← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

ش: أي [و] (١) هذا الوصف وصف للمؤول بما هو موصوف به، أي: بالوصف الذي (٢) المؤول موصوف به، أي: بذلك الوصف، فالضمير المجرور بالباء [هو] (٣) عائد على: ما، وهو الرابط بين الصلة والموصول. قوله: (وفي الأول (٤) باعتبار ما يصير (٥) إِليه، وقد لا يقع فيكون مجازًا مطلقًا). ش: أي وتسميته في المعنى الأول، وهو كونه يؤول إلى الظهور بحسب الدليل العاضد، إنما هو باعتبار الدليل العاضد، وذلك وصف للشيء بوصف سيوجد [فيه] (٦)، فيكون مجازًا؛ لأنه وصف مستقبل؛ لأن وصف الموصوف بوصف مستقبل مجاز (٧). قوله: (وقد لا يقع، فيكون مجازًا مطلقًا) / ٢٢٥/، أي: وقد لا يقع الدليل العاضد، فيكون إطلاق المؤول على ذلك المعنى الخفي - على هذا - مجازًا مطلقًا، أي: وجد ذلك الدليل العاضد أو لم يوجد، وبالله التوفيق [بمنه] (٨). ...

стр. 2172

الفصل الثاني فيما ليس مجملًا (١) معناه: (٢) فيما يتوهم أنه مجمل وليس بمجمل، بل هو مبين، ونظير هذه الترجمة، قوله في الأوامر: الفصل الرابع: "فيما ليس من مقتضاه" (٣)، وقوله في العموم: الفصل الرابع: "فيما ليس من المخصصات للعموم" (٤)، وقوله في باب النسخ: "الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ" (٥). قوله: (فيما ليس مجملًا)، فلا يقال: لم يترجم المؤلف لهذا في الباب, لأن ما ليس مجملًا هو مبين. فقد ترجم له؛ لأنه مبين. ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين: قوله: (إِضافة التحريم والتحليل (٦) إِلى الأعيان ليس مجملًا).

стр. 2173

ش: هذه هي المسألة الأولى (١)، والمراد بالأعيان هي (٢) الذوات، وهي الأجسام. مثال إضافة التحريم إلى الأجسام: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى [قوله: ﴿إِلَّا] (٣) مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٤). ومثال إضافة التحليل إلى الأجسام قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). ومثال إضافة التحريم والتحليل في آية واحدة: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [وَعَمَّاتُكُمْ]﴾ (٦) إلى آخر المحرمات، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٧). ومثال إضافة التحريم إلى الأعيان أيضًا: قوله ﵇: "ألا إن

стр. 2174

دماءكم (١) وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" (٢). قوله: (ليس مجملًا)، أي: بل هو مبين، [وهو جار مجرى النص] (٣)، هذا (٤) مذهب الجمهور من أهل السنة (٥) وأهل الاعتزال، كالقاضي عبد الجبار (٦)، والجبائي (٧) وأبي هاشم (٨)، وأبي الحسين (٩) خلافًا

стр. 2175

للكرخي (١) وأبي عبد الله البصري (٢) (٣) (٤). حجة الجمهور: أن العرف عين المقصود من هذه الأعيان، فلا يفهم من هذه الإضافة عند الإطلاق غير ذلك، فصار ذلك المركب حقيقة عرفية لا يحتاج معها إلى تقدير (٥)، (٦) وهو مجاز لغوي (٧)، وهو مجاز في التركيب؛ لأن النقل كما يكون في المفردات يكون في المركبات، واشتهر هذا المركب حتى صار حقيقة عرفية (٨)، و [هو] (٩) من باب إطلاق المجمل على الحال فيه.

