرة الخجل وصفرة الوجل (٧). ومثال ما لا يزول: سواد الغراب وسواد الزنجي.

стр. 264

وقوله (١): (نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق) اعترض على هذا الحد بأن قيل (٢): غير جامع ولا مانع، وإنما قيل (٣): غير جامع؛ لخروج الأبكم منه؛ لأنه إنسان غير ناطق، وإنما قيل: غير مانع؛ لدخول الببغاء فيه؛ لأنه حيوان ناطق. أجيب عنه: بأن قيل (٤): المراد بالناطق: العاقل، فيدخل الأبكم وتخرج (٥) الببغاء؛ لأنها غير عاقلة. والببغاء هو (٦): طير (٧) أكبر من اليمامة بيسير، وذكر عنها أنها أهرقت محبرة [لرجل فنتف رأسها] (٨)، فدخل عليها رجل آخر فوجدها منتوفة الرأس، فقالت له: أهرقت المحبرة (٩)، فهذا كلام عربي فصيح، لكن لا (١٠) يعقل المتكلم به. فقوله (١١): (الإِنسان هو الحيوان الناطق) معناه: العاقل احترازًا من الببغاء، لأنه (١٢) حيوان غير عاقل.

стр. 265

ثم اعترض على هذا أيضًا بأن قيل أيضًا: هذا غير جامع ولا مانع؛ لأن قولنا: معناه الحيوان العاقل، يخرج منه فاقد العقل من الناس، ويدخل فيه الجن والملائكة؛ لأنهم حيوان عاقل. أجيب (١) عنه: بأن حقيقة العقل سجية تنشأت (٢) عن الأمزجة البشرية فلا يدخل الجن والملائكة، وهذه السجية حاصلة (٣) لكل إنسان كان رضيعًا أو فطيمًا، كان عاقلاً أو فاقد عقل، كان يقظان أو نائمًا. فهذه السجية هي في كل إنسان إلا أنها قد يمنع ظهورها (٤) في بعضهم مانع كالطفل، والمجنون، والسكران، والمغمى عليه، والنائم (٥)، غير أنها في الطفل ضعيفة لم تبلغ فعلها بمنزلة رجل الطفل بالنسبة إلى المشي، وكالنار القليلة (٦) لم تبلغ أن تحرق الجذوع (٧)، وهي في المجنون والسكران كالعين الحولا، وهي في المغمى (٨) كالعين التي عليها (٩) غشاوة من بخار يرقى إليها، وهي في النائم كالعين المغمضة. [وقوله: (في الحد التام نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق فعرفه

стр. 266

باجتماع الجنس والفصل). يريد: وكذلك أيضًا ما اجتمع فيه حد الجنس مع الفصل، نحو قولنا في حد الإنسان: الجسم النامي الحساس الناطق، فقولنا: الجسم النامي الحساس هو: حد الحيوان، وقولنا: الناطق هو: الفصل المميز للإنسان عن غيره من أنواع الحيوان، فلا فرق إذًا في حد الإنسان بين قولك: الحيوان الناطق وبين قولك: الجسم النامي الحساس الناطق] (١). وقوله (٢): (والثاني: التعريف بالفصل وحده، وهو: الناطق). يعني أن الحد الناقص هو: التعريف بالفصل وحده، أي: دون الجنس القريب، وأراد بالفصل: الجزء الذي يميز الماهية (٣) عن (٤) غيرها (٥)، أي: يميز حقيقة الإنسان من سائر الحيوانات في هذا المثال. قوله (٦): (بالفصل (٧) وحده) يريد: وكذلك التعريف بالفصل مع الجنس البعيد فإنه حد ناقص، نص عليه الخونجي (٨) في "الجمل" كقولك في حد

стр. 267

الإنسان: الجسم الناطق (١). و (٢) قوله (٣): (والثالث التعريف بالجنس والخاصة كقولنا: هو (٤) الحيوان الضاحك) يعني أن الرسم التام هو التعريف بالجنس القريب مع الخاصة (٥). ومعنى الخاصة هو: الوصف الخارج عن (٦) الماهية الخاص بها دون غيرها نحو: الضاحك، والكاتب، والخياط، وغيرها من الأوصاف الخاصة بالإنسان. قال المؤلف (٧) في الشرح: المراد بالضاحك ونحوه (٨) من خصائص الإنسان هو: الضاحك بالقوة دون الفعل (٩)؛ لأن الضاحك بالقوة هو

