← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الباب الثالث عشر في فعله ﵇ ش: المقصود بهذا الباب هو التأسي بالنبي ﵇ في أفعاله. قوله: (في فعله ﵇، أي: في دلالة فعله ﵇ على حكم ذلك الفعل بالنسبة إلينا نحن الأمة (١) قوله: (وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول في دلالة فعله ﵇ إِن كان بيانًا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل، في الوجوب أو الندب أو الإِباحة (٢)، وإِن لم يكن بيانًا وفيه قربة، فهو عند مالك رحمه الله تعالى وابن القصار والأبهري (٣) والباجي وبعض الشافعية [للوجوب، وعند] (٤) الشافعي للندب، وعند القاضي أبي بكر (٥) والإِمام [فخر الدين] (٦) وأكثر

стр. 2242

المعتزلة على الوقف. و [أما] (١) ما لا قربة فيه كالأكل والشرب [واللباس] (٢) فهو عند الباجي للإِباحة، وعند بعض أصحابنا للندب). ش: ذكر المؤلف ﵀ أن فعله ﵇ إما أن يكون: بيانًا لمجمل أو لا، والثاني: إما أن تكون فيه قربة أو لا، فهذه ثلاثة أقسام (٣).

стр. 2243

فإن كان بيانًا لمجمل؛ فحكمه حكم ذلك المجمل مطلقًا، فإن كان المبين واجبًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه واجب، وإن كان المبين مندوبًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه، وإن كان المبين مباحًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه؛ لأن البيان تابع لمبينه في حكمه إن واجبًا فواجبًا، وإن مندوبًا فمندوبًا، وإن مباحًا فمباحًا (١)، وهذا القسم لا خلاف فيه (٢). قال المؤلف في شرحه: وذلك أن البيان يعد كأنه منطوق به في ذلك المبين. فبيانه ﵇ لآية الحج يعد كأنه منطوق به في الآية، فكأنه تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) على هذه الصفة، وكذلك بيانه ﵇ لآية الجمعة، وقد فعلها بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك من شروطها، يعد ذلك كأنه منطوق به في الآية، فكأنه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 2244

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (١) التي من شأنها كذا، وصفتها كذا ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١)، وغير ذلك من سائر أفعاله ﵇ التي هي بيان للمجملات، فإذا كان البيان بَعْدُ، فكأنه (٢) منطوق به في المبين، صار حكمه حكم المبين من غير خلاف (٣). وكذلك إذا كان الفعل مخصوصًا بالنبي ﵇ لا خلاف فيه أيضًا، ولم يذكره المؤلف لوضوحه (٤). وأما القسم الثاني: وهو الفعل الذي فيه القربة، أي: قصد به طاعة الله تعالى ولم يكن بيانًا لمجمل. فذكر المؤلف فيه ثلاثة أقوال: الوجوب والندب والوقف. ونقل فيه سيف الدين (٥)، وفخر الدين (٦)، القول الرابع بالإباحة، ونسبوه إلى مالك ﵁ (٧).

стр. 2245

حجة القول بالوجوب: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١)، وفعله مما أتانا به فوجب أخذه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)، والأمر محمول على الوجوب (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥)، جعل الله اتباع نبيه من لوازم محبة الله تعالى، ومحبتنا لله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباعه ﵇ واجب، فقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أمر والأمر محمول على الوجوب (٦). وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٧)، والأمر محمول على الوجوب (٨).

стр. 2246

وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ...﴾ (٣) الآية، وترك المتابعة هو مشاقة (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)، والأمر قدر مشترك بين القول والفعل، فوجب القول به نفيًا للمجاز والاشتراك؛ لأنهما على خلاف الأصل (٦). وأما دليل السنة: فمنه قوله ﵇/ ٢٣٤/: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (٧) (٨). وقوله: "من ترك سنتي فليس مني" (٩) والسنة هي الطريقة المسلوكة، وهي

стр. 2247

تتناول أقواله وأفعاله وتركه ﵇ (١). وقوله: "إِنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٢) والنبي ﵇ إمام الأمة وسيدها، فوجب اتباعه في فعله (٣). وما روي أن عليًا ﵁ قبل الحجر الأسود، فقال: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك" (٤) (٥). وما روي أن أم سلمة ﵂ سألها رجل عن قبلة الصائم، فسألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: "ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم" (٦)،