стр. 2176

قوله: (يحمل (١) على ما يدل العرف عليه في كل عين) (٢). هذا إشارة إلى حجة (٣) الجمهور، وهي (٤) كون العرف يعين المقصود بالتكليف في كل عين، فلا إجمال مع تعيين المقصود. قوله: (فيحمل في الميتة على الأكل وفي الأمهات على وجوه الاستمتاع). ش: هذا [بيان] (٥) ما يدل العرف عليه في كل عين؛ وذلك أن المفهوم عرفًا من تحريم الميتة، هو أكلها، والمفهوم من تحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وغيرهن، هو الوطء ووجوه الاستمتاع، فقوله ﵇: "ألا إن دماءكم (٦) وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" المقصود بالتحريم في الدماء سفكها، وفي الأموال أكلها، وفي الأعراض سبها وشتمها، وإذا قال السيد لعبده] (٧): حرمت عليك الخبز والثوب والفرس، فالمقصود (٨) في الخبز أكله، والمقصود في الثوب لبسه، والمقصود في الفرس ركوبه. حجة الكرخي: أن التحريم والتحليل إنما يتعلق بما هو مقدور للمكلف

стр. 2177

وهو أفعاله، وأما الأعيان التي أضيف إليها التحريم والتحليل فليست مقدورة للمكلف؛ إذ ليست من كسبه لا إيجادًا ولا إعدامًا، فلا يتعلق التكليف بها (١)، فتكون الأعيان غير مرادة، فالمراد أفعال المكلف وهي غير منطوق بها، فلا بد من تقدير (٢) ما يتعلق به التكليف من تلك الأفعال، وليس هنالك (٣) ما يعين بعض الأفعال، فليس تقدير (٤) البعض بأولى (٥) من البعض فيحصل الإجمال (٦)، فقوله تعالى مثلًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٧) هل أكلها أو لمسها أو نظرها أو غير ذلك؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٨) هل مسهن أو نظرهن أو مضاجعتهن أو وطؤهن أو غير ذلك؟ وليس هنا [لك] (٩) ما يعين أحد التقديرات فيحصل الإجمال، فيتوقف حتى يرد البيان، هذا حجة الكرخي، وجوابه ما تقدم وهو: أن العرف يبين

стр. 2178

المقصود من تلك التقديرات (١). قوله: (وإِذا دخل النفي على فعل (٢) كان مجملًا عند أبي عبد الله البصري نحو قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" و"لا نكاح إلا بولي" لدوران النفي بين الكمال والصحة). ش: هذه هي المسألة الثانية (٣)، وهذه المسألة شبيهة (٤) بالمسألة التي قبلها؛ لأن كل واحدة منهما أضيف الحكم فيها إلى ما لا يصلح (٥) إضافته إليه، غير أن المسألة الأولى وقعت فيها (٦) الإضافة من حيث الثبوت، ووقعت الإضافة في المسألة الثانية من حيث النفي (٧).

стр. 2179

قوله: (إِذا دخل النفي على فعل) (١). ش (٢): المراد بالفعل ها هنا: الفعل الحقيقي، وهو فعل المكلف، ولم يرد به الفعل (٣) الصناعي عند النحاة (٤). مثال مقصوده: [قوله] (٥) ﵇: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي"، و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، و"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" (٦)، ...................................................

стр. 2180

معناه: لم (١) يعزم (٢) الصيام من الليل، "ولا صلاة (٣) لجار المسجد إلا في المسجد" (٤)، [و"لا وضوء لمن لم يسم الله" (٥)، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦)،

стр. 2181

و"لا صلاة لمن لم يصل علي"] (١) وغير ذلك. ذهب (٢) أبو عبد الله البصري من المالكية (٣) (٤)، والقاضي أبو بكر (٥)، إلى أنه مجمل (٦)، وذهب الأكثرون إلى أنه غير مجمل (٧)، واختاره الباجي (٨) والشيرازي (٩). فالقائلون بأنه مجمل اختلفوا في وجه الإجمال على قولين: أحدهما (١٠): أن ذلك لمجرد / ٢٢٦/ إضافة النفي إلى الأفعال مع تحقق ثبوتها (١١)، وهو قول ضعيف.

стр. 2182

القول الثاني: أن ذلك لتردد (١) النفي بين الكمال والصحة (٢) كما قاله المؤلف (٣). أما القول بأن إجماله لمجرد إضافة النفي إلى الذات (٤) مع ثبوتها فلا وجه له (٥)، [ولذلك] (٦) قال القاضي: هو (٧) قول بعض الفقهاء ممن لا علم له بالحقائق (٨). وأما القول بأن (٩) إجماله لتردد النفي بين الكمال والصحة، فوجهه: أن نفي الصحة قد وقع في قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" [ونحوه، وورد أيضًا نفي الكمال في قوله ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فلما ورد النفي في الأمرين دل ذلك على الإجمال] (١٠). وأما القائلون بعدم الإجمال فاختلفوا في ذلك على قولين: أحدهما (١١): أن النفي متوجه إلى الذات والصفات [كلها، فخصص