стр. 268

الموجود في جميع أفراد (١) الإنسان، فيكون جامعًا مانعًا. وأما الضاحك بالفعل فقد يعرى عنه كثير من أفراد الإنسان، ويكون عبوسًا فلا يكون جامعًا، بل المراد القوة التي هي (٢) القابلية، دون الفعل الذي هو الوجود والوقوع، وقس عليه غيره، انتهى (٣) نصه (٤). قوله (٥): (والرابع وبالخاصة وحدها نحو قولنا: هو الضاحك) يعني: أن الرسم الناقص هو التعريف بالخاصة وحدها، أي: دون الجنس القريب، نحو قولنا في حد الإنسان: هو الضاحك. وقوله (٦): (بالخاصة وحدها) يريد: وكذلك إن كان التعريف بالخاصة وبالجنس البعيد فهو رسم ناقص؛ لأن الجنس البعيد بمنزلة العدم فكما أن الجنس البعيد مع الفصل هو: حد ناقص، فكذلك الجنس البعيد مع الخاصة هو: رسم ناقص، كقولنا في حد الإنسان هو: الجسم الضاحك، أو هو: الجسم الكاتب، أو هو: الجسم الخياط. انظر ذَكَرَ المؤلف أربعة أنواع وهي (٧): اجتماع الجنس مع الفصل وهو: الحد التام، وذكر اجتماع الجنس مع الخاصة وهو: الرسم التام، وذكر انفراد الفصل وهو: الحد الناقص، وذكر انفراد الخاصة وهو: الرسم الناقص.

стр. 269

وسكت عن اجتماع الفصل مع الخاصة (١) نحو قولنا في حد الإنسان هو: الناطق الضاحك، مع أنه جامع مانع محصل للمقصود (٢) أكثر من الجنس والخاصة لذكر المميز، وهو الفصل مع الخاصة بالماهية. وقد ذكر فيه المؤلف (٣) في الشرح قولين: قيل: هو (٤) رسم تام؛ لأن الرسم التام ما اجتمع فيه الداخل والخارج كيف كان (٥). وقيل: الرسم التام ما اجتمع فيه الجنس والخاصة. وأما اجتماع الفصل مع الخاصة فليس له اسم يخصه، وعلى هذا القول: الأكثر، قاله المؤلف في الشرح (٦). انظر (٧) أيضًا سكت المؤلف (٨) عن اجتماع الثلاثة: الجنس، والفصل، والخاصة، نحو قولنا في حد الإنسان هو: الحيوان الناطق الضاحك (٩)، فيجري فيه أيضًا القولان المذكوران آنفًا في اجتماع الفصل مع الخاصة:

стр. 270

فعلى قول الأكثر منهم نقول (١): ليس له اسم معين يخصه. ونقول (٢) على القول القائل بأن الرسم (٣) التام هو: ما اجتمع فيه الداخل والخارج كيف (٤) كان: إن (٥) هذا رسم [تام] (٦)؛ لاجتماع الداخل والخارج فيه (٧). وينبغي أن نذكر ها هنا الكليات [الخمس] (٨) وهي: النوع، والجنس، والفصل، والخاصة، و (٩) العرض العام (١٠). فمثال النوع: الإنسان. ومثال الجنس: الحيوان. ومثال الفصل: الناطق. ومثال الخاصة: الضاحك. ومثال العرض العام: الماشي.