стр. 2248

فذلك كله يدل على وجوب اتبا [عه] (١) ﵇ في أفعاله (٢). وأما الإجماع: فلأن الصحابة رضوان الله عليهم لما اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين سألوا عائشة ﵂ عن ذلك، فقالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"، فرجعوا إلى قولها بعد اختلافهم وأجمعوا على ذلك، فذلك يدل على وجوب اتباع فعله ﵇ (٣) (٤). حجة القول بأن فعله المذكور محمول على الندب: أن الأدلة المذكورة دلت على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة الذمة دل على عدم الحرج، فيجمع بين المدركين وهما: الرجحان، وعدم الحرج، فيحمل على الندب (٥). أجيب عن هذا: بأن ذلك الأصل قد ارتفع بظواهر الأوامر الدالة على الوجوب (٦).

стр. 2249

حجة القول بالوقف: تعارض المدارك (١). أجيب: بأن التعارض قد ارتفع أيضًا بما تقدم من الأدلة الدالة على الوجوب (٢). حجة القول بالإباحة: أن الإباحة التي هي نفي الحرج هي المتحقق في فعله ﵇، فوجب الوقوف معها، ولا يحكم بالزيادة على ذلك إلا بدليل (٣). أجيب عن هذا: بأنا نقول بالإباحة في كل فعل لم يظهر فيه من النبي ﵇ قصد القربة، وأما ما ظهر فيه قصد القربة فيمتنع أن يكون مباحًا؛ بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه من غير ترجيح الفعل على الترك، فإن مثل ذلك لا يتقرب به إلى الله تعالى، وذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك (٤). وأما القسم الثالث (٥): وهو الفعل الذي لم يقصد به التقرب إلى الله تعالى، ولم يكن بيانًا لمجمل كأكله وشربه ولباسه ﵇، فذكر

стр. 2250

المؤلف فيه قولين: الإباحة والندب (١). حجة القول بالإباحة: أن الطلب إنما يتبع مصالح القربات، فلا قربة، فلا مصلحة، فتعينت الإباحة (٢). حجة القول بالندب: هي الحجة على الندب فيما فيه قربة. وهي: أن الأوامر الدالة على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة الذمة يدل على عدم الحرج، فيجمع بين المدركين فيحمل على الندب (٣). قوله: (وأما إِقراره على الفعل فيدل على جوازه). ش: أي: إذا فعل فعل وعلم به النبي ﵇ ولم ينكره، فإن سكوته ﵇ عن إنكاره يدل على جواز ذلك؛ لأنه ﵇ لا يقر على باطل (٤). مثاله: ما روي أنه ﵇ سلم من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله (٥)؟، فلم ينكر ﵇ عليه

стр. 2251

الكلام في الصلاة لتفهيم الإمام، فدل ذلك على جوازه (١). ...

стр. 2252

الفصل الثاني في اتباعه ﵇ (قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه في فعله، إِذا علم وجهه [وجب اتباعه] (١) في ذلك الوجه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢)، والأمر ظاهر في الوجوب. وقال أبو علي بن خلاد (٣) به في العبادات فقط). ش: قوله: (في اتباعه)، أي: في وجوب اتباعه ﵇. قال المؤلف في شرح المحصول: هذه المسألة في غاية الالتباس بالتي قبلها. لأن المسألة الأولى في دلالة فعله على الوجوب والندب والإباحة، وذلك يرجع إلى وجوب اتباعه في ذلك، وهي المسألة الثانية (٤). قال: الفرق بينهما: أن المسألة الأولى إنما هي: هل نصب فعله ﵇ دليلًا أم لا؟

стр. 2253

والمسألة الثانية: إذا قلنا بنصبه دليلًا، فهل كلفنا باتباعه أم لا؟ فإن هنالك أشياء أمرنا بالاتباع فيها مع أنها لم تنصب دليلًا، كأئمة الصلاة، والأمراء، فإنه يجب علينا اتباعهم وطاعتهم مع أن أفعالهم لم تنصب دليلًا شرعيًا، فهذا هو الفرق بين المسألتين (١). فالمسألة الأولى إذًا: إنما هي في فعله المجهول حكمه. والمسألة الثانية: هي في فعله المعلوم حكمه (٢) (٣). قوله: (قال جماهير الفقهاء والمعتزلة)، أي: وجماهير المعتزلة بخفض المعتزلة عطفًا على الفقهاء. بدليل قوله: "وقال علي بن خلاد" (٤)؛ لأنه من المعتزلة (٥). قوله: (يجب اتباعه في فعله إِذا علم وجهه)، أي: إذا علم حكمه الذي فعله عليه، أي: إن فعله على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله على وجه الوجوب، وإن فعله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه

стр. 2254

الندب إذا أردنا فعله، وإن فعله على وجه الإباحة وجب علينا أن نفعله على وجه الإباحة إذا أردنا فعله؛ إذ لو خالفناه في النية لم يحصل الاتباع (١) (٢). قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: ليس المراد بهذا أن المندوب والمباح واجب علينا إذا فعله النبي ﵇، وإنما الواجب اتباع صفة ذلك الفعل؛ إذ لا يجب علينا إلا الواجب على/ ٢٣٥/ النبي ﵇، وأما المندوب والمباح فلا يجب علينا كما لا يجب على النبي ﵇. حجة الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)، قال بعضهم: هذه الآية لا دليل فيها على اتباعه في فعله ﵇؛ لأن الإيتاء لا يصدق على فعله؛ لأنه ظاهر في الإعطاء (٤)، وهو مجاز في القول (٥). ودليل الجمهور أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٦) (٧)،

стр. 2255

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)، والأمر قدر مشترك بين القول والفعل، فوجب القول به نفيًا للمجاز والاشتراك؛ لأنهما على خلاف الأصل. قوله: (وقال علي بن خلاد به (٦) في العبادات فقط)، أي: قال ابن خلاد المعتزلي: إنما يجب اتباعه ﵇ في فعله المعلوم حكمه في العبادات فقط، ولا يجب في العادات كالأنكحة والمعاملات وغيرها فإنه يندب ولا يجب (٧) (٨).

стр. 2256

حجته: قوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وظاهر الأمر للوجوب، فمفهوم هذا المنطوق أن غير المذكور لا يجب، وهو المطلوب (١). قوله: (يجب اتباعه في فعله)، يريد: وكذلك يجب اتباعه في تركه، لأن في المتروكات ما يجب تركه كالمحرمات، ومنها ما يندب إلى تركه كأكل الضب (٢)، ومنها ما يباح كلبس الثوب المباح (٣).

стр. 2257

قوله: (يجب اتباعه في فعله) انظر: هل يجب اتباعه في زمان فعله وفي مكان فعله أم لا؟ قال أَبو زكريا المسطاسي: هذه المسألة اختلف فيها الأصوليون على أربعة أقوال: قيل بالتعبد فيهما، وقيل: بعدم التعبد فيهما، وقيل: بالتعبد إن تكرر الفعل فيهما وإلا فلا، وقيل بالتعبد في المكان دون الزمان (١). والمشهور من هذه الأقوال: أن الزمان والمكان لا يعتبران؛ وذلك أن الزمان لا يمكن الاتباع فيه؛ لأن الزمان الذي فعل فيه النبي ﵇ ذلك الفعل قد ذهب ولا يمكن الاتباع فيه منا (٢) (٣). ويدل على عدم اعتبار المكان: أنه قد روي عن عمر ﵁ أنه قطع الشجرة التي بويع النبي ﵇ تحتها مخافة أن تعبد (٤)، وكان عمر ﵁ ينهى الناس عن تعمد الصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي ﵇ (٥)، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا" (٦)، وهذا حجة

стр. 2258

المشهور. وحجة القول بالتعبد في المكان دون الزمان: أن ابن عمر يقصد المواضع التي صلى بها النبي ﵇ فيصلي فيها (١). حجة القول بالتعبد فيهما: أن الزمان والمكان يعتبران في الحج فيجب اعتبارهما في غير الحج (٢). ورد هذا بأن الحج خرج بدليله بأمر النبي ﵇، وليس بمحل النزاع (٣). وحجة القول باعتبار الزمان والمكان إن تكرر الفعل فيهما وإلا فلا: أن التكرار فيهما قرينة تدل على اعتبار القربة فيهما، والله أعلم (٤). قوله: (وإذا وجب التأسي به، وجب معرفة وجه (٥) فعله من الوجوب والندب والإِباحة).