стр. 2183

العقل الذات، وبقيت الصفات يعم النفي جميعها، فتنتفي الصحة والكمال، وإنما قلنا: توجه النفي إلى الذات والصفات] (١)؛ لأن اللفظ يتناول (٢) الذات بالمطابقة ويتناول (٣) الصفات بالالتزام؛ لأن الدال على نفي (٤) الذات دال على نفي صفاتها؛ لأن الصفات لا تستقل (٥) بنفسها، فلما خص العقل الذات بقي (٦) العموم على مقتضاه في الصفات، فتنتفي الصحة والكمال وهو المطلوب (٧). واعترض هذا القول: بأنه يلزم منه الجمع بين النقيضين، وهما: ثبوت الصحة ونفيها؛ وذلك أن توجه النفي إلى الكمال يقتضي ثبوت الصحة، وتوجهه إلى الصحة يقتضي نفي الصحة، فظهر (٨) بذلك أن توجه النفي إلى الصحة والكمال فيه الجمع بين النقيضين، وهما ثبوت الصحة وعدمها (٩). والقول الثاني: أن النفي إنما يتوجه (١٠) للصحة خاصة دون الكمال، ووجهه: أن النفي في الحقيقة إنما توجه (١١) للفعل الواقع ورفع الواقع

стр. 2184

محال، فإذا تعذر (١) ذلك تعين حمله على المجاز، والمجاز متعدد وهو الصحة والكمال، واحد المجازين أقرب إلى الحقيقة وهو الصحة، فيجب حمل (٢) النفي على الصحة؛ لأنها (٣) أقرب إلى الحقيقة من الكمال (٤)، وإنما قلنا: نفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة لأنه يلزم من نفي الصحة نفي الحقيقة، [ولا يلزم من نفي الكمال نفي الحقيقة] (٥)، فالصحة أقوى شبهًا من الكمال، والشبه [من] (٦) علاقات المجاز (٧)، فإذا كان الشبه أقوى، كان المصير (٨) إليه أولى (٩) (١٠) (١١).

стр. 2185

قوله: (وقيل: إِن كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إِجمال، وقولنا: هذه صلاة فاسدة، محمول على اللغوي، وإِن كان حقيقيًا نحو الخطأ والنسيان وله حكم واحد انتفى ولا إِجمال، وإِلا تحقق الإِجمال، وهو قول الأكثرين). ش: هذا القول بالتفصيل وهو المقابل للقول الأول الذي هو قوله: "كان مجملًا عند أبي عبد الله البصري"؛ لأن المؤلف نقل في المسألة قولين: قول بأنه مجمل من غير تفصيل وهو الأول، وقول بالتفصيل: تارة يكون مجملًا، وتارة لا يكون مجملًا، وإليه أشار بقوله: "وقيل: إن كان المسمى شرعيًا ... " إلى آخره (١). قوله: (المسمى) المراد بالمسمى هو الفعل، أي فعل المكلف، لا أنه (٢) مسمى الفعل الصناعي (٣)، ومعنى هذا (٤) القول: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل الذي دخل عليه النفي شرعيًا، أو يكون لغويًا وهو المراد بقوله: حقيقيًا. ومعنى الفعل الشرعي: هو الفعل الذي يتوقف وجوده على وجود الشرع، أي: هو الفعل الذي جاء به الشرع، كالصلاة والصيام وغيرهما.

стр. 2186

ومعنى الفعل الحقيقي: هو الفعل الذي لا يتوقف وجوده على وجود الشرع، أي: هو الفعل الذي لم يجئ به الشرع، بل هو موجود سواء وجد الشرع أو لم يوجد (١) كالخطأ والنسيان؛ لأن وصف الفعل بكونه خطأ أو نسيانًا أمر معقول وجد الشرع أم (٢) لا، ولأجل ذلك يقال له: أمر (٣) حقيقي. قوله: (إِن (٤) كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إِجمال)، أي: إذا دخل النفي على الفعل الشرعي فإنه ينتفي بكليته، فليس فيه إجمال، فإذا قال ﵇ مثلًا: "لا صلاة إلا بطهور" و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، فإنه قد حكم على هذه الحقيقة بالنفي لانتفاء شرطها؛ وذلك أن الحقيقة الشرعية ليست واقعة في صورة النفي، فأمكن إضافة النفي إليها (٥). قوله: (وقولنا) (٦): [هذه] (٧) صلاة فاسدة، محمول على اللغوي). ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا للمؤلف: كيف يقال: ينتفي المسمى الشرعي إذا دخل عليه النفي؟ مع أن صاحب (٨) الشرع يقول:

стр. 2187

هذه (١) صلاة فاسدة، [فيجمع بين وجود الصلاة وفاسدة] (٢)، فإن لفظ: هذه (٣)، [يدل على وجودها، فدل ذلك على بقاء الصلاة، ووجودها على الفساد. أجاب المؤلف عن هذا السؤال بقوله: "محمول على اللغوي"، يعني: أن قولنا: هذه صلاة] (٤) فاسدة، محمول على المعنى اللغوي وهو الدعاء؛ لأن الصلاة لغة معناها: الدعاء، فالإشارة بقولنا: هذه صلاة فاسدة (٥)، إلى المسمى اللغوي الذي هو الدعاء، يعني: أن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء فسدت عن أن تكون شرعية، فانصرف (٦) النفي في المعنى إلى المسمى الشرعي، وتنصرف الإشارة في قولنا: هذه صلاة فاسدة، إلى المسمى اللغوي، فتقدير (٧) الكلام: هذه الصلاة اللغوية فسدت عن أن تكون شرعية، فهذا معنى فسادها.

стр. 2188

وإلا فالدعاء في نفسه لم يفسد؛ حيث نقضي بالفساد لعدم (١) الطهارة (٢). قوله: (وإِن كان حقيقيًا)، أي: وإن كان الفعل الذي دخل عليه النفي حقيقيًا، أي: لغويًا لا يتوقف وجوده على وجود الشرع، فإما أن يكون له حكم واحد أو أكثر، فإن كان له حكم واحد، فإن ذلك الحكم ينتفي فلا يكون فيه إجمال (٣)، كقوله ﵇: "لا شهادة لمحدود في قذف" (٤)؛ لأنه لا يمكن صرف النفي إلى ذات/ ٢٢٧/ الشهادة؛ لأنها قد وجدت، فلا بد من صرف النفي إلى حكمها، وليس لها إلا حكم واحد وهو الجواز، قاله المؤلف في الشرح (٥).

стр. 2189

قال المسطاسي: جعل المؤلف الشهادة وصفًا حقيقيًا، والظاهر أنها أمر شرعي (١) (٢). وإن كان له (٣) أكثر من حكم واحد فإنه مجمل، وهو معنى قوله: (وإِلا (٤) تحقق الإجمال) , أي: وإن كان [له] (٥) أكثر من حكم واحد تحقق الإجمال، لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر (٦). مثاله: (٧) قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وذلك أن هذا الفعل الذي هو [فعل] (٨) الخطأ أو النسيان (٩) لم يدخل النفي إلا على واقع، والواقع يستحيل نفيه، فيتعين العدول إلى حكمه، وله حكمان، وهما: الإثم ولزوم الضمان، فيتعين الإجمال حتى يدل

стр. 2190

الدليل على أن المراد الإثم دون الضمان (١). واعلم أن مذهب الجمهور أن المراد بهذا الحديث رفع المؤاخذة (٢) والعقاب؛ لأنه قد علم من عرف [أهل] (٣) اللغة أن السيد إذا قال لعبده: رفعت عنك الخطأ والنسيان، أن المراد منه (٤) رفع (٥) المؤاخذة والعقاب، والأصل في المتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، فلا إجمال (٦)، خلافًا لأبي الحسن (٧) البصري، وأبي عبد الله البصري (٨) (٩). قوله: (وهو قول الأكثرين)، أي: القول (١٠) بالتفصيل بين الشرعي والحقيقي هو قول الأكثرين من الأصوليين (١١). ...