стр. 271

فحقيقة النوع هو: الكلي المقول على أفراد متفقة الحقيقة والصورة كالإنسان، فإن أفراد الإنسان ذكورًا وإناثًا (١) متفقة في الحقيقة الإنسانية؛ لأنك (٢) تقول: زيد إنسان، وعمرو إنسان، وهند (٣) إنسان، ودعد إنسان، حتى تأتي على جميع أفراد الإنسان، وأفراد الإنسان أيضًا كلها (٤) متفقة في صورة الإنسان، وهي امتداد (٥) القامة. وحقيقة الجنس هو (٦): الكلي المقول على أفراد متفقة الحقيقة دون الصورة كالحيوان، فإن أفراد الحيوان [كالإنسان (٧)، والفرس، والحمار، والطير، وغيرها، من سائر الحيوان] (٨) متفقة في (٩) الحقيقة الحيوانية؛ لأنك تقول: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والحمار حيوان، والطير حيوان، حتى تأتي على جميع أفراد الحيوان، وأما صورها (١٠) فهي مختلفة؛ إذ صورة (١١) الإنسان مخالفة (١٢) لصورة الفرس، والحمار، والطير، وغيرها (١٣)،

стр. 272

وكل واحد أيضًا تخالف صورته صورة الآخر. وحقيقة الفصل هو (١): الكلي الداخل في الذات المميز للذات عن (٢) غير الذات كالناطق في حد الإنسان، فإنه يفصل بين الإنسان وغيره. وحقيقة الخاصة هو: الكلي الخارج عن الذات الخاص بها دون غيرها كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان، أو الكاتب (٣) أو الخياط (٤)، والمراد بذلك الضحك (٥) بالقوة، وكذلك الكتابة والخياطة (٦)، وما في معناها من خصائص الإنسان، وليس المراد به الفعل الذي هو الوجود والوقوع، فإن كثيرًا من أفراد الإنسان قد يعرى عن ذلك، وإنما المراد القوة؛ لأن ذلك هو العام لأفراد الإنسان. وحقيقة العرض العام هو: الكلي الخارج عن الذات المشترك بينها وبين غيرها كالماشي في قولك: ما الإنسان؟ فتقول: الماشي، فإن الماشي (٧) غير خاص بالإنسان بل هو موجود في غيره من الحيوانات (٨). قوله (٩): (والخامس وضع أحد المترادفين موضع الآخر نحو قولنا (١٠): ما

стр. 273

البُر؟ فتقول: القمح) (١). هذا هو الحد اللفظي؛ لأن الحد ثلاثة أقسام: حقيقي. ورسمي. ولفظي. بيّن المؤلف الحقيقي والرسمي، وكلامه (٢) ها هنا (٣) في اللفظي، وهو: تفسير اللفظ (٤) بلفظ مرادف له أشهر منه (٥)، كما نبه عليه أولاً في قوله: وتبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه عند السامع، وقد تقدم بيانه. مثّله المؤلف بقوله: ما البر؟ فنقول: القمح؛ لأن القمح مرادف للبر، وهو أشهر منه في الاستعمال. ومثاله أيضًا (٦): ما الحنطة؟ فنقول (٧): القمح. ومثاله أيضًا: ما العقار؟ فنقول (٨): الخمر.

стр. 274

ومثاله أيضًا (١): ما الغضنفر؟ فنقول: الأسد، وغير ذلك من الألفاظ المرادفة المشهورة، وبالله التوفيق (٢). ...

стр. 275

الفصل الثاني في تفسير أصول الفقه شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أصول الفقه (١)، وإنما قدم هذا الفصل على ما بعده من الفصول؛ لأنه لما أراد الشروع في علم (٢) الأصول نظر إلى أن تصور معنى (٣) هذا العلم أسبق بالتعريف من الشروع في أحكامه؛ لأن الكلام على الشيء ثان عن تصوره. و (٤) اعلم أن قولهم: أصول الفقه له تفسيران: تفسير (٥) باعتبار الإفراد. وتفسير باعتبار التركيب.