стр. 2259

ش: التأسي معناه: الاتباع والاقتداء والاقتفاء والاقتفار (١)، وإنما لم يذكر من أقسام الحكم الشرعي إلا هذه الثلاثة؛ لأن أفعاله ﵇ محصورة في هذه الثلاثة؛ لأنه ﵇ معصوم من المحرم ومن المكروه (٢). قوله: (إما بالنص، أو بالتخيير بينه وبين غيره مما (٣) علم فيه وجه (٤) (٥) فيسوى به، أو بما يدل على نفي القسمين (٦) فيتعين الثالث، أو بالاستصحاب في [عدم] (٧) الوجوب (٨)، وبالقربة (٩) على نفي (١٠) الإِباحة [فيحصل (١١) الندب] (١٢)، وبالقضاء على الوجوب، وبالإِدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب، وبعلامة الوجوب عليه كالأذان، وبكونه (١٣) جزاء (١٤) لسبب

стр. 2260

الوجوب كالنذر). ش: ذكر المؤلف ها هنا الأشياء التي يعرف بها حكم فعله ﵇. ذكر المؤلف ثمانية أشياء، وهي في التحقيق خمسة أشياء كما سيظهر لك (١). قوله: (إِما بالنص)، أي: إما أن يعرف حكم فعله ﵇ بنصه، كما إذا نص على أن الفعل واجب أو مندوب أو مباح، كما نص بعد أن صلى صلاة الجمعة، فقال: "هذا حق واجب على كل مكلف" (٢)، فيدل

стр. 2261

على أنها واجبة. وكما نص على سجدة التلاوة بعد أن سجدها فقال: "إِن الله تعالى لم يكتبها علينا إِلا أن نشاء" (١) فيدل على أنها مندوبة. قوله: (أو بالتخيير) أي: إذا خير النبي ﵇ بين الفعل الصادر منه، وبين فعل علم حكمه، فحكم ذلك الفعل حكم ذلك المعلوم، فإن كان واجبًا فواجب، وإن كان مندوبًا فمندوب، وإن كان مباحًا فمباح (٢). مثال ذلك: حديث أنس بن مالك: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا المتم ومنا المقصر ومنا الصائم ومنا المفطر (٣)، فلم يعب بعضنا بعضًا (٤).

стр. 2262

فيستدل بالتخيير بين شيئين على أن حكمهما واحد؛ لأن التخيير يقتضي التسوية في الحكم (١). قال المؤلف في القواعد السنية (٢): جمهور الفقهاء يعتقدون أن التخيير يقتضي التسوية، وأنه لا يخير إلا بين واجب وواجب، أو بين مندوب ومندوب، أو بين مباح [ومباح] (٣)، وليس الأمر كذلك، بل التخيير على قسمين: تخيير يقتضي التسوية، وتخيير لا يقتضي التسوية، فالتخيير الذي يقتضي التسوية هو التخيير [بين] (٤) الأشياء المختلفة، كالتخيير بين خصال الكفارة؛ فإن حكم كل واحد من الخصال حكم الأخرى. وأما التخيير الذي/ ٢٣٦/ لا يقتضي التسوية فهو التخيير بين الأقل والأكثر، أو بين الجزء والكل. مثال التخيير بين الأقل والأكثر: قوله (٥) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (٦)، فإنه خيره تعالى بين الثلث والنصف والثلثين، مع أن الثلث هو الواجب والزائد عليه مندوب، فقد وقع التخيير ها هنا بين واجب ومندوب؛ لأن التخيير قد وقع بين الأقل والأكثر.

стр. 2263

ومثال التخيير بين الجزء والكل: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) خير الله المسافرين بين ركعتين وأربع ركعات، مع أن الركعتين واجبتان جزمًا، والزائد ليس بواجب؛ لأنه يجوز تركه، وما يجوز تركه ليس بواجب، وأما الركعتان فلا يجوز تركهما إجماعًا، فقد وقع التخيير بين واجب وغير واجب؛ لأن التخيير وقع بين جزء وكل (٢). قوله: (أو بما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث) يعني: إذا كان هناك ما يدل على نفي حكمين فإن الثالث يتعين، ذلك أن أفعاله ﵇ محصورة في ثلاثة أحكام وهي: الوجوب، والندب، والإباحة؛ إذ لا يفعل محرمًا ولا مكروهًا، فإذا كان هنالك ما ينفي الوجوب والندب تعين الإباحة، وإذا كان هنالك ما ينفي الوجوب والإباحة تعين الندب، وإذا كان هنالك ما ينفي الندب والإباحة تعين الوجوب (٣). وإنما يتعين الثالث بانتفاء الاثنين لضرورة انحصار أحكامه في ثلاثة أشياء وهي المذكورة قبل (٤). قوله: (أو بالاستصحاب في عدم الوجوب - وبالقربة - على نفي الإِباحة)، يعني: أن من وجوه الاستدلال: أن الاستصحاب يدل على عدم