стр. 2191

الفصل الثالث في أقسامه (١) ش: الضمير في: أقسامه، يعود على المبين، دل عليه سياق الكلام. ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين وهما: أقسام المبين وأقسام البيان، ولكن تبرع بمسألة البيان؛ لأنه لم يترجم للبيان وإنما ترجم للمبين. ولك أن تقول: ترجم للبيان في المعنى؛ لأن ذكر (٢) المبين يستلزم ذكر البيان. قوله: (المبين إِما بنفسه كالنصوص والظواهر، وإِما بالتعليل كفحوى (٣) الخطاب، أو باللزوم كالدلالة (٤) على الشروط (٥) والأسباب). ش: هذه هي المسألة الأولى، وهي أقسام المبين (٦).

стр. 2192

وهو (١) [ثلاثة] (٢) أقسام وهي: المبيَّن بالذات، والمبين بالتعليل، والمبين باللزوم. فالمبين بالذات: كالنص والظاهر، والمراد (٣) النص (ها) (٤) هنا: النص في اصطلاح الأصوليين، وهو ما دل على معنى قطعًا ولا يحتمل غيره قطعًا كأسماء الأعداد (٥)، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٦). ومثال الظاهر: قوله (٧) تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨) (٩). ومثال المبين بالتعليل: قوله تعالى: ﴿فَلَا [تَقُلْ] (١٠) لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١١) [لأنه] (١٢) فهم منه أن علة تحريم (١٣) التأفيف هي العقوق، ونحن نعلم حكم

стр. 2193

الضرب من ذلك التعليل بطريق الأولى؛ لأن العقوق بالضرب أشد من العقوق بالتأفيف، فتحريم الضرب يناسب التعليل (١). وأما المبين باللزوم فمثاله: دلالة المشروطات على شروطها (٢)، ودلالة المسببات على أسبابها (٣). مثال دلالة المشروط على شروطه (٤): قولك: صلى فلان صلاة صحيحة، فإنه يدل على وجود شروطها من الطهارة والسترة (٥) وغيرهما من شروط الصلاة (٦). ومثال دلالة المسبب على سببه: كدلالة الإحراق على وجود النار، ودلالة الشبع على وجود الطعام، ودلالة الري على وجود الماء، وغير ذلك (٧). قوله: (والبيان (٨): إِما بالقول، أو بالفعل كالكتابة والإِشارة، أو بالدليل العقلي، أو بالترك [فيعلم أنه ليس واجبًا] (٩)، أو بالسكوت [بعد

стр. 2194

السؤال] (١) فيعلم عدم الحكم الشرعي (٢) في تلك الحادثة). ش: هذه هي المسألة الثانية وهي أقسام البيان (٣). حقيقة البيان: إخراج الشيء من حيز (٤) الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح (٥). ذكر المؤلف أن أقسام البيان خمسة وهي (٦): القول، والفعل، والعقل (٧)، والترك، والسكوت بعد السؤال، وزاد الباجي اثنين (٨) وهما:

стр. 2195

الإقرار على الفعل، وشاهد (١) الحال. مثال البيان بالقول: قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح (٢) والدالية (٣) نصف العشر" بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤) (٥). ومثال البيان بالفعل: كصلاة (٦) جبريل بالنبي ﵉ (٧)،

стр. 2196

وكصلاته ﵇ بأصحابه ﵃ (١)، بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا (٢) الصَّلَاةَ﴾ (٣) (٤). ومثال البيان بالكتابة: كتابه (٥) ﵇ إلى عمر بن حزم (٦) وغيره بنصب الزكاة ومقادير الديات (٧) .........................................

стр. 2197

(١). ومثال البيان بالإشارة: كإشارته ﵇ بيده إلى الذهب والحرير، وفي يده خيط ذهب وخيط حرير، فقال: "هذان محرمان على ذكور أمتي" (٢)، وكقوله ﵇، "إذا أقبل الظلام من ها هنا"، وأشار بيده إلى المشرق، "وأدبر (٣) الضياء من ها هنا" وأشار بيده إلى المغرب، "فقد وجبت الصلاة" (٤)، وكإشارته ﵇ إلى عدد أيام الشهر، فقال: "الشهر

стр. 2198

هكذا وهكذا" وخنس (١) إبهامه في الثالثة (٢) إشارة إلى أنه قد يكون تسعة وعشرين يومًا (٣). ومثال البيان بالعقل: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ (٥) عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٧) وغير ذلك [مما خص الله به نفسه ﷻ ] (٨) (٩) (١٠).