стр. 276

ففسره المؤلف ها هنا باعتبار الإفراد؛ لأنه فسر الأصول على حدتها [وفسر الفقه على حدته] (١)، وفسره غيره باعتبار التركيب، أي باعتبار كونه اسمًا علمًا على فن معلوم. وفسره ابن الحاجب بالاعتبارين معًا؛ لأنه فسره أولاً (٢) باعتبار التركيب، وفسره ثانيًا باعتبار الإفراد (٣)، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله (٤): (فأصل الشيء ما منه الشيء لغة، ورجحانه ودليله (٥) اصطلاحًا (٦)). ذكر المؤلف ها هنا للأصل ثلاثة معان: واحد لغوي، واثنان اصطلاحيان (٧). فقوله (٨): (فأصل (٩) الشيء: ما منه الشيء) (١٠) الألف واللام في الشيء

стр. 277

الثاني (١) للحوالة على الشيء الأول، وهو من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر كقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). وقوله (٣): (ما منه) (٤) "ما" موصولة بمعنى: الذي، ومن لابتداء الغاية معناه: أصل الشيء هو: الشيء (٥) الذي ينشأ (٦) منه (٧). مثاله (٨): أصل السنبلة البرة؛ لأن السنبلة أصل نشأتها البرة. ومثاله أيضًا: أصل النخلة النواة؛ لأن النخلة إنما تنشأت (٩) من النواة. ومثاله أيضًا: أصل الإنسان النطفة؛ لأن الإنسان أصل نشأته النطفة. و (١٠) قوله (١١) (ما منه) هذا المجرور متعلق بمحذوف تقديره: ما تنشأ (١٢) منه، أو ما تكون منه، أو ما تولد منه. وقوله (١٣): (لغة) مصدر مؤكد لغيره رافع للإبهام (١٤) الذي في الأصل؛

стр. 278

لأن الأصل دائر بين اللغوي، والاصطلاحي. وقد اعترض المؤلف في الشرح هذا الحد بوجهين: أحدهما: أن لفظتي (١): "ما" و"من" مشتركة بين معان، والمشترك مما يجتنب [و] (٢) يمنع (٣) في الحدود. والثاني: أن (٤) معاني "من" ها هنا متعذرة (٥)؛ إذ لا يصلح (٦) أن تكون هنا (٧) للتبعيض، ولا لابتداء (٨) الغاية، ولا (٩) لبيان الجنس، وإنما قلنا: لا تكون للتبعيض؛ لأن النخلة مثلاً ليست بعض النواة (١٠)، بل هي أضعافها، وإنما قلنا: لا تكون لابتداء الغاية؛ إذ شأن المُغيَّا أن يتكرر قبل الغاية، والنخلة لم تتكرر، وإنما قلنا: لا تكون لبيان الجنس؛ لأن النخلة ليست أعم من النواة حتى تتبين بالنواة (١١). وأجاب (١٢) عن الأول: وهو الاشتراك: أن المشترك دل السياق على المراد

стр. 279

به ها هنا، فإن المراد بـ "ما" (١) ها هنا الموصولة (٢)، والمراد بـ "من" ها هنا: "مجاز ابتداء الغاية"؛ لأن النخلة مثلاً في قولك: أصل النخلة النواة أي: ابتداء نشأتها من النواة، كقولك: سرت من النيل إلى مكة أي: ابتدأت (٣) السير من النيل، فلما كان ابتداء النخلة في الأصل من النواة شبيهًا بابتداء الغاية في السير سمي بمجاز (٤) ابتداء الغاية؛ لأجل هذا الشبه، أو تقول: المراد بـ "من" "مجاز التبعيض" لا حقيقته، فإن النخلة بعضها من النواة لا كلها (٥). قال المؤلف: فجعلنا النخلة جزءًا من النواة توسعًا (٦) من باب إطلاق لفظ الجزء على الكل (٧). قال المؤلف في الشرح: ولأجل هذه الاعتراضات اختار سيف الدين حدًا آخر فقال: أصل الشيء ما يستند (٨) وجوده إليه من غير تأثير (٩): احترازًا من استناد الممكن للصانع المؤثر (١٠). أي: احترازًا من إسناد (١١) الممكنات إلى واجب الوجود سبحانه؛ إذ لا