стр. 2264

الوجوب، وكونه قربة يدل على عدم الإباحة (١)، وهذا تكرار؛ لأنه أحد أقسام ما يدل على نفي قسمين، فجعله المؤلف قسيمًا للذي قبله مع أنه أحد أقسامه؛ لأنه حين انتفى الوجوب والإباحة تعين الندب، فصوابه أن يقول: كالاستصحاب في عدم الوجوب مع القربة في نفي الإباحة فيحصل الندب (٢). قوله: (وبالقضاء على الوجوب)، هذا على مذهب مالك القائل: بأن النوافل لا تقضى، وأما على مذهب الشافعي القائل: بأن ذوات الأسباب من النوافل كالعيدين تقضى، فلا يستدل بالقضاء على الوجوب (٣) ....

стр. 2265

(١). قوله: (وبالإِدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب)، يعني: أن المداومة على الفعل يدل على عدم الإباحة، والترك في بعض الأوقات يدل على عدم الوجوب، فيتعين الندب (٢)، وهذا أيضًا تكرار لقوله: أو بما يدل على نفي القسمين فيتعين الثالث. قوله: (وبعلامة الوجوب عليه كالأذان)، يعني: إذا أمر ﵇ بالأذان لصلاة علمنا أنها واجبة؛ لأن الأذان من خصائص الوجوب (٣). قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب كالنذر) يعني: ويستدل أيضًا على معرفة حكم فعله ﵇: بأن يكون ذلك الفعل جزاء لسبب الوجوب، والمراد بالجزاء جواب الشرط، يقال له: الجواب، والجزاء. والمراد بالسبب هو الشرط؛ لأن الشروط اللغوية أسباب (٤).

стр. 2266

مثل المؤلف ذلك بالنذر، قال ابن رشد: حقيقة النذر التزام ما لا يلزم من الطاعات، فإذا بلغنا أن النبي ﵇ نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على أن ذلك الفعل بالوجوب؛ لأن فعل المنذور واجب (١). قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب)، تقديره: وبكونه جوابًا لشرط الوجوب كالنذر، وذلك أن الفعل لا يجب أولاً قبل النذر، ثم إنه لما جعل جوابًا لشرط صار واجبًا إذا وجد شرطه، كقولك: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، فعلي كذا وكذا من الطاعات. قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب) هذه النسخة لا تتناول إلا النذر المعلق على شرطه كما تقدم تمثيله، ولا تتناول النذر المطلق، كقوله: لله علي أن أفعل كذا وكذا من الطاعات، من غير تعليق ذلك النذر على شرط، وفي بعض النسخ: "وبكونه جزءًا لسب الوجوب كالنذر"، من غير ألف قبل الهمزة (٢)، فقوله: كالنذر، هو أحد جزئي السبب، والجزء الآخر: هو كون المنذور مندوبًا إليه قبل النذر، لأن النذر لا تعلق له بالمحرم ولا بالمكروه ولا بالواجب ولا بالمباح، وإنما يتعلق بالمندوب فقط، فإذا كان مندوبًا إليه قبل النذر، ثم نذره وفعله لأجل النذر علمنا أن تأثير النذر إنما هو في الوجوب، فسبب الوجوب إذًا: النذر والندب. قوله: (تفريع: إِذا وجب الاتباع وعارض فعله قوله (٣)، فإِن تقدم القول وتأخر (٤) الفعل نسخ الفعل القول، كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما،

стр. 2267

وإِن تأخر القول وهو عام له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل، وإِن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل. وإِن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول، وإِن اختص بالأمة ترجح القول [على الفعل، وإن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته، وإِلا فلا. وإِن لم يتقدم واحد منهما، رجح القول] (١) لاستغنائه بدلالته عن (٢) غيره من غير عكس. فإِن عارض الفعل الفعل بأن يقر شخصًا على فعل فعل (٣) [هو] (٤) ﵇ ضده، فيعلم خروجه عنه، أو يفعل ﵇ ضده في وقت (٥) يعلم لزوم مثله (٦) [له فيه، فيكون نسخًا للأول] (٧)). ش: كلام المؤلف ها هنا في حكم الدليلين إذا تعارضا بنفي/ ٢٣٧/ أو إثبات (٨).