стр. 2199

ومثال البيان بالترك: نهيه ﵇ عن الشرب قائمًا ثم ترك الجلوس وشرب قائمًا (١)؛ لأنه يدل على عدم وجوب الشرب جالسًا، وكذلك تركه ﵇ للجلسة الأولى في الصلاة والاكتفاء بالسجود

стр. 2200

عنها (١)، يدل على أنها غير واجبة (٢) (٣). ومثال البيان بالسكوت بعد السؤال: قصة عويمر العجلاني (٤) / ٢٢٨/ إذ (٥) سأل النبي ﵇ عن حكم امرأته حين وجد معها رجلًا فسكت [عنه] (٦) النبي ﵇ (٧)، فدل سكوته على عدم الحكم في النازلة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ ...﴾ (٨) [الآية] (٩)، فلاعن ﵇ بينهما (١٠).

стр. 2201

ومثال البيان بالإقرار على الفعل [على] (١) ما قال الباجي: إقراره ﵇ أهل المدينة على أكل الخضر وبيعها من غير زكاة، بيانًا لقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر". ومثال البيان بشاهد (٢) الحال: قوله ﵇: "يقضى بالحائط (٣) لمن إليه القمط (٤)، والعقود (٥) (٦) "، ومعناهما: تداخل الأركان بعضها في بعض، وقيل: القمط: هو التمليس بالجبس والجير والتراب،

стр. 2202

والعقود (١): هو تداخل الأركان بعضها في بعض (٢). ...

стр. 2203

الفصل الرابع في حكمه (١) ش: الضمير في حكمه، يعود على البيان؛ وذلك أن المؤلف ذكر في هذا الفصل أربع مسائل، ثلاثة (٢) في البيان، وواحدة في المجمل، وهي التي بدأ بها، فأعاد المؤلف الضمير على البيان، تغليبًا للكثير على القليل .. قوله: ([و] (٣) يجوز ورود المجمل في كتاب الله وسنة نبيه (٤) ﵇، خلافًا لقوم. لنا أن آية الجمعة وآية الزكاة مجملتان، وهما في كتاب الله . ش: هذه هي المسألة الأولى (٥). حجة القول بورود المجمل (٦) في القرآن: نحو آية الجمعة، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى

стр. 2204

ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، فهي مجملة بالنسبة إلى صفة أدائها (٢). وكذلك آية الزكاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) فهي مجملة بالنسبة إلى مقادير الحق الواجب. ومثال وروده في السنة: قوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم (٤) وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (٥)، فقوله: "إلا بحقها" مجمل. وغير ذلك من الآيات (٦) والأحاديث، فدل وقوعه على جوازه؛ لأن الوقوع من لوازم الجواز؛ إذ لو كان ممتنعًا (٧) لما وقع (٨). حجة القول بالمنع: (٩) أن الوارد من ذلك في الكتاب والسنة، إما أن

стр. 2205

يكون المراد به البيان، أو لا، والثاني عبث وهو غير جائز على الله تعالى. وإن أريد به البيان، فإما أن يقترن بالمجمل ما يبينه أو لا، فإن اقترن به بيانه فذلك تطويل من غير فائدة؛ لأن (١) التنصيص عليه بالبيان أفصح من ذكره باللفظ المجمل ثم يبين (٢) ذلك المجمل بلفظ آخر. وإن لم يقترن به ما يبينه فهو باطل, لأنه إذا أريد به البيان مع عدم بيانه في اللفظ فهو ممتنع؛ لأنه تكليف بما لا يطاق. والجواب: (٣) أنا لا نسلم عدم الفائدة في ورود المجمل، بل فيه فوائد ومصالح: أحدها: (٤) امتحان العبد حتى يظهر تثبته وفحصه (٥) عن البيان فيعظم أجره، أو يظهر إعراضه فيظهر عصيانه (٦). وثانيها: أنه إذا ورد المجمل ثم ورد البيان بعده، ازداد شرف العبد بكثرة مخاطبة سيده له. وثالثها: أن الحروف إذا كثرت كثرت الأجور، لقوله ﵇: "من

стр. 2206

قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر (١) حسنات" (٢). فهذه مصالح تترتب على الإجمال وهي: امتحان العبد، وزيادة شرفه، وكثرة ثوابه، وقوله ﵇: "من قرأ القرآن وأعربه"، أي: بينه؛ لأن الإعراب يراد (٣) به البيان، كقوله ﵇: "الثيب (٤) تعرب عن نفسها" (٥) ومعنى أعربه (٦): أي بينه بالترتيل؛ لأن الترتيل وسيلة إلى الفهم معناه (٧)، وفهم معناه (٨) الذي هو وسيلة إلى العمل الذي هو ثمرة التلاوة.