стр. 280

يقال: هو أصل لها، وإنما يقال: هو خالقها، وذلك (١) أن إسناد الشيء إلى (٢) أصله ليس على وجه التأثير؛ إذ لا تأثير إلا للقدرة القديمة. وقوله (٣): (ورجحانه ودليله اصطلاحًا) (٤). يعني: أن الأصل في الاصطلاح له معنيان: أحدهما: الراجح. والآخر: الدليل. فمثال الأصل الذي يراد به الراجح قولهم: الأصل براءة الذمة، أي: الراجح عند العقل (٥) براءة الذمة (٦)، والمرجوح عمارتها؛ لأن الإنسان ولد بريئًا من الحقوق كلها. ومثال الأصل (٧): الذي معناه الراجح أيضًا قولهم: الأصل عدم المجاز أي: الراجح عند السامع للفظ عدم حمله على المجاز (٨)، أي: الراجح حمله على الحقيقة والمرجوح حمله على المجاز (٩). وكذلك مثاله أيضًا: قولهم: الأصل عدم الاشتراك في الألفاظ،

стр. 281

والمرجوح الاشتراك، أي: الراجح حمل اللفظ على الإفراد دون الاشتراك. وكذلك مثاله أيضًا قولهم (١): الأصل التباين دون الترادف، أي الراجح (٢) في الألفاظ الحمل على التباين دون الترادف. ومثاله أيضًا: قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قوله (٣): (فمن الأول: أصل السنبلة البرة) أي: فمن أمثلة المعنى الأول [الذي هو الأصل في اللغة قولهم] (٤): أصل السنبلة البرة. وقوله (٥): (ومن الثاني) أي: ومن أمثلة المعنى الثاني الذي هو الرجحان قولهم: الأصل براءة الذمة. وقولهم أيضًا: الأصل عدم المجاز. وقولهم أيضًا: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي الراجح بقاء ما كان في الزمان الثاني على ما كان عليه في الزمان الأول لم يتغير عن حاله. وهذه الأشياء الثلاثة (٦) يجمعها الاستصحاب؛ لأن الأول: استصحاب البراءة، والثاني: استصحاب الوضع الأول، والثالث: استصحاب الحال.

стр. 282

و (١) قوله: (ومن الثالث أصول الفقه أي: أدلته) أي: ومن أمثلة المعنى الثالث وهو الأصل الذي يراد به (٢) الدليل قولهم: أصول الفقه أي: أدلة الفقه. ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة. ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة قول مالك: كذا، أي: و (٣) الدليل فيها الكتاب أو السنة (٤) أو قول (٥) مالك. فذكر المؤلف للأصل ثلاثة معان: واحد لغوي واثنان اصطلاحيان. وذكر في شرح المحصول معنىً رابعًا وهو ما يقاس عليه (٦)؛ لأن الشيء الذي يقاس عليه يسمى أيضًا في الاصطلاح أصلاً كقياس الأرز على الحنطة (٧) في تحريم الربا (٨). هذا بيان الأصول (٩) لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف. وأما بيان الفقه لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف إليه فقد بينه بقوله:

стр. 283

(والفقه هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب: لغة ... إِلي آخره). قوله: (والفقه هو: الفهم، والعلم (١)، والشعر، والطب: لغة) تقديره: ومعنى الفقه في اللغة هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب، فذكر المؤلف أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفة (٢) [في اللغة. وذكر المازري (٣) في شرح البرهان أيضًا أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفه (٤)] (٥) كما قال المؤلف. والدليل على ترادفها (٦) الكتاب، والسنة، وكلام العرب.

стр. 284

فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (١) أي: لا نفهم وقولى (٢): ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣) أي: لا تفهمون. ومن السنة: قوله ﵇: "رب حامل (٤) فقه إلى من هو (٥) أفقه منه" (٦) [أي: أفهم منه] (٧). ومن كلام العرب، قولهم: رجل (٨) طب أي: عالم. ومنه قول الشاعر وهو علقمة (٩):

стр. 285

فإن سألتموني (١) بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب (٢) أي: عارف عالم، ويقال: شعر بكذا إذا (٣) فهمه. قال الزبيدي في مختصر العين: يقال: شعرت بكذا شعرًا أو شعورًا قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤) (٥). قوله: (وإِنما اختصت (٦) بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب
следующие страницы →