стр. 2268

ينبغي أن نقدم ها هنا أربعة أمور: أحدها: أن الدليلين المتعارضين إذا تأخر أحدهما كان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم (١). والأمر الثاني: مهما أمكن الجمع بين الدليلين فلا يعدل عنه إلى النسخ (٢). والأمر الثالث: أن من شرط الناسخ أن يكون مساويًا أو أقوى من المنسوخ (٣). والأمر الرابع: أن الأفعال لا يصح التعارض فيها لاستحالة اجتماعهما في زمان واحد، بخلاف الأقوال؛ فإنها تتناول الأزمنة بصيغها (٤). واعلم (٥) أن التعارض على ثلاثة أوجه: إما بين القولين، وإما بين الفعلين. وإما بين القول والفعل. فالتعارض بين القولين لم يتعرض له المؤلف ها هنا وموضعه (٦) باب

стр. 2269

النسخ، وأما التعارض بين الفعلين، أو بين القول والفعل، فهذان القسمان هما اللذان تعرض لهما المؤلف ها هنا. ذكر المؤلف في هذا التفريع جزأين: الأول: في حكم التعارض بين القول والفعل. والجزء الثاني: في حكم التعارض بين الفعلين. أما التعارض بين القول والفعل، فإما أن يعلم التاريخ أو يجهل التاريخ، فإن علم التاريخ ففيه اثنا عشر وجهًا: ستة أوجه في تقديم (١) القول على الفعل، وستة أوجه في تقديم (١) الفعل على القول. وبيان ذلك أن القول إذا تقدم على الفعل، فإما بتراخ، وإما بفور، وعلى التقديرين: فإما أن يكون القول خاصًا به ﵇، أو خاصًا بالأمة، أو عامًا لهما، فهذه ستة أوجه في تقديم القول وتأخير الفعل. وهكذا يقول أيضًا في تقديم الفعل وتأخير القول؛ لأنا نقول: إما أن يتأخر عنه القول بتراخ، أو بفور، وعلى التقديرين: فإما أن يكون القول خاصًا به ﵇، أو خاصًا بالأمة، أو عامًا لهما، أيضًا ستة أوجه في تقديم الفعل وتأخير القول (٢). مجموع ذلك اثنا (٣) عشر وجهًا ذكرها المؤلف كلها.

стр. 2270

قوله: (إِذا وجب الاتباع). يعني: إذا وجب التأسي بالنبي ﵇ في فعله المعلوم حكمه. قوله: (فإِن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول)، وإنما ينسخه لأن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما نسخ المتأخر المتقدم (١). قوله: (كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما). مثال الخاص بأمته: قوله ﵇: "الزاني المحصن يجلد ثم يرجم" (٢)، ثم إنه ﵇ رجم ماعزًا والغامدية (٣) من غير جلد. ومثال العام له ولأمته: قوله ﵇: "من أصبح جنبًا فلا صيام له" (٤)، ثم أصبح ﵇ جنبًا (٥).

стр. 2271

قوله: (وإِن تأخر القول وهو عام له ولأمته، أسقط حكم الفعل عن الكل)، فلما ذكر حكم الفعل إذا تأخر عن القول، شرع ها هنا في عكسه وهو حكم القول إذا تأخر عن الفعل، فذكر أن القول إن كان عامًا له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل (١)، معناه: أسقط ذلك القول المتأخر حكم الفعل المتقدم عن الكل، أي: عن النبي ﵇ وعن أمته. مثال ذلك: أنه ﵇ يسجد سجدة التلاوة مع أصحابه حتى قال لهم: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء". قوله: (وإِن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل (٢))، اعلم أن الفعل في ذاته لا عموم له؛ ولأجل ذلك أضاف المؤلف العموم إلى حكمه لا إلى ذاته، بخلاف القول، فلا عموم للفعل، وإنما يتعلق الفعل بالنبي ﵇ بالدليل الدال على التكرار في حقه، وتعلق بالأمة بالدليل الدال على التأسي، فالقول الخاص بأحدهما ناسخ، وهي عبارة فخر الدين (٣)، والآمدي (٤)، وغيرهما (٥)، فإطلاق التخصيص عليه تَجَوُّز (٦). قوله: (وإِن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته، خصصه عن عموم القول). هذا مقابل قوله أولاً: "فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل

стр. 2272

القول"، لأن ما تقدم إنما هو فيما إذا تأخر الفعل بتراخ، وكلامه ها هنا فيما إذا تأخر الفعل من غير تراخ (١). قوله: (خصصه عن عموم القول)، معناه: خصص الفعل النبي ﵇ من عموم القول (٢). قال المؤلف في شرحه: تعذر النسخ في هذه الصورة؛ لأن من شرط النسخ التراخي، فإذا تعذر النسخ لم يبق إلا التخصيص، فيعلم أنه ﵇ غير مراد بالعموم (٣). مثال ذلك: قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين ذكرها"، فأخر ﵇ الصبح حتى خرجوا من واد الشيطان (٤)، ولا يجوز التأخير لغيره إذا ذكرها، فالنبي ﵇ مختص بذلك الفعل (٥).

стр. 2273

قوله: (وإِن اختص بالأمة ترجح القول على الفعل)، قال فخر الدين في المحصول: يجب المصير إلى القول جمعًا بين الدليلين؛ لأن حكم الفعل ثابت في حقه ﵇، بخلاف المصير إلى الفعل؛ فإن فيه إلغاء القول (١). وقال المؤلف في الشرح: إن اختص القول بالأمة، والفعل أيضًا شأنه أن يترتب في حقهم حكمه، وهما متناقضان متعارضان، فيقدم القول على الفعل لقوته؛ لأن دلالة القول بالوضع فلا يفتقر إلى دليل يدل على أنه حجة، بخلاف الفعل؛ لولا (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣) لتعذر علينا نصب الفعل دليلاً (٤). مثال هذا: قوله ﵇: "إذا انتصف شعبان فلا يصومن أحدكم" (٥)،

стр. 2274

فصام ﵇ إلى رمضان (١). قوله: (وإِن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته، وإِلا فلا). ش: مثال هذا: إذا قال النبي ﵇: الفعل الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم تلبس بضده في ذلك الوقت قبل التمكن منه/ ٢٣٨/، فمن جوز نسخ الحكم قبل التمكن من الامتثال قال: الفعل ناسخ للقول، ومن لم يجوز ذلك مع كون الفعل رافعًا لحكم القول، قال: لا يتصور وجود مثل هذا الفعل، وهو معنى قوله: وإلا فلا. قوله: (وإِن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا) (٢)، مثاله قوله ﵇: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" ثم بعد ذلك رمى ﵇ أهل الطائف بالمجانيق (٣)، فقيل له ﵇: فيهم الذرية، فقال: "هم من آبائهم" (٤).

стр. 2275

انظر قول ابن الحاجب: ويقاتل العدو بكل نوع ولو بالنار ... إلى آخر المسألة (١). قوله: (وإِن لم يتقدم واحد منهما، رجح القول باستغنائه (٢) عن غيره من غير عكس). ش: لما ذكر المؤلف حكم التعارض بين القول والفعل إذا علم التاريخ، شرع ها هنا في حكم التعارض بينهما إذا جهل التاريخ، فذكر أن القول هو

стр. 2276

المتقدم (١)؛ لأنه يدل بنفسه، أي: يدل بالوضع ولا يحتاج إلى ما يدل على أنه دليل (٢)، بخلاف الفعل؛ فإنه لا يكون دليلاً إلا بالقول الدال على أنه دليل. مثال ذلك: قوله ﵇: "امشوا أمام الجنازة" (٣) رواه أَبو هريرة ﵁, وقال ابن عباس عنه: يمشي وراء الجنازة مع الصحابة (٤).