стр. 2207

ومن ظن أن المقصود من القرآن تلاوته فقط فهو مغرور، ولهذا قال ﵇: "القرآن حجة لك أو عليك" (١)، وقال سفيان الثوري ﵁: "ليس في القرآن أشد عليّ من هذه الآية؛ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) (٣). قوله: (ويجوز البيان بالفعل خلافًا لقوم (٤). ش: حجة المشهور القائل بالجواز: دليل النقل، ودليل (٥)، فأما دليل النقل، فهو الأفعال الصادرة من النبي ﵇ على وجه البيان؛ لأنه ﵇ لما بين الصلاة بفعله، فقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولما بين الحج بفعله فقال: "خذوا عني مناسككم"، فدل (٦) ذلك على أن فعله بيان

стр. 2208

لتفاصيل الصلاة والحج، هذا دليل النقل (١). وأما دليل العقل: فلأن مشاهدة فعل الصلاة والحج مثلًا، أدل على معرفة تفاصيلها من الإخبار عنهما بالقول؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة (٢). حجة القول بالمنع: أن البيان بالفعل فيه تطويل، وتأخير البيان مع إمكانه بما هو أقصر من الفعل وهو القول عبث، والعبث على الله تعالى محال؛ وذلك أن زمان البيان بالقول أقل من زمان البيان بالفعل (٣). أجيب عنه: بأن البيان بالقول قد يكون أطول من البيان بالفعل، وذلك في الأشياء الغامضة التي تحتاج إلى ألفاظ كثيرة، وأما الفعل فقد يظهر بالمرة الواحدة ضروريًا عند من شاهد ذلك الفعل، وأيضًا سلمنا أن الفعل أطول، ولكن ذلك لفائدة، وهي كون الفعل أقوى وأثبت في النفس، ولذلك كانت الصنائع تنضبط بالمشاهدة دون الأقوال المجردة كالتجارة/ ٢٢٩/ والحياكة والصياغة وغيرها (٤). قوله: (وإِذا تطابق القول والفعل، فالبيان القول، والفعل مؤكد له). ش: هذه هي المسألة الثالثة (٥): يعني إذا ورد القول والفعل بعد

стр. 2209

المجمل، وكل واحد منهما صالح للبيان واتفقا في البيان، فإن القول هو البيان، وأما الفعل فهو مؤكد له. وهذا الذي ذكره المؤلف هو أحد الأقوال الثلاثة: قيل: البيان: القول، والفعل مؤكد له، كما قاله المؤلف. وقيل: البيان: الفعل، وأما القول فهو مؤكد للفعل. وقيل: هما سيان (١) (٢) (٣). حجة الأول: أن القول يدل بنفسه بأصل الوضع، وأما الفعل فلا يدل إلا بواسطة القول الدال على كونه دليلًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤)، وما يدل بنفسه أولى مما يدل بغيره (٥).

стр. 2210

حجة المنع (١): أن الفعل أقوى وأثبت في النفس من القول فيقدم (٢). حجة القول بالتسوية: تعارض الأدلة، وعدم الأولية، واستقلال كل واحد منهما بالدلالة على انفراده (٣). قوله: (وإِن تنافيا، نحو قوله ﵇: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا" (٤)، وطاف ﵇ لهما طوافين (٥)، فالقول مقدم؛ لأنه (٦) يدل بنفسه). ش: هذا من تمام ما قبله، وهو مقابلة؛ لأن ما تقدم إنما هو فيما إذا اتفق القول والفعل في البيان، وهذا فيما تنافيا (٧) في البيان، أي: تخالفا في البيان، وذلك أن قوله ﵇: "فليطف لهما طوافًا واحدًا" هو بيان لآية الحج، وكذلك كونه ﵇ طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين
следующие страницы →