стр. 2277

قوله: (فإِن عارض الفعل الفعل، بأن يقر شخصًا على فعل، وفعل هو ﵇ ضده، فيعلم خروجه عنه، أو يفعل ﵇ ضده في وقت يعلم لزوم مثله له فيه، فيكون نسخًا للأول). ش: هذا هو الجزء الثاني، وهو التعارض بين الفعلين (١)؛ فإن ما تقدم كله فإنما هو في حكم التعارض بين القول والفعل، وهذا الكلام إنما هو في حكم التعارض بين الفعلين. قال الغزالي: لا يمكن التعارض بين الفعلين (٢)، وذلك أن نقول: إما أن يمكن اجتماعهما، فإن أمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن لم يمكن اجتماعهما، إما أن يتماثلا، أو يتضادا؛ فإن تماثلا كظهر اليوم وظهر الغد فلا تعارض أيضًا، وإن تضادا كما إذا صام في وقت معين وأكل في مثل ذلك الوقت فلا تعارض أيضًا، لجواز أن يكون الفعل واجبًا في أحد الوقتين وجائزًا (٣) في الوقت الآخر (٤)، فإذا انتفت المعارضة فلا نسخ ولا تخصيص إلا في مسألتين (٥):

стр. 2278

إحداهما: أن يقر ﵇ شخصًا على فعل ثم فعل ﵇ ضد ذلك الفعل؛ فإنه يعلم خروج ذلك الشخص المقر من حكم ذلك الفعل، فيكون إقرار ذلك الشخص على ذلك الفعل نسخًا لحكم الفعل في حق ذلك الشخص، أو يكون تخصيصًا له من حكم ذلك الفعل. مثال ذلك: إقراره ﵇ عبد الرحمن بن عوف على لباس الحرير (١)، وهو ﵇ يترك لباسه (٢). وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: بأن يقر شخصًا على فِعْلٍ فَعَلَ هو ﵇ ضده فيعلم خروجه عنه. المسألة الثانية: أن يفعل ﵇ فعلاً ويدل الدليل على أنه يجب عليه تكرر ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم فعل ﵇ ضد ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، فيكون الفعل الثاني ناسخًا لحكم الفعل الأول. مثال ذلك: أنه ﵇ رئي يشرب جالسًا ثم رئي بعد ذلك يشرب قائمًا، فالقيام ضد الجلوس. ...

стр. 2279

الفصل الثالث في تأسيه ﵇ ش: التأسي هو الاتباع (١)، أي: في اتباعه ﵇ لشرع من قبله من الأنبياء ﵈. الفرق بين هذا الفصل والذي قبله: أن التأسي فيما تقدم أضيف إلى المفعول، وها هنا في هذا الفصل أضيف إلى الفاعل، تقدير الفصل المتقدم: الفصل الثاني: في اتباع الأمة للنبي ﵇، وتقدير هذا الفصل الثالث: أي الفصل الثالث: في اتباع النبي ﵇ لشرع من قبله من الأنبياء عليهم [السلام] (٢). قوله: (مذهب مالك وأصحابه أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا). ش: يقال: تعبد، إذا تلبس بالعبادة (٣)، فهو متعبد بكسر الباء اسم

стр. 2280

الفاعل، ويقال: تعبده الله بكذا، إذا كلفه عبادته فهو متعبد بفتح الباء اسم مفعول. قال المؤلف في الشرح (١): المختار أن نقول: متعبد، بكسر الباء فيما قبل النبوة. ونقول: متعبد، بفتح الباء فيما بعد النبوة، قال: وهو الصواب، وهو الذي يظهر لي. قال: والدليل على ذلك أنه ﵇ قبل النبوة كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على حالة لا تليق لصانع العالم فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث فيه أي: يتعبد ويقترح أشياء من ذاته لقربها من المناسب في اعتقاده، ويخشى ألا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في أمر عظيم وكرب شديد، حتى بعثه الله سبحانه، وعلمه جميع طرق الهداية، وأوضح له جميع مسالك الضلالة، فزال عنه ذلك الثقل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٢) على أحد التأويلات (٣) أي: ووضعنا عنك الثقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب. وهذا يقتضي أن نقول: متعبد بكسر الباء؛ لأنه ﵇ يقترح أشياء من ذاته لاعتقاده مناسبتها لجانب الربوبية، وذلك يقتضي أنه لم يكلف
следующие страницы →